نور عالم خليل الأميني وتفانيه للعربية

Vol. No. 2, Issue No.2 - April-June 2022, ISSN: 2582-9254

0
408

نور عالم خليل الأميني وتفانيه للعربية

بقلم: د. محمد شميم النظامي

أستاذ مساعد ورئيس قسم اللغة العربية سابقا، جامعة بردوان –  الهند.

——————————–

مقدمة البحث:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم. أما بعد!

فضيلة الأستاذ نور عالم الأميني أحد أبرز الكتاب الإسلاميين في الهند صاحب الباع الطويل  في اللغة العربية وآدابها، والاطلاع الواسع على الأدبين العربي والإٍسلامي، والنظر العميق على تاريخ العرب وثقافتهم والأحداث والوقائع الواقعة في الوطن العربي والعالم الإسلامي وعلى رأسها قضية فلسطين، وصاحب الخبرة الواسعة  الواسعة  في مجالات التدريس والكتابة بالعربية.

إن جهوده المتواصلة على مدى49 عاما في سبيل خدمة اللغة العربية والتي بدأت منذ سن مبكرة (19 عاماً) في حقول التدريس والكتابة والصحافة  والتي توجت برئاسته لتحرير مجلة عربية باسم “الداعي” منذ عام 1982م لفترة ليست بقصيرة استطاع خلالها أن يرتقي بالمجلة إلى مستوى مرموق في الهند وراسخة الشهرة كإحدى أكثر المجلات العربية مقروئية في الهند بفضل أسلوبها العربي المبين وتناولها لأهم القضايا العربية والإسلامية تحليلا وتفصيلا، إلى جانب محاضراته ومشاركاته في المؤتمرات الوطنية والعالمية في الهند والعالم العربي، رسخت مكانته في طليعة كبار  العربية في الهند.

وكل ما أنجزه الأستاذ الأميني بريشة قلمه المبدع باللغة العربية تتجلى قيمته في الرصانة اللغوية وإحكام النسج والتركيب وعذوبة الأسلوب وإشراقة البيان وروعة التعبير، وقد صدر من ينابيع فكره وومضات قلمه أحد عشر كتابًا باللغة العربية منها ما يتعلق باللغة والأدب والثقافة الإسلامية والحضارة العربية والتاريخ الإسلامي وقضايا الأمة المسلمة وتراجم الأعلام البارزين، كما كتب مئات المقالات والبحوث في شتى المواضيع الإسلامية والأدبية والثقافية والسياسية والدعوية والفكرية الإسلامية، وكذلك قام بتعريب أكثر من خمسة وثلاثين كتابًا أرديا لكبار الكتاب والعلماء والمفكرين في شبه القارة الهندية إلى اللغة العربية.

سيرصد هذا البحث آثار الأستاذ نور عامل خليل الأميني العلمية ويسعى إلى تحديد قيمتها العلمية والأدبية والفكرية بشكل موجز، غير أن الموضوع يقتضي كتابا شاملا للإحاطة به من كل النواحي.

الكلمات المفتاحية: الأدب العربي – الهندي، الصحافة العربية، قضية فلسطين، الترجمة، أدب الأطفال.

مولده ونشأته:

هو الأديب البارع الكاتب الإسلامي الداعية الكبير صاحب القلم والقرطاس الأستاذ نور عالم خليل الأميني، ولد يوم الخميس في الثامن عشر من شهر ديسمبر 1952م / الثامن والعشرين من شهر ربيع الثاني 1372هـ في قرية واقعة بمديرية مظفرفور في ولاية بيهار.

انحسر عنه ظل أبيه حين كان عمره ثلاثة أشهر فقط، فنشأ وترعرع في كنف أمه الحنون وجدته من الأب التي تعلّم منها كثيرًا من دروس الحياة، إذ كانت امرأة مهذبة مؤدبة تعرف آداب الحياة وتتعامل معها في ضوء تعاليم الإسلام والسنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، وكان أبوه يعمل مدرسا في إحدى المدارس الدينية بمديرية ديناجفور بولاية بنغال، الهند فلما بلغت إليه بشرى ولادة ابنه الذي كان الابن البكر الوحيد له، توجه إلى وطنه ليقرّ عيناه برؤيته، وكانت المنطقة آنذاك موبوءة بالهيضة، فما لبث أن ذهب ضحيتها، – “إنا لله وإنا إليه راجعون”- وذلك عام 1372ه/1953م، وكان لدى وفاته شابًّا يافعا.

تعليمه الابتدائي والعالي:

بدأ دراسته كالعادة الجارية في قريته من القاعدة البغدادية على جده من الأم، ثم ولج في الدراسة المنضبطة عند الشيخ إبراهيم، فتعلم قراءة القرآن الكريم نظرا ومبادئ اللغة الأردية والهندية، كما تعلم منه بعض الدروس في الرياضيات وتمرس على حسن الخط والإملاء عن ظهر الغيب، إلى جانب تناوله دروسا في مبادئ أصول الدين والعقيدة والأدعية المأثورة وتتلمذ في أساسيات اللغة الفارسية على يد الشيخ عطاء الحق.

ثم تلقى التعليم في مختلف المدارس حتى وصل إلى دارالعلوم مئو ناث بنجن والتحق بالصف الأول العربي بها، فمكث هناك أربع سنوات حتى الصف الرابع العربي حسب المقررات الدراسية في نظام المدارس الأهلية الدينية في شبه القارة الهندية، وبعد ذلك وصل إلى الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند التي قد ذاع صيتها في الآفاق، فالتحق بها في عام 1387هـ /1968م في الصف الخامس العربي، وكان شديد الحرص على اللغة العربية منذ قيامه بدار العلوم مئوناث بنجن، فانضم إلى الصف الابتدائي لتعليم اللغة العربية الذي كان يجري تحت إشراف الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي و كان يدرس فيه فضيلة المفتي أبو القاسم البنارسي، الرئيس الحالي لـ دارالعلوم ديوبند، كما استفاد من الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي في المواد المتعلقة بإتقان اللغة العربية.

الطالب الأميني في رحاب دارالعلوم ديوبند:

أثناء إقامته بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند قويت أواصره بالشيخ وحيد الزمان الكيرانوي، فاغتنم هذه الفرص الذهبية في تعلم اللغة العربية وآداب الحياة اليومية وتطوير الثقافة الشخصية فواظب على الاتصال بالشيخ، ولم يزل على التواصل معه إلى توفي الشيخ الكيرانوي في عام 1415هـ /1995م، وكان الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي يشرف على النادي الأدبي الذي كان قد أنشأه ليكون منصة لتلقي الطلاب مهارة ومرانة في اللغة العربية، ومسرحا للنشاطات الثقافية والأدبية، وكان النادي يصدر بعض المجلات الحائطية كنواة أولى لإظهار براعتهم في الكتابة العربية وإعداد البحوث وكتابة المقالات باللغة العربية وكانت ولا تزال جمعية النادي الأدبي تعقد البرامج الأسبوعية للمزاولة والتمرين على المحادثة والتكلم وإلقاء الخطب والمواعظ الدعوية باللغة العربية، فانضم إلى هذا النادي الأدبي منذ البداية وبدأ يشارك ويساهم في أنشطته العلمية والأدبية والثقافية، وانتخب رئيسًا لتحرير مجلة “النهضة” المجلة الجدارية التي كانت تصدر على رأس كل شهر بخطه الخلاب، وأثناء قيامه في دار العلوم ديوبند تتلمذ على يد أساتذتها غير أن الشيخ الكيرانوي قد ترك فيه أثرًا شاملاً بعيد المدى، والشيخ الأميني لم يأخذ منه العلم والمعرفة بل قد تعلّم منه أساليب عيش الحياة وطريقة التعامل مع الناس ومناهج شاملة عامة والتي كان لها الأثر البالغ في حياته وتمثلت في طريقة تدريسه ومنهج كتابته وفي أنه كيف يحسن الخط وكيف يتكلم وكيف يكسب الناس ودهم وكيف يقري الضيف وكيف يعرف الإنسان وكيف يتعامل معه حتى يجعله يحس بفقدان راحة البال بدونه. لم يكن الشيخ وحيد الزمان أستاذًا فقط وإنما كان مربّياً مثاليًا، وكان يعلم كيف يصنع الحال من الماضي، وكيف يصنع المستقبل من الحال، إنه كان يقوم بصناعة الرجال العاملين على النهج المستقيم وإبراز المؤهلات المكنونة في نفوس الطلبة والعلماء المصاحبين له، ومخرج الرجال الأكفاء لمختلف مجالات الحياة ينهضون بأعباء مسؤولياتهم عن جدارة وأهلية.([1])

ذهب إلى دلهي عام 1390هـ / 1970م، لدراسة كتب الحديث على الشيخ محمد ميان الديوبندي، والأمين العام لجمعية علماء الهند الذي كان يدرس الحديث النبوي بالمدرسة الأمينية بها، فقرأ عليه الحديث واستلهم منه الأسلوب المميز والبيان المشرق في مجال الكتابة والتأليف باللغة الأردية، وفي السنة التالية بدأ ينتظر الالتحاق بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فمكث عند الشيخ محمد ميان الديوبندي، ولكن حظه السعيد جلبه إلى الشيخ العلامة أبي الحسن علي الندوي حيث دعاه إلى مدينة لكناؤ.

الشاب الأميني يخوض في مُعْتَرَكِ الحياة العملية:

إثردعوة الشيخ أبي الحسن علي الندوي وصل الأستاذ الأميني إلى دارالعلوم التابعة لندوة العلماء، ومكث لدى الشيخ عدة شهور ثم عينه مدرسا في الجامعة نفسها من تاريخ16 أو 17 من يونيو 1972م / جمادى الأولى 1392هـ فبدأ يدرس الطلاب حتى الصف الرابع، ثم تمت ترقيته إلى المستوى الأعلى، فبدأ يدرس كتب الصف السادس بما فيها ديوان الحماسة، ومختارات من أدب العرب، وكان الطلاب يؤثرون أن يدرسوا عليه مادة الإنشاء لكونه تلميذ الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي وأهليته الفريدة في التلقين والإلقاء والإفهام والإيضاح، وأثناء قيامه بدارالعلوم شرع يترجم بعض الكتب لكبار العلماء والمفكرين، أمثال الشيخ أبي الحسن علي الندوي والشيخ منظور النعماني وسماحة المفتي تقي العثماني.

