معادلات الاغتراب الثقافي  في المجموعة القصصية “نقط” لوفاء عبد الرزاق

Vol. No. 2, Issue No.4 - October-December 2022, ISSN: 2582-9254

0
39
معادلات الاغتراب الثقافي  في المجموعة القصصية “نقط” لوفاء عبد الرزاق

عبد الرزاق هيضراني 

كاتب وناقد مغربي

—————————

الفانطازيا وإدانة قبحيات الواقع

نفترض بداية أن كل قارئ لكتابات وفاء عبد الرزاق يصل إلى نتيجة مفادها أن هذه الكاتبة لا تتوجه بكتاباتها لقارئ يكتفي بالقراءة الأولية للعمل الإبداعي ويطمئن، بالتالي، لما ظهر من معاني أولية. ويرجع ذلك إلى ما تتميز به كتاباتها الأوفاقية من تكثيف يستند على خلفية فلسفية واقتصادية وأحيانا رياضية، كما سنوضح في دراستنا، تضاعف من الإحساس بمرارة الواقع المعيش بأسلوب فانطازي غير مألوف ومتماسك من حيث مكوناته اللغوية والخيالية والسردية. يكفي في هذا الإطار أن نستدل على هذا الاِفتراض بمجموعتها القصصية “نقط” التي تمردت فيها على مجموعة من العناصر السردية. ذلك أن أول ملاحظة جديرة بالاِهتمام أن هذه المجموعة المعنونة بـ”نقط” مجموعة بدون نقط.! إضافة إلى رؤيتها الجديدة في توظيف الفضاء؛ بحيث إن أحداث المجموعة تدور في فضاء الشارع الذي يكتسي أهمية دالة من حيث كونه يرمز إلى تحول أفراد المجتمع من ثقافة إلى ثقافة أخرى؛ إذ إن فضاء الشارع تحول إلى إقامة بديلة عن فضاء البيت. أما توظيف الرقم فيكتسي أكثر من دلالة. ففي المجموعة نصادف رقم 12 الذي يحيل على اثنتي عشرة قصة ونصادف رقم 3 الذي يرتبط بقوائم الطاولة. وتبدو فانطازية السرد واضحة في الإشارة إلى طاولات بقوائم ثلاثة. فتوظيف هذه الممكنات ليس ترفا خياليا بقدر ما يعبر عن قبحيات الواقع أصدق تعبير. ولنا أن نربط بين طاولة بقوائم ثلاث وبين الإقامة في الشارع بدل البيت لنصل إلى خلاصة تتغيى إدانة الواقع وما يعيشه الأفراد من غربة وفي أحايين كثيرة من تغريب مقصود يفقد معه الفرد توازنه وإحساسه بالاِنتماء.

تفكيك نسق الاغتراب

سنحاول أن نقترب أكثر من مجموعة (نقط)[1] القصصية؛ وهي مجموعة تتكون من ثلاثة عشر قصة، منها: الراء والمسدس- حر طاوع حرة- سماء صماء- ألممحو- لص أدهس- دعاء- رحل إلى وسطهم- لا حول ولا…- علل المرور- سمر.الخ. وهي قصص/ نماذج تعالت عن الخوض في ثنائية الذكر والأنثى، وعن تفاصيل الاغتراب الوجودي الجسدي القائم على التمييز الفيزيولوجي، وهي نماذج تتأسس على ممكنات تجريبية مختلفة/ بديلة وعلى أوفاق ثقافية تنتقد دواعي/ أسباب الاغتراب بدل التعلق بنتائجه. فوفاء عبد الرزاق أديبة تستثمر تداخل الأجناس، وتمارس كتابة عابرة للأجناس والقضايا والأحداث والحالات. ومن يقرأ مجموعة (نقط) يتأكد له أن القاصة لا تتوقف عند الاغتراب وإنما تكشف عن أسبابه وتشرح آلياته ومنطق آشتغاله ومعادلاته المعقدة.

