قصة: النذر

Vol No 1, Issue No 2 - April-June 2021, ISSN: 2582-9254

1
1343

قصة: النذر

قصة لـ: ناميتا غوخالي
كاتبة هندية ومديرة مؤسِسة لـمهرجان جيفور للآداب، الهند
ترجمة: د. مخلص الرحمن
أستاذ مساعد ورئيس قسم اللغة العربية، كلية ايتش. بي. التابعة لجامعة بردوان، الهند

————————————-

كانت فاتسالا فيداهارثي أديبة كاتبة، عيناها بلون اللوز، وعلى جبينها نقش لولبي مزدوج مع كحل أسود في عينيها، بشكل ما كان مظهرها يوحي بأنها مصرية، كما تفضل كتاب أمريكا الجنوبية، بالرغم من أنها تخشى أن يصبحوا من الماضي،  كما تكره التملق في الكلام، والألوان المتناسقة، والساري الاصطناعي غير الأصلي، وكذلك المغتربين إلى دبي، وأناشيد جوستان كومار. تعمل في وكالة إعلانات، بعد أن قضت فترة من الزمن في بومباي لتستقر بعدها في دلهي، حيث للأسف، لم يكن الوضع مهنيا إطلاقا، فقد كسر قلبها بسبب الحب ثلاث مرات، مرتين في بومباي، ومرة في حصار، حين فقدت قلبها أمام مزارع ألبان. وعندما كانت في حصار لتشعر بما فيها وتكتب عنها، التقت بمزارع الألبان الذي كان مستشارا للتعاون الهندي-الدانماركي الجديد، فاستسلمت لسحر رجولته وسط خوار البقر ورائحة الروث الكريهة.

بعد عودتها إلى دلهي، لم يحرك هذا الرجل ساكنا واستمرت الحياة كما كانت من قبل، كان طريق العودة يستغرق حوالي نصف ساعة في عربة الريكاشة[1] الآلية المطقطقة للوصول إلى مكتبها في كونوت بليس، وأحيانا تستغرق 45 دقيقة، وعادة ما تعود على نفس الطريق الدائري مساءً، في غسق دلهي الباهت، وهذا لأنها باعت سيارتها من طراز ماروتي 800 ذات اللون الأخضر الزيتوني، التي كانت قد اشترتها بقرض من سيتي بنك، بعد أن عملت بها حادث حين اندفعت سيارة متهورة واصطدمت بجسدها الضعيف مرارا وتكرارا، بينما هي واقفة خارج شقتها في الطابق الأرضي.

كانت الشقة التي تسكنها مزينة بشكل مبهج، بظلال بنية طبيعية وصامتة. ولفاتسالا غرفة مكتب صغيرة تتوهج فيها شاشة الكمبيوتر حتى ساعات متأخرة من الليل، كما ينبعث الضوء الوحيد من برج ميلتون، تمتمت في نفسها، وهي تعمل على إنتاج مسرحية نثرية من أربعة وثمانين مقطعا، والتي كانت تأمل أن تذهل بها العالم يوما ما. بعد ذلك تلجأ إلى غرفة نومها الهادئة المكيفة، التي تملؤها صور بنات وأبناء إخوتها المعلقة بجوار باب الحمام، بالإضافة إلى ملصق به صورة التقطتها لمصارعة الثيران في إسبانيا أثناء قضائها للعطلة هناك، علقتها على الحائط فوق سريرها. أما غرفة الضيوف فقد زينت بألوان زهرة الباستيل الباهتة، المخصصة لعائلتها عند زيارتها، وعندما يأتي والداها من دهرادون تشعر بشيء من الضيق، تتحمله بإخلاص زيادة على ذلك، الانتقادات المألوفة المسبقة بشأن البحث عن زوج جيد في المستقبل القريب.

