التناص القرآني في قصص الأطفال عند الشيخ الندوي

Vol. No. 2, Issue No.2 - April-June 2022, ISSN: 2582-9254

0
49

التناص القرآني في قصص الأطفال عند الشيخ الندوي

بقلم: د. معراج أحمد معراج الندوي
أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية وآدابها جامعة عالية- كولكاتا- الهند.
erajjnu@gmail.com

——————————-

ملخص البحث:

لقد تطورت ظاهرة التناص، وخاصة التناص القرآني في العصر الحديث وأحرزت منزلة رفيعة في الأدب العربي المعاصر. فقد استخدمه الأدباء والشعراء نظرا لأهمية ما في القرآن الكريم من دلالات عميقة ومضامين سامية. إذ إن القرآن الكريم يعد قمة البيان العربي، وهو أسمى نموذج يحتذى أسلوبا وفكرا وهداية ودستورا للحياة. التناص القرآني هو أن يقتبس الأديب نصا قرآنيا ويذكره مباشرة، أو أن يكون ممتدا بإيحاءاته وظله على النص الأدبي لتلمح جزءأ من قصة قرآنية أو عبارة يدخلها في سياق نصه. يعتمد الأديب على تحويل النصوص السابقة وتمثيلها في نص مركزي ثم يجمع بين الحاضر والغائب في نسيج مفتوح. ولما كان القرآن الكريم أهم مصدر للعلم والثقافة، ونبعا فياضا، نهل الشيخ الندوي من أسلوبه البليغ لغة رصينة ووظفه بطرائق مختلفة تناصا واقتباسا. فالتناص القرآني يجعل الشيخ الندوي يميل بلغتة الرصينة صوب آفاق التحليق بواسطة الإشارة والإيحاء. يستهدف هذا البحث إلى الكشف عن تقنيات الشيخ الندوي لآليات التناص القرآني في قصصه وبيان قدرته على إعادة تشكيل جديد ما استوحاه من النصوص الغائبة في صورة جديدة. وتسلط هذه الدراسة الضوء من نفس السياق على قصته “قصة يوسف”من كتابه “قصص النبيين”.

 الكلمات الرئيسية: أبو الحسن علي الندوي، قصص الأطفال، قصص النبيين، التناص اللغوي، التناص القرآني،  قصة يوسف.

المدخل:

القرآن الكريم بكونه المثل الأعلى للأدب والكتاب المعجز، كان نبعا فياضا، أخذ كل أديب وشاعر نصيبه عبر القرون والعصور. لم يغفل الأدباء العرب هذا النبع الصافي واهتموا به اهتماما شاملا، فأخذ القرآن الكريم في أدبهم مكانته اللائقة كأفضل أسوة من وجه اللفظية والمعنوية. وتظهر هذه الظاهرة عند الكتاب الذين وجهوا نطاق أفكارهم إلى الأدب الإسلامي حيث اتسمت آثارهم بالسمة الإسلامية. لقد استمد الكتاب من القرآن الكريم المعاني الراقية والأساليب المعجزة والألفاظ الفذة لترقية كلماتهم وتقوية أسلوبهم وتنمية أفكارهم وإيصال عواطفهم. ومن الطبيعي أن درجة تأثر بالقرآن الكريم يختلف عند كل أديب وشاعر من الآخر. فمن عاش مع القرآن وترعرع في ظله وتشرب من كأسه، أصبح شغلا شاغلا في حياته كما أصبح القرآن نورا في قلبه، ويتجلى هذا النور الخالد في آثاره الأدبية.

وقد أصبح هذا من ميزات الكتاب الملتزمين الإسلاميين، ومنهم الشيخ أبو الحسن علي الندوي الذي ألف في مختلف العلوم والفنون باللغة العربية. لقد أدرك الشيخ الندوي أهمية القصة على أذهان الأطفال، فلم يغفل عنها، بل سارع إليها لأنه رأى أن القصة هي الوسيلة القوية لتربية الأطفال. لقد كتب الشيخ الندوي قصص الأطفال وتناول فيها موضوعات إسلامية في أسلوب رائع.