وبعد مضي عشرة أعوام طلبه الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي إلى رحاب دارالعلوم ديوبند ليرأس تحرير مجلة “الداعي” نصف الشهرية، ويدرس الأدب العربي بها، فلبّى الأستاذ دعوة أستاذه وجاء إلى جامعة ديوبند، وانخرط في سلك التدريس بها، وبعد أن أصبح أستاذا ورئيسا لتحرير المجلة أصدر العدد الأول للمجلة السنة 7 في 7 محرم الحرام 1403هـ /25 أكتوبر 1982م.

وفي 1403ه شارك مع مجموعة من أساتذة دارالعلوم التابعة لندوة العلماء في الدورة القصيرة لثلاثة أشهر لتدريب معلمي اللغة العربية لغير الناطقين بها في الرياض، وهذه أول رحلة قام بها إلى المملكة العربية السعودية وأقام بها ثلاثة أشهر، اختلط فيها بالناطقين بلغة الضاد، وسبر أغوار الناس من الجالية الهندية والباكستانية وكسب تجارب جديدة في الناس والحياة.

وقد شارك الأستاذ في عدة مؤتمرات وندوات عالمية ووطنية في الهند وخارجها بأوراقه الممتازة ومقالاته القيمة التي كانت تتعلق بموضوع الدعوة والإرشاد والفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية واللغة العربية وآدابها والمواضيع المستجدة في قضايا الأمة المسلمة ومشكلاتها، فقد حالفه النجاح والتوفيق في كل هذه المراحل الممتدة مايقرب من خمسين سنة حافلة بالعطاء الفكري والإثراء الثقافي والإنتاج الأدبي.

الأجل المحتوم:

انتقل الشيخ نور عالم خليل الأميني إلى جوار رحمة الله الساعة الواحدة من ليلة الاثنين لليوم الثالث من أيار / مايو 2021م المصادف لليوم العشرين من شهر رمضان المبارك 1442هـ إثر تدهور صحته حيث كان يعاني بانخفاض مستوى الأوكسيجن ونوبات متعاودة من الحمى الذميمة التي جاءت مع كارثة كورونا فضلا من أنه كان مصاب بمرض السكر الذي كان لا يزال يلازمه منذ أن كان في عمر يناهز عن حوالي 35 سنة.

فكان رحمه الله أستاذا مثاليا ومعلما فريدا للغة العربية وكاتبا قديرا في اللغتين العربية والأردية على حد سواء، صح لسان أبي تمام إذ قال:

هَيهَاتَ لا يَأتي الزَّمانُ                   إن الزَّمَانَ بمثله لَبَخِيلُ

إنتاجاته الفكرية في اللغة والأدب والقضايا الإسلامية:

ألف الشيخ نور عالم خليل الأميني أحد عشر كتابًا باللغة العربية منها ما يتعلق باللغة والأدب والثقافة الإسلامية والحضارة العربية والتاريخ الإسلامي وقضايا الأمة المسلمة وتراجم الصحابة والعلماء البارزين، كما كتب مئات المقالات والبحوث في شتى المواضيع الإسلامية والأدبية والثقافية والسياسية والدعوية والفكرية الإسلامية، ونشرتها كل من مجلة “الداعي” و”البعث الإسلامي” و”الرائد” و”الصحوة الإسلامية” بالهند، و”الدعوة” بالرياض، و”الفيصل” و”الحرس الوطني” السعوديتين، وجريدة “رابطة العالم الإسلامي” مكة المكرمة، وكذلك قام بتعريب 35 كتابًا بالأردية إلى اللغة العربية لكبار الكتاب والعلماء والمفكرين في شبه القارة الهندية، وأما كتبه بالأردية ما تتعلق باللغة العربية هي: حرف شیریں، (الحرف الحلو) خط رقعہ کیوں اور کیسے سیکھیں (كيف ولماذا يتعلم خط الرقعة)، كتبه الأخرى بالأردية هي: وہ کوہ کن کی بات (حديث عن مغامر)، موجودہ صلیبی صہیونی جنگ (الحرب الصليبية الصهيونية المعاصرة)، کیا اسلام پسپا ہو رہا ہے؟ (هل الإسلام ينهزم اليوم؟)، فلسطين کسی صلاح الدین کے انتظار میں (فلسطين في انتظار صلاح دين)، پس مرگ زندہ (أحياء بعد الموت).

كتاباته النثرية في الصحف والمجلات:

          اشتغل الأستاذ نور عالم خليل الأميني بكتابة المقالات وإعداد البحوث ونقل أروع المعارف الإسلامية والأدبية بالعربية وإليها منذ أن عين أستاذا في دارالعلوم لندوة العلماء، إذ كان يمارس صياغة الإبداع الأدبي والفكري بالعربية أو يترجم إليها من الأردية الأفكار والرؤى لكبار العلماء والمفكرين في مجلة “البعث الإسلامي” وجريدة “الرائد”، وبعد عودته إلى دار العلوم ديوبند ليشغل منصب الأستاذ للغة العربية وآدابها ويقوم برئاسة التحرير لمجلة “الداعي”، ومنذ ذلك الوقت اعتنى بكتابات صحفية وإعداد المقالات والتقارير لهذه المجلة ومثيلاتها عناية خاصة وأكب على دراسة القضايا التي تمس جوانب شتى لشؤون الإسلام والمسلمين في أرجاء العالم وأطرافه.

      إلى جانب اهتمامه الخاص بأوضاع المسلمين في الهند، قد كتب آلافا من الصفحات حول الأوضاع الساخنة والقضايا الملتهبة بأسلوبه الرصين المرهف، ينبئ من خلالها المجتمع العربي عن الظروف القاسية للمسلمين في الهند وفي العالم كله، وقد كرس جل تركيزه على القضايا الدعوية في كتاباته الصحفية التي شددت على توظيف المناهج المجدية والأسس القيمة في العصر الحديث في ضوء دراسته لمناهج الدعوة الإسلامية في خير القرون، كما صدرت مجموعة مقالاته في صورة الكتاب باسم “الدعوة الإسلامية بين دروس الأمس وتحديات اليوم” والكتاب “مجتمعاتنا المعاصرة والطريق إلى الإسلام”.

        كان الأستاذ الأميني من شداة المعرفة الإسلامية والأدب الإسلامي فلم يغفل أحيانا عما جرت ولا تزال تلاحق من الأحداث والمآسي والآلام لإخواننا الفلسطينيين من جراء التخطيطات المدمرة والمكايد الصهيونية اليهودية مما أسفرت عن جلاء المسلمين من أراضيهم الفلسطينية واحتلالها بصورة غير شرعية على مرآى ومسمع من العالم ومناصرة من قبل الدول الغربية، وقد كتب حول هذه القضية المأسوية مئات من المقالات ما بين الطويل والقصير، وقد جمعها في صورة كتاب ضخم باسم “فلسطين في انتظار صلاح دين”.

كذلك تابع أحداث دول الشرق الأوسط ولا سيما دول الخليج وكتب عن الحرب الخليجية التي وقعت بين الكويت والعراق في عهد صدام حسين وقواته العسكرية.

        كما تابع أوضاع المسلمين الهنود وظل يدرس قضاياهم التي عانوا منها ولاسيما الاضطرابات الطائفية، فقد كتب حول هذه القضية مئات من الصفحات ولاسيما لدى حدوث الاضطرابات، وقد حلل الكاتب بأسلوبه العربي الرائع الأسباب التي تفاعلت لتفجر الاضطرابات الطائفية التي تهدف إلى إذلال المسلمين وإهانتهم إلى جانب إردائهم إلى الاضطهاد والقتل.

        ظل الشيخ نور عالم الأمينيي كتب عن الظروف القاسية للمسلمين ومآسيهم وآلامهم وهمومهم في كل مكان ويعرّف العالم العربي عن أوضاع المسلمين في الهند، فيعتبر صحفيا ناجحا موفقا تناول في كتاباته القضايا الإقليمية والدولية بالطرح والنقاش والتحليل والاستنتاج، فأفاد الأمة وخدم الدين والوطن والإنسانية كلها بجانب خدمة اللغة العربية والأدب العربي في ظل الصحافة العربية.

لقد قسم الأستاذ ورئيس تحرير مجلة “الداعي” – ظل رئيس التحرير حتى حين وفاته – هذه المجلة المرموقة على عشر زوايا حسب مضامين المجلة ومحتواها وكان الأستاذ يكتب عن أربع زوايا في معظم الأحيان وهي كلمة المحرر وكلمة العدد وإلى رحمة الله وإشراقة، فكان يكتب في كلمة المحرر في غضون صفحة أو صفحتين عن الموضوعات الساخنة الملتهبة يوضح أشكالها وألوانها ولها من إيجابيات وسلبيات اجتماعيا وسياسيا وثقافيا. وكان يتناول في كلمة العدد موضوعا من الموضوعات التي تتعلق بقضايا الأمة والدول الإسلامية والعربية بأدق تفاصيلها وأبلغ تحليلها، وعامة كان يسهب الكلام في هذه الزاوية التي كانت تعد حجر الزاوية للمجلة حتى كان يسع في خمس إلى عشر صفحات من المجلة.

           أما الزاوية الخاصة للمجلة التي كانت تحمل العنوان “إشراقة” وهي التي ذاع صيتها بين الأوساط العلمية والأدبيةو رفعت قيمة المجلة وجعلتها أكثر إقبالا وتصفحا وقراءة ووعيا من قبل المثقفين العرب والباحثين الإسلامين ومحبي اللغة العربية وعشاق آدابها. هذه الزاوية كانت تحتوي في طيها مقالة قصيرة في حدود صفحة أو صفحة والنصف على الأكثر في عجز المجلة في أغلب الأحيان وكانت تعالج الأمراض النفسية الاجتماعية وقضايا المجتمع الدقيقة التي تمس الحياة البشرية من جوانبها وفكرة حديثة انفعلت بها عاطفته وتجربة جربها في حياته فكان الأستاذ يجعلها رهين القرطاس بأسلوب أدبي سلسل بصورة عفوية وبشكل يتغلل في نفوس القارئين ويحرك كيانهم ويهز ضميرهم ولكن من أجل تفاقم الأزمات وتزايد الأحداث في العالم العربي والإسلامي، وهذه الزاوية كانت تضفي من خلالها أضواء على إفرازات القضية الخطيرة وأبعادها مع الإشارة اللطيفة إلى الوصول إلى حلولها أو التحكم عليها من ينابيع فكره الحصيف وإحساسه المرهف وإدراكه النافذ لخطورة القضية وما ستخلف من نتائج وخيمة وتأثيرات سلبية على الأمة والدولة.