عندما بلغت سن الخامسة والثلاثين، كبر حجم ثدييها المخروطيين بشكل غامض من B34 إلى C36، ما جعل فاتسالا تعاني من أزمة روحية جراء ذلك. وبدأ ذلك بسؤال مزعج، لأي غرض؟ فكرت في هذا بينما كانت عربة الريكاشة الآلية تسير في زحمة السير متجاوزة أيدي المتسولات الممدودة مع أطفالهن، مرورا بالمباني المهلهلة المألوفة في عاصمة بلدنا، وصولا إلى أقواس مباني لوتينز، التي في كل مرة تستقبلها لدى عودتها إلى العمل.

كانت تتساءل بصوت عال لماذا؟، وهي تتصفح مجلة مصورة جذابة للغاية، بها آخر ماركة لأغذية الأطفال، وإلى حين مغادرتها المكتب مساء، كان مذاق القهوة السوداء المرة ما يزال عالقا في حلقها، وقررت أن تستقل حافلة تناسب توقيتها، من جديد حركة المرور المرهقة، التي تتسلل عبر الطرق الشريانية المزدحمة للطريق الدائري حتى قطب منار، المشع بوميض تلقائي قوي، وخطوطها القضيبية تتقاطع في السماء التي بدت كأنها في غيبوبة، وجعلها تفكر بكل ما يتعلق بالحياة بشكل مباشر، في العيش، البيض الطازج، ليالي الوحدة، انقطاع الكهرباء، البحث عن منظف جاف جيد، والإغفاء للوصول إلى عالم آخر بينما تتشبث بوسادتها خلال ساعات الليل الطويل وحيدة. تساءلت بداخلها هل هذا أمر شائع أو يشبه ذعر عصفور وتأفف سكان المدينة. من يمتلكون المفردات الأكثر تواضعا يطلقون عليها الوحدة بصراحة، أو يعزونها تماشيا مع موضة العصر، إلى التلوث المتفاقم في مدننا، لكن لا، فاتسالا تعرف أن هناك شيء وراء ذلك، بحثت عن شيء ما، وبعد أن عملت في بومباي، وبالرغم من افتخارها بكونها مهنية، عرفت أنها لن ترتاح حتى تجد ما تصبو إليه.

حاليا، أصبحت فاتسالا فيديارثي سيدة بكل ما للكلمة من معنى، وصارت تبحث عن بغيتها بالتحري والسعي، لتحقيق ذاتها وجدت- تمرينا مثيرا للشفقة في الانضباط الذاتي واللوجستيات، لذلك أصبحت تمارس اليوجا وتستيقظ عند الفجر للرياضة البدنية المرهقة قبل المغادرة إلى مكتبها، وانضمت إلى فصل دراسي للفخار في قرية غارهي، وأخذت إجازة من الوكالة لتجعل الطين الرطب ذا وظيفة ومعنى، وانخرطت في أعمال خيرية بالتسجيل في منظمة غير حكومية لتقديم المشورة لمكالمات الانتحار في وقت متأخر من الليل، لكن لا أحد يتصل، ولأنها حساسة رأت أن فخارها قبيح المنظر، وأن اليوغا جعلها سريعة التهيج، وأدى إلى التهاب في جيوبها الأنفية.

بعدها شهدت الوكالة اضطرابا يسيرا عندما غادر رئيسها مع أربعة من زملائه، لبدء شركة إعلانات خاصة به، تم – استبداله بسرعة كبيرة كأنه من العناية الإلهية، بشخص مدراسي[2] ممن يعرفون التيار الكهربائي والاهتمام البالغ بالسوق الريفية، كان السيد رامان، المدعو بـ “ماني” من قبل أصدقائه، شخصا مفرط النشاط، وداكن البشرة. له حدس متقد وأذن لا تخطيء بفهم مغزى الكلام. وقبل أن تفهم ما يحدث حولها، تم نقلها إلى كومبه ميلا ( التي كتبت عنها لاحقا مقالة لــ A&M  ). وبدأت الحسابات الجديدة تتدفق، وأمر ماني الجميع في الوكالة أن يشتركوا في صحيفة أو مجلة على الأقل بإحدى اللغات الإقليمية حسب خياراتهم، للبقاء على اتصال مع الجماهير.

