وضع المرأة في ظل النكبة الفلسطينية: نصوص غسان كنفاني أنموذجا

Vol. No. 1, Issue No. 4 - October-December 2021, ISSN: 2582-9254

0
175

وضع المرأة في ظل النكبة الفلسطينية: نصوص غسان كنفاني أنموذجا

بقلم

محمد مدثر عالم
 باحث في الدكتوراه، حرم جامعة مولانا آزاد الوطنية الأردية بلكناؤ، الهند.

————————————-

ملخص البحث:

لقد ركز الكتاب العرب العناية  بالموضوعات التي تتمحور على دور المرأة في المجتمع العربي والغربي، اذ  إن المرأة مازالت ولا تزال تلعب دورا مهما في بناء المجتمع الإنساني، وفي كل مجال من مجالات الحياة من السياسة والإدارة ومن الحرب والسلم، وقد عالج الروائييون دورها في رواياتهم بطريقة مؤثرة، فمن هؤلاء الروائيين المبدعين كاتبنا المناضل الشهيد غسان كنفاني، الذي أثار موضوعات رواياته وقصصه عواصفًا في المجتمع الواقع.

تظهر في نصوص غسان كنفاني صور النساء الفلسطينيات المتنوعة التي تعكس فيها ألوانا مختلفة في جوانب شخصيتها، فهي التي تكابد الأحزان،  والكوارث، وتعاني من فقدان الأب،   والزوج والأبناء، فتقوم العدوان الصهيوني بكل قوة ومثابرة، وتقاوم مصادرة أرضها واعتقالها وسجنها،  وتقيد حركتها،  وتدفع عن ممارسة العنف ضد شعبها، فقدم كنفاني نماذجًا متعددة لها متمثلة في الشخصية الأنثوية المقاومة،  والفدائية، وشخصية الأم الفلسطينية.

ونظرا لكونه  متأثرا بظروف الاحتلال القاسية فإنه اضطر إلى أخذ القلم، واستخدمه بوصفه سلاحا دافع به  عن أرضه المحبوبة فلسطين، فأخرج القصص التي أصبحت وسيلة للحماسة وذريعة لإذكاء روح الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني، فنجد فيها نماذج متعددة من المرأة،  كالمرأة المقاومة الثورية، والمرأة المتعلمة،  والمرأة التقليدية،  والمرأة المتمردة،  والمرأة اللعوب وغيرها من نماذج أخرى.

الكلمات المفتاحية:  الاستقلال، دور المرأة، الشعب الفلسطيني، العدوان الصهيوني، الكتّاب العرب.

المقدمة:

مما لاشك في أن الأبعاد النسائية في الأدب عربيا كانت، أو عالميا وجدت مكانة خاصة، وذكرا مرفوعا في عصرنا الحاضر، وتكللت بالنجاح في إثارة رغبات القارئين، وتشويقهم للأدب. فرفع كثيرا من الأدباء المرموقين أصوات الفئة النسوية المظلومة والمقصية،  وجهر آدابه بمعاناتهن ونكباتهن في مجتمعنا الحاضر والسالف، وساهمت في توعية مجتعمنا بحقوقهن، ونهضت بإظهار استغلالهن على أيدي الأقوياء وفي المجتمع الأبوي، كما دعت إلى المساواة بين الرجال والنساء، وذلك من خلال نماذج آدابهم بالعنصر النسائي معتمدين على الأخيلة المجنحة في تخليق الشخصيات النسائية في كتاباتهم، وتقدموا بنماذج المرأة مستعينين بالافتراضات والأساطير ووقائع الحياة، غير أن أديبنا المناضل الذي عاش التهجير و التشريد والمنفى، وعاش المخيمة والمخيم، وعاش الاظطهاد والاستبداد الصهيوني، أتى بأدب يعتمد على التجربة الواقعية والرمزية، كذلك خلق في كتاباته أدوارا نسائية متعددة تتمثل في شخصية المرأة الفدائية، والزوجة الوفية، والمرأة العشيقة، والمرأة المنقادة المطاوعة لوليها، تدور قصص هذه الشخصيات النسائية حول مكافحة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم القابع على صدر الأراضي الفلسطينية.

