وفاء عبد الرزاق ، بين شينِ وحاموت

Vol. No. 2, Issue No.4 - October-December 2022, ISSN: 2582-9254

0
19

وفاء عبد الرزاق ، بين شينِ وحاموت 

هاتف بشبوش

شاعر وناقد عراقي / الدنمارك.

—————————

الكبيرة وفاء.. هذا ما وجدته في روائعك.. ولأن دولة شين وحاموت إحداهما تكمل الأخرى بالمعنى الجوهري.. فعملت خلطة بينهما مع الإشارة البسيطة للمتحولين.. فظهرت القراءة بهذا الشكل الذي أتمنى أن يعجبك.. إقرإيها على مهلك. وبإمكانك أن تلغي أي فقرة بعيدة عن ذوقك.. أما (آن)  ساٌقرؤها لاحقا للتمتع بما فيها من جميل…. أعتذر عن التقصير ….

(الحب هوالديانة الحقيقية للتعقيد المفرط …   أدغار موران ) .

عند ملتقى النهرين ( ميزوبوتاميا)، في البصرة الندية، بصرة الفراهيدي، ثورة الزنج، المربد، السياب وسعدي يوسف. هناك حطت سفائن الشعر والرواية لكي يُربط حبلهما المينائي، فينجب لنا الوفاء الأنثوي الناصع الذي لقب بعدها بالشاعرة وفاء عبد الرزاق فيظل اسمها هادراً مع خرير مياه البحر والزبير وأم قصر.  وفاء طاقة إبداعية هائلة تغنى بشعرها كبار المطربين ومنهم (جعفر حسن). نالت العديد من الجوائز العربية والدولية، عضوة وسفيرة في العديد من المنظمات العالمية، أصدرت حتى الان 54 كتابا في الشعر بشقيه الفصيح والشعبي، والكتب المترجمة والقصة القصيرة والرواية، ومن ضمنها موضوعة بحثنا الروايتين (دولة شين، وحاموت).

وفاء عبد الرزاق حين تكتب شعراً أو رواية، نرى القابلية المذهلة في أن تجعل منهما كتاباً يزعل ويحب ويسافر ويستريح على الرفوف والكنبات مثلنا نحن البشر، حين كنا صغارا فكنا أبرياء ولما كبرنا تلوثنا بغبار الحياة كما الكتب الموضوعة في أدراجها. وفاء تكتب الصدق في عالم يكذب، عالم مخيف للغاية، وأوطانُّ باتت تحكمها الخرافة التي تعتمد في حكايتها على الجن والشيطان وكلاهما عمود الخيمة السردية والميتاسرد لرواية دولة شين. حين تكتب تعلن شموخها العالي وتتحدى بمفاهيم وحجج قوية، وحين تسري أصابعها النهرية نسمع فمها المؤازر يقول بكل جرأة ( ليست خيانات النساء تعلمنا المزيد من التحدي، بل خياناتنا … كلود لارشير).

تدخلنا وفاء إلى لعبة الجوع ( The hunger Games )، إلى مباراة القتل المستمرة  بأبعادها الثلاثية والتي أدت فيما مضى إلى استفاقة كل ما هو حداثي في عصر النهضة الأوربية وكيف بنى الغرب مجتمعاتهم استنادا لما كتبه الفلاسفة والأدباء والملاحدة في خضم معاركهم الخطابية مع الكنيسة والكنيست ابتداء من ( سبينوزا، فولتير، جان جاك روسو، هيوم، كانط، حتى ننتهي بعصرنا الحديث وبرتراند راسل، البير كامو، وسارتر) واليوم ينهض على نهجهم المفكر العراقي أحمد القبنجي والمفكر المصري السيد القمني. وفاء تضع المشرط على البدن العربي الذي ظل على الشاكلة الثأرية للمهلهل (الزير سالم) الذي أراد أخيه الملك المقتول (كليب) من قبل جسّاس، حياً مهما بلغ الثمن (وعظمي سار في الأرماس كُحلاً / وجسّاس ابن مرّة في الحياةِ). شعوبنا اليوم تريد المستحيل بالرجوع إلى الماضي وكمن يريد أن يرى عينيه بعينيه أو يرى عقله بعقله دون الركون إلى العلم والتجريب، حتى جعلهم شعوبا تكاد تنقرض، العرب اليوم بحيرة مليئة بالسمك، تجف ويأكل بعضها بعضا، العِرق يقتل العِرق والطائفة تقتل الطائفة، مثل أفعى تلتهم أبناءها، وليس هناك ثمة افق في النجاة، إلا إذا حصلت القطيعة التي تريدها الروائية وفاء، تلك القطيعة الكاملة مع الماضي وتأسيس مجتمع على أساس قانوني مدني يؤمن بالمرأة وحقوقها، هذا يعني أننا كعرب في مأزق والإسلام كرسالة انتهى مع النبي محمد ولم يبق غير صراع أيديولوجيات، و ذوبان الشرع الإلهي في السلطة السياسية كما فرعون الذي نصّب نفسه إلهاً وحاكماً.