أزعم، تبعا لذلك، أن مثل هذه الكتابات كفيل بأن يؤثر على نفوس تمرست على شهوة التسليع والتبضيع، بوصفها وسائل لتسكين وتهدئة مشاعر الخواء والاغتراب آنطلاقا من الوعي به، وبالتالي يساعدها على أن تحيى حياة مختلفة، وإن كانت على كل حال ليست في مأمن دائم من تكالب الأنساق. وبتعبير آخر فإن الكتابة عند وفاء عبد الرزاق تخلخل المفاهيم وتعيد إنتاجها، وليس هدفها من ذلك تهدئة مشاعر الخواء والاغتراب، وإنما تشريحها.

المرأة- الذات

تتحول المرأة في مجموعة (نقط) لوفاء عبد الرزاق من موضوع إلى ذات، وهو تغير في الموقع والوظيفة ناتج عن وعي بالكتابة وبدورها المتعالي عن معيار الجنس وعن ثقافة الضحية. فالكتابة عندها لا تتمحور حول جسد الأنثى، وإنما تتمحور حول نسق الاغتراب بما هو آلية معاكسة/ مضادة لفعل العيش/ التعايش المتبادل الذي لا يحتكم إلى الطبقية أو السمو الدنيء. وبهذا المعنى لم تعد المرأة وحدها موضوعا للقص، بل تحولت الكتابة عندها إلى ذات- موضوع وتحول الذكر إلى موضوع – ذات؛ وهي معادلة لا تسلب المرأة وجودها ولا تلقي بالذكر في دائرة الاتهام. وهذا الذي ذهبنا إليه يتأكد لنا في قصة (لص أدهس)، فالكاتبة وفي مجموع قصصها، لا تكيل الكيل بمكيالين ولا تقرأ الذكر من حيث تفاصيله كما فعل هو وإنما تبئره موضوعا للنقد، وأحيانا لنقل معاناته؛ إذ إنها تتحد به وتذيب المسافات التي كرستها الثقافة والأيديولوجية المهيمنة. وبهذا المعنى ليس الاغتراب الثقافي في قصص وفاء عبد الرزاق آغترابا يصور ذاتا مغتربة عن ذاتها وبيئتها وإنما يرصد ذواتا مغتربة لا تراعي قسمة الجنس أو طبقية الثقافة، وذلك بالانحياز إلى الكائن الفائض رجلا كان أو آمرأة فضاء أو فكرة. لهذا كان الاغتراب آغتراب ذوات وآغتراب أمكنة وآغتراب عوالم متجاورة وحيوات كذلك، وليس آغترابا تبئيريا لذات أنثى تعاني من القهر والاِستبداد وإن كان ذلك معيشا على أرض الواقع.

المجتمع الأنومي/ الثقافة المهيمنة

الأنومي مصطلح وظفه عالم الاجتماع الفرنسي دوركايم 1951، ويقصد به تلاشي الأعراف والمعايير. فالمجتمعات الأنومية لا تعترف بأية قوانين أو أعراف مجتمعية. ولهذا ينعت اللصوص مثلا بالأنوميين لأنهم ليسوا منحازين إلى فئة معينة ولا يلتزمون بمعايير كيفما كانت. وتكشف لنا نزعة الأنومة كما نقرأ في قصة (لص أدهس) سلوكا لأفراد مغتربين يشعرون بالعزلة والوحدة، ويحاولون تبعا لذلك خلق عالم خاص بهم يميزهم عن سواهم. فاللص الذي تحكي عنه القصة لص منقاد ضد مشيئته، يقوم بأفعال تحقق له وجوده وتوازنه. ولهذا الاعتبار تنظر القصة إلى السلوك الأنومي الشاذ على أنه بحث عن الذات بطريقة أو بأخرى في عالم متوحش لا يرحم؛

(في المكان السهل..

تتربصك الرصاصات…

أيها اللص….

انتبه !

المدرسة عجوز بلا عكاز وبوصلة

الكتاب عصارة مرة…

  • حدقوا في الخناجر،، لم تتغير الحكاية،، الشكل فقط أخذ وجها تكنولوجيا كيف للإنسان أن يصبح حيوانا كاسرا؟؟؟) ص 32