فلم يجد القارئون لنصوص كنفاني شخصية المرأة شخصية فرعية وإنما تقوم فيها المرأة بدوررئيسي حيث تدور القصص حول شخصيتها، وتربط بها أحداث رواياته بوصفها عنصرا أساسيا، وخير دليل على ذلك روايته بعنوان “أم سعد” التي تدور قصتها حول عائلة من جانب، وغسان كنفاني من جانب آخر، فيقول:

“أم سعد إمرأة حقيقية، أعرفها جيدا، ومازالت أراها دائما، وأحادثها وأتعلم منها، وتربطني بها قرابة ما، ومع ذلك لم يكن هذا بالظبط، ما جعلها مدرسة يومية، فالقرابة التي تربطني بها واهية إذا ما قيست بالقرابة، التي تربطها إلى تلك الطبقة الباسلة، المسحوقة والفقيرة والمرمية في مخيمات البؤس، والتي عشت فيها ومعها، ولست أدري كم عشت لها”[1]

تتجلى في هذه الصورة بأن  غسان كنفاني في رواية “أم سعد” التي تحتوي على ستة أبواب قصيرة صورت المرأة ومعاناتها وشخصية المرأة الفلسطينية الفدائية الكادحة التي تفقدها نكبة 1948م أقاربها وتحرمها من ممتلكاتها، وأجبرتها الظروف القاسية أن تسكن في المخيمة، فـ”أم سعد” في الحقيقة ترمز إلى الشعب الفلسطيني، وتمثل قصتها التي تدور حول حادثات الحياة الدامية الحقيقية مكافحة أهالي فلسطين، ومايواجهون من تهجير، وتشريد وتعذيب بفعل الاحتلال الإسرائيلي، كما تشير إلى انتهاكات صارخة بحقوق الفلسطينين على أيدي السلطات الإسرائيلية.

“فأم سعد إذا، تمثل، تلك الجماهير الشعبية الكادحة المسحوقة، إذ اكتسبت على يد غسان… تكثيفا خاصا أصبغ عليها ملامح جماعية، فلم تعد أم سعد الفرد، إنما الشعب بأكمله، في كل لوحة من لوحات الرواية التسع، تتشكل أم سعد بملامح جماعية، فهي كل أم فلسطينية رفضت أسمال البؤس، واختارت -طوعا وقناعة- طريق القتال”[2]

إطلال على حياة غسان كنفاني:

أولا: ولادته ووفاته

غسان كنفاني وهو روائي وقاص وصحفي وفلسطيني، ويعدّ غسان كنفاني أحد أشهر الكتاب والصحافيين العرب في القرن العشرين، فقد كانت أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية، وهو كاتب ثوري و رائد دراسة أدب المقاوم والأدب الصهيوني، تدل على ذلك دراساته الأدبية كـ”أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966م، نشرت هذه الدراسة في طبعتها الأولى سنة 1966م، في الأدب الصهيوني، نشر هذا الكتاب ببيروت في العام 1967م، والأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968م، نشر هذا الكتاب في مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت في العام 1968م، وما إلى ذلك من بحوث وقصص مصنفة في الأدب الواقعي الثوري.

ولد في عكا شمال فلسطين في التاسع من نيسان/أبريل 1963م، وعاش في يافا حتى أيار/ مايو1948م حين أجبر، بسبب الحرب التي أسفرت عن إنشاء إسرائيل، على مغادرة وطنه الأم واللجوء مع عائلته في بادئ الأمر إلى لبنان ثم إلى سوريا، عاش وعمل في دمشق ثم في الكويت، وبعد ذلك في بيروت منذ سنة 1960م، وفي الثامن من تموز/ يوليو 1972م استشهد في بيروت مع إبنة أخته لميس في انفجار سيارة مفخخة على أيدي عملاء إسرائيلين [3]

 

ثانيا: سيرته الدراسية والعلمية

كانت حياة غسان كنفاني حافلة بالنشاطات العلمية والأدبية والسياسية، وتنقل في مجال دراسته بين دمشق والكويت والبيروت، وقام بخدمة التدريس في مدرسة اللاجئين، وبالتالي التحق بجامعة دمشق لدراسة الأدب العربي، فسنحت له الفرصة في الانضمام إلى حركة القوميين العرب، فأنهى دراسته الجامعية فيها.

“ظل كنفاني في الكويت منشغلا بعلمه التعليمي والصحفي والأدبي حتى العام 1960م، حين سافر إلى بيروت للعمل في مجلة (الحرية)، فوجد فيها ضالته، لما امتازت به بيروت من رحابة فكرية وأدبية وسياسية، فتوسع عمله فعمل في جريدة (المحرر) الأسبوعية، فاستحدث فيها صفحة للتعليقات السياسية الجادة، وتولى بعدها رئاسة تحرير مجلة (الهدف)، فتحولت المجلة إلى منبر للإعلام الثوري الذي ينادي بالوحدة الوطنية”[4]

ثالثا: أعماله:

ترك غسان كنفاني خلفه أعمالا عديدة بين قصص، وروايات، مسرحيات، ومراسلات، وكتابات نقدية ساخرة وكتابات للأطفال، وبحوث ودرسات علمية أدبية، وأبرزها كما يلي:

من الروايات: رجال في الشمس (1963م)، ماتبقى لكم (1966م)، أم سعد (1970م.

