المقامات الحريريّة وترجمتها إلى اللّغة البنغاليّة مع إشارة خاصّة إلى ترجمة مولانا أحمد ميمون

Vol. No. 2, Issue No.2 - April-June 2022, ISSN: 2582-9254

0
98
المقامات الحريريّة وترجمتها إلى اللّغة البنغاليّة مع إشارة خاصّة إلى ترجمة مولانا أحمد ميمون

شاهجهان علي

باحث في الدكتوراه، قسم اللغة العربيّة، جامعة غور بنغا، مالدة،  بنغال الغربيّة، الهند.

alishahjahan617@gmail.com

————————————-

ملخّص البحث:

المقامة فنّ شهير وشائق من الفنون الأدب العربي، نشأت في أواسط العصر العبّاسي على يد بديع الزمان الهمذانيّ، واشتهرت على يد أبي محمّد القاسم الحريريّ. وكانت في ذلك العصر بمنزلة القصّة القصيرة. فأثّرت المقامات الحريريّة تأثيرا كبيرا وعرفت في جميع العالم، وترجمت إلى لغات أجنبية عدّة، ووصلت المقامة إلى الهند وترجمت إلى لغات هنديّة عدّة منها اللغة البنغاليّة. وفي بحثي هذا ذكرت عن جهود علماء البنغال في ترجمة مقامات الحريري إلي اللّّغة البنغاليّة، خاصّة ترجمة مولانا أحمد ميمون ومناهجه وأساليبه في الترجمة والتشريح.

الكلمات المفتاحيّة:- أحمد ميمون، اللّّغة البنغاليّة، الترجمة، الحريري، المقامة، المنهج.

التمهيد:

         المقامة هو فنّ أدبيّ نثريّ، وهو من أقدم الفنون الأدبيّة ظهرت في أواسط العصر العبّاسي. والمقامة  فنّ رائع شائق بمنزلة القصّة القصيرة في ذلك العصر، وهي ثمرة التيّارَين في الأدب العربيّ، الأول- تيّار أدب الحرمان والتسوّل الذي انتشر في القرن الرابع للهجرة، والثّاني- تيّار أدب الصنعة الّّذي بلغ به المترسّلون مبلغا بعيدا من التأنّق والتعقيد.[1] نستطيع أنْ نقول إنّ المقامة بمعناها الاصطلاحيّ أو بشكلها الفنّي المعروف لم تتحقّّق إلا على يد بديع الزمان الهمذانيّ، كما نستطيع أنْ نقول إنّ بديع الزمان لم يكن متأثّرا حين أنشأ هذه المقامات بأحد من الكتّاب الّّذين سبقوه، وإنّما كان متأثّرا بواقع الحياة العامّة.[2] وقال الدكتور زكي مبارك  إنّ مقامات بديع الزمان مشتقّّة من أحاديث ابن دريد.[3]

كتب بديع الزمان الهمذانيّ أربعمائة مقامة، وأثّرت مقاماته تأثيرًا كبيرًا على القرّاء وعامّة النّاس. فسلك عديد من الكتّاب على مسلكه، وكتبوا مقامات على مناهج مختلفة، من أشهرهم الحريريّ، وابن الأشتركوني، والزمخشري، وجلال الدّين السيوطي، وزين الدّين بن صقيل الجزريّ وغيرهم. واشتهرت هذه المقامات؛ أي القصص القصيرة الشيّقة وطار صيتها إلى أنحاء العالم خاصّة مقامات الحريريّ. وترجمت مقامات الحريري إلى لغات أجنبيّة عدّة وكذلك وصلت إلى الهند، وأثّرت على الهنود فترجم علماء الهند  المقامات الحريريّة وشرحوها إلى لغات هنديّة عدّة، منها الأرديّة والبنغاليّة، حتى قلّّده باقر المدراسي وكتب مقامات، ثمّ أبو بكر بن محسن باعبود وكتب خمسين مقامة. سأركّّز في مقالتي هذه على المقامات الحريريّة وترجمتها إلى اللّّغة البنغاليّة. وسأذكر عن عدد الترجمة للمقامات الحريريّة وشرحها باللّّغة البنغاليّة مع إشارة خاصّة إلى ترجمة مولانا أحمد ميمون ومناهجه في الترجمة والتشريح.