بدأت رحلة فاتسالا إلى الهند الحقيقة تثري كراستها بالإنجازات، لقد أبهرت الجميع لتغطيتها الابداعية لــ ” دونكيل ” ( Dunkel ( (برعاية شركة حديثة متعددة الجنسيات) نيابة عن DRAG، وهي كما يعرف الجميع، مديرية البحوث الزراعية، حلت بقعة بسيطة من الكومكوم[3] محل العمل الفني المزخرف للحلزون المزدوج ” بيندي”، وتركت للأسف تناول السلطة، بعد أن أدت بكتيريا (أشيريشيا كولي) الإشريكية القولونية الريفية إلى اضطراب في عملية الهضم لديها، وقررت أن طلاء الأظافر لا يسمح لأصابع قدميها بالتنفس، حتى أنها فكرت في إطلاق ثدييها، اللذين بحجم C36 من القيود غير الطبيعية لحمالة الصدر ذات الأسلاك التحتية، لكن هذا سيكون مجازفة، عند ركوب العربات الآلية ذات الحركة المضطربة يوميا في شوارع دلهي المليئة بالحفر، وتقرر الأمر مع الأسف، إلى غاغرا- جولي ( (Ghagra-choli الملونة في آخر الأسبوع.

فاتسالا فيديارثي سيدة هندية أصيلة، أرسلت إلى ريشيكيش في رحلة استطلاعية تحت حساب جديد الذي كان “ماني” قد سعى من أجله من قبل، وذهبت بشعور مميز من التقوى والإجلال، وعملت على منتوج مزدوج الوظيفة المتمثل في حصيرة لطرد البعوض والتبخير في آن معا، يراد تدشينه على أقدس نهر في الهند وهو نهر الغانج، وتمت المصادقة عليه مع عدة منتجات أخرى مثل الصابون والمياه المعدنية. ونهر الغانج بالنسبة لها يمثل نهر الشعائر الدينية من أيام طفولتها، عندما كانت تقيم مع والديها في دهرادون ( والدتها مصابة بالأنفلونزا، ووالدها يعاني من التهاب المفاصل  المزمن). وفي ظهر اليوم التالي غادرت في سيارة أجرة متوجهة إلى غانجيز ريفرسايد ريتريت، وبداخلها كانت متأكدة أنه أنسب فندق لامرأة شابة تقصد المكان لوحدها دون رفيق.

هناك حدث شيئان لفاتسالا في ريشيكيس، وجدت رجلا بالصدفة، والعمل على حصيرة البعوض لم يبعد عنها العزلة والحزن الذين يحيطان بها، فيما دخل حياتها تحت تأثير الفيرومونات[4]، كان سلافيا، بالرغم من أنه مرتديا لباسا زعفرانيا من رأسه إلى أخمص قدميه، إلا أن لديه رائحة رجولية لاذعة للتبغ والعرق واللحم الدسم، دخل غرفتها بالصدفة، ظنا منه أنها تخصه. قامت فاتسالا بفحص مزلاج السلامة بتمعن قبل أن تذهب إلى النوم، رغم أنها لم تنجح في ذلك طبعا، رحبت به كأنه صديق قديم، فيما هناك شيء مزعج في عينيه ونقاء وجهه المدهش، يرتدي حذاء ثقيلا لتسلق الجبال وخيطا من مسبحات الصلاة حول رقبته، يبدو في ردائه البرتقالي الخشن كراهب بوذي عائد من أسفاره.