               وقد صدرت مجموعة قصيرة لهذه المقالات مسبقا باسم “الدعوة الإسلامية بين دروس الأمس وتحديات اليوم” وصدرت أخيرا مجموعة ضخمة تقع في خمس مجلدات باسم “من وحي الخاطر” تمتد على 2570 صفحة.

إنتاجاته العلمية وإبداعاته الأدبية:

مفتاح العربية (جزءان):

             الكتاب باسم “مفتاح العربية” في جزئين لتعليم الناشئين في اللغة العربية وهو من المقررات الدراسية في الجامعة دارالعلوم ديوبند والمدارس التابعة لمنهجها الدراسي في شبه القارة الهندية، ونشرته مكتبة الجامعة دارالعلوم ديوبند في شعبان 1418هـ / ديسمبر 1997م بالطبعة الأولى للجزء الأول، والجزء الثاني صدر منها في ذي الحجة 1418هـ / أبريل 1998م بعد مرور ثلاثة شهور على الجزء الأول.

                  هذا الكتاب قد كتبه المؤلف لغرض تسهيل تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في المرحلة الابتدائية، وحاول فيه ولا سيما في جزئه الأول أن يحرر التلاميذ في مراحل التعليم الأولى من قيود القواعد العربية ومصطلحاتها المعقدة، فأسس الدروس التي كتبها على غير أساس من مصطلحات النحو والصرف، وإنما وجه المدرس أن يُحَفِّظُوْا الطلاب الجمل والتعابير الواردة في الكتاب دون أن يشير إلى المصطلحات بأسمائها، ثم يُقَيِّدُوهم بأن يَنْسِجُوا الجمل في ضوء التعابير والجمل المسرودة في الكتاب، وركز المؤلف تركيزاً خاصا على استخدام التعابير المذكورة في الكتاب من خلال إلزام الطلاب بنقل الجمل الأردية إلى العربية والجمل العربية إلى الأردية التي أكثر من إيرادها بعد كل درس، حتى يسيغ الطلاب كل جملة وتعبير قرأوها إساغة جيدة، ويحفظوها حفظاً متقناً، وينتفعوا بها عملياً في صياغة جمل على نهجها، فيتمكنوا من الانطلاق السريع نحو تعلم اللغة العربية دون أن يحتاجوا كثيرا إلى الاعتماد على قواعد النحو والصرف التي تتعب طبعاً أذهان الطلاب الصغار السن في سنى دراستهم الأولى.

والجزء الأول من الكتاب يحتوي على عشرين درساً، فالدرس الأول علم فيه استخدام هذا وهذه، وذلك وتلك، والدرس الثاني فيه جمل مكونة من الضمائر المرفوعة المنفصلة دونما إشارة إلى هذا المصطلح في التلقين والتعليم، والدرس الثالث كذلك يعطي الجمل المكونة من المبتدأ والخبر دون الإشارة إلى مصطلحي المبتدأ والخبر، والدرس الخامس يشتمل على جمل من المعرفة والنكرة، والدرس السادس يضم استخدام المعروفات مبتدأ والنكرات وخبرًا، والدرس السابع مكون من الجار والمجرور، والدرس الثامن مكون من استخدام الجمل الكاملة من الجار والمجرور، والدرس التاسع مكون من الضمائر المجرورة بالإضافة إليها، والدرس العاشر مكون من جمل مكونة من أسماء التفضيل، والدرس الحادي عشر مكون من الاستعمالات التي سبقت في الدروس السابقة مع التوسع في استخدام المبتدأ والخبر، والدرس الثاني عشر سيق لتعليم الحوار بين الطلاب في جمل خفيفة مكونة من ما الاستفهامية ومن أين وهل، والدرس الثالث عشر مكون من تعابير مكونة من أي الاستفهامية، وجمل الإجابة عنها، والدرس الرابع عشر مكون من جمل مكونة من المضاف والمضاف إليه، والدرس الخامس عشر يشتمل على جمل مشتملة على المضاف والمضاف إليه مع التوسع في استخدام المفردات، والدرس السادس عشر يشتمل على جمل مكونة من الحروف الاستفهامية ومن الجمل التي جاءت في الجواب عنها، والدرس السابع عشر يحتوي على جمل مكونة من الموصوف والصفة، والدرس الثامن عشر كذلك مكون من جمل مركبة من الموصوف الصفة مع توسع في استخدام المفردات، والدرس التاسع عشر كذلك مكون من الموصوف والصفة مع التوسع في استخدام المفردات، والدرس العشرون كذلك مكون من الموصوف والصفة مع استخدام كثير للمفردات لتزويد الطلاب بثراء لغوي وتعبيري.

وهذا، وقد التزم المؤلف في الجزأين من الكتاب باستخدام الكلمات السائرة المروجة والتعابير الحية الحديثة والألفاظ المتداولة كثيرا في المجتمع العربي المعاصر، حتى يكسب النشء الجديد هذه المفردات الحديثة إلى جانب كسبه جملا وتعابير وطريقة صياغة لها، وكذلك في كل درس التزم بأن يغير لون الكلمات الجديدة أو يغير لون ما يريده أن يركز عليه من تغير الصيغ والضمائر وغير ذلك، وقد أحسن المؤلف عندما ذيل الكتاب في كل من الجزأين معنى كل كلمة وردت في الكتاب لأول مرة فذكر مقابل كل كلمة عربية معناها بالأردية ومقابل كلمة أردية بديلها بالعربية مما يسهل عملية دراسة وتدريس هذا الكتاب.

أما الجزء الثاني فهو يشتمل على ثلاثة وثلاثين درسا في شتى استخدامات والمفردات والجمل، وكل ذلك في غير تركيز على تعليم الطلاب مصطلحات وقواعد النحو والصرف المعقدة التي تشوش أذهانهم وتحول دونهم ودون المضي قدما نحو استيعاب التعابير والصياغات، وتلك هي مزية هذا الكتاب البارزة التي يمتاز بها عن غيره من الكتب التي ألفت لتعليم اللغة العربية للمبتدئين.

وقد تحدث المؤلف عن مزايا الكتاب ولا سيما ما يتعلق بالجزء الثاني تحت عنوان / التوجيهات التعليمية= الذي كتبه باللغة الأردية تسهيلا على عامة المدرسين فقال: قد جاء في هذا الجزء الثاني من مفتاح العربية استخدام الجمع التكسير وجمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم وكذلك استخدام كلمات التذكير مضافة وموصوفة وصفة واستخدام كلمات التأنيث موصوفة وصفة ومضافة، وقد ذكر في الهامش توجيهات لازمة ينبغي أن يلتزم بها الأساتذة في تدريسهم لهذا الكتاب.

كما جاء في هذا الجزء الثاني استخدام لَيْسَ ولَيْسَتْ وكذلك استخدام الفعل الماضي والفعل المضارع وفعل الأمر والنهي، الأمر الذي لم يتم التعرض له في الجزء الأول؛ إذكان فيه الاكتفاء بالجمل الاسمية.([2])

ولقد ذكر المؤلف في التوجيهات للمدرس أن يقيد الطلاب بالإكثار من قراءة نصوص الدروس حتى يحفظوها عن ظهر قلب وأن يلزمهم بصحة التلفظ والأداء وكتابة النص على الكراسات، وأكد أن كتابة النصوص وتكثيف قراءتها لا بد منهما لتعلم اللغة، ولا يجوز الاكتفاء بمجرد ترجمة النصوص إلى الأردية؛ لأن ذلك لا ينفع فيما يخص عملية تعليم اللغة؛ حيث إن رجال التعليم يجمعون على أن عملية تعليم اللغة لا تتم إلا بتكثيف القراءة والكتابة.([3])

متى تكون الكتابات مؤثرة؟

ألف الشيخ نور عالم خليل الأميني كتابا ذا أهمية قصوى وخطورة بالغة في الأدب العربي وهو كتاب يبلغ إلى ذروة الكمال في جمال المظهر ورشاقة المنظر، وإلى دقة المعنى وعمق المدلول،وهو كتاب مدرس للغة العربية والأدب العربي، ومعلم للكتابة والإنشاء بها، ويبدأ من الابتدائية فيناقش الموضوع من المرحلة البدائية، ويرسم الآثار التي يجب اتباعها قبل الكتابة، ثم يأتي بالأمور المهمة التي يجب على الطالب أن يلاحظها، وهو يريد التقدم في الإنشاء، وهكذا يخطو بالطالب خطوة إثر خطوة في المشوار الكتابي والإنشائي، وينتهي بالمرحلة النهائية فلأنه يحتضن من المقالات مالا يستغني عنه حتى المتقدمون في الإنشاء، ثم أنواع الأسلوب الأدبي العربي وأعلام الأدب العربي وأصحاب المدارس الأدبية التي ورد بيانها في الكتاب لا تَهُمُّ  المبتدئين في الإنشاء بقدر ما تَهُمُّ المعنيين بالأدب العربي.

استهل المؤلف كتابه بكلامه المؤثر في حسن النية وصلاح البغية ما سجله المؤلف في إحدى مقالاته داخل الكتاب؛ ولكنه نقله هنا ليدعو الطالب إلى إصلاح نيته وملاحظة أمر هام، قد يكون غاب عن خاطره:

“إن مصدر القوة والجمال والتأثير في الكتابات ليس الكلماتِ المجردةَ ولا الجمل الرنانة الطنانة ولا الأساليب البيانية القوية؛ وإنما مصدر القوة وتيار التأثير والاعتقاد بأنه مسؤول أمام الله عما يكتب، فعليه أن يصدر في كتاباته عن وحي من ضميره واعتقاد في قلبه، ويكتب كأن فيه مزاجاً من دمه وكبده”.

وجاء هذا بأسلوب رشيق معهود من المؤلف الفاضل، وتلاه قول مختار من أقوال الأديب المصري الكبير أحمد أمين، الذي يذكر فيه المعيار السليم لنقد الأسلوب والكلام، وهو من القوة والروعة ما يفوق الوصف.