كان الشيخ الندوي أديبا بارعا، له أسلوب أدبي مميز. يدور الشيخ الندوي في قصصه في ظل المحور المعنوي لآيات القرآن. إن قصصه قائمة على كلمة قرآنية ومضامينها الممتلئة بالحكمة والنصائح الدينية الرائعة. تسعى هذه الدراسة إلى اكتشاف ظاهرة مهمة في “قصة يوسف” من كتابه  “قصص النبيين” وهي ظاهرة التناص الذي يقتصر على التناص مع النصوص القرآنية.

مفهوم التناص لغة وإصطلاحا:

التناص لغة: تدل المعاجم العربية أن النص له معان متعددة، تفيد الرفع والحركة والإظهار، فالنص صيغة  الكلام الأصلية التي وردت من مؤلفها، والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحدا أو لا يتحمل التأويل، والنص من الشيئ منتهاه ومبلغ أقصاه.[1] النص فكك الشيء، نص الحديث، معناه رفعه، ونص المتاع يعني جعله بعضه على بعض.[2] وكذلك نص الشيئ معناه أظهره، وكل ما ظهر فقد نص،[3] ويذكر القاموس المحيط معنى النص: نص الشيئ يعني حركه، ونص وأقعدها على المنصة.[4] أما المعجم الوسيط، فيورد بعض الدلالات المولدة للنص، فالنص صيغة الكلام الأصلية التي وردت من مؤلفها، والنص لا يحتمل إلا معنى واحدا ولا يتحمل التأويل والنص من الشيئ  منتهاه ومبلغ أقصاه.[5]

التناص إصطلاحا:

            هناك تعريفات عديدة لمصطلح التناص، تعكس توجيهات أصحابها، فلقد عرفه بول ريكور: “لنطلق كلمة نص على خطاب، ثم تثبيته بواسطة الكتابة.[6] أما جوليا كرستفيلا فلقد عرفت التناص تعريفا جامعا، إذ قالت نعرف النص بأنه جهاز نقل لساني يعيد نظام اللغة واضعا الحديث التواصلي، نقصد المعلومات المباشرة في علاقة مع ملفوظات مختلفة سابقة أو متزامنة.[7] التناص هو نقل لساني يعيد توزيع نظام اللغة واضعا الحديث التواصلي، نقصد المعلومات المباشرة في علاقة مع ملفوطات مختلفة سابقة أو متزامنة.[8]

التناص هو صيغة الكلام الأصلية التي وردت من المؤلف، حين نقول نص الحديث أي متنه لا سلسلة السند، ونص شعري أي قصيدة أو أي جزء منها يعطي فكرة تامة.[9] التناص هو تشكيل جديد من النصوص سابقة أو معاصرة تشكيليا وظيفيا، فيغدو النص المتناص خلاصة لعديد من النصوص.[10]

يعد التناص ظاهرة من الظواهر الفنية في الأدب، ذات التأثير الكبير في التشكيل الجمالي على النص الأدبي، إذ يعاد من خلال النص، اكتشاف الماضي وقرائته في ضوء لحاضر، وإعادة تكوينه من جديد على وفق رؤية أدبية فنية، لتكشف عن التجربة الفنية وخصوصية مبدعها في تعبيره عن الواقع، بكل ما يحمله من أبعاد ذاتية وحضارية وإنسانية.

إن رجوع الأديب إلى الماضي لا يعني بأي حال عجز الأديب، وإنما يعني الاستشهاد من هذا التراث وإعادة بنائه على وفق روية فنية وفكرية جديدة.  يستند النتاص إلى مرجعية أدبية، ذات جذور لغوية تحتك بالأثر الذي تبنى عليه العلاقة بين الماضي والحاضر، ليتوالد معها صورة جديدة للنص اللاحق الذي ليس هو النص الأول كما أنه ليس النص الآخر، بل هو نص يمثل خصوصية جديدة ويفقز عليه بطبيعتها المتفردة التي يطورها الأديب بحسب الرؤية والثقافة التي يعتنقها. التناص ليس إلا حدوث علاقة تفاعلية بين نص سابق ونص حاضر لانتاج نص لاحق، وهو ليس إلا تضمينا.[11]