جلسا معا على الشرفة الصغيرة التي تطل على النهر، واستمعوا بطمأنينة إلى صوت الماء المطرد الذي يتخلل صمت الليل، كأنهما أصدقاء منذ الأزل، وسريعا ساد بينهما التفاهم التام. ارتفع ضباب بارد مثل شبح من النهر، لفّّهم في علاقة حميمة غريبة، وأخرج ذلك الشخص الغريب سيجارة صغيرة من حقيبته الضخمة. وعندما أشعل الكبريت، انكشفت أسارير وجهه الهادئة للحظات وجيزة، وتاقت فاتسالا للوصول إليه ولمسه.

قال بلهجة تنم عن اللطف: إنه لا يمكننا عزل العقل عن المادة، ولا يمكننا فصل الروح عن الجسد، حيث خلع قميص نومها بدقة إكلينيكية، وتلاعب بجسدها بحماسة مجنونة. وذهلت فاتسالا لدرجة أنها لم تحتج على الإطلاق بل سلمت نفسها لتلك اللحظة بمشاعر أقرب إلى التجرد، إن لم يكن الاستسلام. النهر المقدس، وضباب الشتاء المبكر، والدخان المتصاعد من سيجارته الذي بدأ ينفذ جزء يسير منها، بدا أن جميعها تتغلغل في أحشائها، شعرت كما لو كانت تخرج من نفسها وأخذت تطفو بعيدا عن حدود الجلد والأظافر والشامو لتهرب إلى عالم الآنية الاستثنائية، والتحم جسداهما،  فقد لعبوا معا إلى وقت متأخر من الليل، حتى بلغ الرجل الغريب الذروة في مكان ما من أعماقها، لكن الأمر ليس كما كان قبلا مع الرجل المتزوج أو مزارع الألبان.

الآن لا أرى، للمرة الأولى، مباشرة دون تدخل العيون المادية، حدثت فاتسالا نفسها بصوت غير واضح، إلا نصفه: ” أنا هو وهو أنا، نحن في النهر والنهر بداخلنا، كل شيء مرتبط ببعضه البعض ارتباطا كونيا”، نحن يين ويانغ، بياض وصفار البيض، شيفا وشاكتي. يمكنني هنا في ريشيكيش، تجاوز حواجز الزمان والمكان. كان فاسانت كونج حلما، وسائق الريكاشة كابوسا، مع أن الهيام برجل غريب خطيئة، يمكنني، بعد كل ذلك، أن أغسل كل شيء في نهر الغانج غدا! .”

في صباح اليوم التالي استيقظت من النوم بوجع في جسدها، كانت وحيدة، وعارية على سرير في غرفة الفندق، وملتحفة بالإزار الذي أبقته عليها. والواقع أن الرجل الغريب كما جاء قد اختفى دون أن يترك أثرا. ارتدت بعض الملابس واتصلت هاتفيا بخدمة الغرف لتطلب كوبا من الشاي، فيما كان النادل الغارهاولي يتسكع بإلحاح للحصول على إكرامية، أدركت أنها تعرضت للسرقة بعدما تفقدت حقيبتها، لا وجود لمحفظة المال أو الساعة أو النقود، فيما عدا بعض العملات المعدنية المتناثرة في أسفل حقيبة يدها حتى بطاقة الائتمان سرقت. باندفاع، أعادت النظر في الملابس المتسخة التي رمتها في الخزانة على أمل أن تكون مجرد خطأ سخيف.

هز النادل كتفيه بوقاحة وغادر. برد الشاي، ولم تعرف تماما كيف يمكنها شرح مأزقها للقائمين على الفندق أو الشرطة. بعد التعب والملل قررت الاتصال بـ ماني في الوكالة فهو يمكنه أن يتصرف، ولم تستطع الاتصال بعامل الهاتف فذهبت إلى مكتب الاستقبال، حيث كانت موظفة الاستقبال التي تلبس طبقات من الماس الاصطناعي، رمقتها بنظرة مألوفة، وسردت عليها ما كانت تملكه وأعطتها رقم الوكالة، طلبت فاتسالا لنفسها كوبا آخر من الشاي وانتظرت المكالمة على السطح الصغير الذي يطل على مياه النهر المتلألئة، مجموعة من السلالم أدت إلى جناح الاستحمام الخاصة، بينما أكاليل القطيفة المتعفنة تتساقط حول الصخور السوداء.