ويتوزع الكتاب بين مقدمة وثلاثة أبواب، كل باب منها في طول حجمه وكثرة معلوماته وغزارة علمه يتشكل كتابًا مستقلاً، أما المقدمة فقد سلط الضوء فيها على صورة إجمالية متكاملة عن الكتاب، وضّح فيه المؤلف طبيعة المكتوب، ومدى ما ينفع الطالب في تحسين الكتابة، وكيفية الاستفادة من الكتاب، والكتاب يصلح للإجابة عن السؤال المطروح: متى تكون الكتابات مؤثرة؟، وأشار كذلك إلى جوهر الكتاب ومحتويات الأبواب.

الباب الأول: كيف تسلك الطريق إلى الكتابة؟

أما الباب الأول: فقد قام بوضع عنوان: “كيف تسلك الطريق إلى الكتابة؟، فهو منهج شامل للكتابة باللغة العربية، موزع على سبعة فصول، وفيها أخذ المؤلف بيد الكاتب المبتدئ إلى المنهج السليم للكتابة، وبيَّن له أخصر طريق إليها، ولقد أحسن حينما قال تعريفاً بهذا الباب: “وهو مقال ذو جدوى كبيرة وأهمية قصوى، لاغنى عنه لأيّ إنسان يريد أن يخطو على طريق، فيستقيم قدماه عليه ويعود يسرع عليه في تماسك وثبات وثقة.”([4])

وهذا يبدو بالنظرة الأولى للفصول السبعة، فالفصل الأول تحدث عن أمور تجب ملاحظتها قبل البدء في إعداد الجمل، وبيَّن بكل وضوح أن اللغة ثلاث: لغة التفكير ولغة الحديث ولغة الكتابة، فلغة التفكير هي السابقة، ويجب أن تسبق شقيقتيها حتى يأتي الكلام مغسولاً معتدلاً، ثم وقف مع كل من لغة الحديث ولغة الكتابة، يقارن بينهما بالتفضيل، ففضل تارة الحديث على الكتابة بوجوه معقولة، وأخرى فضل الكتابة على الحديث بأسباب قد يتفق عليها الجميع، وخرج بنصيحة رائعة تمثلت في قوله: “إن لغة الكتابة هي أكمل صورة لها- للغة- فلا بد أن تستوفي العناصر التي تتكامل بها، فتكون خاضعة لقواعد النحو التي وضعت لضبط اللغة، وتكون تامة المعنى، بحيث ينبغي أن يعرف الكاتب قيمة كل لفظة ووظيفتها في إيضاح الفكرة التي تتضمنها كل جملة من جمل الكتابة، وتكون واضحة تقوم بتوصيل أفكار الكاتب إلى القارئ دونما عناء”.([5])

وفي الفصل الثاني تحت عنوان “إعمال الدقة في اختيار اللفظة”، تحدث عن اللفظة وقيمتها في الكلام، ومزايا اللفظة الجيدة وشروطها، وحسن استخدامها، كما أفصح عن أسباب عدم الدقة في اختيار اللفظة المناسبة، وأرجعها إلى سببين هامين:

الأول: عدم قدرة الكاتب على التمييز بين المترادفات اللفظية وعلى معرفة ما بينهما من الفرق الدقيق في الدلالة.

الثاني: عدم معرفته بسياق اللفظة المناسبة، وهنا جرى قلمه وبكل تدفق بموضوع الترادف وما يحمل الترادف اللفظي في اللغة العربية من مزايا ومحاسن فاقت به غيرها من اللغات، ثم شرح المؤلف ما بين الكلمات المترادفة من فروق خفية يجب تبينها وتحديد مدلولها، وجاء بعدة أمثلة لها، نحو الأسماء والأفعال والصفات، ومن خلال الأمثلة أثبت أن عماد الكلام البليغ في الحقيقة دقة في اختيار الكلمات ووضع كل كلمة في موطنها الصحيح.

وجاء الفصل الثالث الذي يحمل عنوان: “استخدام الألفاظ صحيحة سليمة” بحثاً ضافياً شاملاً لهذا المشوار اللفظي ويبلغ به إلى النهاية، فأكد أولاً على المؤهلات التي يجب توافرها في الكاتب ليكون كاتباً دقيقاً سليم الكلام بليغ البيان، وشرح هنا مواطن الخطأ ومواضع الخلل في اختيار الألفاظ السليمة، التي يتورط فيها الناشئون في صناعة الإنشاء عامة، وهي توجيهات قيمة لايقدُرها حق القدر إلا من سار هذا المسير وجرَّب متاعبه وواجه صعابه.

وفي هذا الفصل  حدد الكاتب المصاعب الكتابية وقام بإعطاء الحلول لتلك المشكلة الكبرى التي تعوق إدراك كل طالب العربية في شبه القارة الهندية، فإن اللغة الأردية لغة المسلمين في شبه القارة الهندية تشتمل على كثير من الكلمات العربية، بيد أن معناها في الأردية في أغلب الأحيان غير معناها في العربية، وهنا تحدث مشكلة كبرى؛ فإن الطلبة لا يعلمون هذا الفرق فيُرجعون الكلماتِ العربية إلى المعانيَ التي تستخدم لأجلها في الأردية، على الرغم من أنها غير مقصودة في ذلك المعرض، وتذليلاً لهذه الصعوبة ألحق المؤلف الفاضل مسرد الكلمات العربية التي شاع استعمالها في اللغة الأردية، مع بيان ما بين هاتين اللغتين من فرق في دلالات هذه الكلمات، وهي مائتان وأربع كلمات، كلها كلمة شائعة في حاجاتنا اليومية، وفي هذا الصدد دعا المؤلف الفاضل إلى الاعتناء الخاص بالكتب النحوية والصرفية، والأدبية مع بيان ضرورتها وكيفية الاستفادة منها، وهو فصل رائع ذوقيمة كبيرة.

وفي الفصل الرابع بيّن طريقة إعداد الجمل، فتناول الجملة وبنيتها الظاهرية والمعنوية ببيان لا مزيد عليه، أما من الناحية الظاهرية فقد أبان أن الجملة كيف تتكون وكيف تطول وتقصر، وكيف تتكون فقرة من مجموع جمل عدة ، وما هي العلوم التي تقيه الخطأ في الكتابة وصياغة الجمل والفقرة، ولم ينته المؤلف المفضال إلا بعد الإشارة إلى الأخطاء الشائعة لدى الناشئين، وهنا ألحق أيضا مُلحقاً قيماً لتمييز الصحيح من السقيم، والصالح من الفاسد، كما أن الناحية المعنوية للجملة أخذت قسطًا في الفصل، شرح فيها المؤلف السبل التي تجعل الجمل مؤثرة نافذة في القلوب، وهكذا ضمن الفصلَ الرابع كغيره من الفصول معانيَ رائعة ومعلومات نافعة.

ووضع الفصل الخامس ليتحدث عن طريقة إعداد الفقرة أو المقطع وفي الوصف الترابطي التسلسلي للفقرة حدّد المؤلف الفاضل ملامح خمسة لتفي الفقرة بشروط الترابط والتسلسل، وهي مراعاة الحركة الزمانية والحركة المكانية، والانتقال من التخصيص إلى التعميم، والانتقال من التعميم إلى التخصيص، والانتقال من السؤال إلى الجواب، ذكرها بكل تفاصيلها الموفية الجامعة بين الإمتاع والإقناع.

وبعد ذلك يأتي الفصل السادس بعنوان “طريقة كتابة المقال”، وفي هذا الفصل قام المؤلف بتعريف المقال المصطلح والبحث عن جذوره وتطوره في الأدب العربي، ثم شرح الخطوات البدائية في كتابة المقال، فالخطوة الأولى عند المؤلف هي اختيار الموضوع، واختيار الموضوع لم يكن ليتم بطريقة عشوائية؛ بل هو أمر هام جداً، ينسجه ما عند الكاتب من دراسة وخبرة ، وأراد المؤلف تيسير هذه المرحلة من خلال سرد المواضيع الهامة – وبلغ عددها ستين – التي يمكن تحديدها والكتابة عنها بكل سهولة؛ حتى للناشئين، والخطوة الثانية هي تحديد الهدف ووضوحه من المقال، والخطوة الثالثة هي الدقة في اختيار العنوان؛ فإن العنوان أكثر ما يجذب القارئ وأول ما يثير في نفسه الرغبة في دراسة الكتاب، فلابد أن يكون كامل الجاذبية والدلالة على محتوى الكتاب، وقد ساق المؤلف المنهج الأمثل لتحديد العناوين، والخطوة الرابعة وضع خطة شاملة لكتابة المقال، فإن عملية التصميم والتخطيط لها شأن أيما شأن في إجادة الكتابة وإخراجها بشكل يثور قوة، وينبض بالحيوية والتأثير، وبعد هذا انتقل المؤلف إلى تحديد الأجزاء الرئيسة التي يتكون منها مقال، ووضع ملامحها، وبعد كل هذا كشف عن حقيقة، هي الأساس أولا وآخراً في مثل هذه الأمور وكل إنتاج بشري، وهي أن هذه القواعد المرعية والخطوط المترابطة في كتابة المقال ليست إلا شعاعاً على الطريق، ومنارةً في عرض البحر؛ وإنما أصل الأصول وضابطة الضوابط هو الذوق السليم والحب الطبيعي للمضي في أي علم وفن؛ وفي هذا الفصل أكد المؤلف على كتابة اليوميات والذكريات، وبيَّن فوائدها ومنافعها، هكذا جاء الفصل كثير الفوائد، متناسق الأجزاء، وكل سطر فيه يضيف جديداً من المعلومات إلى ثقافة القارئ.

وخص الفصل السابع ببيان أنواع المقال، وسرد بإيجاز تسعة أنواع من المقال، وهي المقال السردي والوصفي والمقال الإنشائي والمقال الإبداعي والمقال الوظيفي والمقال الصحفي والمقال التوضيحي والمقال التحليلي والمقال التقويمي والمقال التقريري، ووضع بعض المعالم البارزة لكل الأنواع، المميزة بينها، وهي معلومات قيمة، لا يستغني عنها أي كاتب.

الباب الثاني: متى تكون الكتابات مؤثرة؟

وهذا عنوان الباب الثاني في الكتاب، الذي سُمِّيَ به الكتاب كله، هذا الباب يتضمن مقالات قيمة، وهي مقالات ملؤها القوة والتأثير والجاذبيةوالروعة، وهي من شأنها أن تجيب عن السؤال المذكور أعلاه؛ فإنها مهما اختلفت عناوينها وتباعدت أعضاؤها اتسقت معانيها وترابطت مضامينها وتركزت على المحور الرئيس، الكتابة: حقيقتها ومحاسنها ومساوئها ومصدر القوة والتأثير فيها.