معنى المقامة لغةًُ واصطلاحًا:

المقامات جمع المقامة معناه لغةًَ – موضع القدمين،  والمجلس، والجماعة من الناس، والخطبة أو العظة ونحوها،  وقصة قصيرة مسجوعة تشمل على عظة أو ملحة كان الأدباء يظهرون فيها براعتهم[4]. وقال ابن منظور في “لسان العرب” المَقام– موضع القدمين،  والمُقام – الموضع الّّذي تقيم فيه،  والمُقامة بالضّّم الإقامة،  والمَقامة بالفتح المجلس والجماعة من النّاس[5].  وقال أحمد حسن الزيّات – كثر استعمال هذا اللفظ حتى سمّوا الجالسين في المقام مقامة كما سمّوهم مجلسًا إلى أن قيل لما يقام من خطبة أو عظة وما أشبهها مقامة أو مجلس[6]. وفي الاصطلاح- المقامة حكاية قصيرة أنيقة الأسلوب تشمل على عظة أو ملحة[7]. وقال الدكتور شوقي ضيف ” أنّ المقامة حديث قصصيٌّ قصير يصوّر كيف يحتال أديب متسول على سامعيه بسجعه وأساليبه الرشيقة”[8]. وقال مارون عبود “هي قصّة قصيرة يرويها واحد دائما، كما أنّ بطلها واحد، وهذا البطل شحّاذ كثير الحيل، تارةًً يتعامى وطورًا يلبس جبّة الواعظ وحلّّة العالم، والعقدة فيها من طراز واحد؛ أي إنّ الراوية يعرف أنّ البطل محتال كذَّاب فيما يدّعي[9]. وقال المعلّّم بطرس البستانيّ ” المقامات أقاصيص خياليّة مختلفة الأغراض والموضوعات،  فمنها الأدبيّة ومنها العلميّة ومنها الدينيّة ومنها الاجتماعيّة أو الخلقيّة ومنها المجونيّة، وفيها سخر شديد ونقد لاذع، وفيها ضروب من التخابث والاختيال للتكسّب والتعيّش وفيها صورة متلوّنة لطبائع المجتمع وعاداته”[10].

نشأ فنّ المقامة في الأدب العربيّ في وسط العصر العباسيّ. قد اختلف العلماء في مخترع هذا الفنّ. فيرى بعض العلماء أنّ مبتكرها هو ابن دريد،  ويرى الآخرون أنّ فضل التقدّم في وضع المقامات للإمام اللّّغويّ أبي الحسين أحمد بن فارس لأنّه كتب رسائل اقتبس العلماء منها نسقة وعليه اشتغل بديع الزمان[11]. ويرى كثير من العلماء أن مبتكرها بديع الزمان الهمذانيّ[12]. وقال ابن قتيبة ” إنّ فنّ المقامة نشأ تدريجًًا من رواية القصص والأخبار، وأنّ للبديع الهمذانيّ فضل تنظيمها، ووضعها في شكلها الفنّي الخاصّ، فهي لذلك نسب إليه” [13]. وقال الحريريّ في مقدّمة مقاماته ” هذا مع اعترافي بأنّ البديع رحمه الله سبّاق غايات وصاحب آيات،  وأن المتصدّي بعده لإنشاء مقامة ولو أوتي ببلاغة قدامة لا يغترف إلا من فضالته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته”. [14]