أبلغتها موظفة الاستقبال أن الخط إلى دلهي منقطع، قالت مواسية: بعد كل شيء، هذه ولاية أترابراديش، شعرت فاتسالا بالضياع والوحدة لدرجة أن هذا التعليق من التعاطف اليسير كان كافيا ليعيد إليها ثقتها بنفسها، وانتهزت الفرصة لتخبر موظفة الاستقبال بأن محفظة نقودها قد سرقت،”لماذا لا تتصلي بالشرطة؟” سألتها موظفة الاستقبال، وهي تحك تحت إبطها، وبلوزتها بلون قشدي ملطخة بدوائر بنية متسعة من العرق، أدركت فاتسالا من جديد أنها لم تكن في حالة جيدة، والواقع تقطعت بها السبل.

قالت على عجل: في الحقيقة لم يكن هناك الكثير من النقود “،كذبة صغيرة ليست ذات بأس، قامت موظفة الاستقبال بتدوير حاجبيها المنمقة بدقة، يمكن أن يكون الاتصال بالشرطة مدعاة للمتاعب،كما قالت: متمنية أن تتقن الكذب بشكل أفضل، مرة أخرى، وبما أنها لم تكن متأكدة من الوقت الذي ستتكمن فيه من الاتصال بـ ماني أو الوكالة فقد قررت الذهاب للعمل، وعقدت العزم على المضي قدما لتوفير المال، فانطلقت سيرا على الأقدام نحو المدينة. مهمتها كانت استكشاف مواقع لهوس ماني الجديد، وهو نطاق غانجيز هاربال لطارد البعوض الذي يتواجد بأعداد كبيرة، كان “مانّي” قد قال عدة مرات: إننا نتطلع إلى ولوج المنتوج في السوق. أريدك أن تنظري حولك وتتعرفي على البيئة. نحن نسوّق فكرة جديدة مع شيء نافع، من المهم أن تفهم عقلية المستهلك الأساسي. تذكر أنه قد يكون أميا لكنه ليس أحمق.

انطلقت فاتسالا مسلحة بهذه البديهيات الحكيمة ومجهزة بالكاميرا والكراسة. بدت المدينة قذرة وليست مقدسة بشكل خاص. بدا النهر قريبا بشكل مدهش يمكن رؤيته كأنه متلألئ مثل الشريط الذهبي بين دكاكين الأكواخ وشاحنات الديزل التي تصطف على جانبي الطريق. كانت متعبة وتشعر بألم في رأسها وقدميها، دغدغ الغبار جيوبها الأنفية، عادت إلى طريقها غانجيز ريفر سايد ريتريت واستأجرت سيارة أجرة “ضعه على فاتورتي” قالت: مع قدر كبير من الثقة التي استطاعت أن تستجمعها .

فيما كانت السيارة أمباسادار جديدة للديزل، وكان السائق لطيفا ومؤدبا ولم يدهسوا رجلا أو كلبا حتى وصلوا إلى موني كي ريتي، قررت فاتسالا أن حظها قد تغير، وهناك جو من الخلود والسرمدية في هذا المكان كما تصورت في مخيلتها عندما رأت النهر مرة أخرى. لكن فاتسالا كرهت الكليشيات ووبخت نفسها على الكسل البصري والاعتماد على الأحكام المسبقة، بدأت في إعادة فحص المشهد، سطع ضوء الشمس بفرح على المياه. ساد سكون في الهواء، صمت بعيد عن ضجيج الأبواق ونباح كلاب الشوارع، والماء أنظف مما تخيلته، إحساس بالسعادة نزل عليها مثل البركة، من أنا؟ سألت نفسها ولأي غرض؟ لكن السؤال القديم كان خاليا من التوتر والغموض حتى أنها كانت تشك في أن شخصا ما في مكان ما قد يعرف الإجابة.