التناص من أهم المفاهيم النقدية التي اهتمت بها الشعرية الغربية وما بعد الكينوية والسيمائيات النصية، ذلك أنه له فعالية إجرائية في دراسة وتفكك النص وتركيبه، والوصول إلى عمق النص ولا شعوره الإبداعي، وإذا كان النقاد العرب قد تطرقوا في كتب التراث القديمة إلى مصطلح التناص تحت تسميات عديدة مختلفة، مثل السرقات الأدبية والتضمين، والنحل والانتحال والأخذ والتأثر، فإن الدارسين الغربيين تجنبوا مثل هذه المصطلحات إلى حد ما، واهتموا بجانب إيجابي آخر، ودرسوا علاقات التفاعل والتأثر والتأثير بين المبدعين والأدباء. وقد كان التناص من أهم المفاتيح التي ساهمت في فهم ودراسة قضايا الأدب المقارن ورصد عملية الحوار بين مختلف الحضارات والثقا فات  الإنسانية.

إن التناص في النقد العربي الحديث هو ترجمة للمصطلح الفرنسي: intertext”” حيث تعني كلمة:  “Inter”في الفرنسية التبادل، بينما كلمة  “text” النص، وأصلها مشتق من الفعل اللاتيني: textree” ” يعني “نسج”، وبذلك يصبح معنى ” Intertextlity” التبادل الفني، وقد ترجم إلى العربية بالتناص الذي يعني تعالق النصوص بعضها ببعض. إن العمل الفني يدرك من خلال علاقاته بالأعمال الفنية الأخرى والاستشهاد بالترابط التي تقيمها بينها، فالتناص عند كرستفيا أحد مميزات النص الأساسية التي تجعل على نصوص أخرى سابقة عنها أو معاصرة لها. أما في النقد العربي، فالتناص يمنح النصوص القديمة  تفسيرات جديدة  أو يقدمها بشكل جديد.

التناص مصطلح جديد بزغ نجمه على الساحة النقدية الغربية في نهاية القرن الماضي، ظهر هذا المصطلح “التناص” للمرة الأولى في عام 1966م على يد باحثة بلغارية جوليا كريستيفا من خلال عمليتها في كتاباتها  المتنوعة، تعبر كريستيفا بأن التناص هو نقل المؤديات الداخلية أو المتزامنة والتقائها في حضن النص، فالتناص هو التقاطع داخل نص لتغيير ماخوذ من نصوص أخرى، أي انه عملية نقل التغيرات.[12]

ينتسب التناص إلى الخطاب النص (discourse) ولا ينتسب  إلى اللغة،[13] فالتناص نوع من التأويل، يتحرك فيه المتلقي بحرية وتلقائية، وذلك بإرجاع النص إلى بعض العناصر الأولى التي شكلها الأديب بغية الوصول إلى فك شفراته المكمونة من ثقافة المبدع، يحول الأديب عبر التناص تلك الثقافة اللغوية إلى رموز يسعى المتلقي لتفسيرها من أجل الوصول إلى ماهية القصة. إن التناص مصطلح جديد ولكن مفهومه قديم، تعود جذوره في الدراسات الشرقية والغربية إلى تسميات ومصطلحات مختلفة كالاقتباس والتضمين والتلميح والسرقات الأدبية والانتحال وما إلى ذلك.

التناص مع القرآن الكريم:

يستحضر الأدب العربي الحديث القرآن الكريم مصدرا أدبيا، يتسنم ذروة البيان والفصاحة. وإن الفهم القرآني الواسع الذي كان يهيمن على العقلية العملية، قد فتح أفقا تناصيا أدبيا من ضمن آفاق الرؤية الفنية الأخرى، وسمح على أفق أدبياته بتلافي القرءات المتنوعة التي تقفز على المتغيرات النصية في بناء صيغها الجمالية، بما تمكن هذه الإجراءات المنتقاة من تقريب النص القرآني أدبيا بحكم ما حملته سواء في طريقة معالجتها لموضوعها أو في قصدها المنهجي. يعتمد الأديب عامة على ما استقر في ذهنه على خلفيتة المعرفية المتعددة المصادر ليجسد في قالب قصصي.

تبوأ القرآن الكريم الذي هو المنهل السماوي والنص الإلهي ذروة سنام الفصاحة والبلاغة، بعدما علقت روعته البيانية ودقته الأسلوبية بالعقلية العربية، فتسربت معجزته في وجدانها، وجرت ألفاظه في أدبها، فما من شاعر أو أديب إلا اقتبس أو ضمن قدر استطاعته من معانيه التي لا تنضب، وروافده التي لا تجف، فزين الشاعر شعره بمضامين آياته، وشعت تراكيبه في محيط أبياته، تتداخل في جرسها، وتتلاقح في مضمونها مع القرآن الكريم.