نبذة عن الحريري ومقاماته:-

هو أبو محمّد القاسم بن علي البصري المعروف بالحريريّ هو عربيّ صميم من بني حرام. وهو كاتب وشاعر وأديب شهير من العصر العبّاسيّ. ولد في قرية “مشان” من ضواحي البصرة سنة 446 للهجرة[15]. وكان في أوّل أمره يبيع الحرير أو يصنعه فلُُقّّب بالحريريّ وعُرف به[16]. نشأ في البصرة، وتأدّب على علمائها، واتّصل بعليّ بن فضل المجاشعي، قرأ عليه العربيّة،  ودروس الفقه على أبي اسحاق الشيرازيّ،  وشغف بالعلم فنبغ في اللّّغة والأدب والشعر والنحو، وارتفعت منزلته وانتشرت شهرته حتى يقصده العلماء والأدباء وصار أحد أئمّة عصره في علوم اللّّغة . تقلّّب الحريريّ في وظائف الدولة وعمل في مناصب مختلفة في عهد الخليفة المستظهر. ولمّا توفي الخليفة ترك الحريريّ بغداد ورجع إلى البصرة فعيّن فيها “صاحب الخبر” أي ما يشبه صاحب مصلحة “الاستعلامات”،  وظلّ في هذا المنصب إلى أن توفي سنة 516 للهجرة[17].

خلال حياته لقد ألّّف الحريريّ كتبًا عديدةًً وخلّّف لنا آثارًا قيمة مختلفةًً ، من أشهرها – المقامات الحريريّة،  ودرّة الغوّاص في أوهام الخواصّ،  وكتاب ملحة الإعراب،  وديوان رسائله،  ومجموعة أشعاره.

 تعدّ المقامات الحريريّة  من  أشهر إنتاجه الأدبيّ وأجوده، ونال شهرة عظيمة وطار صيته في كل العالم لهذه المقامات الّّتي ألّّفها بحكم الخليفة المستظهر. كتب خمسين مقامة على منوال البديع،  وجعل بطلها أبا زيد السروجيّ وأسند روايتها إلى حارث بن همّام.[18]

دراسة المقامة في الهند:-

أثّر فنّ المقامة على الهنود خاصّة المقامات الحريريّة، فقد قرأوها وترجموها وشرحوها وتأثّروا بها،  وكتبوا مقامات على منوال الحريريّ،  منهم

  • الشيخ الفاضل العلاّّمة باقر بن مرتضى الشافعي المدراسيّ، برع في معرفة النحو والصرف واللّّغة والكلام والتوحيد والعقائد. فقلّّد الحريريّ ونظم عشر قصائد على غرار المعلقات وكتب مقامات على منهج الحريريّ[19].
  • أبو بكر بن محسن باعبود العلويّ السورتيّ كتب “المقامات الهنديّة ” فيها خمسون مقامة، وأسند روايتها إلى الناصر بن الفتاح و جعل بطلها أبا الظفر الهنديّ. كبتها سنة 1129 للهجرة[20].
  • محمد سليم بن عبد الله كتب مقامات، ويتناول في مقاماته القضايا الاجتماعيّة والسياسيّةّ والأدبيّة [21].

تأثير المقامات الحريريّة على الهنود وترجمتها وشرحها:-

إن مقامات الحريري اتّخذت مقامًا مرموقًًا في الأدب العربيّ في شبه القارّة الهنديّة، وأثّرت عليهم كما ذكرت من قبل مع أن مقامة الهمذانيّ لم تحظ بكبير اهتمام في الأدب العربيّ في شبه القارّة الهنديّة، وكذلك مقامات الزمخشري ومقامات السيوطي لم يهتمّ بها الهنود. وظهرت شدّة تأثّر الهنود واهتمامهم على المقامات الحريريّة بكتابة المقامات على منهجها وترجماتها وشروحها وحواشيها، منها شرح الشيخ فضل الله السرهنديّ بالفارسيّ، وشرح للمولوي أوحد الدّين العثمانيّ البلغراميّ،  وشرح للمولوي روشن علي الجونفوري،  وشرح بالفارسيّ للمفتي إسماعيل بن وجيه الدّين المراد آبادي،  شرح لراجه إمداد علي خان الكنتوري،  وشرح بالعربيّ للقاضي نجف علي بن عظيم الدّين الجهجريّ،  وترجمة بالفارسي للمولوي محمد حسين بن نجم الدّين المدراسي،  وحاشية مولانا إدريس الكاندهلوي وغيرها.[22]