عند التمعن فيما تكتبه وفاء عن كثب نشهد أن الإله (يقدم استقالته والإمام يسقط.. نوال السعداوي) في زمن نجد أنفسنا مرغمين منساقين بالعودة إلى ذلك الزمن السبعيني الخليل، العجيب، الغريب والمألوف معا والخالي من أي شطحات إنسانية تخلّلها هذا الزمن المريع، حيث الضمير العربي وفق السرد الهرائي الخلاّب للروائية وفاء يُقتل من الطفولة بسبب التربية الدينية الخاطئة، فينشأ الفرد مقلداَ محضا وأعمى لا يعرف من الأخلاق شيئا لأن الدين لا يعلّم الأخلاق، بل يعلّم الوصايا النظرية العشرة بالترديد والترتيل، بدليل ذلك خيانة يهوذا الإسخريوطي للمسيح بثلاثين من الفضة بينما هو تلميذه وأمين صندوقه فأين الأخلاق هنا. اليوم تتصور النساء العراقيات اللواتي جلّهن متخلفات من أنّ الجنة يمكن أن تدخلها بعشرة آلاف دينار وهو ثمن الحجاب، بينما الدخول إلى الفردوس إن وجد بالسلوك والتصرف العملي لا بالضن والظنون. كل شعوبنا ورثت الإيمان بالوراثة وهذا يعتبر باطلا وفق كل القوانين العلمية الحديثة. تخلّفّ العرب لأن الخيال ممنوع ولذلك بقينا مستهلكين للتلفزيون وأبسط أجهزة التكنلوجيا. نحن العرب في سنٍ خامسةٍ توقفنا عن التساؤل. الطفل ينشأ على التساؤل البريء، فيقول ها هي النجوم جميلة، يقولون له لا تنظر فهي مبعث للثآليل، ثم يردف مَن خلقها: فيقولون له ربنا، ثم حين يسأل من خلق الرب ؟؟يقولون له اسكت اسكت وهذه هي الطامة القاتلة لروح الإبداع فيموت الجواب والسؤال والخيال في تلك اللحظة الطفولية حتى سن الشيخوخة لأن الدين ليس مجرد وهم illusion)) لكنه خطرُّ لأنه يمنع من استخدام الناس عقولهم فيضمحل العقل والذكاء، ولذلك نرى في الغرب وفي إحدى المدارس طلبت المعلمة من الأطفال أن يوجهوا أسئلتهم إلى الله وبكل حرية فقال أحدهم:

عزيزي الله: بدلاً من أن تجعل الناس يموتون، ثم تضطر لصناعة بشر جديدين، لماذا لا تحتفظ وحسب هؤلاء الذين صنعتَهم بالفعل؟

ثم قال آخر:

عزيزي الله،: هل أنت فعلاً غير مرئي، أم أنّ هذه حيلة أو لعبة.

شتان فرق بيننا وبينهم فيظل الإنسان العربي في حلقة مفرغة من الحياة الروتينية التي تخلق حالة من الرفض وعدم الإعجاب دون أن يفعل شيئاً يرفع من الذات الحرة. ولذلك نرى وفاء صرّحت بهذا الخصوص في بداية بوحها في كتابها القصصي (المتحوّلون) والذي له رباط وثيق بهاتين الروايتين فتقول:

لا أدري

ليس ثمة ما يدهش

ليس ثمة ما يخرج من أناي

هنا تقترب وفاء مما قاله العظيم محمود درويش في قصيدته:

لا شيءَ يُعْجبُني”

يقول مسافرٌ في الباصِ، لا شيء يعجبني

لا الراديو، ولا صُحُفُ الصباح، ولا القلاعُ على التلال

أُريدُ أن أبكي….

في رواية دولة شين التي تضم مكنونين، سلطة الشياطين والطوائف ولا يمكن أن نطلق عليها دولة بالمعنى الحقيقي. هذه السلطة حلّت بعد جمهورية الخوف للبعث المجرم التي كتب عنها الروائي العراقي (كنعان مكية )، لكن الدولة التي نحن بصددها لوفاء هي الدولة الكونية ضمن سياق العولمة التي تفرض بالقوة وسفك الدماء رغم أن أغلب أحداثها في عراق الحاضر.

الرواية هي سرد نثري عن الأساطير الدينية وأسطورة أبطالها وكيف يتم خداع الناس بالماورائيات وأن هذه الحياة التي نعيشها سوى عبارة عن وهم زائل. إنها الرواية التي تقترب كثيرا في سخريتها الهائلة للمقدّس المسيّس، على غرار السخرية العظيمة التي قرأناها في جحيم دانتي ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري أو ملائكة وشياطين (Angels & Demon) للكاتب الأمريكي (دان بروان) والتي مثلت في فيلم جميل من بطولة (توم هانكس) و (ايليت زويرر). شخصيات رواية دولة شين كثيرة لغزارة الشياطين وأسمائهم وأهمها (شين) الشيطان الداينمو لفتك الأرواح ثم سيد الكون المطلق (كريم). يجول الشيطان في ثلاثة عشر باب ويدخلها ليرى الهول الغرائبي في الجرائم وانسحاق البشر تحت رايات يصنعونها بأنفسهم مع التزويق بالهالة الإلهية كحجة لدفع الجريمة إلى العود الأبدي وإن كل ما يحصل هو بفعل الجبرية والقدرية فعلينا الاستسلام لكل ما يحصل من قهر وتقتيل وموت من طائل الحروب والكوارث الطبيعية. دواعش ورايات سوداء وسيوف لامعة تحصد البريء والمجرم فلا فرق هنا طالما هم تحت طائلة البند الإلهي فهو الحاكم الأخير الذي لا يعلى عليه وهو بنفس الوقت الذي طرد الشيطان وجعله منفياً أبدياً، لكي يضع اللائمة عليه في الإغراءات بشتى أنواعها فينشأ الصراع بين إله الشر وإله الخير بينما البشر لا يعرفون حتى الآن ماهي الحقيقة الأساسية لكل المأساة في الدمار والموت التراجيدي الذي كنا نعرفه أيام زمان مضى لشخص واحد بينما اليوم نرى الموت إحصائياً وأكداسَ جثث. شياطين اجتمعوا بأعداد قليلة وعليهم أن يزيدوا عدد الشياطين لبناء دولتهم الموعودة بشتى الوسائل طالما الغاية تبرر الوسيلة. دولة توعد الناس بالحوريات في الأرض وفي جنان الرب المتخيّلة فيبقى العربي بتفكيره الذي لا يتخطى أسفله المنتعظ على الدوام بينما نيوتن عالم الفيزياء المدويّ لم يتزوج، بل لم ير فخذ امرأة، بل لم ينل قبلة واحدة من إحداهن، إنها ضريبة الإبداع.