 وإذا كان الخطاب الشعري والقصصي يحمل في طياته فضاءات أسلوبية متداخلة، ونصوصا لغوية غائبة، فإن الفضاء القرآني يظل الرافد الملهم الذي يستمد منه الشعراء والكتاب على حد سواء وحدات دلالية، وصورا جمالية ينفذ الأديب بإيقاعها المتردد في قصصه إلى أعماق النفس الإنسانية. تناص الأدباء والشعراء مع القرآن الكريم واقتبسوا من فيض بيانه وروعة مضامينه مما يثري نظمهم ويقوي نثرهم، ويفتح آفاقا بعيدة من التخييل ومناحي واسعة من براعة التصوير.[14]

قصص الأطفال عند الشيخ الندوي:

أدب الأطفال هو أحد الأنواع الأدبية المتجددة في الآداب الإنسانية، فالطفولة هي الغرس المأمول لبناء مستقبل الأمة .والأطفال هم ثروة الحاضرة وعدة المستقبل في أي مجتمع يخطط لبناء الإنسان. إن تطور أدب الأطفال في الهند لابد أن تكون لنا وقفة ضرورية وأساسية عن أهمية هذا النوع من الأدب. لقد قام علماء الهند وأعلامها من المجددين والمصلحين بإنشاء جيل مثقف عن طريق إقامة المدارس والجامعات في عصور مختلفة منذ توافد العرب إلى الهند تجارًا أو دعاًة إلى الإسلام وركز مؤسسو المدارس والجامعات مساعيهم الجبارة على إعداد مناهج التعليم والمقررات الدراسية من جديد حتى لا يشعر الطالب الهندي بأي صعوبة وغرابة في ما يقرؤه من الكتب والبحوث ويجد فيه ما يحيط به من حياته البسيطة في الهند، فجاءوا بقصص وحكايات كانت رائجة آنذاك في أرجاء الهند المعمورة. وبما أن إعداد المناهج الدراسية العربية في الهند كان يعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على النزعة الإسلامية فظهرت على أيديهم كتب عربية تغلب عليها النزعة الإسلامية. ومن الأعلام الذين اهتموا بإعداد المقررات الدراسية العربية للطلاب الهنود الشيخ أبوالحسن علي الحسني الندوي الذي ألف سلسلة الكتب بعنوان “قصص النبيين” في خمسة أجزاء.

 نظرة عابرة على “قصص النبيين”:

لقد اهتم الشيخ الندوي بالقصص القرآني، ورأى فيه ميدانا فسيحا لتربية الأطفال وتعليمهم العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، قام بتأليف سلسلة من خمسة أجزاء أسماها “قصص النبيين للأطفال” وهي تشمل على قصص أبرز الأنبياء الذين ذكروا في القرآن الكريم.[15]

هذا الكتاب يحتوي على قصص وحكايات دينية مقتبسة من الكتب الدينية الأسلامية والتارخية.[16] إن مجموعة هذا الكتاب “قصص النبيين”  -كما يضهر من اسمها – تشتمل على قصص الأنبباء والمرسلين من سيدنا إبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف ونوح وهود وثمود وصالح عليهم الصلاة والسلام وسيدنا موسي وشعيب وداوود وسليمان وأيوب ويونس وذكريا ويحي وعيسي عليهم الصلاة السلام وخاتم النبيين محمد صلي الله عليه و سلم.

اعتمد الشيخ الندوي لإعداد هذه السلسلة على الكتاب والسنة، فالقول المطلق إن أسلوب هذه المجموعة أسلوب قرآني بليغ في سهولة الكلمات وتكرارها وترابط الموضوعات ونظمها حتى يحفظ القاري نفسه عن الاختلاط والالتباس. هذه المجموعة مشتملة على خمسة أجزاء وكل جزء يتركز على نبي من الأنبياء والمرسلين. فهو يبدأ من سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى يصل الذكر إلى حياة نبينا محمد صلي الله عليه و سلم.