ترجمة المقامات الحريريّة إلى اللغة البنغاليّة:-

يتّضح لنا فيما ذكرنا أعلاه أن المقامة فنّ يختلط فيه العنصر القصصيّ بالملح الأدبيّة والفكاهة والطرائف والمواعظ والنصائح فيما يجعله فنًا ملونًا تتعدّد نقوشه وتتلوّن نفائسه مهما اعترض عليه بعض المعترضين. وأنّ مقامات الحريري أكثر تأثيرا على قرّاء الهند ومعلّّميها ومتعلّّميها بالنسبة إلى مقامات البديع والزمخشري والسيوطي وغيرهم، وذلك لأسباب متعدّدة منها أنّ الهمذانيّ توفيّ قبل تأسيس المدارس الدينيّة ووضع مناهجها في شبه القارّة الهنديّة،  وكان شيعي المذهب، ولذلك لم يقبلها أهالي الهنود فوق الخلاف المذهبيّ وكذلك الزمخشريّ لم تنل مقاماته أيضًا حظًًّا في شبه القارّة الهنديّة. وجملة القول إنّ المقامات الحريريّة نالت حظًًًّّا واسعًا في شبه القارّة الهنديّة، وأدخلت في المناهج الدراسيّة للمدارس الدينيّة الإسلاميّة، وجعلت تدرس بالاهتمام في مستوى الصفوف. وتأثّر المعلّّمون والمتعلّّمون بها وازداد اهتمامهم بها، حتى جعلوا يترجمونها بلغتهم الأمّ، وكذلك في البنغال كانت تدرس المقامات الحريريّة في مدارسها، ولما طالعها معلّّمو بنغال ودرس متعلّّموها فتأثّروا بغزيرة ألفاظها وغرر بيانها ومحاسن بلاغتها وكنايتها ولطائفها الأدبيّة والأحاجيها النحويّة وغيرها بخصائصها الشائقة، كما ذكر الحريريّ عن خصائصها في مقدمّة مقاماته “خمسين مقامةًً على جدّ القول وهزله، ورقيق اللّّفظ وجزله، وغرر البيان ودرره، وملح الأدب ونوادره إلى ما وشّحتها به من الآيات ومحاسن الكنايات ورصّعته فيها بالأمثال العربيّة واللطائف الأدبيّة والأحاجي النحويّة والفتاوى اللغويّة والرسائل المبتكرة والخطب المحبرة والمواعظ المبكيّة والأضاحيك الملهيّة”[23]. ولكن واجهوا مشاكل عديدةً في ترجمة الألفاظ الصعبة وغرائبها وفهم معانيها ومرادها،  فبدأوا يترجمون المقامات ويشرحوها بلغتهم الأمّ. في البداية كان يكتب الطلاّّّّّب والطالبات معاني الألفاظ وشرحها وتحقيقها في الفصل حين يدرسّهم الأستاذ. ثم ترجموها إلى لغتهم الأمّ؛ أي اللّّغة البنغاليّة. لم أستطع أن أصل إلى معلومة أول من ترجم مقامات الحريري إلى اللّّغة البنغاليّة،  ولكن الآن توجد في السوق عديدة من المترجمات للمقامات الحريريّة إلى اللّّغة البنغاليّة،  منها ترجمة مولانا أحمد ميمون وترجمة مولانا محمد عبد العليم وترجمة الدكتور محمد فضل الرحمن وغيرها. وهنا سأكتفي بالحديث عن ترجمة مولانا أحمد ميمون –