لقد تضمن هذا الباب عشرة مقالات، كلها تتدفق بالحيوية والإثارة، تصقُل المواهب، وتفتِق الطبيعة، وتحرِّك الوجدان، وتهُّز المشاعر، وتحدد الهدف، وتجلي المحجة، وتعيِّن الاتجاه، وتقوِّم الخطأ، وتسدِّد الزلل، ويضع أمام القارئ الخطوط الهامة والملامح البارزة التي تضمن مراعاتها للكتابة أن تبقى وتقوى، وتؤثِّر وتنفُذَ، وتأتي بنتائج مرجوة، وتحقق الغاية المنشودة، كما أن المؤلف أوضح في هذه المقالات أموراً، من شأنها أن تسلب الكتاباتِ قوتَها وأثرها، وتجعلها جثة هامدة بلاروح، وحروفًا مجردة عن المعاني، وهذا الباب روح هذا الكتاب وجوهره؛ بل هو الكتاب كله، كما يظهر من عبارة المؤلف المسرودة أعلاه؛ فقد قال: “فهذا الكتاب يتضمن مقالات، كنا كتبناها في شتى المناسبات، ونشرناها في مجلتنا “الداعي” العربية الشهرية الخ”، وشملت هذه المقالات من الروائع والبدائع يطول البحث بذكر تفاصيلها فقط أسرد عناوينها، فإنها تحمل من الروعة والجاذبية ما يشبع الذوق، ويمتع النفس، وهي في رشاقة اللفظ ووضوح الدلالة على المراد ثوب شف للمعنى، ومرآة مصقولة لما تحتضنه من مضامين مُنِيفَة، ومعانٍ شريفة، ومدلولات بالغة التأثير.

الباب الثالث: ترجمة للأعلام من الكتاب والأدباء والشعراء

إن الناظر في الكتاب لا يرجع إلا بيقين أنَّ المؤلف أشد الناس حرصاً على موافاة الموضوع بجميع جوانبه، وإعطاء الناشئين من طلاب العربية كل ما هم في حاجة إليه، والإنارة أمامهم سبيل الكتابة وطريق الأدب، فبعد أن تناول الكتابة نظريةً وتطبيقاً، وفصَّلها كل التفصيل، أفرد الباب الثالث بذكر نماذج رائعة للكتابة القوية الباقية بقاء الدهر، وهي تمثلت في أعلام الأدب وفرسان البيان، وهو أطْولُ باب في الكتاب، استغرق أكثر من 150 صفحةً.

إن هذا الباب يتوزع على فصلين، الفصل الأول اختص بذكر الأدباء والكتَّاب القدامى، بينما الفصل الثاني يتناول تراجم الكتاب والشعراء ورجال النهضة الأدبية الحديثة.

إن الفصل الأوَّل من هذا الباب احتضن تسعة عشر أديباً عربياً فذاً، ابتداءً من عبد الحميد الكاتب (المتوفى عام 132هـ) وانتهاءً بالإمام الشاه ولي الله الدهلوي (1114هـ – 1176هـ)، نحا المؤلف في هذا منحى الزركلي في الأعلام، وأحمد حسن الزيات في تاريخ الأدب العربي، يؤثر الإيجاز على الإطناب، ويفضل الإجمال على التفصيل؛ ولكنه يحاول جهده في نَحْتِ صورةٍ كاملةٍ عن شخصية المترجم، تصف سيرته ونشأته، وتتحدث عن مواهبه وخصائصه، وتبرز منهجه في الكتابة وأسلوبه في الإنشاء، وتحدد مكانته الصحيحة من بين النابهين من الكتاب والشعراء، إلى جانب الإشارة العابرة إلى مؤلفاته في العلم والأدب، والشيء الجالب للانتباه أن المؤلف أدرج الإمام الشاه ولي الله الدهلوي – رحمه الله – في قائمة الأدباء أصحاب الأسلوب المتميز والمدارس الكتابية؛ فإن هذا شيء جديد في الكتب التي تتناول تاريخ الأدب العربي وأعلامه عبر القرون؛ والإمام أحق بأن يُعتنى بأسلوبه الأدبي الماتع، فهو من الكتاب القلائل الذين ثاروا على الأدب المتكلف المنتشر انتشاراً مروعاً في القرون الوسطى، والذي طغى فيه التطبع على الطبع، والتكلف على السجية، فهو في كتاباته يجمع بين الأسلوب العلمي الذي يهدف إلى أداء الأفكار أداء واضحا، لا لبس فيه ولاغموض، وبين الأسلوب الأدبي الذي لا تفارقه الناحية الجمالية في الكلام، وقد أشار الأستاذ المؤلف إلى مميزات الأسلوب الكتابي لدى الإمام الدهلوي، فأفاد وأجاد.

وفي الفصل الثاني قدم تراجم 29 من الأدباء الجدد وكتاب النهضة الحديثة، أولهم رفاعة رافع الطهطاوي (1216هـ -1290هـ)، وآخرهم شوقي ضيف (1328هـ -1426هـ)

وقف الأستاذ المؤلف مع هؤلاء الأدباء وقفة أطول منها مع الأدباء القدامى الأولين، فيضيف هنا في الغالب قبسات ذات قيمة وتأثير من كتبهم، تقيم لرأي المؤلف وزناً، وتؤيد ما ادعاه مما يتعلق بأصحاب التراجم.

تعلموا العربية؛ فإنها من دينكم

أصدر أخيراً كتابًا قيمًا للغاية ونافعًا كبيرًا جدًا، يقوم بدراسة اللغة العربية بكل عمق واستيعاب، التي تكشف عن أفضليتها من غيرها من سائر لغات العالم، وتأكيد إتقانها لكل مسلم لاسيِّما العلماء والكتاب والباحثين والطلبة في الجامعات والمدارس والمعاهد الإسلامية، وكيفية تعلمها وطريقة التعمق فيها وسبل تطوير وتنمية المهارة فيها، بالتزامن مع إعطاء الحلول المفيدة لما يتعرقل للطلبة والمشتغلين بها من مشكلات وعوائق، وهو “تعلموا العربية؛ فإنها من دينكم” وأصدرته مؤسسة العلم والأدب بديوبند – الهند، في ربيع الأول 1436هـ/ ينايرعام 2015م يتملك القارئ بمظهرها قبل مخبرها، وبعنوانها قبل معانيها. وهو كتاب وقع في 211 صفحة بالقطع الصغير، مزداناً بغلاف جميل، مكتوباً عليه اسم الكتاب بخط عربي رشيق، في صحراء رملية تتوسطها شجرة النخيل، كرمز أصيل للهوية العربية.

والكتاب يضم 17 مقالًا قيماً حول الموضوع المذكور ونشرت في صفحات مجلة “الداعي” العربية في مناسبات مختلفة وفي أوقات متفاوتة، وهي كلها وإن تجري في مجاري مختلفة ومسارب شتى إلا أنها تصب في محيط واحد، وتتلاقى في رصيف مركزي موحد، وهو زرع حب العربية في جنات القلوب، وإروائه بذكر فضائلها ومميزاتها، وتعهده من خلال إبعاد ما لصق بها من لهجات خاطئة، وماشوّه وجهها من لغات عامية متفشية، وإنبات هذا الغِراس سليمًا قويمًا بسرد مواقف رائعة للسلف الصالح في الاحتفاظ بالعربية والغيرة عليها، وتقويتُه بالرد على مواقف سلبية اتخذها الخلف عمومًا والعرب خصوصًا في هذه القضية المصيرية، قضية اللغة العربية، المواقف المخزية التي تبنت بضياع اللغة العربية لولا أن خلدها الله بجعلها وعاء الكتاب الخالد المهيمن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيل من حكيم حميد.

مجتمعاتنا المعاصرة والطريق إلى الإسلام:

يتناول الكاتب في هذا الكتاب ثلاثين موضوعًا مهمًّا، وكل هذه الموضوعات تتّجه إلى جهة واحدة، وتنصبّ في مصبّ واحد، وتتحدث عن المشاكل، والتناقضات التي يعانيها المجتمع البشري اليوم من قلق نفسي واضطراب فكري وضيق داخلي وانقباض باطني، وكلها من أكبر الإصابات التي يتعرض لها الإنسان في الحضارة الحديثة مما أفقده لذة الحياة، وسعادتها على الرغم من تواجد جميع الوسائل المادية وأحدث الآليات الترفيهية والتطورات المعاصرة وكل ذلك أدى إلى عقد نفسية وأمراض قلبية دفعت في كثير من الأحيان على الانتحار وقتل نفسه الذي أصبح اليوم ظاهرة خطيرة في المجتمعات المادية المتقدمة وداخل بيوت أصحاب التنور وأرباب الثقافة العالية التي جمعت بين جنباتها كل ما أمكنها من زخارف التقدم والرقي، فهذا الكتاب يبحث عن حلول  هذه المشاكل والقضايا العصيبة المعاصرة التي يعانيها إنسان اليوم، ويبين كيف يمكن للإنسان المعاصر وللمجتمع الراهن أن يكون خاليا من المعايب والأدواء وأن يكون أفراد هذه المجتمعات متصفين بالصفات العالية الخلقية والقيم الثابتة الأساسية، فقد تناول الشيخ هذا الموضوع المهم داخل صفحات الكتاب بأساليب عديدة، فحينًا يستعرض ما يعيش الإنسان المعاصر من القلق البالغ والاضطراب الزائد وعدم الطمأنينة وراحة البال، فيشخص الداء ثم يصف له الدواء، يقول المؤلف في إحدى الأبحاث التي يتضمنها الكتاب تحت عنوان “شقاء داخلي وسعادة مظهرية”:

“ألق نظرة على إنسان تلك المجتمعات، تر كيف أن الكبت قد استولى على عقله، والاضطراب قد تغلب على فكره، والتعاسة والتشاؤم صار نصيبه من الحياة، وقد أمسى يتيه في بيداء الشذوذ الفكري، وأضحى أشبه شيء بالريشة في مهب الريح في فلاة، يعيش كئيب البال، كدر الحال، متضايق النفس، لا يهدأ قلبه، ولا يطمئن عقله، ولا تستقر نفسه”([6])

ثم يذهب المؤلف بالقارئ إلى المجتمع المعاصر ويطرح السؤال ويتساءل قائلاً:

“فما هو السبب في هذه الظاهرة التي تهدد المجتمعات الغربية وكيان إنسان الحضارة الحديثة؟، هل السبب راجع إلى الكبت النفسي كما قال فرويد، فهاك المجتمع الغربي الذي غرق في وحل الإباحة الجنسية إلى الرأس.. ولكن ذلك لم يزده إلا خرابًا، ولم يمنحه إلا مزيدًا من التمزق النفسي، ولم يؤد به إلا إلى مزيد من الشقاء والضياع والحيرة والضلال الفكري.