فإذا كان الأنومي محل انتقاد لمجتمع/ ثقافة لا ترحم، تتربصه الرصاصات فإن ما يتبقى له يؤسسه الحذر والانتباه. والقصة لا تنتقد نتائج المجتمع، فهو مجتمع أنومي كاسر وإنما تنفذ إلى أسبابه ودواعيه؛ بحيث أن الإنسان في زمن التكنولوجيا تحول إلى حيوان لا يرحم. وهذه من المفارقات التي تبني من خلالها القاصة عالما متناقضا يبرز بجلاء بنية ثقافية متناقضة؛ يبدو من خلالها الإنسان كائنا محكوما بالتكنولوجيا المتوحشة. وترمز القصة، تبعا لذلك، إلى تمركز/ هيمنة ثقافة المظهر التي تسلب الإنسان كينونته وجوهره الإنساني، ولذلك فالحكاية لم تتغير في الوقت الذي تغير فيه الشكل.. وأمام هذا الواقع الجامد الذي لم يتغير، يصبح التساؤل ضرورة ملحة لخلخلة الثقافة الأنومية المهيمنة. وفي هذا الإطار لا تتعالى ذات الراوي(ة) عن هذا الواقع أو تحتمي به، وإنما تحكي عنه بضمير المتكلم، تشارك فيه وتتحد بمآسيه بقدر ما تبحث في أسبابه؛ ( ربما شريعة الغاب آقتضت ذلك.. إذا،، لا بأس إن افترستك الكواسر،، أيها اليتيم الصارخ في داخلي،، تكحل باليتم وبالصبر وسر حيث أسير. نصف يومي أقضيه في الطرقات،، والنصف الثاني في المزابل… الذي وهب درع التكريم للقائمين على رعاية أطفال الشوارع أو الاهتمام بأمر أحد منهم لم تتقلص معدته جوعا ولم ينزف جرحه وهو يبحث عن خبز يابس محشور بين القناني القذرة، يمسح عنه الأوساخ ويلتهمه. سيصدقون علي بنظرة ويتركون أمي المريضة بالسعال تنتظر عودتي في غرفة من صفيح..) ص23. لا يحضر الحكي هنا بآعتباره قوة تأسيسية لهوية الأنثى ومكانتها داخل المجتمع، وإنما يحضر كقوة لنقد وجود ذوات فائضة أنثى كانت أو ذكرا، ولهذه القوة التأسيسية/ الحكي وظيفة الارتداد عن آنتهاك الهوية الجماعية، ذلك لأن الأمم في نهاية المطاف حكايات لا بد لها من ثقافة نقدية مسائلة. فالحكاية هنا إطار لنقد المتناقض والمهيمن، وهي فوق ذلك إمكانية لنشر الحقائق بلغة شعرية تعمق من الإحساس المر بها، وهذا ما يبدو لنا من خلال المقطع السابق الذي يترجم معجمه المنحاز إلى طقوس الطفل وآنعكاساتها على أمه. وتتخذ الذاكرة من أجل ذلك آلية لتعميق الإحساس بمرارة المشهد المعلن عنه سابقا، دون أن يتموضع القص حول حدث مركزي؛ ( كانت وقت مات أبي وأخوتي الثلاثة…تغسل الملابس في بيت مدير الشرطة وحامل بشهرها السابع. رحم الله أبي، رغم شلله كان ينزل السوق بعربة من الخشب يدفعه أخي البالغ من العمر عشر سنوات وينزل به إلى السوق ليبيعان الخضار…) ص23. يبدو النص في هذا الإطار مادة هاربة من الموضعة التي تخضع لها المادة الفيزيائية مثلا[1]، بحيث تحضر ذات الراوي في تشابك/ تعالق بذات الطفل ومعاناته، بذات الأم وآنكساراتها، بذات الأب المشلول، وذلك كله يتم في تناسق تام بفعل آشتغال الذاكرة المكوكي على قضايا متجاورة فيها لا تخضع للموضعة في النص القصصي. وبمعنى آخر فإن هذا التجاوز للحدث المركزي تجاوز لبنية القص التقليدية، وهو تجاوز يضاعف من المرارة ومن الإحساس المركب بمجتمع أنومي متجاوز/ متجذر في آن، وخاضع لبنية ثقافية مهيمنة تحتفي بالظاهر وتعمل جاهدة على تخريب/ تغريب جوهر الإنسان، ثقافته وحياته المعيشة. هذا وتعد قصة (لص أدهس) بنية تتشابك فيها مجموع البنى المشار إليها، غير أنها كلها ترسم لنا بجلاء صورة مجتمع مستحوذ على مجموع الممكنات.. فاللص ابن الطريق الشرعي، وهو الذي يسرق من أجل غيره، ليقتات على سرقته جهاز الأمن؛ أي إنه يغترب من أجل ذوات لا تقحم ذواتها في المسار نفسه، إلا أنها تنتمي إلى طبقة بروليتارية تسلع الآخر وتمهد له الطريق لكي ينحرف، لتقطف في الأخير ثمار هيمنتها وتغريبها؛ (- كم كان نصيبك أيها اللص؟ قلت له سيدي: لم آخذ نصيبا من الحياة غير الجوع والفقد وها هي حالتي تصف حالتي والطريق شاهد على ما أقول. دنا منه شرطي آخر….) ص24.

