القضية الفلسطينيَّة في أعمالِ يُوسف السّباعي

Vol. No. 2, Issue No.1 - January-March 2022, ISSN: 2582-9254

0
154
القضية الفلسطينيَّة في أعمالِ يُوسف السّباعي

عبد المتين

باحث في الدكتوراه بقسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة العالية، كولكاتا، الهند.

imatinabdul@gmail.com

——————-

ملخص البحث:

إنّ القضية الفلسطينيّة من تلك القضايا التي دائما ما شغلتنا، ونالتْ الكثير من العطف والأسى من مشاعر العرب والعالم الأجمع، لكن لا يخرج الأمر عن كونه مشاعر عطف، فقد انشغل كلٌّ بقضيته الشخصية تاركًا القضية الفلسطينيّة في مهبِّ الريح. هذه الدراسة ستتمحور حول القضية الفلسطينيّة التي تنكشف في الأعمال الأدبية ليوسف السباعي. وسنكشف عن تلك المعالم الفلسطينيّة من خلال تحليل أعماله المعروفة؛ لأنّها مكثفة بالأفكار النضالية التي تتناسب مع فلسطين وأهلها الأبرياء. وتُعد أعماله الأدبية التي كتبت في سبيل التعريف بالقضية الفلسطينيّة، في مواجهة الظلم الصهيوني، الطمس الهُوياتي الذي يُمارَس في حقِّ الفلسطينيين.

لقد سعى الكاتب لأنْ تكون  أعماله فلسطينيّة مُدافعة عن الهُويّة الفلسطينيّة، أكثر من تعريفها بالقضية والدفاع عن حقوق الفلسطينيين في أرضهم وتاريخ أجدادهم، تصور الأعمال الإنسانيّة وتنطلق من الأرض لتكشف رحلة الإنسان الفلسطيني بين الشعوب العربية والعالمية، فشخصية البطل  في أعماله هي شخصية كل الفلسطينيين، ومعاناتها هي معاناة شعب بأكمله وجد نفسه خارج حدود التاريخ والهُويّة والأرض، لقد وجد نفسه الكائن المُجرَّد من كلِّ ما يملك وعليه أن يصارع القدر من أجل العيش والبقاء على رقعة صغيرة من أرضه التي حُرِمَ منها. وأرجو أن تكون هذه الدراسة المتواضعة مُقنِعة للجمهور بأنَّ يوسف السباعي أديب كبير التزم بمحبته ومسؤوليته بقضية فلسطين، خلافًا لما يبرزه موته المأساوي.

الكلمات المفتاحية: يوسف السباعي، القضية الفلسطينيّة، الأعمال الأدبيّة.

التمهيد:

 كما نعلم أنَّ الروائي الكبير يوسف السباعي قد دافع عن القضايا الوطنيّة المتنوعة، وعلى رأسها القضية الفلسطينيّة حتّى يُلاحظ أنّ معظم أدبه أدب قضية أكثر منه أدب إبداع. وأعلن عدد من نقاد أعماله، أنّ يوسف السباعي “هو الوطني المشارك في ثورة الضُّباط الأحرار وقبل ذلك في حرب فلسطين، كان غالبًا ما يقمع موهبته الإبداعيّة على مذبح رغبته في التعبير – في أدبه – عن القضايا الوطنية الساخنة”[1]. سلك يوسف السباعي مذهب رموز ومعالم متعددة بين آونة وأخرى ليتناول قضية فلسطين والقضايا الأخرى المحوريّة. الجدير بالذكر أنّ (شجرة الليمون) مثل من أهم الرموز التي تُسلِّط الضوء على الروايات الفلسطينيّة ؛لأنّ لها دورًا كبيرًا في قضية فلسطين، و يُكرِّر كاتبنا يوسف السباعي كلمة (شجرة الليمون) عدّة مرَّات، كما يأتي بها في موقف من مواقف رواية (ابتسامة على شفتيه) :”انتهى الصديقان من تناول الطعام … وجلسا في استرخاء تحت شجرة الليمون[2] يُثير انفعالات وطنيّة قوميّة في قلوب الجمهور والقُرّاء ومن خلالها[3].