من المسرحيات: الباب، القبعة والنبي، و جسر إلى الأبد.

من دراسات أدبية: الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال (1986م)، أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948 – 1966م (1966م)، في الأدب الصهيوني، (1966م)، وما إلى ذلك من أعمال هامة نالت رواجا وقبولا بين الدارسين والباحثين.

وضع المرأة في ظل النكبة الفلسطينية:

لا يخفى لأي دارس لنصوص غسان كنفاني أنه كان أديبا واقعيا، وكان للمرأة خاصة الأم والأخت تأثير كبير في حياته، ونتلمس هذه العلاقة بصورة واضحة عند دراسة حياته، فإنه جرب صعوبات الأيام في النكبة الواقعة سنة 1948م، عندما هاجر مع عائلته من عكا إلى يافا في بلادم الشام، ورأى بؤس أمه وويلات أخته في مخيمات، فجاء بأدب مزيج من الواقع والرمز، واتخذ من المرأة عنصرا أساسيا في قصصه؛ لأنها هي الفئة التي تأثرت أكثر بالاحتلال، حيث فقدت ابنها، وأخـاها وأباها، وذهبت كل أمنياتها ضحية للنكبة الدامية.

فمن هذا المنطلق تأثرت علاقته هذه بأمه وأخته في حياته، نجد علاقته بحبيبته التي نشأت على مبادئ الحب الصادق والاحترام المتبادل، ولعل خير دليل على ذلك فيما قاله لحبيبته في كتاب “رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان”: ……إذا كنت تعتقدين إنك حرام على يدي، فهل حروفك حرام على عيني؟ ومع ذلك فسأترك بيادر القش تلتهب في صدري وجسدي حتى يأتي ذات يوم تطفؤها فيه راحتاك. أنت…أيتها المرأة قبل ألف مرة من أن تكوني أديبة وكاتبة. أنت الأديبة والكاتبة الذكية التي تجعل منك ألف مرة”[5]

بغض النظر إلى الأدب الرائع المذكور أعلاه الذي أنتج غسان كنفاني بسهولة العبارة ووضاحة الفهم، اللتان تشكلان ميزة عامة في كتاباته، يتضح لنا فيما سبق مدى إجلال كاتبنا المناضل الشهيد للمرأة وتقديره لها، كما يشير إلى أنه كان رجلا ذا انطباعات ومشاعر قوية.

 شخصية المرأة في رواية “ما تبقى لكم”:

إن صفحات حياة غسان كنفاني تبوح بنكبات تكبدها طوال حياته، وكانت حياته حافلة بأحداث العنف والاستبداد، جرب البؤس والفقر، أثر فيه الاحتلال وتأثر به، فأخذ القلم سلاحا وأعطى الحبر زخم الدم، وكان يؤمن بالصداقة، وبالنصر بعد الهزيمة، ولم يختبئ يوما وراء الاستعارات، بل كان واضحا مباشرا وثوريا صريحا في انتمائه لوطنه.

“يدعوك لعدم الانحناء وأن تجابه الموت واقفا تحت زخات الرصاص، أدب ينطوي على الألفة والكبرياء، ومعلنا أن الثورات لايمكن لها الانتصار بغير الصدق، أدب يعلمنا التواضع وكيفية استنبات الأمل التمرد والانتماء عميقا للوطن والقيم الإنسانية”[6]

ففي أدب غسان كنفاني نجد الدعوة للثورة والانتفاضة، والعشق للبندقية في سبيل تحرير فلسطين، وذلك من خلال إثارته للقضايا الإنسانية في ظروف عدوانية قلما سجلها تاريخ البشر، فالقضايا الانسانية التي يمثلها أدب غسان كنفاني تشكل المرأة جزءا لا يتجزء منها، إذ يصور المرأة رمزا للوطن والأرض، وشعلة لإذكاء غيرة الشعب الفلسطيني على ديارهم الحبيب.