إن وظيفة الحكي والحالة هذه، تتمثل أساسا في إعادة تدوير هذا العالم المغرب (بكسر الراء) ومشاطرته فعل التغريب مع الذوات المبعدة. لذلك تمارس قصة (لص أدهس) هذه الوظيفة ضد مختلف أشكال الهيمنة، بما هي آلية/ منزع لاختراق أيديولوجيا الثقافة والمجتمع. ومعنى ذلك أن للهيمنة مضامين نفسية ثقافية. وهذا ما نلاحظه في القصة بحيث إن جهاز المراقبة (منظمات، جهاز البوليس…) تقنع الفئات المستغلة (أطفالا، أنوميين..) بأن ما يقومون به طبيعي وبالتالي فهو موقف عالمي، وبذلك تتجذر الهيمنة بتسللها ليألف الأفراد التشبع بها. ولهذا تتوقف القصة عند هذه المظاهر لتواجهها بتمثيل ثقافي مضاد؛ (.. أنا الإبن الشرعي للطريق،، وأنت وحش في صحراء على هيأة قبر. سأنتصر عليك وأنقي جياع المزابل من العرج.. أصنع لهم أرجلا صحيحة من لحم ودم وليست صناعية،، فالأرجل الصناعية للمبتورين الأثرياء،، ولنا السماء الماطرة بالأرجل…) ص25. ت (ي) دخل الراوية في صراع مع الهيمنة بعدما شرحت بعض أسبابها، وتنتصر بالحكاية/ الكتابة، بالخيال والذاكرة وتدوينهما اللذان يجعلان المعاناة مؤرخة فاضحة لمنطق الاستغلال والهيمنة لحقيقة الأنومي والمهيمن على حد سواء؛ بمعنى أن قصة (لص أدهس) لا تخترق حاجز المجتمع الأنومي لتوسع من جرحه ومعاناته وإنما تذوذ عنه بالحكاية والرمز الذي يخلد كما تخلد الهيمنة وتتجدد كما تتجدد هذه الأخيرة.