نبذة عن حياته:

ولد يوسف السباعي في القاهرة عاصمة مصر عام 1917م، وتوفي والده وهو في الرابعة عشر من عمره فأصابه حزنٌ شديد.

بدأ حياته الأدبيّة في عام 1934م ونشَرَ قصته الأولى بعنوان (فوق الأنواء)  في (مجلة مدرسة شبرا الثانوية)  وهو في السابعة عشر من عمره، ونُشِر قصته الثانية عام 1935م بعنوان (تبت يدا أبي لهب وتب) في المجلة التي كان يصدرها أحمد الصاوي باسم (مجلتي). وكتب كثيرًا من الكتب في موضوعات شتّى من أهمها:

  • طريق العودة وهو من أهم مؤلفاته وقد نُشِرَ في عام 1956م.
  • ابتسامة على شفتيه، و هي من أهم رواياته وقد عكسَ المُؤلِّف في هذه الرواية قضية فلسطين، بشكل جيِّد، وطُبِعَتْ الرواية في عام 1971م.
  • العمر لحظة، نُشِرَتْ هذه الرواية في عام 1973م.
  • نحن لا نزرع الشوك، طبعت في عام 1969م.
  • خبايا الصدور، نُشِرَتْ عام 1948م.

وقد كتبَ يُوسف السّباعي (22) مجموعة  قصصيّة و (16) رواية أدبيّة شهيرة . وقد أصبح وزير الثقافة عام 1973م، وبقي في هذا المنصب إلى أنْ اغتيل في قبرص في عام 1978م ؛بسبب دعمه لمبادرة الرئيس السادات لتحقيق السلام مع إسرائيل بعد زيارته القدس عام 1977م، وفي السَّنة نفسها أصبح أيضًا رئيس مؤسسة الأهرام ورئيس نقابة الصحفيين المصريّة.

وكان كاتبًا فريدًا وسياسيًّا متطورًا وعلى قدر عالٍ من الذكاء، ومن أجل ذلك، إنّه حاز جائزة الدولة في الفنون سنة 1973م إضافة إلى عدد كبير من الميداليات. وعمل كرئيس تحرير في بعض المجلات المصريّة من أهمها: (الرسالة الجديدة) و (آخر ساعة) و(المسار) و(الأهرام).

رواية  (ابتسامة على شفتيه):

 تناول الكاتب الشهير يوسف السباعي  في هذه  الرواية قضية فلسطين  بأسلوب جميل؛ ليُذكّرنا بمعركة الكرامة التي دارتْ بين القوات الفدائية والصهيونية في الأردن عام 1967م من خلال حبكتها[4]. بالرغم من موتِ بطل الرواية، إلا أنّ ابتسامته على شفتيه ونضاله في سبيل الوطن تُثير التفاؤل والثقة وضمائر الجمهور. والمجموع يحيا من خلال موت أفراده.

ونلحظُ أنّ هذه الرواية حافلة بالأفكار التي تعكس قضية الأمة ومظاهرها  والتي تظهر في حركات الحبكة الروائية من الحوار والنقاش والقص فينة بعد فينة كما فوجئنا بالتهابها في الحوار الذي كان يجري بين شخوص الرواية والذي يُركّز على ابتسامة (عمّار) وعدمها وذلك الحوار هو:

“وصاح خالد معترضًا:- مي لا تضحك يا أبي، لقد رسمت اليوم في المدرسة صورة لأخي عمّار وهو يرتدي ثياب جندي وممسك بندوقية.