في الرواية نرى خيانات بين النساء والرجال وكلُّ له شيطانه، ولم لا ففي الأنثروبولوجيا نرى أنّ الشيطان هو سبب تدنيس جسدي الرجل والمرأة فها هو الطبري يقول (اذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر، وإذا أدبرت جلس الشيطان على عجيزتها فزينها لمن ينظر). ولذلك تستشهد وفاء بكامل معرفتها بذلك وتسرد: يجتمع توفيق وتغريد على الخيانة، توفيق يثأر من زوجته الخائنة وتغريد تثأر من زوجها الخائن فيجتمع شيطانيهما ويتم اللقاء الجسدي تحت غواية الشيطان، لكنّ الشيطان بريء من كل ذلك إنما هي نفوسنا التي تبرر حين تقترف الجرم، بينما حين ننظر إلى دوستويفسكي العظيم الذي رفض كل أشكال السلطة الدينية فراح يرسم لنا أجمل الحب فيقول لزوجته وهو على فراش المرض (أنا لم أخنكِ حتى في الذاكرة والحلم).

تنتقل بنا الرواية إلى (مرض البيدوفيليا) وإغتصاب طفلين ثم دفنهما أحياءً لإخفاء الجريمة، الطفولة التي قال عنها مايكوفسكي (لا أعترف بعالم يستطيع الإساءة لطفل). وهنا يقف (إبليس أو شين) لهول الجريمة ويعترف من أنه ليس ذلك الشيطان أيام زمان مضى، كان قويا ماردا لكنه اليوم ضعيف ومتفرج فقط إذا ما قورن مع شياطين هذا الزمان وما يفعلونه في دولتهم المشرعنة من قبل السيد مطلق (كريم). الشيطان (هو ذلك الذي أراد إثبات عصيانه بطريقته الخاصة، والثأر لمكانته المهانة. لم يسجن نفسه في زمن معين وساعة محددة. هو كل الأزمنة حتى الساعة الموعودة، هو اللانهائي والمكتفي بذاته).

تجتمع الشياطين لكي تزيد عددها إلى إثني عشر شيطانا وهذا الرقم استوقفني، فكل الأديان لها إثني عشر مبشراً ابتداء من اليهود والمسيح وتلامذته حتى الزرادشتية والهندوسية. ثم يتم توزيع المناصب بين الشياطين لكي يتم الإحكام والقبضة على شعوب ساذجة لا تفعل شيئا سوى الانصياع. تتحرك هذه السلطة الشيطانية إلى عالم الشواذ فهناك يجدون ضالتهم، بين اللوّاطين والسحاقيات وممن يمارسوا زنا المحارم. وهنا تتطرق الرواية بشكل يثير القيء بهذا الخصوص، أخ مع اخته، أب مع ابنه، أم مع ابنها، عالم لا يمكن تصديقه، متطرفون أهانوا الجسد، رجال إكليروس أكثر ما يغيظهم خيبتهم وكبوتهم في السرير بالرغم أنّ هذا الأخير هو ملعبهم وساحتهم، شواهدهم في المضي في حياة جنسانية المفترض لها أن تكون أجمل رغباتنا، لكنهم حولوها إلى النكوص والتردي وإذلال المرأة تحت مسميات القداسة وحجابها الذي جعل من المرأة أن تفك ضفائرها مرغمة في أبشع أماكنها لغرض الجنس فحسب وتدنيس الجسد بكل خرائطه التي خصته به الطبيعة بالجمالات والطرافة. الجسد لوحة حية علينا التمعن بها والتمتع قبل لمسها إلا بعد موافقة صاحب الشأن. الجسد يثور ويعلن صرخته الكبرى كما أعلنها في شعوب الغرب وأخذ مساحته في الحق في التعري والتقبيل في الحدائق والبيوت وأمام السابلة الحاسدين أو الذين يغضون الطرف لثقافة تجلّت في الضمير والوجدان لاحترام هذا الصرح الجسدي المهيب للنساء والرجال. الجسد هو السندس الذي يعني أنعم أنواع الحرير، الجسد حين يثور يفعل المستحيل مثلما فعلتها راهبة الكنيسة في فيلم المتشرد (the homesman) من تمثيل (تومي لي جونز) والجميلة (هيلاري سوانك) ذات الكبرياء العالي التي لم تعرف معنى التقبيل والعناق طيلة حياتها.. في يوم حالك منتصف الصحراء تتوسل بخادمها القذر عقلا وجسما وتدس جسدها الزّمردي ذاك الذي لم يلمسه إنسيُّ أو جنيّ في اليقظة أو في الحلم. وقالت له مُتوسّلة رخيصة: أرجوك.. فضّ بكارتي.. أرجوك لا تجرح كبريائي أكثر ولا تُذلّني.. أرجوك ضاجعني.. وليكن ما يكن.. أريدُ معرفة معنى الرّغبة التي يتكلّمون عنها. أريد أن أعرف ما هذا الذي يسري في بدني و يجعلني أحبُّ قذارتك هذه و نتانتك التي لا تُطاق، جسدي كتلةٌ من نار، فأرجوك إطفئني …ويحصل لها ما تريد ثم تنتحر عند منبلج الفجر انتقاما لكبريائها الذي أُهين.

ثم تتحدث الرواية عن عبودية المال والسرقات التي لم يشهدها التأريخ. مالُّ مصحوب بعنف وقتل على طريقة فاقت آل كاوبوني رجل العصابات الأمريكي الذي يقول (يمكنك الذهاب إلى مدى بعيد بابتسامة، ويمكنك الذهاب إلى مدى أبعد بكثير بابتسامة ومسدس) . هذا المال الوفير ينفقه على أربعة نساء لكي يكمل شرع الله، ولم يبقيهنّ أربعة بل يطلق إحداهن ويبقي على ثلاثة فيحق له الزواج مرة أخرى وهكذا دواليك من أفعال مخزية باسم تعاليم الرب.

أب يمارس الجنس مع ابنه الجميل الصغير ثم يسلمه لتاجر مخدرات ليشبع جوعه وحاجته للمخدرات مما يضطر الابن لقتل أباه حرقا مع هذا التاجر بعد أن ذاق ذرعا منهما.