فهل السبب رادع إلى الفقر والإفلاس المادي وقلة الأسباب والإمكانيات؟ فها هي المجتمعات الغنية في الأثاث والرياش، المتخمة بوسائل العيش المزهوة بكل نوع من الموضات والتقليعات، وكل طراز من وسائل الترفيه وتجميل الحياة وتزويقها وبهرجتها، هي التي تباسي هذا الداء المستعصي على عقلاء الحضارة الحديثة…”([7])

ثم يصف له العلاج والدواء في أسلوبه المؤمن الراسخ والداعي النابغ إلى الله والواثق بأن الإسلام هو منقذ المجتمع الإنساني وأعضاءه من ورطة الهلاك وقعر الضلال، فيجب عن السؤال ويقول:

“أجل إن السبب راجع إلى الفقر والإفلاس، إلى الإفلاس في الجانب الروحي وإلى الاهتمام الزائد بجانب المادية والمعدة، وإلى الاستهانة بقيمة الروح، والعناية كل العناية بالأسباب المادية وحدها.. والعلاج كامن في الإسلام الذي يعطي كلا من المادة والروح حقه الكامل، ولا يدع أحدهما يطغى على الآخر….. ذلك الإسلام الذي لا يعرف الكبت ولا التطرف ولا الرهبانية، ولا يترك لأي من مقتضيات العقل أو القلب أن ينمو بعضها على حساب البعض؛ لأنه تقدير العزيز العليم الذي خلق الإنسان، وسخر له هذا الكون الهائل من حوله، فيعلم جميع ما يحتاج إليه الإنسان وما لا يحتاج إليه”([8])

وهكذا يتناول المؤلف في هذا الكتاب قضايا العصر المهمة ويقوم بتحليليها النفسي والعقلي وفي ضوء التعاليم الإسلامية، فيقرأ هذه القضايا ويقدم حلولها من خلال قراءته المكثفة وتجاربه العميقة ودراسته الواعية، وتقويمه القيم.

الدعوة الإسلامية بين دروس الأمس وتحديات اليوم:

هذا كتاب وجيز جمعه الشيخ نور عالم خليل الأميني في 104 صفحة ويتضمن عنوانات مهمة تتعلق بموضوع الدعوة الإسلامية، فيعالج هذا الموضوع من جوانبه الشتى، ويقارن بين مفعول الدعوة الإسلامية في الماضي ومفعولها في الحاضر ويلمس الفرق الشاسع بينهما في ضوء دراسته الحاوية الموفية للموضوع من أبعاده الأربع، ويزدان الكتاب بأسلوب مؤلفه الرشيق الذي يعجب القارئ فيسحره ويخلب فؤاده ويذهب به إلى صميم الموضوع فيكشف له كل ما له وما عليه من الأمور الظاهرة والمكنونة، في الحقيقة هذا الكتاب مجموعة بحوث ومقالات، كتبها الشيخ في الأوقات المختلفة حول موضوع قضية الدعوة الإسلامية عبر العصور، وتتميز هذه المقالات بالإخلاص الشديد والرؤية الواعية والمعايشة الواقعية لمشكلات الدعوة وعوائقها، فجمعها المؤلف في شكل كتاب ونشرتها رابطة الجامعات الإسلامية في مدينة فاس بالمغرب عام 1408هـ / 1988م.

يقول الشيخ الفاضل الدكتور عبد الحليم عويس في تقديمه للكتاب:”إن قضية الدعوة الإسلامية في العصر الحديث يجب أن تحتل في اهتمامنا الدرجة الأولى، وإنها قضيتنا نحو العالم، ورسالتنا نحو الإنسانية، مبرر وجودنا، ومن أجلها – فقط – اعتبرنا القرآن خير أمة أخرجت للناس.

ولقد كان حسنا أن يهتم أخونا وصديقنا الكاتب الإسلامي والصحافي الكبير نور عالم خليل الأميني بهذه القضية وأن يدير حولها عددا من بحوثه ومقالاته التي تتصل بالجوانب المختلفة للقضية الدعوة الإسلامية بين الأمس واليوم، وهي بحوث ومقالات تتميز بالإخلاص الشديد والرؤية الواعية والمعايشة الواقعية لمشكلات الدعوة فضلاً عما عُرِفَ الكاتب ببيانه العربي المشرق، مع أنه ولد وعاش وتربى – ومازال يعيش أطال الله عمره- في شبه القارة الهندية”([9])

قد عالج الكاتب في هذا الكتاب بنواحيها المختلفة، مثلا كيف كانت فكرة الدعوة عند السلف الصالح وأساليبهم في ممارستها، وكيف كان الدعاة في سالف الأيام وماهي التغييرات التي طرأت على الدعوة والدعاة في هذه الأيام.

المسلمون في الهند بين خدعة الديمقراطية وأكذوبة العلمانية:

هذا الكتاب هو مجموعة مقالات وأبحاث كتبها المؤلف في شتى المناسبات التي دعت إلى كتابتها بين فينة وأخرى لتنشرها مجلة “الداعي” على صفحاتها في الموضوعات التي تهم المسلمين الهنود فيما يتعلق بمعايشتهم الحياة اليومية في البلاد العلمانية التي تواطنهم الأغلبية الهندوسية التي قد أضلت بعضهم العصبية الدينية عن طريق الأمن والسلام. وأصدرته دار الصحوة بالقاهرة – جمهورية مصر العربية في سنة 1409هـ / 1988م.

قد كتب المؤلف هذه المقالات تتحدث عن الظروف السائدة والأحوال الواقعة في الاضطهاد والتشريد والإبادة والاضطرابات الطائفية التي كانت تشن من قبل بعض المتطرفين في البلاد في النصف الثاني من القرن العشرين وعلى العموم لا تزال هذه الحالة تستمر يومًا فيومًا حتى يومنا هذا – فالكتاب يتحدث عن هذه القضايا وكذلك دور المدارس الإسلامية في الحفاظ على الهوية الإسلامية والتشخص الديني في الهند وعلى رأسها الجامعة الإسلامية دارالعلوم، ديوبند، وكذلك يسجل الكتاب مواقف الحكومة الهندية وسلوك المواطنين الهنود الهنادكة مع المسلمين، وكل هذا كتبه المؤلف في أسلوب حماسي وكلمات مؤثرة وتعبيرات قوية وبيان مشرق، فطورًا يسرد الوقائع وطورًا يخاطب الشعب المسلم وطورًا آخر يقوم في وجهة المتطرفين ويخاطبهم.

يقول المؤلف: إن هناك قضيتين تأتيان على رأس قائمة القضايا التي تهم الشعب الإسلامي الهندي هما قضية الأحوال الشخصية للمسلمين وقضية اللغة الأردية وهما تستقطبان القدر الأكبر من اهتمام المسلمين، والله من وراء القصد”.([10])

إن كل إنسان – حتى الصبيان – يعرف أن اللغة الأردية أصيلة في هذه البلاد وليست دخيلة طارئة، كما يزعم من يجهل أو يتجاهل تاريخ البلاد، وتاريخ تطورها الحضاري والثقافي.

ثم يسرد تاريخ تطورها ويذكر مؤشرات حدوثها ونشأتها ويثبت كلامه بأقوال المؤرخين الهنود الهنادك، فهو يقول:

إنها كغيرها من اللغات المندرسة والموجودة في العالم البشري، نشأت باعتبارها ضرورة اجتماعية ملحة، دخل المسلمون هذه الأرض تجارا أو فاتحين، وكان معظمهم فيما بعد عهد الفتح العربي لغتهم الأم هي الفارسية، فبقيت هي لغة الدواوين ولغة البلاط ولغة قصور الأمراء، إلا أن لغة أهل البلاد كانت اللغة الهندوكية، فاضطروا تحت ضغط من حاجاتهم التجارية والإدارية والتعامل مع الشعب أن يستخدموا ألفاظها، وبمرور الأيام انقطعت صلتهم تدريجيا عن أوطانهم التي نزحوا منها للهند، وأقاموا مع أهل هذا البلد صلة المصاهرة، وأهل البلد بدورهم احتاجوا إلى الاتصال بهم عن طريق الوظائف في المكاتب الحكومية والاختلاف إلى البلاط الملكي، والعمل في الجندية، وبمقتضى صلة المصاهرة والقربى، تعلم كثير منهم اللغة الفارسية، أو كثيراً من ألفاظها المتداولة في متطلبات الحياة اليومية، غير أن لغتهم الأم كانت اللغة الهندوكية، وهذا التمازج اللغوي فيما بين هؤلاء وهؤلاء خلق لغة جديدة هي اللغة الأردية.

وبذلك كانت اللغة الأردية من المعطيات الحضارية الكثيرة التي لا تحصى، والتي أتحف بها المسلمون هذه البلاد التي جعلوها داراً وقراراً.

العالم الهندي الفريد الشيخ المقرئ محمد طيب:

هذا الكتاب ترجم فيه المؤلف حياة العالم الكبير الشيخ المقرئ محمد طيب القاسمي – رحمه الله – / 1315 – 1403هـ / 1897 – 1983م= الذي رأس الجامعة الإسلامية دارالعلومديوبند نحو ستين عامًا وكان يعد في حياته أكبر ناطق باسم الإسلام على المستوى العالمي، وكان يملك أهلية متفردة في شرح الإسلام وتفسيره بحيث يقبل العقل المعاصر، وكان يحتل براعة فائقة في الخطابة في موضوعات الدين والعقيدة، وكان يتمتع بشعبية دينية قلما يدانيه فيها أي من علماء عصره.

وتحدث المؤلف نور عالم خليل الأميني عن مزاياه هذه وغيرها الكثير وعن كثير من محطات حياته ومواقفه وإنجازاته في خدمة الدين والعقيدة بقلمه ولسانه وشخصيته الساحرة.