وقالتْ مي معقبة:- لم تكن صورة عمار. لقد كنت أحاول أن أرسم صورة لمقاتل فلسطيني كنموذج يرسمه الأولاد في الفصل. وفجأة سمعت خالد يهتف من وسطهم بأعلى صوته ويقول لي “هذا أخي عمّار يا أبلة مي”. ولم أكن أدرك أنّ ملامح المقاتل تشبه عمارًا حتى صاح بي خالد. وعندما عدتُ أتأملها وجدت بها بعض الشبه فعلًا من عمّار”[5] وهذا ما نسمع في الحوار بين مي وعمّار عن صباح يوم في طفولته – استيقظ على انفجار مروع “اليهود يهاجمون البلدة”.

ولكن عمّار لا يبتسم كأن المأساة الفلسطينيّة تهمّه أكثر ممّا يمكنه الابتسامة. وهو لا يستعد أن يقف أمام مي فتعلن أنّها ترسمه من ذاكرتها. وبينما تتمحور الرواية حول قضية فلسطين، تتطور معها، قضية الحب من شخصية الرواية (مي) تجاه (عمّار). وفي معظم الوقت من تطور الرواية يبدو هذا الحب سرًّا أو من جانب واحد – ذلك من مي. وعندما يتضح في صفحات الرواية نرى الكاتب يُصوِّر بهذه الذكرى التجارب المؤلمة والمؤسفة للغاية لأهل فلسطين من قبل الجنود الإسرائيليين. ها هو ذا تتعرض خالة عمّار الحامل لهمجيّة وحشيّة إسرائيليّة: “وصرخت أم مي واندفعت إلى الرجل غاضبة تحاول أن تمسك بخناقه. وببساطة تلقاها الرجل بطرف السكوني مصوبا إلى بطنها المنتفخ وبكل ما يملك من قوة دفعه إلى داخل بطنها وهو يقول في استخفاف: “لا داعي للمزيد من نسلكم. لستُ أدري لماذا تتكاثرون بمثل هذه السرعة. وبقر السكوني بطن المرأة الحامل وسقطت المرأة تتلوى وقد خرج كل ما في باطنها”[6].

وقد تناول الناقد الكبير علاء وحيد في مقالته (المأساة الفلسطينيّة بين طريق العودة وابتسامة على شفتيه) منهج يوسف السباعي في معالجة قضية فلسطين، بشكل ملحوظ. ويتابع علاء وحيد من خلال دراسة هاتين الروايتين تطوّر رواية يوسف السباعي من رواية إلى أخرى. كانت المعركة بين اليهود بشمول اللفظة في الرواية الأولى، وهي معركة استعادة حق أو عاطفة أو ثار،  في حين أصبحت المعركة في الرواية الأخيرة معركة الحضارة العربية والمصير العربي كلّه. وهذه الرؤية السامية تجمع شخوصها سواء في الحياة المدنية أو الحياة المقاومة[7]. أمّا الحال الذي يُقدّمه يوسف السباعي لقضية فلسطين في الرواية الأخيرة فهو المساواة بين الجانبين وهذه الرواية تقوم بعملية توازن ضرورية لحياة الكفاح الخشنة التي يعيشها المجتمع الفدائي. وأهدى الأديب السباعي هذه الرواية إلى الشهيد الذي ضحَّى بروحه من أجل بعث الروح الفلسطينيّة والذي جعل من جسده الطاهر معبرًا للعودة.