ترجمة المقامات الحريريّة إلى اللغة البنغاليّة لمولانا أحمد ميمون:-

ترجمة المقامات الحريريّة لمولانا أحمد ميمون هي أهمّ وأشهر المترجمات للمقامات الحريريّة إلى اللّّغة البنغاليّة ومقبولة لدى القرّاء البنغاليين، وذلك لخصائصها الأساسيّة وأساليبها الترجميّة وتحقيقها وشروحها اللغويّة والبلاغيّة. ومولانا أحمد ميمون هو أستاذ الحديث  في الجامعة الشرعية،  ماليباغ،  دكا، بنغلاديش[24]. ترجم عديدًا من الكتب العربيّة إلى البنغاليّة،  من أشهرها ترجمة المقامات الحريريّة . قد ذكر عن خلفيّة ترجمة مقامات الحريريّ في مقدّمة كتابه وقال- كان يدرّس مقامات الحريري منذ سنين، وفي الفصل كان يترجم ويشرح معاني الألفاظ فيكتب تلاميذه معاني الألفاظ وشروحها وترجمتها ويحفظوها. وبعد سنوات لما انتشرت تلك الترجمة المكتوبة في الصف بين الطلاب والطالبات والقرّاء فطلبوا من مولانا أحمد ميمون أن يترجم ويشرح المقامات الحريريّة كما كان يفعل في الفصل وينشر ككتاب. فأجاب لدعوتهم  وبدأ يترجم ويشرح حتى ترجم وشرح عشر مقامات[25]؛ أي  المقامة الصنعانيّة، والمقامة الحلوانيّة،  والمقامة الديناريّة،  والمقامة الدمياطيّة، والمقامة الكوفيّة، والمقامة المراغيّة،  والمقامة البرقعيديّة، والمقامة المعريّة، والمقامة الإسكندريّة، والمقامة الرحبيّة. ولم يترجم جميع المقامات لأنّ هذه المقامات العشرة تُدرس فقط  في المدارس  وأضاف بها مقدّمةًَ طويلةًً،  ذكر فيها عن علم الأدب خاصّة الأدب العربيّ، ثم ذكر عن تاريخ الأدب العربيّ من العصر الجاهليّ حتى العصر الحديث مختصرًا، ثم شرح معنى المقامة لغةًًّ واصطلاحًا،  وعن نشأتها وتطوّرها،  ثم ذكر أراء العلماء فيها والاعتراضات عليها. وذكر فيها أيضا عن حياة أبي محمد القاسم الحريريّ وبديع الزمان الهمذانيّ.[26]

               ذكر المترجم والشارح مولانا أحمد ميمون في كتابه عن خلفيّة تأليف المقامة للحريريّ وأورد في صددها روايات شتّى، مثل رواية ابن القيّوم الجوزيّة أنّه قال – ” كتب الحريريّ أوّلا المقامة الحرميّة، ثم قدّّمها في خدمة شرف الدّين أبو نصر أنوشروان بن خالد وزير الخليفة العبّاسيّ المسترشد بالله. ففرح جدًّّا،  وأمر بتأليفها”[27]  ثم ذكر رواية ابن خليكان-  أنّه وجد في القاهرة نسخةًً للمقامات الحريريّة سنة 656 للهجرة، الّّتي كتبها الحريريّ بنفسه. ومكتوب فيها أنّه كتبها لجلال الدّين عميد الدّولة أبو علي الحسن بن أبي العز وزير الخليفة المسترشد بالله.[28] ثم ذكر رواية أخرى، وهي أنّ الحريريّ كتب مقاماته في البصرة،  ثم أصعد إلى بغداد وعرضها على الأدباء هناك، وكانت أربعين مقامة، فاستحسنوها وتداولوها، واتّهمه بعض حسَدته بأنها ليست من عمله، وقالوا : إن كنتَ صادقًًا في أنّها من عملك، فلتصنع مقامة جديدة، فلم يفتح الله عليه بشيء، فعاد إلى البصرة كئيبًا أسفًًًًًًا، والناس يتحدّثون عنه، ويقعون فيه، وغاب بها حقبة من الزمن، ثم رجع وقد صنع عشر مقامات جديدةً، فحينئذ سلّّموا له واعترفوا بفضله.[29] ثم ذكر مولانا أحمد ميمون عن رواية مقامات الحريريّ وبطلها. وقال إنّ الحريريّ أسند رواية مقاماته إلى الحارث بن همّام، وجعل بطلها أبا زيد السروجي. شخصيّة الحارث بن همام خياليّة ليست بحقيقة،  وأراد الحريريّ به نفسه، وجعله الاسم المستعار له. وسبب اختيار هذين الاسمين هو قول النبيّ صلّّى الله عليه وسلّّم : تسمّوا باسماء الأنبياء،  وأحبّ  الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن،  وأصدقها حارث وهمّام.[30]

              ثم ألقى الضوء على منزلة المقامات الحريريّة في الأدب العربيّ وأهميّتها في ضوء أقوال العلماء. كقول العلاّّمة الزمخشري –