فيما كان راهب في مئزر بلون الزعفران يراقبها باهتمام، مفتول العضلات، وعيناه متصلبتان وشاخصتان. شعرت بالخجل وهي تحت أنظاره، واستعجلت الأطفال الصغار، لونهم باهت والشمس تقع في عيونهم، باعوا لها كيسا صغيرا من البوليثين وفيه سمك مقابل عملات معدنية وجدتها في محفظتها، هربوا ممسكين بالمال الذي أعطته لهم وأصوات ضحكاتهم أزالت الصمت الذي يسود المكان، كانت سعيدة تحت أشعة الشمس والحرارة مع شعور غريب بالغبطة. حضرت العبّارة أمامها مباشرة وقبل أن تعرف ذلك اشترت تذكرة للذهاب والإياب بعملاتها المعدنية القليلة المتبقية، وعند منتصف الطريق في الماء، كان القارب يعج بالركاب وهم يرتدون قمصان بوليستر أو السواري الاصطناعية مع حدود الزاري، وجماهير الهند الهائلة نظرت إليهم بفضول بحثا عن علامات مشتركة، قالت لنفسها على عجل لا أشعر بأنني متفوقة ولكن خلفياتنا مختلفة تماما .

المرأة التي على يمينها ووجهها مغطى بنقاب ألقت بعض حبات من طعام السمك في النهر،  عدد كبير من السمك ازدحم حول مقدمة القارب يلتهم بشراهة الحبات البنية قبل أن تذوب في الماء المكدر، بدت سمينة وقذرة وفاسدة، تتغذي على اللحوم كما قالت المرأة التي على يمينها بخجل بدون مخاطبة أحد بالتحديد. داعب تيار من هواء النهر وجهها كباقة مبهجة مع رائحة السمك واليود، شعرت بالكمال والتحرر من جلدها ونسيت خيباتها العديدة وإهانتها الأخيرة، هل هذا عيد الغطاس؟ تساءلت بصوت عال ثم عاتبت نفسها على محاولة إعطاء تفسير لكل شيء.

في الجانب الآخر للنهر كان الجو مختلفا وأكثر نشاطا، كل شيء بدءا من الأبقار المتسكعة وصولا إلى التمائم النحاسية المكدسة للبيع على ضفة النهر تفوح منها رائحة القداسة، فاتسالا فيديارتي سيدة مجتهدة جلست على درجات سلم رصيف الاستحمام، وبدأت بدقة في تدوين وجدولة انطباعاتها، لكن الطريق المتعرج المنحدر، ورداء رام نام، ورائحة القطيفة، هذه الصور دفعتها إلى الشعر فقررت كتابة شعر الهايكو الحر بدلا من ذلك:

يتدفق النهر

مرات عديدة

بينما الزهور

وقعت في الدوامات

 قررت أنه لم يكن أصليا جدا.

الآن، شعرت بجوع شديد، والرائحة المتميزة للباراتا التي تُقلى على المقلاة المغمورة بالسمن الحقيقي،  رائحة تكرهها عادة لكن جذبتها إلى ممر ضيق، فيما كان رجل بدين أكثر بدانة من سيدة السيرك يرتدي زي الباهروبية يبتسم بشكل جذاب لزبائنه، ولافتة خلفه تعلن “صاحب ذيل الحصان الوحيد”! من فضلك حاول التذوق، وخطرت لها فكرة بالشكل التقليدي لمصباح كهربائي من ألف واط، كان هذا عرضا جيدا لمنتجهم، من شأنه أن يؤثر في نفسية الريفي، رجل ذو تسريحة شعر ” ذيل الحصان” يصادق على حصيرة طرد البعوض والتبخير لغانجيز هاربال سوف يعطي ” ماني” دفعا حقيقيا.