تشهد دولة شين ممارسة الجنس بما يسمى مرض (النيكروفيليا) أي ممارسة الجنس مع الميت بتلذذ، حيث يقوم شخص مقرب لشين باغتصاب طفلة ثم قتلها ومارس الجنس معها وهي ميتة. وهناك فتاوى اليوم تجيز بنكحة الوداع للزوجة الميتة تواً. وهذه الجرائم الجنسية مثلت في فيلم رهيب من تمثيل (جاكوين فوينكس) حيث يقوم راهب الكنيسة بممارسة الجنس اللذيذ مع المتوفيات قبل دفنهنّ على طريقة الممثلة الجميلة (كيم باسنجر) في أحد أفلامها (التاسعة والنصف) حيث يذوب الحب مع كل أطايب حلوى الكراميل والمربى المُلعَق بلسان حبيبها من فوق أديم أسفلها الإسفنجي.

هؤلاء الشاذون أهانوا الجسد بما لا يريده الآيروتيك الذي يعني الأنسنة الذكية والحساسة للحب الجسدي، بل هؤلاء حتى البورنوغرافيا التي تلحق بالجسد الرفض والمهانة، أشرف من أفعالهم. العالم بات قذرا لا يطاق في هذه الدولة المراد لها أن تحكم باسم الإله حتى انشطرت إلى العديد من الآلهة. دولة الشياطين تأمر بالابتعاد عن الفاحشة والزنا بينما هم مرتكبيها، بل إنّ البشرية كلها جاءت من أصل زنا كما قالها أبو العلاء المعري ذات يوم:

إذا ما ذكرنا آدمــــــــاً وفعالــــه/ وتزويجه لابنيه ببنتيه في الخنا

علمنا بأنّ الخلق من نسل فاجرِ / وأن جميع الخلق من عصر الزنا

تنتقل بنا الرواية إلى زين العابدين ذلك المرتشي الذي أدخل السجن وظل يدافع عن نفسه من انه أراد مالَ الرشوة هذه لزيارة مكة والنبي، فيضطر القاضي أن يقول له أنت لست زين العابدين أنت أسوأ العابدين.

إننا في زمن مصاصي الدماء، رؤوس مقطوعة، وجثث مرمية لشباب بعمر الزهور، وشابات مقطوعات الأثداء، ومغتصبات بطريقة وحشية، استخرجت أرحامهن بعد ممارسة الجنس معهن، وهذا ما حصل فعلا مع عروس التاجي/ بغداد في العام 2006 وكيف قطعت أثدائها أثناء زفافها. وهذه لم تأتِ اعتباطا بل كان النبي ذات يوم أمر أحد الصحابة بردع إمراه كانت تكيل له السباب بسببٍ أو بعدمه، فذهب إليها الصحابي وهي ترضع طفلها فقطع ثدييها ثم قطع عنقها ثم انقض على طفلها الغض وهو لما يزل بريالته الدافئة.

         الإرهاب هو الدرجة القصوى من العنف، مؤسسي الخلافة جميعهم ماتوا قتلا، عمر وعثمان وعلي ويقال أبو بكر مات مسموما، فلماذا لا نسأل عن ماهية عمق الصراع العربي من هذا المنطلق الذي مازال مستمرا حتى اليوم، العرب في قتال مستمر ولم يستطيعوا أن يؤسسوا مجتمعا مدنيا على طول عصورهم (كل شيء ميت لدى العرب عدا الله … أدونيس).

شياطين عديدة انتموا إلى المنظمة الكبرى للشياطين ((: أنور، أمير، إسراء، بشرى، باسم، برهان، ثرية، ثورة، ثابت، حازم، حاذق، حذام، حمزة، خولة، خليل، جاسم، جميلة، داوود، درية، دنيا، ذرى، ذياب، ذو النون، ذاكر، رسول، زهير، زين العابدين، زهدي، وسعيد وسمير).

هؤلاء كلهم مبشرون بالدين الذي رُسم على مقاساتهم ومصالحهم، فكل الأديان نشأت على هذا المنوال النفعي لفئة معينة والآخرون لا يحصدون غير التقتيل وسفك الدماء. (يقال إن الدين بدأ مع النياتردال عندما حفر قبره ووجهه إلى الشرق وبدأ يقول إن هناك حياة أخرى تنتظره … مرسيا آليات مؤلف كتاب العود الأبدي)، ثم جاء النظام الأمومي أو الأنثوي ثم الذكوري أو الديانة البطريركية وهذه كلها رسمت لذاتها الميثولوجيا والهالات الأسطورية لتخويف الإنسان من العالم الآخر بعد الموت. متدينون مرهونون بالماضي ولا يعترفون بالحاضر وأي شيء خارج هذا النطاق سيحولهم إلى فاشلين فيتصرفون بالعنف والإقصاء باعتبار أن التأريخ مدنّس ولا شيئاً طاهراً غير ما يأتي من السماء ووعدها. هؤلاء عملوا حاجزا هائلاً بين الناس والمستقبل لكيلا يرونه ولا يحلمون به.

خلال فترة بحث “شين” في الباب الثالثة عشر، كان” أنور” يبعث الرسل إلى الديار القريبة من صحرائهم، ويبعث معهم المبشرين بمذهبهم الجديد ويطلب منهم تأييد إنشاء (دولة شين( حتى يتكاثر أعوانهم ومؤيدوهم مع العون والمدد في الإعلان عن دولتهم الشيطانية لمحاربة كل من يخرج عن طاعة كريم، مثلما كان يحصل في الأزمنة السحيقة وكيف يتم تحويل الأمكنة المتهالكة والخرائب بالتطويب والقربان البشري الذي تحول فيما بعد إلى قربان حيواني ثم بالإضاءة والهالة الشعاعية لكي يتميز عن المكان المظلم المدنس ثم المركزية ومركز العالم كما في الفاتيكان ومكة ونيبور لدى السومريين، وأثينا الكاهنة الكبيرة في اليونان التي كانت تأتي في أحلام أوديسيوس في طريقه إلى إيثاكا. واليوم ما أكثر الأماكن المقدسة بحيث أصبح حتى التراكتور الزراعي وعامود الكهرباء في السماوة مكانا للتطويب ودفع النذور وتجهيل الإنسان الضعيف الذي هو حطب كل مؤامراتهم التي أغرقت الأرض قتلاً وتشريداً وإرهاباً كما فعلها أصحاب الرايات السود.