أقسم بالله وآياته                                ومشعر الحجّ وميقاته

إنّ الحريريَّ حريٌٌّ بأن                            تكتب بالتبر مقاماته

معجزة تعجز كلّ الورى              ولو سرَوْ في ضوء مشكاته[31]

وقول محمد بن أبي القاسم بن علي-

كتاب مقامات الحريريّ آيةٌٌ          وصاحبه أبدى به كلّ معجز

وأوضح برهان الأئمّة ناضرًا          غوامضه أعجب به من مبرّز

فليس على منواله نسج ناسجٍٍ         وناهيك من سحر حلال مجوّز

أراه حريرا والحريريّ حاكه          وطرّزه الشيخ الإمام المطرّزي[32]

وقول أبي الفتح ناصر بن عبد السيد المطرّزي- ” إنّي لم أر في كتب العربيّة والأدب، ولا في تصانيف العجم والعرب، كتابًا أحسن تأليفًًا وأعجب تصنيفًًا وأغرب ترصيفًًا وأشمل للعجائب العربيّة،  وأجمع للغرائب الأدبيّة،  من المقامات الّّتي أنشأها الحريريّ إنشاء فاخر وكتاب باهر، وتصنيف عجيب معجز، نعم كتاب بديع، له قدر رفيع قد تمّّت حسناته، ودلّّت على الإعجاز آياته”.[33]

               وبالعكس ذكر الشارح والمترجم مولانا أحمد ميمون في مقدمة كتابه أقوال النقّّاد الذين انتقدوا المقامات الحريريّة. في هذا الّصدد أورد قول علي بن بسّام الشنترينيّ-” إنّ الحريريّ أورد اللّّغات الوعرة،  وأظهر المعاني العسرة، وإنّه وضح كريم الطريقين لا بكثير يملّ، ولا بوجيز يقلّ”.[34] وقول أحمد حسن الزيّات-” ينتقدها أدباء الفرنج في قصرها، ووحدة مغزاها،  وأن المؤلّّف لم يُعن فيها بتصوير الحكايات على نحو ما ألّّفه الفرنج واليونان قديمًا، وإنّما صرف همّه إلى تحسين اللّّفظ وتزيينه. أدباء العرب يقولون إنّها تكاد لا تخرج عن خيال متكرّر في صور مختلفة، وإن إنشاءها تكلّّفا لا تسمح به طبيعة البدوي اللّّذي قيلت على لسان”.[35] وفي آخر المقدمة ذكر أهمّ كتب الشرح للمقامات الحريريّة يصل عددها إلى ثلاثة وأربعين.

مناهجه وأساليبه في الترجمة والشرح:-

  1. ترجم مولانا أحمد ميمون مقامات الحريريّ ترجمةًً سهلةًً عذبةًً. وفي بعض الأحيان استعمل الألفاظ الصّعبة البنغاليّة لا يُفهم معناها إلاّّ بالمعاجم. وفي الأماكن الّّتي فيها تعقيد في المعاني ذكر في القوسين شرحها ومرادها.
  2. من أهمّ وأشهر أسلوب هذه الترجمة هو شرح معاني الألفاظ وتحقيقها. إنّه شرح جميع الألفاظ لغويًّا ومعنويًّا وحقّّقها صرفًًا ونحويًّا. فإنْ كان اللّّفظ اسمًا فذكر واحده (إن كان جمعا) وجمعه (إن كان واحدا) وذكر مادّة اللّّفظ ومعانيها الموضوعيّة والمستعملة، ثم ذكر مرادفه وضدّه. وإن كان اللّّفظ فعلا فذكر صيغته وبحثه وبابه ومصدره ومادّته وجنسه ثم معناه ومرادفه وضدّه. وفي جميع الألفاظ إذا ذكر معانيها استدلّ بالآيات القرآنيّة أو الأحاديث النّبويّة، أي إنّه ذكر الآية والحديث التي فيها استعمل ذلك اللّّفظ، وفي أيّ معنى استعمل فيها.
  3. شرح الجُُمل الصّعبة شرحًا وافيًا حتى يُفهم معناها ومرادها.
  4. ومن أهمّ وأشهر منهج هذه الترجمة هو شرح بلاغي. إنّه ذكر في آخر كلّ قطعة الجُُمل الّّتي استعمل فيها تشبيه أو مجاز أو كناية أو استعارة أو البدائع اللفظيّة أو المعنويّة، ثم شرحها شرحًًا وافيًا من حيث يفهم معنى الجملة ومرادها.
  5. استشهد مولانا أحمد ميمون في ترجمة الألفاظ وتحقيقها من القرآن والأحاديث والأمثال والأشعار القديمة والمعاجم الأساسيّة مثل – لسان العرب لابن منظور والمعجم الوسيط وغيرهما.