الجسد الأداة وبنية الشك

الجسد في مجموعة (نقط) أداة للحكي وليس موضوعا له. هذا ما يبدو واضحا من خلال مركزية السؤال/ بنية الشك. ومعنى ذلك أن هاجس الكتابة عند وفاء عبد الرزاق سيكسر حاجز الصمت من خلال التساؤل عن الذات، وجودها، علاقتها بالآخر وظيفتها في الحياة ومكانتها، إذ ستبدو الذات مغتربة ليس لأنها كذلك وإنما نتيجة لما تمارسه قبحيات الواقع من تأثير وآستحواذ. ولهذا كان الاهتمام بالقضايا يتقوى بالسؤال، أي يكتب من خلال الجسد وليس عنه؛ (لا بد للنساء أن يكتبن من خلال أجسادهن ؛ بمعنى أنه لا بد أن يخترعن لغة منيعة يمكنها تحطيم الحواجز، طبقية كانت أو بلاغية قوانين كانت أو أنظمة)[1]. لا يمكن لهذه اللغة المنيعة التي وجب على المرأة أن تكتب بها أن تحطم الحواجز إلا من خلال آستنادها إلى أسئلة تخلخل السائد تتعالى عن موضوعة الجسد والتعلق بتفاصيله لتعانق رحابة الشك للبنى الثقافية المهيمنة. وهذا المبدأ هو الذي تستند إليه وفاء عبد الرزاق في كتابتها؛ إذ منذ بداية المجموعة نلاحظ آستنادها إلى بنية السؤال عن الموقع والوظيفة؛ ( أحياء يرتجفون بين الواقع والخيال، بين حواسهم الضائعة ودهشة إدراكهم لما يقومون به يوميا، أتساءل: هل يمكن أن أدخل بينهم؟) ص2، ولأن السؤال عن وظيفة الكتابة في مجتمعات مأزومة أمر مهم فإن بنية الشك تشكل بؤرة دلالية في حد ذاتها تتوتر من خلالها العلاقة والأمكنة والأزمنة، ووظيفة الكتابة هي التي جعلت الكاتبة تعيد خلخلة السائد في المجتمع المنافق الذي لا يأبه بآغترابه وبآغتراب الذوات التي تعيش معه؛ (الاتزان مجرد كذبة في تصفيات حساب الوجع. أكتب كما أشتهي عرض الوجوه.. لذا جمعتهم على كراس بأرجل ثلاثة…إنه الزمن الأعرج..) ص2. لا يعني هذا أن بيان الكتابة هذا يهدف إلى الاقتيات على قبحيات الواقع أو على جثث الذوات المبعدة، وإنما يعنى بتصوير مضاعف يضاعف إحساسنا بفداحة الواقع وقبحياته، بزمن أعرج وذوات/ مزادات فائضة معروضة للمزايدات الاقتصادية والسياسية والثقافية كذلك. بهذا المعنى يتجاوز السؤال، كما سنرى في قصة سماء صماء، الرغبة في الكتابة المتجردة من قبحيات الواقع، إلى رغبة في المعرفة تتعالى عن قضايا الجسد، إلى إشكاليات حياتية كبرى تؤرق الإنسانية جمعاء كإشكالية الموت لتجعل منها فاتحة لاختراق الثنائيات الضدية: الحب- الكراهية، الموت- الحياة، الفقر- الغنى، الجهل- المعرفة، الكائن- الممكن…(قد أبدو مجنونة لو حاولت البحث عن الكلمات. لكني بحاجة إلى سؤال: -هل الموت بحاجة إلى بطل؟ ما هو شكله،، هل هو طفل أم شيخ؟… السؤال بلا نقطة…السطر المستقيم يبدظا من نقطة،، ثم يكبر. وكرسي 3 مجنون أعرج) ص 11. السؤال عند الراوية لا نهاية/ نقطة له/ ولا حاجز يحده. ومعنى ذلك أننا إذا قرأنا المقطع السابق من نهايته صعودا يتبدد غموضه؛ بحيث إن النقطة بؤرة دلالية تتوتر من خلالها العلاقات والموجودات، وهذا ما يجعل كتابة وفاء عبد الرزاق كتابة تفكر في ذاتها. فرقم 3 في المقطع السابق يرمز إلى تحول الذات إلى مجرد رقم في معادلة الكون الشاسع، وهذا ما يجعل النقطة دالة على الامتداد والنهايات خلافا لما ترمز إليه عادة من انتهاء وآكتمال دلالي، وهنا نفتح قوسا لنشير إلى دلالة عنوان الديوان نفسه الذي يرمز إلى قضايا ومعاناة لا حدود لها من خلال عكس وظيفة النقطة الدالة على الاكتمال، لتؤسس بذلك لثقافة لا تستسلم للمسلمات وإنما تنخرط فيها وتخترقها بالأسئلة. وآستنادا إلى ما سبق تتأسس قصة (سماء صماء) على هذا التوتر الناتج عن بنية السؤال؛ (هل سيعود كل شيء إلى وضعه الطبيعي؟ وتعود النبضات الدافئة سماء ليست صماء؟) ص12. فهي أسئلة بين جسرين: الفقدان وإعادة التوازن. فالحياة التي تكشف عنها هذه القصة الملغزة بأسلوبها وموضوعها، حياة أنثى تتحدى الهيمنة بمختلف تلاوينها؛ بحيث إن بنية السؤال تستحوذ على الكل؛ من خلال التأمل في تفاصيل الحياة وأشيائها، في رمزيتها وما توحي إليه فلسفيا: فالمظلة ثقافة والنقطة جسد ومطر السماء رصاص أعمى.. وهكذا دواليك؛ (أحيانا تمطر السماء رصاصا…. المظلة؟؟؟ للمظلة نقطة أيضا. أستطيع اليوم أن أتساءل: ما الذي يجعلني لا أضع النقط على الحروف؟… سأنتصر على نفسي وأثبت للجميع أني أقوى من رجولتهم… رغم معرفتي بأن لي ما يشبه الحياة وليس الحياة ذاته…)ص13. ولهذا لن تتوقف الذات عند الحدث/ الحالة مهزومة مجردة من كيانها بالوصف، وإنما تتأملها من خلال بنية السؤال في وضعية هذه الذات (أنا حياة في آمرأة أم آمرأة في حياة؟) معبرة عن رفضها التوزيع الثقافي المجحف/ المتجذر (أية آمرأة أنا؟؟ (ن) أكرهك. أيتها الناقصة. إذا.. لا تكتملي إلا ب(.))، إذ النون نون النسوة وهي ناقصة في اللغة والثقافة والمجتمع، أما اكتمالها فلن يكون إلا ب(.) النقطة/ العالم اللامحدود أو البدايات/ النهايات المتحررة من التصنيفات المؤسسة على فكر التنقيص والتقعير. ولهذا تبلغ درجة الصمود مكانة خاصة في هذه القصة (حواء،، أمي،، لا تنشطري وإلا كنت صوت كلب) من خلال توسيع نداء المقاومة[1] إلى الجنس كله، استنادا إلى تجربة الساردة الخاصة في زحمة الواقع، ومن خلال علاقة أبيها السادي مع أمها يوم جاءت (في وقت الخطأ وفي ساعة الخطأ) ساعة جنون وحشي لا يد لها فيه ولا رجل آنعكس عليها وعلى حياتها ! إن بنية المقاومة المتولدة عن دافع الصمود يرجع بكل تأكيد إلى تجربة المعاناة، غير أن هذه التجربة لا يتم تبئيرها وتحديبها والإعلاء منها، بقدر ما يتولد عنها ثقافة تواجه هذا الاغتراب وهذا الواقع القبيح بمزيد من الحكي/ التأريخ/ المقاومة.