ولعل من أبرز النماذج التي تأخذ المرأة رمزا للأرض والوطن هي شخصية “مريم” في رواية “ماتبقى لكم”، فقصة رواية “ما تبقى لكم” تدور حول أسرة فلسطينية تقيم في يافا، لكن بفعل العدوان الصهيوني تنزح إلى غزة، فأحداث القصة تتطور وتصور لنا التفكيك بين الأسرة، والألم والحزن بعيون أعضائها بسبب التشريد القسري، فالأحداث تدور حول شخصيات رئيسية مثل “حامد” الذي يعتبر رمزا للشعب الفلسطيني الذين لاقوا من مصاعب كثيرة خلال الهرب، و”مريم” أخت “حامد” التي تذهب كل أمنياتها أدراج الرياح، وضاعت أحلامها بضياع أرضها ومالها، فتنقلب حالتها من الميسورة إلى الصعوبة في الحياة والضيق، و”زكريا” الذي يتصف باللئامة والخيانة، حيث وشى بموقع سالم الشاب الفلسطيني، يحاول أن يغتصب مريم بغيبوبة أخيه حامد، بيد أن مريم تثور وتقاوم محاولة زكريا، وجد جزاؤه على يد مريم التي قتلته بكل جرأة، فترمز شخصية مريم الفلسطينية الباسلة القاتلة لمغتصبها دفاعا عن كرامتها، وغيرة على شرفها إلى أرض الفلسطين التي تقاوم وتغضب وتثأر من أعدائها.

“وقد مثلت مريم الأنا الفلسطينية المأزومة، من واقع العيش داخل المجتمع الشرقي، والرافضة له في آن واحد، مريم هي كل ما أفرزته الهزيمة من أوضاع الأسرة الفلسطينية، ابتعدت عن بيتها، ومدرستها وطموحاتها وأرضها بلا مال ولا سند، لتضعها أمام أوضاع الحياة العاتية”[7]

 

شخصية المرأة في رواية “أم سعد”:

إن المتمعن في الرواية الفلسطينية يجد أن المرأة تحظى بعناية كبيرة لدى الكتاب الفلسطينيين، وذلك من منطلق إيمانهم بأن المرأة لها دور فعال في المجتمع، و في مسار حركة البناء والتحرير، فهي تحمل رسالة نبيلة ألا وهي القضية الفلسطينية، وهي تقدم خير نماذج البسالة والجرأة في مواجهة قوات الاستبداد بكل معاني الكلمة، حتى تتقدم بابنها قربانا في سبيل تحرير أرضها فلسطين المسلوبة المأزومة، وتشجع أهالى البلاد على بذل أثمن ما يكون لديهم من أرواح، وأموال في مسيرة تحرير بلادهم المحبوب من قيود الصهاينة.

ولعل من أصدق النماذج وأفضلها للمرأة الفدائية المناضلة الباسلة التي تعاني ما تعاني من مصاعب بسبب النكبة لكنها تأبى الانحناء أمام سطوة السلطات الصهيونية بل تغرس بذور الثورة في نفوس الأبناء، هي “أم سعد”، وهي إمرأة حقيقية، ومجاورة لغسان كنفاني.

“كانت أم سعد تمثل نموذجا للأم الكادحة والتي تعي بشكل عفوي أن الثورة هي حياتها وأنها رمز لتخليصها من كل أنواع العفن والذل لذا يجب على الجميع أن يشارك بشكل مباشر في الثورة وعدم البخل عليها حتى لو طلب الأمر أن يرسل الشخص أغلى ما يملك كما فعلت أم سعد عندما أرسلت ابنها (قلت لجاري هذا الصباح، أود لو عندي مثله عشرة، أنا صفية يا أبن عمي، اهترأ عمري في ذلك المخيم، كل مساء أقول يارب، كل صباح أقول يارب، وها قد مرت عشرون سنة، وإذا لم يذهب سعد فمن سيذهب)[8]

إن رواية “أم سعد” التي تدور قصتها حول عائلة من جانب، وغسان كنفاني من جانب آخر، تصور لنا شخصية المرأة “أم سعد”، باعتبارها امرأة فدائية و متفانية في سبيل حرية وطنها المسروق، اذ أفقدتها الحرب كل شئ، ورغم كل ذلك، فإنه تربي ابنها سعد ليكون فدائيا وينضم إلى صف القتاليين الفدائيين الفلسطينين، وهي شخصية رئيسية لا فرعية، وهي البطلة الوحيدة من بداية الرواية إلى نهايتها حتى طبعت الرواية معنونة بـ”أم سعد”، فيتجلى لنا من عنوان الرواية هيمنة المرأة (أم سعد) على قصة الرواية، كما تظهر القصة علاقة المرأة بغسان، وهو جار كريم مشفق عليها، فيقول:

“لقد علمتني أم سعد كثيرا، وأكاد أقول أن كل حرف جاء في السطور التالية إنما هو مقتنص من بين شفتيها اللتين ظلتا فلسطنيتين رغم كل شئ، ومن كفيها الصلبتين اللتين ظلتا، رغم كل شئ، تنظران السلاح عشرين سنة. ومع ذلك فأم سعد ليست امرأة واحدة، ولولا أنها ظلت جسدا وعقلا وكدحا، في قلب الجماهير وفي محور همومها وجزءا لاينسلخ عن يومياتها، لما كان بوسعها أن تكون ما هي، ولذلك فقد كان صوتها دائما بالنسبة لي هو صوت تلك الطبقة الفلسطينية التي دفعت غاليا ثمن الهزيمة” [9]

 شخصية المرأة في رواية “رجال في الشمس”:

تعدّ النصوص الكنفانية منبرا أعطى المرأة فرصة للتعبير عن ذاتها، ويشير إلى مدى ارتباطها بالمجتمع، وبالتالي صلتها بالحركة القومية الفلسطينية اذ تنهض وتثور وتقاوم مؤامرة الاحتلال، وتشارك الرجال في النهضة الوطنية ضد الأعداء، كما تشاركهم في حملهم لعبء العائلة، حيث تخفف من أحزانهم، وتوزع من آلامهم في ـأقسى ظروف المخيمات.

“فالأم الفلسطينية وكذلك المرأة لها مكانة ملحوظة بموجب ما يحتمله الحدث من الناحية الواقعية والتاريخية وبالاقتران مع فعل الشعب الفلسطيني مصدر الإلهام التاريخي للأدب الكنفاني وبناء على قدرة الحدث المجرد في احتمال وجود المرأة كان غسان سجلا ومنبرا استطاعت المرأة من خلاله التعبير عن نفسيتها وقد عالج في مواقع مختلفة”[10]

لقد عالج كنفاني المرأة في روايته “رجال في الشمس” بوصفها شخصية بعيدة عن ضوء محور الحدث مباشرة، وذلك لا يعني التغاضي عنها، وعن دورها الذي لعبته في القصة هذه. فالرواية تقدم لنا لوحة أدق عن تأثير نكبة فلسطين مضت على الشعب الفلسطيني سنة 1948م، وتدور حول شخصية “أبي قيس” العجوز الذي يأوي إلى المخيم مع زوجته الحامل وابنه الصغير، ويتفكر في الذهاب إلى الكويت لكسب القوت، لكنه يتردد.

” ماذا ترين يا أم قيس؟

حدقت إليه وهمست:

كما ترى أنت ……..

سيكون بوسعنا أن نعلم قيس …….

نعم ……وقد نشتري عرق زيتون أو إثنين……

طبعا……

وربما نبني غرفة في مكان ما…….. أجل….. إذا وصلت….إذا وصلت……..

كف، ونظر إليها… لقد عرف أنها سوف تبكي. سترتجف شفتها السفلى قليلا، ثم ستنساب دمعة واحدة تكبر رويدا رويدا ثم تنزلق فوق خدها الغضن الأسمر، حاول أن يقول شيئا، ولكنه لم يستطع[11]

يلاحظ في الفقرة السابقة أن أم قيس لها أهمية لدى زوجها؛ لأنه يشاروها في الذهاب لكسب القوت، ولو أن أم قيس تريد أن يغادر زوجها الحبيب ليكسب الفلوس لكي تحقق أحلامها في بناء غرفة في مكان ما إلا أنها تخاف على زوجها وتشفق عليها وتقول (إذا وصلت……إذا وصلت……..)

يتضح مما سبق أن النزعة القائمة في نفس الزوجة، وهي أنها تعلم أن النقود تحقق أحلامها إن نجح في الوصول لكنها في ذات الوقت تخشى الفراق وتخاف أن لا يصل. فصور غسان في هذه الفقرة علاقة المرأة بالزوج وهي العلاقة الزوجية في تلك الفترة من جهة، وفتح نافذة على أحاسيسها كأنثى زوجة وأم من جهة أخرى.

كما يسلط كنفاني الضوء على الجانب الإنساني في العلاقة بين الزوجين، وذلك عن طريق استعطاف الزوج على زوجته وإستشفاقه عليها، الذي أحس “أنها سوف تبكي، سترتجف شفتها السفلى قليلا، ثم ستنساب دمعة واحدة تكبر رويدا رويدا ثم تنزلق فوق خدها المغضن الأسمر”[12]

شخصية المرأة في رواية “عائد إلى حيفا”:

الرواية هي الأخرى تعبر من أجمل روايات غسان كنفاني، وهي في الحقيقة تجربة عاشها غسان كنفاني، وعاشها كل فلسطيني، تجربة جرح وطن وعذاب إنسان عانى قهرا وظلما وحرمانا وتشردا، إلا أنه دائما يحمل أمل العودة إلى ذاك الوطن الساكن في الوجدان.