في نهاية المطاف الروائي بينما إبليس يرى كريم ثملاً رافعا نخب الانتصار الدامي حتى آخر قطرة من قدحه، لم يتنازل إبليس عن موقفه لأخطاء ارتكبها كريم أو غيره بحقه فكلها تظل شبهات مبهمة وما من أحدٍ أعطانا دليلاً قاطعاً.

تذهب بنا الروائية وفاء بعد كل هذا الدمار في دولة شين لترينا طبيعة الحياة والموت وتأثيرهما على سايكولوجيا الإنسان في روايتها (حاموت) التي هي مكمّلة لأحداث ما كان يحصل في دولة شين. حاموت هذا الاسم قريب من الأسماء الأسطورية الشهيرة طالوت وجالوت لكنها تعني هنا بالحياة والموت، المصريون لا زالوا حتى اليوم يطلقون فيما يشبه هذا المصطلح التركيبي (حَموت من الجوع) أي أنا بين الحياة والموت من شدة لهفتي وجوعي للطعام. لكل رواية لها أبطالها عادة فهنا نجد أبطال حاموت كلُّ من محمد، عزيز ملك الموت، وجليل هو مثبت أركان السماوات. محمد هذا الاسم ربما له منحىً آخراً ومعنىً خفياً في قلب الراوي وهو الأنسي الوحيد بين هؤلاء الثلاث، أما عزيز وجليل فهم أشكال خارقة ولا يمكن اختراقها، تتصف بين الجنيّة الملكوتية والإلهية وبين ما نراه في أفلام الخيال العلمي كما سلسلة أفلام (ماتريكس) وكيف يتم حضور المخلّص ( المهدي في الميثولوجيا العربية) على شاشة الحاسوب بمجرد ضغطة زر من قبل الخارق المطلق الذي يشبه جليل هنا في رواية وفاء، فيتم إحضاره إذا شهد العالم دمارا هائلا وفسادا في ألأنفس وإجراما لا يمكن إيقافه الاّ بمعجزةٍ من الخارق المطلق ومخلّصه.

في رواية حاموت تجتمع كل بنادق الرب في تحطيم الكيانات الأساسية للدول والمجتمعات التي بات يضرب بها الإرهاب من كل صوب علاوة على القتل الجماعي من اُثر الكوارث الطبيعية كما تسونامي أو تورنادو. ليس غريبا أن نقرأ مثل هذا القتل الذي يقطع نياط القلب دون حلول في الأفق لمعرفة ماهي الغاية الأساسية من هذا الزهق الرخيص، فقبل وفاء عبدالرزاق بقرون عديدة كتب الفرنسي (فولتير) عن انفجار بركان برشلونة الشهير في قصيدته (كارثة برشلونة) في القرن السابع عشر الذي قتل الآلاف ومنهم الأطفال الرضّع الملتصقين بأثداء أمهاتهم وفي يوم القداس الذي يجتمع به الحشر الكبير من كل صوب لغرض إحياء مراسيم القداس وإذا بهم يقتلون جميعا بدون سبب يذكر، سوى أن الكهنة يعزونها إلى عدم رضا رب الخلق عن الفساد المستشري بين الناس، فيروح فولتير ويقول لماذا لم يحدث في فرنسا فهي أم الفجور والفساد أنداك، ولماذا في هذا اليوم وماهي رسالة الإله في هذا القتل الجماعي،  وهكذا تعليلات جعلت منه أن يُنعت بالكفر والتجديف من قبل الكنيسة. حروب عديدة ومبررات ليس لها طائل في استحقار المرأة مثلما يخبرنا فولتير أيضا في روايته (كانديد)، في أحد الحروب الإنكشارية التركية ضد الروس، جاع المسلمون بعد خسارتهم في الحرب فقرروا بعد اجتماع أن يأكلوا النساء جميعهن لعدم الحاجة لهن في الحرب ومآثرها. لكنّ شيخاً مؤمنا وواعظا أشار عليهم أن يتحلّوا بالصبر ويرحموا نساءهم فيأكلوهنّ لحمة بعد لحمة دون قتلهن. فأشار عليهم بأن يقطعوا ردفهن الأيسر في بداية الأمر لكثرة ما في العجيزة من لحمٍ طري فيأكلوا منه. وإذا لم يكتفوا بذلك فليقطعوا الردف الآيمن وهكذا يقطعوا جزءا جزءا حتى يفرجها الرب الرحيم وبهذا يكونوا قد احتفظوا بنسائهم وأشبعوا بطونهم، يا لها من موعظة تثير الدوار.

في رواية حاموت نجد في كل مرة يحدث بها القتل هناك بصمات لقابض الأرواح (العزيز) بصمات عديدة في قتل العمال، الأمهات، وكل فئات المجتمع حتى الديدان والحشرات لم تسلم وعليها أيضا بصمات العزيز وهنا مثلما نرى في أرشيف الأفلام البوليسية العديدة التي تتحدث عن الجرائم فيجد المحققون آثار بصماتٍ لقاتل واحد.

ثم تتساءل الروائية عما حصل في هيروشيما وتقول في التفاتة رائعة جدا كيف كانت بصمته (عزيز) على هيروشيما هل للموت الجماعي بصمة واحدة أم بصمات بعدد المحروقين فيها؟ ضحايا الحرب العالمية الأولى، والثانية.. هل كان إبهامه خصبا نديا برائحة الموت؟). تساؤلات محيرة يقف عندها العقل بلا جوابٍ يُريح النفس القلقة المتعبة من أثر العدمية التي تلحق بالبشر دون تفسير يعانق المنطق.