وقد ينتقد الكاتب بعضًا من مواقف الناس على شاكلة السخرية الممتزجة بالغضب والغيظ ومن الطبيعي أن يطمئن الناس إلى تسمية الأماكن التي شهدتْ مذبحة بأسماء مختلفة كأنهم بمجرد تسميتها أدّوا مسؤليتهم تجاه الشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم لصالح الوطن. وهنا تلتهب عاطفة الكاتب وغضبه فيما يعبر في السطور التالية: “ولكنّه عاد يسمع صوت القهقهة … قهقهة الجمع … الذين يشاهدون المسرحية الهازلة” ويردُّ الكاتب قائلًا في الصفحة التالية خلال حديثه عن عمَّار: “سمّاها الناس بعد ذلك: مذبحة دير ياسين قريتهم الهادئة الطيِّبة، ووصفوا فظائعها. ولكن أحدا لم يراها كما رأها هو. لم ير طرف السكوني يغرس في بطن خالته كما تغرس السكين في البطيخ ويخرج منها الجنين كقلب البطيخة”[8] وتوجد في الرواية نداءات إلى ميدان المقاومة والمقاومة هي الوسيلة الوحيدة للخلاص من فخ الظلم والاضطهاد، يُدرك المواطن الفلسطيني أنّ ليس هناك نهاية لهذا الوضع المأساوي إلا بالمقاومة. وقد وجدنا عددًا من الكُتّاب العرب، كانوا يدعون بأقلامهم المناضلين الفلسطينيين إلى المعركة ضد الجيش الصهيوني كما لاحظنا في روايات غسّان كنفاني مثل: ( رجال في الشمس) و(عائد إلى حيفا) و(تبقى لكم) و(أم سعد) وغيرها من أعماله الروائية الرائعة. أمّا في رواية (ابتسامة على شفتيه) فنجدُ جملًا وكلمات تتضمن  نفس النداءات  إلى ميدان المقاومة ضد العدو اللدود الإسرائيلي. ونسمع يحيى يتحدث لصديقه عمّار وتلك الكلمات تُلقي الضوء على أهمية المقاومة والمناضلة في سبيل الوطن وتدعوه إلى النضال المباشر مع الأعداء. “….. إنّ علينا نصنع المستقبل بأيدينا … نحن شعب ضائع يا عمّار … شعب مسروق … منهوب… مظلوم … شعب من اللاجئين” نتجول إلى شعب من المقاتلين … هذه هي مهمتنا الأولى … نمسك بالسلاح … ونقاتل”[9].

جديرٌ بالذكر أنّ الأديب يوسف السباعي يُعالج قضية اللاجئين في رواياته التي تتناول قضية فلسطين قضية فرعيّة هامّة؛ لأنّها نتيجة مهمة للأولى. تخلف قضية فلسطين المأساوية في كل لحظة عددًا كبيرًا من اللاجئين بما فيهم الرجال والنساء والأطفال. وأيضًا تتجلى قضية فلسطين شدتها في تذكرة عمّار لأمه حيث تتحدث معه عن الزواج “وشرد ذهن عمار برهة. زوجة وأولاد. ومزيد من المشردين واللاجئين والضائعين في الأرض. لماذا؟”[10] فالزواج بالنسبة إلى عمّار في هذا الوضع المأساوي لوطنه مجرد خلق اللاجئين والمشردين والضائعين ليس غير. استطرد عمار يتمتم كأنّه يُحدِّث نفسه: “نحن شعب ضائع، مُمَزّق، مُشرَّد، شعب بلا وطن ولا أرض. إذا كُنّا لا نجد مكانًا على الأرض فهل سنجد لأولادنا مكانًا؟ ماذا يمكن أن نمنحهم؟ الضياع؟”[11].

رواية (طريق العودة):

إنّ قضية فلسطين من أهم القضايا  في روايات يوسف السباعي، أمّا رواية  طريق العودة التي نُشِرَتْ في عام 1956م فهي تعالج قضية فلسطين وتصورها ببساطة واقعيّة وصورة نضالية وإنّ العودة المنشودة كما نجد في العنوان (طريق العودة) تُوحِي بعودة العرب إلى هذه الديار المقدسة من حيث تتنبأ بها. و تُسلِّط السطور الأولى من هذه الرواية نفسها الضوء على هذه الفكرة “في خريف عام 1948م، وقبل المعارك الحاسمة التي انتهت بها عمليات القتال الأولى في فلسطين”[12]. وهذه الرواية المليئة بالأعمال النضالية والحروب الدامية تذكرنا بالرواية الأمريكية (وداعًا للسلاح) لأرنست هيمنغواي التي ترسم الحملة الإيطالية في الحرب العالميّة الأولى.