فالقصة تدور حول شخصيتين رئيسيتين، وهما سعيد وصفية الأب والأم اللذان فقد ابنهما خلدون أثناء هجوم العصابات الصهيونية على مدينة حيفا، حيث تركت صفية خلدون في سريره داخل المنزل في حي الحليصة، وخرجت تبحث عن زوجها سعيد، وبعد أن عثرت عليه لم تتمكن من العودة إلى المنزل لأخذ خلدون؛ بسب إغلاق الطرق وتدافع الناس للهرب.

خلال الفترة بين عامي 1948 – 1967م يسعى سعيد وصفية للعودة إلى حيفا، لكن فشلت جميع محاولاتهما؛ بسبب قطع الطرق الموصلة إلى هناك، ويحاول كنفاني أن يظهر مدى تمسكهما ببريق الأمل الذي لم ينطفئ، ولكن في النهاية أرغما على قبول الأمر الواقع، وأنجبا لاحقا ابنا اسمه خالد وبنتا اسمها خالدة.

كانت المفاجأة بعد وصولهما إلى منزلهما واكتشاف الحقيقة المرة، وهي أن عائلة يهودية استولت على منزلهما وابنهما، وتغير اسم الطفل من “خلدون” إلى دوف، وهنا مفارقة جديدة في أحداث الروية، فصفية تبحث عن خلدون الذي لم يعد له وجود بل وجدت “دوف” الذي حمل كمية من الحقد والكراهية لوالديه ووطنه فلسطين.

تكشف الرواية نموذجين من النساء، صفية المسلمة ومريام اليهودية، اللتان تربط بهما قضية واحدة وهي الأمومة، وهي قصة النزعة والعاطفة بين الأم الحقيقية التي اضطرت للنزوح بسبب استيلاء الاستعمار الصهيوني على حيفا، تاركة بيتها وفيه ابنها الصغير”خلدون” وبين الأم المتبنية حيث قامت الوكالة اليهودية بتسليمه لها، كهدية مع البيت، وحينها فقط أدرك سعيد وزوجته صفية أن خلدون أصبح دوف، وهو إبن زوجين يهوديين احتلا المنزل وابنهما أيضا.

“سجل غسان في هذه الرواية نموذجين من النساء، يقعان في صفين متقابلين يلتقيان في الظاهر، مع أنه توجد وشائج في الباطن يلتقيان بها، يرتبطان بجانب محدود من المرأة، ألا وهي الأمومة، هذه الصفة التي لم تطفو في التقابل بين صفية ومريام، ولم تكن ذات بال يؤخذ بها، فالقضية أشمل من مجرد هذه العلاقة”[13]

كما يبحث غسان كنفاني في هذا المقطع عن البعد الإنساني في شصية “مريام” اليهودية، إذ هي تتصف بميزة عادلة ديموقراطية حيث تترك الأمر للشاب (دوف) أن يختار بين أمه الحقيقية و أمه (مريام) التي تبنته، وأصبح ولدا لها.

“اسمع يا سيد سعيد، أريد أن أقول لك شيئا مهما، ولذلك أردت أن تنتظر دوف، أو خلدون إن شئت، كى تتحدثا، وكي ينتهى الأمر كما تريد له الطبيعة أن ينتهي، أتعتقد أن الأمر لم يكن مشكلة لي كما كان مشكلة لك؟ طوال السنوات العشرين الماضية وأنا محتارة، والآن دعنا ننته من كل شيئ، أنا أعرف أبوه، وأعرف أيضا أنه ابننا، ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه، لندعه يختار، لقد أصبح شابا راشدا، وعلينا نحن الإثنين أن نعترف بأنه هو وحده صاحب الحق أن يختار….أتوافق؟”[14]

 نتائج الدراسة:

من خلال هذه الدراسة يمكننا رصد مجموعة من النتائج، وهي كما يلي:

أولا: لقد تطرق كثير من الباحثين إلى تصوير أو تقديم وضع المرأة، بيد أن المصطلح يندرج في فئتين رئيسيتين، فالأولى: المرأة الايجابية، وهي المرأة الإيجابية المتعلمة، المرأة الإيجابية المناضلة، المرأة الإيجابية المتمردة، ويمكن لها تغيير الأحداث. وأما الفئة الثانية: فهي المرأة السلبية، وغير قادرة على تغيير الأحداث، وتتواجد في صور مختلفة: المرأة السلبية التقليدية المنقادة، وهي تتصف بالسذاجة والعفوية. والمرأة السلبية المقهورة، التي تعاني من ظلم المجتمع و عاداته، تتذوق آلاما، وتلزم السكوت عند الدفاع عن نفسها. والمرأة السلبية اللعوب التي تلجأ إلى الرذيلة لغاية معينة، أو لإشباع رغباتها.