*****

الكتابة عند وفاء عبد الرزاق كتابة عن الجمع وبالجمع، ولذا فإن العودة المعلن عنها أعلاه (أعود للعراق…) ليست دلالة على عودة الذات/ الجسد، وإنما هي دلالة على آمتناع الجماعة والذوات المغتربة عن العودة إلى حضن خادش كان وما يزال كذلك. غير أننا نزعم أن العودة تتحقق من خلال فعل الكتابة ذاتها، وهي عودة ضد المشيئة لا شك في ذلك بحكم الانتماء المتجذر في الدم واللون.. العودة، إذن، صرخة من أجل أيتام الأرض مجايلين وأطفالا ويتامى وكل الفئات المغتربة ثقافيا وجسديا سواء تلك المبعدة أو التي تقيم في العراق قسرا.

كتابة وفاء عبد الرزاق القصصية معادلات صعبة التفكيك/ ألغاز وفخاخ، تأملات فلسفية في الذات والواقع، وهي فوق هذا وذاك كتابة تعالت عن الجسد وتفاصيله وباتت تقارب فعل الكتابة وتعيد تشكيله، تلغيزه وتفخيخه. ولهذا لا يكفي وأنت تقرأ قصص وفاء أن تستند إلى ذائقتك القرائية/ الخطية مؤولا حسب هواك، وإنما تدفعك بكتاباتها القلقة إلى عالم قلق يحتم عليك، أن تستعين بالمعجم، التاريخ، والشعر… إنها كتابة أوفاقية بآمتياز توظف جداول سوريالية غير مفهومة أحيانا متعبة أحيانا أخرى.. إلا أن لغة الجمال/ الشعر التي تتميز بها قصصها تدفعك إلى التلذذ بداية بلغتها وتدفعك ثانية إلى التساؤل عن سر هذا الشعر المتدفق من القصص وعن الذي يخبئه ويضمره من اغتراب ومن واقع مجحف/ قبيح.. لقد تعالت وفاء عبد الرزاق عن المستهلك فآتحدت بالروح، بالقيم الفلسفية العليا على الرغم من كل الخيبات.

……………….. ***** ……………….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here