رواية (العمر لحظة):

تتشدقُ هذه الرواية بالحديث عن العمليات الفدائيّة بين الفينة والفينة. وهي تثيرُ في قلوب الفدائيين الشجاعة والجرأة والإخلاص والاتفاق في ميادينهم الحربيّة. يتكون العمر من اللحظة، يبدأ بلحظة ويترعرع بلحظة ثمّ ينتهي بلحظة فكل لحظة من اللحظات ذات قيمة عالية ومُهمّة جدًا. ها هي الفكرة المحوريّة لهذه الرواية الجميلة. ورواية (العمر لحظة) آخر ما كتب من مؤلفات السباعي الروائيّة. وهي تثري كثيرًا شجاعة الفدائيين، فالفدائيون لا يجدون الفرص حتّى للتفكر والتدبر في شأن الخوف من الموت؛ بل يواجهون الموت مباشرة[13]. والفدائيون في جبهة القتال “الذين يموتون منا … لا أظنهم احتاجوا إلى شجاعة وهو يواجهون الموت … إنّ الموت هنا لا يمنحنا حتي قرصة الخوف منه، وسط الضجيج والدوي والغبار والدخان تفلت شظية أو رصاصة لتنفيذ في أحدنا. فيسقط ثم ينتهي”[14].

وإذا أنعمنا النَّظر من زاوية أخرى إلى العبارات المذكورة آنفًا نكتشف أنّ الروائي لا يشجع الأعمال الفدائية إلا في المناسبات الضرورية ويتحدث بإسهاب عن تغلب الموت وهو يتابع أحاسيس الخوف بل ليس على حياته بل الخوف على فشل عمليته الفدائية[15]. يحاول المُقدّم محمود وجنوده كل المحاولة على تأدية مهمته الفدائية. يأتي الخوف إليهم في صورة الموت، فإذا مات أحد منهم فيؤثر في عمليتهم فللحياة قيمة كبيرة في هذه اللحظات الحاسمة.

ومع ذلك، لا يهمل هنا العامل الروحي، فنرى في هذه اللحظات، المُقدّم محمود عبد الله يتلو الفاتحة وهذه لحظات تتصل فيها شعرة بين الحياة والموت وبين الانتصار والهزيمة. وعندما يستشهد (عبد العزيز) أحد شخصيات الرواية وعدد من زملائه خلال عمليتهم الفدائية نفهم أنّ للانتصار ثمنًا يجب أن يُدفع. وإلى جانب ذلك، لم يكن عبد العزيز يخاف الموت، لكنّه كان يريد ألا يموت حتّى يتزوج (سعدية) التي تحمل جنينها منه.

ولا عجب في أنْ نرى الحوار والنقاش بين نعمت بطلة الرواية ومعشوقها المُقدّم محمود عن أسباب نكسة 1967م إلى أن سألت نعمت “هل يمكن أن يحدث ما حدث ثانية”؟ والجواب الذي يُقدّمه يوسف السباعي على لسان محمود بهذا الصدد غزير الأفكار في قضية فلسطين. وهو المجيب “لا … لا أظن … ليس هناك بالطبع من يستطيع أن يضمن نتيجة عمله مائة في المائة وكلّ عمل مُعرَّض للنجاح أو الفشل ولكن الفشل شيء والضياع شيء، والفشل يجب أن يكون داخلًا في الحسبان … محسوب ضمن النتائج المتوقعة ومردود عليه بحسابات الخطة الأشمل … وإذا لم نفعل فخيرًا لنا ألا نتحرك[16]، وفي هذه الكلمات القيمة يُعبّر الكاتب عن فلسفة النجاح والفشل في ميدان المعركة فلا بد أن نستعد قلبًا وقالبًا أن نستقبل النجاح أو الفشل في العمليات الفدائية. ونُجهز أنفسنا لئلا نعاني من الفشل بإعداد الخطة الشاملة. أمّا إذا كُنّا لا نحتمل نتيجة الفشل فالأفضل ألا نتحرك ولا نتقدم للمواجهة مع العدو.