لقد رأى الشيخ الندوي أن القصة هي إحدى أهم الوسائل المهمة في التعليم، فهي محببة إلى نفوس الأطفال، فأراد تقديم مادة ميسرة لتنمية مهارات القراءة لدى الأطفال، فضلا عن الأهداف الدينية الأساسية  مثل غرس العقائد، وتثبيت الأخلاق والقيم الإسلامية في نفوس النشء الجديد.

التناص القرآني كما ينعكس في قصص الأطفال للشيخ الندوي:

يشكل النص القرآني مكونا جوهريا من مكونات أدب الشيخ الندوي، مما أسهم في صنع دلالتها وتشكيل ملامح شخصياتها، فقد نسج الندوي خيوط قصصه مستندا على أفكاره وثقافته مستمدا من النص القرآني، لينتج خطابا مبدعا، ويقدمه على طريق النص الجديد. إن التناص في قصص الشيخ الندوي قد يتعدى المفردة والتركيب القرآني، وقد يكون الاقتباس من آي الذكر الحكيم جزئيا أي يكتفي بالفكر والمعنى. أظهرت العلاقة التناصية القرآنية قدرته على استنطاق النص القصصي المقتبس عند تفجير طاقاته الكامنة وامتصاصها وإخراجها على شكل تراكيب لغوية في سياقات قصصية وفكرية ونفسية جديدة. يقول الشيخ الندوي في قصة يوسف تحت عنوان” على خزائن الأرض:

وكان يوسف يعلم أن الأمانة قليلة في الناس.

 وكان يوسف يعلم أن الخيانة كثيرة في الناس.

 وكان يوسف يرى أن الناس يخونون في أموال الله.

 وكان يرى أن في الأرض خزائن كثيرة ولكنها ضائعة.

إنها ضائعة لأن الأمراء لا يخافون الله فيها.

 فتأكل طلابهم ولا يجد الناس ما يأكلون.

 وتلبس بيوتهم ولا يجد الناس ما يلبسون.

 ولا ينفع الناس بخزائن الأرض إلا من كان حفيظا عليما.

 ومن كان حفيظا وما كان عليما لا يعلم أين خزائن الأرض وكيف ينتفع بها.

ومن كان عليما وما كان حفيظا يأكل منها ويخون فيها. وكان يوسف حفيظا عليما.

وكان يوسف لا يريد أن يترك الأمراء يأكلون أموال الناس.

 وكان يوسف لا يقدر أن يرى الناس يجوعون ويموتون. وكان يوسف لا يستحي من الحق.

 فقال للملك. “إجعلني على الأرض إني حفيظ”.

تناص الشيخ الندوي بقوله تعالى: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)[17] لقد استدعى الشيخ الندوي الشخصيات القرآنية، فصاغ القصة القرآنية في أسلوبه البديع، لأنه وجد القرآن الكريم المنهل الخصب لاستثمار رمزية الشخصيات الدينية. حاول الشيخ الندوي استثمار التراكيب القرآنية في قصصه، فهي تضفي قوة وجزالة على النص، فالخطاب القرآني لا يضاهيه خطاب، فهو نبع ثري لا ينفذ، وهذا ما جعل نصوص الشيخ الندوي تشد المتلقي ليتفاعل معها النص، ويكشف ماهية تفاعله مع النصوص الأخرى، النصوص القصصية للشيخ الندوي زاخرة بالتناصيات القرآنية، وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على تشرب الشيخ الندوي بالنصوص القرآنية وفهمه دلالتها ومعانيها وقدرته وموهبته على توظيف قصص القرآن الكريم وشخصياته في نصوصه القصصية.

إن الشيخ الندوي عندما يستحضر الآيات القرآنية في نسيج قصصه لا يستحضرها آية كاملة، بل يقطع منها جزءا ثم يصهرها في نسيج خطابه القصصي، محافظا على تلك النصوص في صيغتها الأصلية. وهذا يعني أن وعيه قد صاحبه في أثناء عملية التناص. لقد وجد الشيخ الندوي فيه كل ما يحتاجه من رموز تعبر عما يريد من قضايا من غير حاجة إلى الشرح والتفصيل، فهو مادة راسخة في الذاكرة الجمعية لعامة المسلمين بكل ما يحويه من قصص وعبر. ولم يأت التناص القرآني في قصص الشيخ الندوي مصادفة أو عفو الخواطر، بل كان مستحضرا يوظف في سياقات المنجز القصصي تعميقا وإثراء فنيا وفكريا. فليس غريبا أن يكسب الشيخ الندوي القرآن الكريم رونقا وجمالا فنيا عن طريق التناص القرآني وتعالق النمط القصصي الماثل بالنص القرآني الغائب، حيث تلاحقت النصوص القصية مع النصوص القرآنية في شبكة واحدة لينتج أدبا جديدا للأطفال.