الخاتمة:

      وفي الاختتام يمكننا أن نقول إنّ المقامة هي إحدى فنون الأدب العربيّ النثريّة المطعمة أحيانًا بالشعر، وهي أقرب إلى أن تكون قصّة قصيرة مسجوعة، وحكاية خياليّة أدبيّة بليغة، ينقلها راوٍٍ من صنع خيال الكاتب يتكرّرفي جميع المقامات، يصوّره وكأنّه قد عاش أحداثها، ولها بطل إنسانيّ مشرّد شحّاذ ظريف ذو أسلوب بارع وروح خفيفة. والمقامات لها منزلة عالية في الأدب العربيّ،  ولها تأثير كبير في الأدب العربيّ، خاصّة المقامات الحريريّة  التي طار صيتها،  ونالت شهرة عظيمة، وأصبحت مقبولة في بلاد العرب والعجم كلها، وترجمت إلى لغات عالميّة حيّة عدّة منها البنغاليّة.

لا شكّّ فيه أنّ المقامة الحريريّة أثّرت على قرّاء الهنود بوجهٍ عامٍِ ّوعلى قرّاء البنغال بوجه خاصّ. والعلماء البنغاليّون أنّ لهم جهود مشكورة في ترجمة المقامات الحريريّة وضبطها إلى اللغة البنغاليّة،  كي لا يواجه قرّاء البنغال مشاكل في قراءتها وفهمها، خاصّة مولانا أحمد ميمون،  وترجمته مقبولة لدى جميع الأساتذة والطلاّّب والطالبات والقرّاء. ويستحقّ جزيل الشكر والتقدير لعمله هذا.

الهوامش:

[1]  الفاخوري، حنا، الجامع في تاريخ الأدب العربي: العصر القديم، ص-616 . فروخ، عمر، تاريخ الأدب العربي، ج2،  ص- 413

[2]  الفاخوري، حنا، الجامع في تاريخ الأدب العربي: العصر القديم، ص- 618

[3]  فروخ، عمر، تاريخ الأدب العربي، ج2،  ص- 413

[4] المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية،  ص- 768

[5] . ابن منظور، لسان العرب، ج12،  ص-498

[6]. الزيات، أحمد حسن، تاريخ الأدب العربي، ص- 292

[7]. المصدر نفسه، ص- 292

[8] . شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: عصر الدول الإمارات مصر، ص-442

[9] . مارون عبود، تاريخ العرب، ص- 234

[10] . البستاني، بطرس، أدباء العرب في الأعصر العباسية، ص- 379

[11] . الخوري، أنيس، تطور الأساليب النثرية، ج1،  ص-376

[12] . الزيات، أحمد حسن، تاريخ الأدب العربي، ص- 292 . الفاخوري، حنا، الجامع في تاريخ الأدب العربي: الأدب القديم، ص-616-618

[13] . الخوري، أنيس، تطور الأساليب النثرية، ج1،  ص-378

[14]. المقامات الحريرية مع حاشية إدريس الكاندهلوي،ص-38

[15] . الفاخوري، حنا، الجامع في تاريخ الأدب العربي: الأدب القديم، ص-636

[16] . الزيات، أحمد حسن، تاريخ الأدب العربي، ص-178

  1. 14. الفاخوري، حنا، الجامع في تاريخ الأدب العربي: الأدب القديم، ص-637

[18]. الزيات، أحمد حسن، تاريخ الأدب العربي، ص-178

[19] . الحسني، عبد الحي، الثقافة الإسلامية في الهند، ص- 49. الحسني، عبد الحي، نزهة الخواطر، ج7، ص-931