وعن طريق تناول الميادين الفدائية، يلفت الكاتب يوسف السباعي انتباهنا إلى العمليات الفدائية التي لا تزال تجري في الأماكن المختلفة من فلسطين ويعرض لنا مشاكل المناضلين هناك ومشاعرهم. ويعلن الكاتب عبر هذا البيان الصريح أنّه يجب التكاتف والتعاون مع المقاتلين الكرام في فلسطين المحتلة[17]. وطريق السباعي الفريد يتضح بشكل جميل في تنبئه بطول المعارك الشعبيّة الفلسطينيّة فقد قال: “يجب أن نحذر الضربة القاضية، يجب أن نحول المعركة إلى معركة نفس طويل، ولكن ليس إلى معركة صمت … يثبت فيها أقدامه بارتياح وبغير قلق … شعبنا يحتمل كل ما هو ما حتمي، لكنّه يسخر من كل ما لا مبرر له، شعبنا يحتمل معركة طويلة”[18] وتتضمن فلسفة يوسف السباعي أفضليّة العمل على القول في ميدان المعركة فهو القائل على لسان البطلة نعمت “لقد آن لنا أن نُركّز على ما يجب أن نفعل، فإن ما يفعل أهم مائة مرّة ممّا يُقَال”.

رواية “نحن لا نزرع الشوك”:

إنّ هذه الرواية الطويلة لم يتمكن لها الانفلات من تناول قضية فلسطين في صفحاتها؛ لأنّ ذاكرة الكاتب كثيفة بأفكارها فحبكة الرواية تذكرنا حينًا وحينًا قضية الأم مثلما نقرأها في العبارات التالية:

“وفي اليوم التالي جلس جودة يقلب الأهرام قبل أن يبدأ ورود الزبائن للعبادة… وقلب الصفحات الأولى وتمتم في ضيق: أوقف القتال … بعد أن وصل اليهود إلى العريش… لو تركنا أول مرة لوصلنا إلى تل أبيب…[19]؟”.

الخاتمة:

وفي الاختتام يمكننا أن نقول  إنّ الروائي المصري يوسف السباعي قد تناول في أعماله الأدبية لا سيّما في رواياته الرئيسة قضية فلسطين أكثر من أي كاتب عربي آخر. وكان تركيزه في الأعمال التي عالجت هذه القضية، على حقوق الشعب الفلسطيني. وقد التزم بالموقف نفسه في كلّ مقالاته التي كتبها بعد زيارته القدس في عام 1977م، ولا تخلُ أيّة مقالة من مجموعة مقالته في هذه المدّة من الدفاع عن الحق الذي اغتالوه غدرًا. وأنّه أيضًا يخوض في مناحي قضية فلسطين من زوايا مختلفة. يتناول من خلالها رؤى الساسة المصريين مثل: الرئيس السابق جمال عبد الناصر وتارة يمزج بين معالجة قضية فلسطين ومعالجة القضايا الأخرى من القضايا السياسيّة أو الاجتماعية، وتارة يمزج قضية فلسطين ومواقف القيادة السياسيّة المصريّة. ونجد أفضل مثال لهذا الأمر في رواية (العمر لحظة) ؛ إذ يشرح (محمود) سؤاله المهم الذي طرح إلى الجمهور فيقول: “لقد كنّا نعدُّ لمعركة خلاص … ولكن كما قال عبد الناصر… لأحد الوفود الفلسطينية … ليس لديَّ حل جاهز لاستعادة فلسطين … ولكني أبني من أجل إعداد لمعركة الخلاص … ولكن المعركة التي خضناها … فرضت في وقت لم نعدّ له بأسلوب لم نرده”[20].