ثانيا: نالت المرأة حظا وافرا من وجودها في الروايات الفلسطينية، وحظيت بعناية كبيرة من الكتاب والنقاد، فموضوع المرأة وأهميته في الرواية العربية والفلسطينية من المواضيع البارزة نظرا لأهمية المرأة سواء في الحياة أو في الأدب؛ لأن حركة المرأة ترتبط بحركة المجتمع، وأما وجود المرأة في الرواية الفلسطينية فلها وقع خاص، واضطهادها مزدوج، قومي بسبب الاحتلال، وجنسي بسبب موروث من التقاليد العربية.

ثالثا: وفي رواية “أم سعد” نجد صورة المرأة الإيجابية المؤمنة بنصر الله وهزيمة الأعداء في شخصية أم سعد، وهي المدرسة، ويتعلم منها غسان كنفاني كثيرا، ونجد أيضا نماذجا للمرأة السلبية في شخصيات نساء أخرى.

رابعا: الدارس لرواية “ما تبقى لكم” يجد نماذجا للمرأة السلبية، فأبرزها المرأة الأم السلبية الغائبة التاركة لولدها حامد ضحية للظروف الاحتلالية القاسية، المرأة خالة مريم السلبية، المتحدثة عن التغيير قولا ولا فعلا، والمرأة السلبية اللعوب مريم الواقعة في الرذيلة مع زكريا رغم كونها واعية ومتعلمة.

خامسا: كذلك يجد المتتبع لرواية “عائد إلى حيفا” نماذج للمرأة الإيجابية والسلبية معا، فتمثل “صفية” الأم المسلمة النازحة نموذج المرأة السلبية التقليدية المتصفة بسذاجة وعفوية، وغير قادرة على العثور على زوجها، والوصول إلى ولدها خلدون حين داهمت العصابات الإسرائيلية مدينة حيفا، وأما “مريام” اليهودية الأم المتبنية فتمثل نموذج المرأة الإيجابية المتصفة بميزة العدالة والديمقراطية حيث تعطي لخلدون (دوف) الخيار بين أمه الحقيقية وأمه المتبنية.

ويتجلى في ادب غسان الذي يتحيز لجانب المقاومة،  والذي يمكن أن نتلمس به أنه يختزن عنفا رمزيا ينهض على معادلة التابع والمتبوع،  وما يمكن أن تتعرض له المرأة من قهر أدى الى أن تكوّن صورة أبعدتها عن الأنوثة التي يمكن أن نجدها في النصوص التي توصف المرأة،  فالجسد الانثوي ولذته ومتعته غاب لصالح الجسد السياسي وأيديولوجية المقاومة التي عدّت الحفاظ على الهويّة والوجود مقاومة بحد ذاتها،  فمقاومة المرأة وجوديّة  في الاصل، وهو ما تجسد في معظم روايات غسان كنفاني .

الهوامش:

[1] كنفاني،غسان: أم سعد، (بيروت لبنان: دار الجمل للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1969م) ص02

[2]  السامي، حسان رشاد: المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985، دراسة، (سوريا: من منشورات اتحاد الكتاب العرب، الطبعة الأولى 1998م) ص187.

[3]  كنفاني، غسان: أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966م (بيروت: مطبعة كركي، الطبعة الأولى، 1966م) (نشرت بعض السطور عن حياة الكاتب في الصفحة الأولى من الكتاب المذكور)

[4]  السامرائي، أحمد هاشم: الأديب غسان كنفاني ص05، لاتوجد معلومات أخرى (الدرسة أخذت أصلا عن موسوعة أبحاث ودراسات في الأدب الفلسطيني الحديث، الجزء الرابع، من 231 إلى 258 ص)

[5]  كنفاني، غسان: رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان (بيروت: دار الطليعة، الطبعة الأولى، تموز/ يوليو 1992م) ص60.

[6]  أبو حنيش، الأسير كميل: “غسان كنفاني…..كلمة السر في أدب المقاومة” مجلة الميادين أونلاين، القسم: ثقافة وفنون، 8 تموز 2020م.