[20] . الحسني، عبد الحي، نزهة الخواطر، ج6، ص- 684

[21] . الندوي، د. معراج أحمد، المقامة الهندية بين الحديث والقديم، مقالة منشورة في-  www.qalamrsas.com

[22] . الحسني، عبد الحي، الثقافة الإسلامية في الهند، ص-57

[23] . المقامات الحريرية مع حاشية  عبد الرحمن النجدي، ص- 12

[24]  الحريري، أبو محمد القاسم، المقامات الحريرية، ترجمة: مولانا أحمد ميمون، مقدمة الكتاب .

[25]  الحريري، أبو محمد القاسم، المقامات الحريرية، ترجمة: مولانا أحمد ميمون، مقدمة الكتاب.

[26]  المصدر نفسه، ص- 11-35

[27]  المصدر نفسه، ص- 38

[28]  المصدر نفسه، ص- 38

[29]  المصدر نفسه، ص- 38. ضيف، شوقي، المقامة، ص- 47

[30]  الحريري، أبو محمد القاسم، المقامات الحريرية، ترجمة: مولانا أحمد ميمون، ص- 41

[31]  المصدر نفسه، ص- 45

[32]  المصدر نفسه، ص- 45

[33]  المصدر نفسه، ص- 45

[34]  المصدر نفسه، ص- 46

[35]  المصدر نفسه، ص- 46 . الزيات، أحمد حسن،  تاريخ الأدب العربي، ص- 179

المصادر والمراجع:

  1. ابن منظور، لسان العرب، لبنان،بيروت، دار صادر (دون التاريخ).
  2. البستانيّ، بطرس، أدباء العرب في الأعصر العباسيّة، لبنان، بيروت، دار مارون عبود، 1979م.
  3. الحريريّ، أبو محمد القاسم، المقامات الحريريّة مع حاشية إدريس الكاندهلوي، باكستان، كراتشي، مكتبة البشرى للطباعة والنشر، 2011م.
  4. الحريريّ، أبو محمد القاسم، المقامات الحريريّة مع حاشية عبد الرحمن النجدي، لبنان، بيروت، دار صادر، 1980م.
  5. الحريريّ، أبو محمد القاسم، المقامات الحريرية، ترجمة: مولانا أحمد ميمون، دكا، بنغلا بازار، إسلامية كتب خانة، 2009م.
  6. الحسنيّ، عبد الحيّ، الثقافة الإسلاميّة في الهند، مصر، القاهرة،مؤسّسة الهنداوي للتعليم والثقافة، 2012م.
  7. الحسنيّ، عبد الحيّ، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، لبنان، بيروت، دار ابن حزم، 1999م.
  8. الخوري، أنيس، تطور الأساليب النثريّة، جامعة بيروت الأمريكيّة، منشورات الدائرة العربيّة (دون التاريخ).
  9. الزيّات، أحمد حسن، تاريخ الأدب العربيّ، ديوبند، مطبعة فيصل، 2013م.
  10. ضيف، شوقي، تاريخ الأدب العربيّ: عصر الدول الإمارات مصر، مصر، القاهرة، دار المعارف، (دون التاريخ).
  11. ضيف، شوقي، المقامة، مصر، القاهرة، دار المعارف (دون التاريخ).
  12. عبود، مارون، تاريخ العرب، مصر، القاهرة، مؤسّسة الهنداويّ للتعليم والثقافة، 2012م.
  13. الفاخوريّ، حنا، الجامع في تاريخ الأدب العربيّ: الأدب القديم، لبنان، بيروت، دار الجيل، 1982م.
  14. فرّوخ، عمر، تاريخ الأدب العربيّ، لبنان، بيروت، دار العلم للملايين، 1981م.
  15. مجمع اللّّغة العربيّة، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدوليّة، 2004م.
  16. الندويّ، د. معراج أحمد، ( المقامة الهنديّة بين القديم والحديث)، مقالة منشورة في qalamrsas.com  .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here