كل هذا القتل ينفرد بتنفيذه العزيز الذي يظهر عل هيئة شبح لمحمد ومن هنا يبدأ الحوار بينهم في كل عملية إبادة التي تشمل حتى صانع المجوهرات واللؤلؤ هذا الذي اكتشفه (الياباني ميكي موتو) تلك الحلي التي تضيء أعناق النساء، ولم يسلم من القتل حتى العالِم مكتشف الضوء (توماس أديسون) مضيء الحياة الحالكة.  والحشرات أيضا التي يقتلها رذاذ المبيدات برشة واحدة فيصيب الملايين منها وهذه الحشرات بذاتها هي من تأكل أجساد البشرية عند الموت فما هذا التناقض المريع.

وسط هذه الدوامة من الموت نرى بعض الدعاة والأولياء ورجال الدين المنتفعين من يروج لبعض الخزعبلات كي يمرر ما يريده لمصالح نفعية (التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردتَ التحكم في جاهل، عليك أن تُغلف كل باطل بغلاف ديني.. ابن رشد) ، فيروح هذا التاجر يبيع اللحم المريض والممنوع من قبل وزارات الصحة والبيئة فيدعي من أنه قد وجد كلمة (الله) محفورة في قطع اللحم كدعاية لمنتوجه الفاسد وهذه حصلت فعلا في مدينتي في الدنمارك حيث هناك شخص وضع كف يده على الرز المطبوخ توا لغرض توزيعه في محفلٍ ديني، وادعى إنها كف العباس (ع) فصارت ضجة في المحفل حتى طار الرز في ظرف أقل من ربع ساعة باعتباره مباركا. وبعد فترة وجيزة سألتهُ شخصيا فراح يخر من الضحك ساخراً معترفا من أنها كف يده.

يقول محمد في إحدى محاورته من الرواية (هذه المرة الثانية التي يضعني فيها الشبح عزيز بالمحك مباشرة أمام الموت) حيث هناك فتىً كان يأخذ أباه إلى المشفى لغرض مداواته من علّة قاتلة فاذا به يموت ويظل أبوه على قيد الحياة، وهنا يفسرها المدلّسون لقد أخطأ ملك الموت في تنفيذ حكمه وهذه المهزلة تحصل في الكثير من السجون حيث يتم إعدام أشخاص أبرياء بحكم الخطأ أو العمد لأغراض أخرى وهنا يشترك التنفيذ الإلهي مع البشري فأي مهزلة هذه.

السرد التكثيفي والنثري المبهر جاء متسائلا، فالروائية وفاء تعيش في المنفى، في الغرب، فأكيد سيكون شميم المنفى ومساحة الحرية فيه واقعاً على سردها البانورامي حين تنقل الأحداث في المحاورة المناوِرة بشكل يقيها من الانحياز لطرف دون آخر، لنقرؤها أدناه بهذا الصدد وكيف كانت بارعة في طرح موضوعها بشكل جريء قل ما يتصف به من روى لنا هكذا أحداث:

(لست أدري إن كان القتل اغتصابا، امتحانا للظالم أم المظلوم، القاتل أم القتيل) ..

هنا نستطيع أن نقرأ الثيمة المفصلية بإنزياحية إلى أدب الحيوان الساخر على غرار كليلة ودمنة لابن المقفع، فنجدها مثل جدلية البقاء للأقوى بين الأسد والغزالة وعملية اقتناص الفريسة، الأسد يركض خلف الغزالة التي هي الأخرى تركض مرتجفة، الأسد يقول يا ربي أعطني السرعة كي ألحق بالغزالة فأنا جائعُ للغاية، والغزالة تقول ياربي أعطني المزيد من الحظ كي أتخلّص من الأسد فأنا أريد العيش ولا زلت غضة غريرة. فهنا مع من سيكون الخالق في الاستجابة للدعاء. إنها جدلية شائكة تعطي للروائية وفاء الحق في أن تتساءل بدون حدود لأن المفتاح ضاع، وضاعت مفاتيح الأفواه، فأصبحت متخمة بالصمت وهذا سر البلاء الأكبر، فالجميع لا يستطيع المس بالذات المقدسة.

عدمية أخرى تتناولها الكاتبة (كيف يجوع الماء وكيف يعطش) أي إننا نقول كيف يستطيع النهر أن يشرب ماءه وهذا ما حصل لنهري الفرات ودجلة اللذان مسهما القحط بعد أن كانا مثالا للطوفان أيام زمان سحيق مضى حسب ما تنقله لنا كتب التأريخ في أساطيرها أو حقائقها.

وفي حوارية رائعة بين العزيز الشبح وصديقه محمد حول العشاق بشتى أنواعهم عشاق الجسد أو الفكر فنجد رغم كل ما يعصف ببني الإنسان نراه يرتكن إلى العبودية والاستعانة بالأولياء وخرافاتهم تاركا حلبة العلم ودواءها المشافي. فذات يوم لي صديق من الحمزة الشرقي كان مصاباً بمرضٍ خطير فأعطاه الطبيب دواء يتوجب الاستمرار عليه، فبدلا من أن يأخذ بوصايا الطبيب ذهب ووقف أمام الضريح وقال: هذا دوائي أرميه في شباكك وأريد شفائي منك ولا غيرك فأنت المشافي، بعدها بيومين لا أكثر خرّ صريعا ميتاً. وهنا يستوقفني الفيلسوف برتراند راسل حول موت الإنسان من أجل فكرة ما تحت التعذيب أو بغيره لأن التعذيب أيضا خاطئا وناجما عن أفعال جرمية من الإنسان نفسه، ولذلك من الخطأ الموت من أجل هذه الفكرة لأنها ذات يوم ستتغير بفعل الجدل وكل فكرة جديدة تلغي فكرة قديمة وهكذا دواليك.