[7] سعدي، سعيدة، زراوي، السعيد: صورة المرأة في الرواية الفلسطينية روايتا “أم سعد” و”ما تبقى لكم” لغسان كنفاني أنموذجا (جامعة محمد بوضياف – المسيلة، السنة الجامعية 2019 – 2020م) ص36 (الفصل الثاني). مذكرة مقدمة ضمن متطلبات لنيل شهادة الماستر تخصص: أدب حديث ومعاصر، قسم اللغة والأدب العربي.

[8]  أبوريان، محمد محيسن، البراذعية، ثابت، العلامة، أمل، كراجة، سعاد: الأم في روايات غسان كنفاني (سعير – خليل: مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي، 1998م) ص13. أعدها مجموعة من الباحثين.

[9]  كنفاني،غسان: أم سعد (بيروت لبنان: دار الجمل للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1969م) ص02.

[10]  أبوريان، محمد محيسن، البراذعية، ثابت، العلامة، أمل، كراجة، سعد: الأم في روايات غسان كنفاني (سعير – خليل: مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي، 1998م) ص07 .أعدها مجموعة من الباحثين.

[11] كنفاني، غسان: رجال في الشمس (بيروت: مطبعة كركي، الطبعة الأولى، 1963م) ص18.

[12]  المصدر نفسه.

[13]  أبوريان، محمد محيسن، البراذعية، ثابت، العلامة، أمل، كراجة، سعاد: الأم في روايات غسان كنفاني (سعير – خليل: مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي، 1998م) ص13. أعدها مجموعة من الباحثين.

[14]  كنفاني، غسان: عائد إلى حيفا (بيروت: مطبعة كركي، الطبعة الأولى، 1969م) ص48.

المصادر والمرجع:

  1. كنفاني،غسان: أم سعد، (بيروت لبنان: دار الجمل للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1969م) ص02.
  2. السامي، حسان رشاد: المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985، دراسة، (سوريا: من منشورات اتحاد الكتاب العرب، الطبعة الأولى 1998م) ص187.
  3. كنفاني، غسان: أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966م (بيروت: مطبعة كركي، الطبعة الأولى، 1966م) (نشرت بعض السطور عن حياة الكاتب في الصفحة الأولى من الكتاب المذكور)
  4. السامرائي، أحمد هاشم: الأديب غسان كنفاني ص05، لاتوجد معلومات أخرى (الدرسة أخذت أصلا عن موسوعة أبحاث ودراسات في الأدب الفلسطيني الحديث، الجزء الرابع، من 231 إلى 258 ص)
  5. كنفاني، غسان: رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان (بيروت: دار الطليعة، الطبعة الأولى، تموز/ يوليو 1992م) ص60.
  6. أبو حنيش، الأسير كميل: “غسان كنفاني…..كلمة السر في أدب المقاومة” مجلة الميادين أونلاين، القسم: ثقافة وفنون، 8 تموز 2020م.
  7. سعدي، سعيدة، زراوي، السعيد: صورة المرأة في الرواية الفلسطينية روايتا “أم سعد” و”ما تبقى لكم” لغسان كنفاني أنموذجا (جامعة محمد بوضياف – المسيلة، السنة الجامعية 2019 – 2020م) ص36 (الفصل الثاني). مذكرة مقدمة ضمن متطلبات لنيل شهادة الماستر تخصص: أدب حديث ومعاصر، قسم اللغة والأدب العربي.
  8. أبوريان، محمد محيسن، البراذعية، ثابت، العلامة، أمل، كراجة، سعاد: الأم في روايات غسان كنفاني (سعير – خليل: مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي، 1998م) ص13. أعدها مجموعة من الباحثين.
  9. كنفاني،غسان: أم سعد (بيروت لبنان: دار الجمل للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1969م) ص02.
  10. أبوريان، محمد محيسن، البراذعية، ثابت، العلامة، أمل، كراجة، سعد: الأم في روايات غسان كنفاني (سعير – خليل: مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي، 1998م) ص07 .أعدها مجموعة من الباحثين.
  11. كنفاني، غسان: رجال في الشمس (بيروت: مطبعة كركي، الطبعة الأولى، 1963م) ص18.
  12. المصدر نفسه.
  13. أبوريان، محمد محيسن، البراذعية، ثابت، العلامة، أمل، كراجة، سعاد: الأم في روايات غسان كنفاني (سعير – خليل: مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي، 1998م) ص13. أعدها مجموعة من الباحثين.
  14. كنفاني، غسان: عائد إلى حيفا (بيروت: مطبعة كركي، الطبعة الأولى، 1969م) ص48.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  *****. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here