يقول المؤلف: والحق أن هذه السطور القليلة ليست ترجمة وافية له، ولكنها تعطى عنه لمحة خاطفة تصور عددا من جوانب حياته، وزوايا أعماله وتحركاته في مجالات الحياة، بما فيها رئاسته للجامعة الإسلامية دارالعلومديوبند التي شغلها عن أهلية نحو ستين عاما.

ومن مزايا هذا الكتاب أنه يتضمن تراجم كثير من الأعلام الهنود الذين ورد ذكرهم في خضم الكتاب، حيث ذكر المؤلف ترجمة كل منهم في الهامش كما أنه عرف في الهامش بكل مؤسسة ورد ذكرها في نص الكتاب، سواء أكانت من داخل الهند أو خارجها.

وبذلك فهو كتاب كثير النفع غزير المادة وقد ألّف بأسلوب علمي أدبي يستطيع الطلاب أن ينتفعوا به في استقاء أسلوب الكتابة والمواد اللغوية والتعابير المختارة.

فلسطين في انتظار صلاح دين:

يعد هذا الكتاب من أهم الكتب الصادرة بقلم الشيخ نور عالم خليل الأميني حول قضية فلسطين وأبعادها وتاريخها والأحداث التي تقع في أرض فلسطين على أيدي أبناء اليهودية منذ أن بذرت بذرة خبيثة في صورة دولة إسرائيل الظالمة الغاشمة في قلوب الفلسطينيين.

والأصل أن هذا الكتاب هو مجموعة مقالات وأبحاث كتبها الشيخ نور عالم خليل الأميني في أوقات مختلفةحول موضوع مأساة قضية فلسطين الممتدة على أكثر من ربع قرن كما يتضح من عنوانه، ويسلط الضوء على تاريخ فلسطين ومكانتها في الإسلام، وما مرت به من الوضع المؤسف تحت وطأة الاحتلال الصهيوني منذ البداية حتى تأليف الكتاب، وقد تحدث المؤلف عن الكتاب: غرضه وأهميته في المقدمة فقال:

“إن كاتب هذه السطور لايزال يهتم بالقضية الفلسطينية بشكل مباشر منذ نحو 35 عامًا على الأقل: منذ أن بدأ يكتب باللغة العربية، وجعل يكتب عنها فعلاً منذ محرم 1403هـ / أكتوبر 1982م؛ حيث ظل يكتب حول هذه القضية – التي هي القضية العربية الإسلامية الأولى لدى العالمين العربي والإسلامي

وقد أبان المؤلف في تفصيل أن المسيحيين والصهاينة، لتحميق العرب والمسلمين وذر الرماد في عيون العالم جعلوا الأمم المتحدة التي هي مستعبدة لهم منذ اليوم الأول تصدر قرارات لا تحصى ضد إسرائيل لم تعمل هي بأي منها، فلم تحاسب هي قط على رفض العمل بتلك القرارات، فضلاً عن أن تؤدب بهذا الصدد وتعاقب.

وفي جانب آخر ظل العرب رغم ضعفهم لعام 1977م مجمعين بشكل كامل على أن دولة إسرائيل غير شرعية تماما، فيجب أن تزول من فلسطين، منتظرين الفرصة التي تواتيهم غداً لمحوها من الوجود، لكن الرئيس المصري محمد أنور السادات كان أول من اخترق هذا الإجماع العربي ضد إسرائيل عندما زار الدولة الصهيونية عام 1977م ثم وقع معها اتفاقية السلام عام 1979م، ثم بادرت إلى ذلك «الأردن» التي وقعت كذلك معها الاتفاقية معترفة بالكيان الإسرائيلي، ثم نظمت أمريكا مفاوضات السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بدءاً من عام 1991م التي أسفرت عن توقيع المنظمة معها اتفاقية السلام عام 1992م.

ومنذ 1967م وحتى الآن حققت الدولة الصهيونية من إجراءات تهويد القدس، وتغيير الحقائق «التاريخية المزعومة» لصالحها 99%، وأكبر نجاح حققتها دولة إسرائيل غير الشرعية أنها وحليفاتها: أمريكا وأوربا تمكنت من توزيع الفلسطينيين فريقين متناحرين فكريا وعلميا: فريق إسلامي تقف بجانبه أغلبية الشعب الفلسطيني والإسلامي العربي، يرى أن حلم تحرير فلسطين لا يتحقق في الواقع إلا بالمقاومة والجهاد والنضال وعلى رأسه حماس – حركة المقاومة الإسلامية – وفريق علماني لا يرتاح للدين والإسلام، ويتبنى شعارات جوفاء يعمل عميلا لأمريكا وإسرائيل وأسكرته الرغبة الجامحة في السلطة والحكم والثروة والعز الدنيوي لحد أنه أصبح أعمى وأصما وأبكما؛ فلا تهمه قضية فلسطين والمسجد الأقصى والمشردين الفلسطينيين وآلاف الشهداء، وهدر كرامة عدد لا يحصى من الفلسطينيين ومئات الآلاف من الشباب والشيوخ والرجال والنساء، والواقعين ضحايا الإرهاب الصهيوني، وتمثله اليوم «فتح».([11])

وقد نقله المؤلف بقلمه إلى الأردية، فجاء بها كتاباً ينقطع نظيره في المكتبات الأردية في موضوعه، وهو مطبوع، ومتداول جدا في شبه القارة الهندية.

الصحابة ومكانتهم في الإسلام:

ألف الشيخ نور عالم خليل الأميني كتابًا في موضوع “الصحابة – في نظر الإسلام” وهو كتاب قيم مهم جداً يتناول فيه الشيخ عن قداسة الصحابة – ومكانتهم المرموقة ومنزلتهم الرفيعة في الشريعة الإسلامية، وجهودهم المضنية وجهادهم المثالي، وتفانيهم المحضة في نشر الدين وإعلاء كلمة الله وتبليغها إلى العالم كله، وقد بذل المؤلف مساعيه الجميلة في دراسة المصادر التي يسلط الضوء على أهميتهم البالغة ومكانتهم السامية ومنزلتهم العظيمة إلى جانب كتاب الله عز وجل وكتب الحديث النبوي وكتب السير والتراجم وكتب التاريخ وغيرها مما يتعلق بالإيفاء بالموضوع، فقد أخرجه المؤلف مبينا على الدراسة العميقة والبحث الطويل والقراءة الموسعة فجاء الكتاب في أسلوب علمي رصين وعبارات محكمة ثابتة وأفكار ثابتة مبرهنة مما يقتضيه مثل هذا الموضوع الجادّ.

وعن سبب تأليف هذا الكتاب يقول المؤلف:

“منذ زمن الصحابة وعلى عهد الخلفاء نشأت طائفة خانها التوفيق وأغواها الشيطان، فتناولتها – جماعة الصحابة – بطعنها وقدحها، ووجهت إليهم كل التهم، وتنكرت لصنيعهم وجازتهم بالإحسان سوءاً، وظلت هذه الطائفة عبر التاريخ الإسلامي تبيض وتفرخ وتعشش، فصارت كثيرة السواد، وتوزعت بين فرق لا تعدّ، غير أن الأمة الإسلامية حسبتها نفاية أو ثمالة لا يعتد بها ولا يلتفت إليها، وظلت هي بمعتقداتها المتصادمة مع العقائد الإسلامية الصحيحة، وصميم تعاليم الإسلام، منعزلة عن سواد الأمة الإسلامية، وجمهور أبناء الإسلام، وظلت – ولله الحمد – موضع التهم والرزيّة من الأمة الإسلامية، ومعروفة بعدائها للصحابة، واعتقادها بتحريف القرآن، ومتغنية بمجد أئمتها الخياليين، وأنبيائها المستقلين، ومنفردة بأحاديثها، وأخبارها وآثارها وحتى مساجدها ومصلياتها وصلواتها، وآذانها، وشرائعها وفقهها وجميع أحكامها في الحياة والموت… وبالإيجاز أفردتها الأمة إفراد البعير المجرب، وما ظنتها من معظم الأمة، على ذلك ففرغت من أمرها، وحسمت قضيتها، وقررت أن لا تبالي بها في قليل أو كثير”([12])

بعد ما درس المؤلف موضوع الصحابة في كتابه دراسة شاملة، توصل إلى نتيجة واضحة مشرقة تؤمن بها الأمة في شأن الصحابة رضي الله عنه، ولخصه بقول الذي ختم به كتابه:

“وبعد فإن قبول هذه الصورة المشوهة للصحابة يعنى رفع الاعتماد على الكتاب والسنة وجميع الشرائع والأحكام الإسلامية؛ لأنهم هم الذين نقلوها إليها فإذا كانوا خونة غادرين، عبيدي الأهواء، فكيف يرجى أنهم نقلوها سالمة غير مخدوشة وكاملة غير منقوصة، ثم إنها إساءة الظن بتربية النبي صلى الله عليه وسلم كما أسلفنا، وبتعليم الإسلام وهداية القرآن وتكذيب للقرآن ورد للإسلام وتغليظ للتاريخ وسوء الظن للغاية بصلاحية الإنسان للتغير، والتكيف مع الخير والتفاعل مع الصلاح والاستجابة لعوامل الإعداد والبناء والانسجام مع تربية الميول والرغبات والاتجاهات، الأمر الذي تشهد به الكتب السماوية – والقرآن الذي يهيمن عليها – ووثائق التاريخ البشرى والتاريخ الإسلامي بالذات.([13])

إسهاماته في الترجمة والتعريب:

الشيخ نور عالم الأميني يعد بحق من المترجمين القديرين في العصر المعاصر، ويشكل عمودًا شامخًا في حقل الترجمة العربية والأردية: منهما وإليهما على حد سواء، فقد قام بتعريب وترجمة نحو 35 كتابا بالأردية إلى اللغة العربية الطريفة لكبار الكتاب والعلماء والمفكرين في شبه القارة الهندية، أمثال:

  1. سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي، فقد ترجم من كتبه: 1 – “التفسير السياسي للإسلام” 2 – و”أحاديث صريحة في باكستان” 3 – و”الداعية الكبير الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي”.
  2. فضيلة الشيخ محمد منظور النعماني، فقد قام بتعريب كتابين له، 1 – “دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب”، 2 – ومعظم أجزاء كتاب “الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام”.
  3. سماحة الشيخ أشرف على التهانوي، فترجم من كتبه: 1 – “لآلي منثورة في التعبيرات الحكيمة عن قضايا الدين والأخلاق والاجتماع” 2 – و”الإسلام والعقلانية”.
  4. فضيلة الشيخ المحدث شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، فقد تناول بالترجمة لكتبه: 1 – “بحوث في الدعوة والفكر الإسلامي”، 2 – “الحالة التعليمية في الهند فيما قبل عهد الاستعمار الإنجليزي وفيما بعده”.
  5. صاحب الفضيلة حفيد الإمام النانوتوي المقرئ محمد طيب القاسمي، فقد ترجم من كتبه: 1 – “علماء ديوبند واتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي”.
  6. الشيخ أمين أحسن الإصلاحي – رحمهم الله رحمة واسعة –، فقد ترجم من كتبه بالاشتراك مع الدكتور سعيد الرحمن الأعظمي: 1 – “الدعوة الإسلامية: قضايا ومشكلات”.
  7. سماحة المفتي تقي العثماني الباكستاني – حفظه الله ورعاه –، فقد ترجم من كتبه: 1 – “ما هي النصرانية؟” 2 – و”سيدنا معاوية رضي الله عنه في ضوء الوثائق الإسلامية والحقائق التاريخية”.
  8. الدكتور خورشيد أحمد، قام بتعريب كتاب له 1 – “الاشتراكية والإسلام” بالاشتراك مع الدكتور سعيد الرحمن الأعظمي.
  9. الشيخ غازي أحمد وكرشن لال سابقا فقد قام بترجمة كتاب له 1 – “مأساة شاب هندوسي اعتنق الإسلام”.

كما ترجم عددا ضخما من مقالات العلماء الكبار الهنود إلى العربية ونشرتها بعض المجلات العربية الصادرة في الهند وخارجها، فضلا عما نقل من مقالاته العربية السياسية والاجتماعية إلى الأردية ونشرتها الصحف والجرائد المختلفة وبالتالي أعيد طبع أكثرها مؤخرا في سلسلة المقالات التي جمعت ونشرت في قالب الكتاب بعد التعديلات البسيطة على حسب متطلبات العصر ومقتضيات المقام أو قام بترجمتها أحد من تلاميذه على إيمائه وثم أعاد عليها الأستاذ النظر العميق بالحذف والزيادة حتى جعلها في أسلوبه المتميز، المملوء بالروعة والابتكار مما أصبح يتلاشى فيها لون الترجمة ولا تبوح برائحتها وبل يتخيل إلى النفس أنها الأصل المكتوب وليست الترجمة، مثلما نجد في الكتب التالية: “الصحابة ومكانتهم في الإسلام” (صحابۂ رسول ” اسلام کی نظر میں)، والكتاب: “فلسطين في انتظار صلاح دين” النسخة الأردية باسم (فلسطین کسی صلاح الدین کے انتظار میں)، و”الحرب الصليبية الصهيونية المعاصرة ضد العالم الإسلامي: حقائق ودلائل وشواهد وإحصائيات وأرقام” (عالم اسلام کے خلاف موجودہ صلیبی صہیونی جنگ: حقائق، دلائل وشواہد اور اعداد وشمار) و”الهجوم الشامل المعاصر من قبل القوى المحاربة للإسلام على الإسلام والمسلمين والدول الإسلامية: هل الإسلام ينهزم اليوم ؟” (اسلام دشمن طاقتوں کی اسلام ، مسلمانوں اور مسلم ملکوں پر ہمہ گیر حالیہ یلغار : کیا اسلام پسپا ہورہاہے ؟)، و”أحياء بعد الموت” (پسِ مرگ زندہ)، الكتابان الأولان بكاملهما ترجمة أردية من العربية وأما الثلاثة الأخيرة فهي تحتوي على المقالات المترجمة من العربية التي كتبها الأستاذ بقلمه النابض بالحيوية والتدفق، كما تتضمن بعض المقالات الأردية التي كتبها حينا لآخر في شتى المواضيع الإسلامية والأدبية وحول الأوضاع السياسية الإقليمية والعالمية وبالأخص الظروف السائدة على الوطن العربي وتفعيلات القوى المضادة للإسلام والمسلمين وتخطيطاتها ضد الإسلام والمسلمين والدول العربية، للنشر في الصحف والمجلات الأردية وبمناسبة موضوع الكتاب ناسبه أن يدرج فيه، وهذه الكتب ماعدا الكتب التي قام الأستاذ بترجمتها من تأليفات أخرى للعلماء المذكورين أعلاه.

ومن جانب آخر ظهر بقلم الأستاذ نور عالم الأميني  عدد كبير من التعريبات والترجمات – لا يقل من مأتين مقالة – لمقالات العلماء والدعاة والباحثين ونشرتها بعض المجلات العربية والأردية الصادرة من الهند وخارجها، أمثال: جريدة “الكفاح” ومجلة “الداعي” ومجلة “البعث الإسلامي” وجريدة “الرائد” بالهند ومجلة “الدعوة” الرياضية ومجلة “الفيصل” ومجلة “الحرس الوطني” السعوديتين وجريدة “رابطة العالم الإسلامي” بمكة المكرمة ومن المجلات والصحف الأردية في الهند وباكستان مجلة “دارالعلوم” و”ترجمان دارالعلوم” و”ترجمان ديوبند” ومجلة “الحق” وصحيفة يومية “راشتريه سهارا” وأسبوعية “عالمي سهارا” و”سه روزة دعوت” وصحيفة يومية “منصف” و”انقلاب” و”آزاد هند” و”أردو تائمز” وغيرها من المجلات والصحف التي تصدر بالهند.

خاتمة البحث:

لاحظنا من خلال دراسة أعمال الأستاذ نور عالم خليل الأميني وجهوده عن طريق التدريس والصحافة أنه يُعدّ أسطونا من أساطين اللغة العربية وآدابها في شبه القارة الهندية بأسرها، ويُعتبر شخصية فذة من نوعها في الكتابة والترجمة والتأليف بالعربية المحكمة، السلسلة الرصينة، ويتجذر في نفسه الحب الجم والغيرة الشديدة للغة العربية وشعبها ويُعرف بين الأوساط العلمية والأدبية بغزارة علمه ووفرة معلوماته وطول باعه في الدراسات الإسلامية وتوسع ثقافته وطول تجاربه وامتداد معايشته باللغة والأدب وكثرة كتاباته وشدة اهتمامه بلغة الضاد وتدريسها لجيل يتخرج متمكنا منها، متضلعا فيها عارفا بأساليبها الشتى وطرق بيانها الواضحة المختلفة وجامعا بين التعبير العبق عما يجيش بالقلوب والخواطر بالعربية الرصينة، المحكمة والقوالب البديعة المختارة والطريقة المبتكرة الأخاذة، مع الاهتمام الزائد بالقواعد اللغوية والإملائية، وهذا كله من حيث يتمهر فيه المتلقي والطالب من خلال حرص الأميني على تعليم  اللغة العربية وآدابها وتدريسها بطريقة مبدعة وأسلوب سهل، جذاب، مع التركيز الخاص على انتقاء التعابير المختارة، المستحسنة ومراعاة القواعد النحوية والصرفية، والخلو عن الأخطاء الإملائية والكتابية مع الإشارة إلى علامات الترقيم ومؤشرات الكتابة الأدبية ذات الجدة والطرافة على نمط الأسس الثابتة في اللغة والأدب والمناهج المتبعة لدى الأدباء والباحثين للغة العربية وآدابها.

الهوامش:

[1] الأميني، نور عالم خليل، مجلة “الداعي”، العدد 1، السنة 19، محرم 1416 هـ = يونيو 1995 م، ص 6.

[2] الأميني، نور عالم خليل، مفتاح العربية، الجزء الثاني، (الهند: مكتبة دارالعلوم ديوبند، ط 1، 1998)، ص 5.

[3] المصدر نفسه، ص 9.

[4] الأميني، نور عالم خليل، متى تكون الكتابات مؤثرة، (الهند: مؤسسة العلم والأدب، ديوبند، ط1، 2015م)ص7.

[5] المصدر السابق، ص19.

[6] الأميني، نور عالم خليل، مجتمعاتنا المعاصرة والطريق إلى الإسلام، (القاهرة: دار الصحوة للنشر والتوزيع، مصر، ط1، 1988م) ص 7.

[7] المصدر نفسه ص 8 – 9.

[9] المصدر نفسه، ص 9 – 10.

[10] الأميني، نور عالم خليل، الدعوة الإسلامية بين دروس الأمس وتحديات اليوم، (المغرب: رابطة الجامعاتالإسلامية بفاس، ط 1، 1988م) ص 5 – 6.

[11] الأميني، المسلمون في الهند بين خدعة الديمقراطية وأكذوبة العلمانية، (مصر: دار الصحوة بحلوان – القاهرة، ط 1، 1988م) ص 2.

[12] المصدر نفسه، ص15.

[13] الأميني، نور عالم خليل، الصحابة ومكانتهم في الإسلام (مصر: دار الصحوة بحلوان، القاهرة، ط 1، 1989م)            ص 4.

[14] المصدر نفسه، ص 165 – 166.

المصادر والمراجع:

  • الأميني، نور عالم خليل، مفتاح العربية، الجزء الثاني، (الهند: مكتبة دارالعلوم ديوبند، ط 1، 1998).
  • الأميني، نور عالم خليل، متى تكون الكتابات مؤثرة، (الهند: مؤسسة العلم والأدب، ديوبند، ط1، 2015م).
  • الأميني، نور عالم خليل، مجتمعاتنا المعاصرة والطريق إلى الإسلام، (القاهرة: دار الصحوة للنشر والتوزيع، مصر، ط1، 1988م).
  • الأميني، المسلمون في الهند بين خدعة الديمقراطية وأكذوبة العلمانية، (مصر: دار الصحوة بحلوان – القاهرة، ط 1، 1988م).
  • الأميني، نور عالم خليل، الصحابة ومكانتهم في الإسلام (مصر: دار الصحوة بحلوان، القاهرة، ط 1، 1989م).
  • الأميني، نور عالم خليل، الدعوة الإسلامية بين دروس الأمس وتحديات اليوم، (المغرب: رابطة الجامعات الإسلامية بفاس، ط 1، 1988م)
  • الأميني، نور عالم خليل، مجلة “الداعي”، العدد 1، السنة 19، محرم 1416 هـ = يونيو 1995 م.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here