تنتقل الكاميرا السينمائية إلى فعل شنيع آخر يرتكبه الأصوليون بحق امرأة برجمها من قبل ابن عمها لأنها اختارت غيره فينتشلها من حضن أبيها وأمها ويضربها بحجارة فيفج رأسها حتى الموت وأمام الناس بحكم العرف السائد وما يقوله الدين. وكل هذا يحدث ومحمد يسأل صديقه عزيز الشبح عن سبب عدم تدخله في إنقاذ هذه الشابة البريئة ولماذا هذا التمادي في سفك الدم. وهذه الجريمة مثلت في فيلم إيراني واقعي جميل تحت اسم (ثريا soraya) الذي كتبه لنا في العام 1986 الصحفي الفرنسي الإيراني الأصل (فردجون ساهيب جام)، وتحكي معاناة (ثريا منوتشهري) السيدة الإيرانية في قرية “كوباي التي يرجمها طليقها وشيخ المدينة بعد أن دفنوا نصف جسدها في حفرة وبدأ الناس برميها بالحجارة حتى الموت المدمّي ليس لشيء سوى أنها أرادت المعونة المالية لطفلها الذي كان مشاركا في رجمها لإخباره كذباً من أن أمه زانية. وهنا تصف لنا الروائية وفاء كيف أن عزيز قابض الأرواح قد حزن حزنه العظيم على تلك الشابة التي اعترض على قتلها محمد لأنها لم تفعل شيئا سوى أنها أرادت الزواج بمن تحب، هذا يعني أن وفاء تريد إرسال رسالة من أنّ المجرمين التقاة في الأرض هم أكثر جرما من عزيز زاهق الأرواح الذي يقف معترفاً لصديقه محمد ويقول: شعوري هذا جعلني أسبح عكس التيار، وحتما سيجرفني إلى ما لا أريده وأخالف وعدي. فيبقى دم الأبرياء مسفوكا بين عزيز القاضي التنفيذي للقتل وبين جليل الذي يريد أن تظل يداه نظيفتين من الدم وهذه المعادلة نجدها لدى الطغاة، يصدرون أوامرهم بالقتل لكن تنفيذ الشنق والإعدام على يد الجلاد. معادلة في أقصى غايات السذاجة والبشاعة معا.

تستمر الرواية مع الإنقضاضات الكثيرة على أرواح البشر، أم ترمي ولديها في النهر وترمي نفسها مع طفلها الرضيع، رجل يستدرج بنات عمه إلى أصدقائه فيتم اغتصابهن أمام مرأى عينيه حتى يتم قتلهن، وهذا ليس غريبا فقبل سنتين من كتابة هذا المقال كان رجلُّ عراقي في ألمانيا وهو متدينا للغاية ومن السادة الأشراف وفي يوم ما كان صديقا لي للأسف، اغتصب ابنة زوجته يعني ابنته في الأعراف ذات الرابعة عشر فنال عقابه ولا زال مسجونا حتى اليوم. في الغرب والحق يقال وفي السجون إذا ما دخل سجينُّ جديدُّ فالسجناء يرحبون به مهما عظم جرمه قاتلا أو سارقا أما إذا عرفوه مغتصِباً لطفلة فالويل له ثم الويل بل لابد لهم أن يغتصبوه جميعا بما يشبه القطار لأن هذه الفعلة هي الأسوأ لديهم.

ينتقل بنا الميتاسرد الروائي حتى نجد بأنه لم يبق أحدا إلا وطأ له الموت ورغم كل ذلك يقول عزيز لصاحبه محمد نحن ننتظر النفخة الكبرى التي تحصد الجميع، أنه الهول بعينيه.

(المكان فارغ تماما، الصوت يأتي والهمس، صمت مطبق، فجأة محمد يسمع نداء رهيبا زلزل المكان كله، كان النداء على شكل سؤال لعزيز: من بقي يا عزيز؟؟؟؟؟ فيقول عزيز):

(لا أحد سيدي، سوى عبدك المطيع، وأخيك مكي، وجابر، وأشرف. أجابه الصوت الصادر من بعيد: آمرك أن تقضي على جابر. كيف بمقدوره القيام بمهمة صعبة كهذه. تردّد عزيز كثيراً، فجابر كان من أقرب الناس إليه، ومن أصدقهم في التعامل مع من اصطفاهم جليل ندماء له) .

في النهاية يمرض محمد بداء السرطان، وهذا يعني وصل الأمر لصديق عزيز، لكي تكتمل دائرة القتل التي لا ينجو منها أي أحد مهما كانت مكانته لدى عزيز فهو المأمور المطيع المنفذ الذي لا يستطيع قول كلمة (لا) لسيده جليل، وحتى عزيز لابد أن يأتي دوره ويساق إلى دائرة العدم ويبقى الهلامي الخارق الذي لا شكل له غير قابل للفناء حسب ادعاء كل من مات وقبضت أرواحهم بأبشع ومختلف الطرق من قبل جليل.

وأخيرا يتساءل محمد في نزعه الأخير هل هناك عذاب قبر، فهنا يدخل محمد في دائرة الشك واليقين، في قلب الشك ثمة دائما أمل مهما كان هشا، في نزعه الأخير ينظر إلى حاموت عبارة عن مدخنة ضبابية كل شيء فيها لا يُرى بشكله الصحيح، ويبقى السحرة والغير مرئيون يجولون في المدينة وأربعة منهم في بيت محمد، وهنا استوقفني العدد لماذا أربعة!! وهذا المشهد الدرامي أراه في رائعة الفلم الإيطالي (كيوما) تمثيل الشهير (فرانكو نيرو)، الذي يظهر بدور المخلّص للقرية التي أفسد بها الفاسدون لكنه هنا المخلّص الحر، فينتقم من أبناء عمومته المجرمين في القرية التي يعيش بها، فتفرغ القرية ولم يبق سوى الساحرة العجوز والدخان الضبابي بينما هو يهم الرحيل بعيدا عنها فتقول له لا ترحل ياكيوما فالموت ملاقيك، فيجيبها بكلام بليغ يشفي غليل المظلوم مع سمفونية حزينة رائعة لم تشهد السينما العالمية مثلها حتى اليوم، موسيقى تسري في البدن المطعون فتشفيه. فيقول صارخاً للساحرة (أنا لا أموت لأنني رجل حر، والرجل الحر لا يموت أبداً) وينتهي الفيلم راكباً حصانه صوب الأفق اللامتناهي.