استنتاج البحث:

         الشيخ الندوي من أبرز كتاب الهند في العصر الحديث، له مكانة أدبية مرموقة، قد تأثر بالقرآن الكريم، فظهر ذلك جليا في أدبه وفكره. لقد استفاد من القرآن الكريم بشكل واسع وبصورة مختلفة كما ينعكس أثرها في المفردة القرآنية أوالمفردتين المجاورتين أوالمقلوبتين أو المقابلتين، وبإستخدام جملة تامة من القرآن الكريم بلا اقتباس حرفي من الآية، وفي بعض الأحيان اقتباس يسير، لقد استفاد من المضامين القرآنية تارة واستلهم من القصص القرآنية تارة أخرى مع عمل قصة جديدة. لقد استخدم الشيخ الندوي الاجترار والامتصاص في قصصه وتعامل مع النص القرآني بطريقة محترمة، لم يتجاوز فيها حد الأدب مع النصوص الدينية المقدسة. إن دراسة قصص الأطفال للشيخ الندوي تفيدنا أن للقرآن الكريم ومفرداته ومضامينه مكانة خاصة في كتاباته وقصصه. وكان الاستعمال الفني لآيات القرآن الكريم في طيات قصصه، قد حقق جمالا أدبيا، لأن القرآن الكريم كان من أهم مصادر قصصه، إن الشيخ الندوي يحدد ومضات قرآنية تضيء كثيرا في قصصه، فهي من مصادر التناص التي استدل الشيخ الندوي منها قصصه وأولها، والمصدر الثاني للتناص عنده هو المصدر التاريخي لأن القرآن الكريم منبع المعرفة التاريخية. قد حاول الشيخ الندوي في تناصاته لترقية أبعاده اللغوية والفكرية، وهي من أبرز تلك النصوص الغائبة التي نجد لها صدى قويا في مواضيع كثيرة في كتابات الشيخ الندوي.

الهوامش:

[1]   إبراهيم مصطفى مع الأخرين: المعظم الوسيط، دار الدعوة، مصر، ج-2، ص 926

[2]    ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، ط-2، مادة نص

[3]    الزبيدي: تاج العروس، دار الفكر ، بيروت، ط-1 مادة نص

[4]    الفيروزآبادي: القاموس المحيط ، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2005م مادة نص

[5]    المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة ، دار الدعوة، الإسكندرية، مصر، ج-2، ص 926

[6]    عبد الله حضر محمد: لسانيات النص القرآني، دار القلم ص، 48

[7]    مجموعة من المؤلفين: آفاق التناصية المفهوم والمنظور، ترجمة محمد خير البقاعي، الهيئة العربية العامة، القاهرة 1998م ص،55

[8]    جوليا كرستفيا،علم النص، فريد الزاهي، دار توبغال للنشر ، المغرب، 1991م ص46

[9]    عبد القادر أبو شريفة وحسين لاقي قزق، مدخل إلى النص الأدبي ، دار الفكر ،عمان، 2008م ص،7

[10]    د.أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الاصالة والحداثة، مكتبة الثقافية الدينية، القاهرة، مصر، 2008م ص، 21

[11]    عبد الله حضر محمد، لسانيات النص القرآني، دار القلم ص، 116

[12]    تودوروف، في أصول الخطاب النقدي الجديد، ترجمة، د. أحمد المديني، دار الفارابي، عمان، 1996ص، 141

[13]    ميخائل باختين، المبدأ الخوري، دار الفارابي،  دمشق، عمان، 1997م ص، 122

[14]    د. أسامة شكري الجميل العدوي، التناص القرآني في الشعر العباسي، درا اللسان العربي، بيروت، 1988م ص، 280

[15] د. محمد طارق الأيوبي الندوي، موقف الشيخ أبي الحسن الندوي من الأفكار المعاصرة، مؤسسة العلامة أبي الحسن علي الندوي التعليمية والخيرية، عليجراه، الهند، 2014م ص، 503