……………….. *****……………….

الهوامش:

[1] إبراهيم العريس، “السقا مات” ليوسف السباعي، الحوار المدهش بين الحياة والموت، الحياة، الأربعاء، 1 نوفمبر، 2017م.

[2] يوسف السباعي، ابتسامة على شفتيه، ص 73.

[3]محمد رياض. ك، الانعكاسات الفلسطينية في رواية يوسف السباعي، مجلة كاليكوت، المجلد التاسع، العدد الثاني، مايو 2019م.

[4]  محمد رياض. ك، الانعكاسات الفلسطينية في رواية يوسف السباعي، مجلة كاليكوت، المجلد التاسع، العدد الثاني، مايو 2019م.

[5] يوسف السباعي، ابتسامة على شفتيه، ص 17.

[6] يوسف السباعي: ابتسامة على شفتيه، ص 26.

[7] محمد رياض. ك، الانعكاسات الفلسطينية في رواية يوسف السباعي، مجلة كاليكوت، المجلد التاسع، العدد الثاني، مايو 2019م.

[8] يوسف السباعي: ابتسامة على شفتيه، ص 26.

[9] يوسف السباعي: ابتسامة على شفتيه، ص 37.

[10] يوسف السباعي: ابتسامة على شفتيه، ص 78.

[11] يوسف السباعي: ابتسامة على شفتيه، ص 81.

[12] محمد رياض. ك، الانعكاسات الفلسطينية في رواية يوسف السباعي، مجلة كاليكوت، المجلد التاسع، العدد الثاني، مايو 2019م.

[13] محمد رياض. ك، الانعكاسات الفلسطينية في رواية يوسف السباعي، مجلة كاليكوت، المجلد التاسع، العدد الثاني، مايو 2019م.

[14] يوسف السباعي، العمر لحظة، ص 178.

[15]محمد رياض. ك، الانعكاسات الفلسطينية في رواية يوسف السباعي، مجلة كاليكوت، المجلد التاسع، العدد الثاني، مايو 2019م.

[16] يوسف السباعي، العمر لحظة، ص 245.

[17]  محمد رياض. ك، الانعكاسات الفلسطينية في رواية يوسف السباعي، مجلة كاليكوت، المجلد التاسع، العدد الثاني، مايو 2019م.

[18]  يوسف السباعي، العمر لحظة، ص 246.

[19] يوسف السباعي، نحن لانزرع الشوك، دار مصر للطباعة، ص 725.

[20] يوسف السباعي، العمر لحظة، ص 243.

المصادر والمراجع:

  1. علاء الدين الوحيد، يوسف السباعيبين الأيام والليالي، الكتاب الذهبي، روز اليوسف، 1979م.
  2. لمعي المطيعي: موسوعة هذا الرجل من مصر، دار الشرق، القاهرة، 2005م.
  3. لوسي يعقوب، يوسف السباعي فارس الرومانسية، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2007م.
  4. محمد رياض. ك، الانعكاسات الفلسطينية في رواية يوسف السباعي، مجلة كاليكوت، المجلد التاسع، العدد الثاني، مايو 2019م.
  5. الموقع الرسمي لجريدة الأهرام.
  6. نبيل راغب، فن الرواية عند يوسف السباعي، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1980م.
  7. يوسف السباعي في ذكراه الأولى: مجموعة من الكتاب.
  8. يوسف السباعي، العمر لحظة، مكتبة مصر، القاهرة. 1969م.
  9. يوسف السباعي، طريق العودة، مكتبة مصر، القاهرة.
  10. يوسف الشاروني، دراسات في الرواية والقصة القصرة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1987م.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here