تختتم وفاء ملحمتها الروائية بسطرٍ لكنه هائلُ في مغزاه، فتعلن من خلالهِ مقصدها ومربط سردها المركزي من أنّ محمد قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة يقول وفي القلب غصة (لقد أصبحتَ عبداً يا محمد للقوي.. أصبحتَ عبدا.. أصبحتَ عبدا) ، فكانت العبودية للأوثان الضعيفة التي لا تهش ولا تنش واليوم العبودية للقوى الكبرى في الأرض والسماء معا وما يفعلونه في الأرض من خراب كما فعلوها في عادٍ وثمود. إنها ميثولوجيا الدم المراق منذ نشأة الأديان. وتنتهي الرواية.

بالمختصر أستطيع القول من أن هناك رسائل عديدة وجهتها وفاء من خلال الروي التقطيعي والمفصلي الذي اختلف عن الروي الانسيابي لأغلب الروايات فهي رواية أقرب إلى الحوار الفلسفي المتين والمتشكك والتكثيفي للغاية، ومنها هل الأديان مصدر شقاء للإنسان أم مصدر انتعاش وطمأنة، هل الأديان لها تأريخ غير مشرف في قتل البشرية. العلم التجريبي ملأ الأرض بالأنوار والاكتشافات خلال قرنين بينما الأديان مضى عليها آلاف القرون لم تقدم شيء غير النظريات والقتل. كما أن العقل الفقهي جعل العقل العربي عاجزا عن انتاج الإبستمولوجي. وإنّ الوجوه فقط هي التي تتغير مثل التجميل، بينما النذالات والثأر باقية على مر الأزمان (وإنّ فكرة وجود جنة في السماء، صنعت جحيماً على الأرض… ريتشارد دوكنز).

كما أنني أرى وفاء في سردها الرائع والمشاكس ابتعدت عن الغوص في مديات المرأة باعتبارها موضوع غزل مرتبط بالوجود والوطن لأن هذا سيخرجها عن القوالب الأساسية لهذه الرواية التي اشتركت بها المرأة المغرر بها والقادمة من بلدان أوربا وأصبحت شيطانة تقتل الآخرين بعد أن كانت خليعة وراقصة. ولذلك أثبتت الدراسات من أنّ المرأة المحجبة هي أكثر ميلاً للعنف من المرأة الخليعة المكتفية جنسياً وتحرراً. كما أنّ وفاء تريد القول من أن أغلب الرجال (كذابون، متقلبون، زائفون، جبناء، بؤساء أو شهوانيون، بعض النساء فضوليات وغدارات، متصنعات، محتالات، فضوليات ومنحرفات، لكن ثمة في العالم شيء مقدس هو الاتحاد بين اثنين من هذه الكائنات الناقصة والمرّوعة جداً … الفريد دو موسيه). والرسالة الأخرى لوفاء من أنه هناك عدة آلهة، ليس الهُّ واحد في هذه الأرض الكونية، كما في الفيلم الهندي الرائع (PK) تمثيل الشاب (عامر خان) عن شخص من كوكب آخر يهبط من مركبة فضائية وتاه في المدن الأرضية فيرى عجائب الخلق وماهية أديانهم المختلفة والبؤس الذي يحل بهم نتيجة عديد الآلهة التي لم يألفها في عالمه الكوكبي الجميل. ومن المفارقات الرائعة للفيلم كسخرية من عالم الأرض يروي لأهله حين يعود إليهم فيقول إنهم لا يحبون الحيوانات لكونها رقيقة، بل يحبون أكلها وتكسير عظامها، فيحبون أكل السمك نهارا وفي الليل يحبون أكل الدجاج.

كلمة أخيرة بحق الشاعرة والروائية وفاء:

وفاء عبد الرزاق كشاعرة وساردة وحكاّءة لا تستطيع أن تعيش بسلام، فهي دائما في حرب مع نفسها أو مع القصيدة والسبك الروائي وخروجها عن المألوف والمس بالذوات الغير مرئية ومديات تأثيرها على الآخرين، لأن البعض يعتبر الشعر والسرد وجداني في الوقت الذي أصبح فيه الإبداع الوجداني مستقلا بذاته لأن سير الأحداث المرّوعة اليوم وما نشهده من عنف يغلق مديات الوجدانية في البوح، لأن الوجدان صامت بينما نحن نحتاج إلى إبداع ذو فم بل أكثر من فمٍ صارخ. وللأسف اليوم أغلب المبدعين الكبار والرموز العراقية والعربية التقدمية نجده حين يصل إلى المقدس يتوقف ولا يعطي جوابا بسبب حجاب القداسة. ولذلك بقينا محكومين من قبل القبور وموتاها الأولياء، أو أصبحت حياتنا كما صمت القبور لذلك قال الشاعر العراقي أحمد مطر قولته الرائعة:

أيها الراقدون تحت التراب                   نحن في بلداننا العربية مثلكم

لكننا طابقُّ ثانٍ

وفاء امرأة حالمة، ففي الحلم يتجدد كل شيء مثلما تروي لنا رواية الشهير (هرمان هسة) عن شخص يعشق نجمة فيظل ينظر إليها لكنها بعيدة عنه بمسافاتٍ ضوئيةٍ هائلة، بحيث أصبح لا يعرف ليله من نهاره حتى جف تحت الشمس وتبخر جسمه وبهذه الطريقة استطاع أن يصل إليها. وفاء امرأة وروائية تريد فصل التأريخ المتغيّر عن الدين الثابت، وأما الحب بالنسبة إليها فهو الراية الأولى والأخيرة وهو ((الديانة الحقيقية للتعقيد المفرط …   أدغار موران).

……………….. ***** ……………….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here