[16]    د. أشفاق أحمد الندوي، مساهمة الهند في النثر العربي خلال القرن العشرين عام 2003م ص، 11

[17]    سورة يوسف، القرآن الكريم رقم الآية 111

المصادر والمراجع :
  1. أبو الحسن علي الندي، نظرات في الأدب، دار البشير، عمان، الأردن، 1990م
  2. أبو الحسن علي الندوي، في مسيرة الحياة، دار القلم، دمشق، 1987م
  3. أبوالحسن علي الندوي ، القراءة الراشدة، مطبعة ندوة العلماء، الهند، 1988م
  4. أبو الحسن علي الندوي، ، قصص النبيين للأطفال، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1985م
  5. أبو الحسن علي الندوي، قصص من التاريخ الإسلامي، منشورات رابطة الأدب الإسلامي، دار البشير، عمان، الأردن، 1997م
  6. أحمد الزعبي، التناص نظريا وتطبيقيا، مكتبة الكتاني، إربد، 1995م
  7. د.أحمد محمد عبد الراضي، نحو النص بين الاصالة والحداثة، مكتبة الثقافية الدينية، القاهرة، مصر، 2008م
  8. الأمين محمد، النقد، نظرية الآداب، التناص مفهومه وأغراضه، الخميس، مصر، 2011م
  9. حمدي الحمداني، التناص وانتاجية المعاني، مجلة علامات في النقد، ج، 40، النادي العربي الثقافي، جدة يونيو، 2001م
  10. د. سلمان محمد، القصص القرآني أهدافه وخصائصه ومنهجه، دار الفضيلة، عمان، 2007م
  11. صلاح قنصورة، نظيرة القيمة في الفكر المعاصر، دار الثقافة، القاهرة، مصر، 1986م
  12. عباس فضل حسن، القصص القرآني إيحاؤه ونفحاته، ،دار الفرقان، عمان، 1978م
  13. عبد السلام سعيد الأزهري، الإمام أبو الحسن الندوي ومنهجه في الفكر والدعوة والإصلاح، دار الفكر، دمشقن سوريا، 2007م
  14. عبد الماجد الغوري، أبو الحسن الندوي، الإمام والداعية الأديب، دار ابن كثير، بيروت، لبنان، 1999م
  15. د.عزة شبل محمد، لغة النص النظرية والتطبيق، مكتبة الآداب، القاهرة ، مصر، 2007م
  16. فيصل الأحمد نهلة، التناصية والنظرية والمنهج، منشورات كتاب الرياض،السعودية، 2003م
  17. كرستفا جوليا، علم النص، ترجمة فريد الزاهي، دارتوبقا الرياض، 1991م
  18. المحامي محمد كامل حسن، القرآن والقصة الحديثة، دار البحوث العلمية، بيروت، 2007م
  19. محمد أحمد خلف الله، الفنى القصصي في القرآن، كتبة إنجلو المصرية، القاهرة، 1965م
  20. د. محمد أكرم الندوي، أبوالحسن الندوي، العالم المربي والداعية الحكيم، دار القلم، دمشق، 2006م
  21. د. محمد خير البقاعي، آفاق التناصية، المفهوم والمنظور، الهيئة المصرية للكتاب، مصر 1998م
  22. محمد زبير عباسي، التناص مفهومه وخطر تطبيقه على القرآن الكريم، رسالة جامعية، الجامعة الإسلامية العالمية، اسلام آباد، 20014م
  23. د. محمد طارق الأيوبي الندوي، موقف الشيخ أبي الحسن الندوي من الأفكار المعاصرة، مؤسسة العلامة أبي الحسن علي الندوي التعليمية والخيرية، عليجراه، الهند، 2014م
  24. محمد طارق زبير الندوي، الداعية المجاهد الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي ومؤلفاته العربية، رابطة الأدب الإسلامي العالمية، 1996م
  25. ناهم أحمد، التناص في شعر الرواد، دار الآفاق العربية، القاهرة، مصر، 2000م
  26. د. يوسف القرضاوي، الشيخ أبو الحسن الندوي كما عرفته، دار القلمن دمشق، 2001م.

……………….. ***** ……………….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here