في المطعم طلبت فاتسالا وجبة كاملة وأخذت تتغذى على البطاطا والبوري والرايتا مثل السمك الضخم في نهر الغانج، قالت لنفسها بتأمل إنها تتغذى على اللحم، على الطاولة المجاورة كانت عائلة صامتة من جنوب الهند تفكر بتأمل في التشاومين النباتي فيما أدركت أنها لم تكن تملك مالا، نظرت حولا بتوحش متسائلة ماذا سأفعل؟ والمؤسسة لم تعد تولي أي اهتمام بها، ربما تقرضها عائلة جنوب الهند بعض النقود.

على الكرسي المقابل لها استقر حضور ذكوري تفوح منه رائحة الماريجوانا اللاذعة  تلفه كالبطانية، ابتسم لها من أعماق عينيه السلافية واضطرها للتفاعل، نظرت إليه فاتسالا بصدمة ورعب واشمئزاز، وعندما لمسها انتشرت قشعريرة في جسدها، وراحت تقاوم دموعها واندفعت للخارج شاقة طريقها بين الطاولات المزدحمة حتى وصلت أخيرا إلى الممر الضيق بالخارج، لم يسمح لها شيء ما بالمغادرة، ووجدت نفسها ترجع وتبحث عن شيء وسط حشد الزبائن، كان نادل خشن يدفع فاتورتها مع وعاء من الصلب يحتوي على بقايا من الينسون والسكر ، أخرج محفظته ودفع برضا وهو يعد النقود بأوراق جديدة، وابتسامة مرحة أضاءت ملامحه الهادئة، لقد كان شريرا بغيضا، ذلك الدنيء على الأقل دفع ثمن الوجبة، تمتمت فاتسالا لنفسها، وهي تمسح عينيها بزاوية خمارها، وفي ضوء ذلك الظرف بدا الحادث مثيرا للسخرية نوعا ما، والواقع أنها عندما ستخبر ماني سيدرك أنها لم تكن مجرد امرأة متخاذلة، وهي ليست وقحة عندما يتم التصرف معها على هذا النحو.

عندما عادت إلى المنتجع على ضفاف النهر كانت هناك شابة أخرى مغطاة بألماس صناعي في مكتب الاستقبال، سلمت إلى فاتسالا مفاتيح غرفتها بتنهيدة أنيقة ثم استأنفت الفحص الدقيق بأظافرها القرمزية، وتم رش الغرفة أخيرا بمبيد حشري قوي كريه الرائحة، على الشرفة كانت جحافل من الفراشات الضعيفة ترتجف في سكرات المواد، وكانت الرائحة الحادة للمواد الكيميائية تداعب حنجرتها، قالت لنفسها بصوت عال هذه المرة: “ما يحتاجون إليه هو بعض حصائر التبخير لطرد البعوض لغانجيز هاربال” إنها بدأت تتعود على ذلك، نظرت إلى نهر الغانج، بدا الأمر أنه لا يختلف عن الأمس، نفس ضباب النهر الرطب، المياه تتدفق على الشاطئ، الإيقاع الثابت للتيار الرئيسي، وفي الجانب الأخر للنهر أضاء خط مستطيل من النيران، غطى الغابات المتناثرة وهي تحترق كجثة بسعادة.

 ونحن هنا في سهل مظلم

تجتاحهم إنذارات مضطربة من الكفاح والفرار

حيث اصطدمت الجيوش الجهلاء في الليل.

أنشدت حالمة لسبب ما، بدا مبدأ ماتيو أرنولد مناسبا بشكل خاص للوقت واللحظة، رن جرس الهاتف، كانت ريتا الفتاة من مكتب الاستقبال قالت: “التقينا في الصباح، علي الآن أن أتحدث معك”، وبدا الأمر جادا، وصلت إلى الباب بسرعة حتى بدا الاتصال الهاتفي من الغرفة المجاورة، سلمتها ريتا حقيبة يدوية وهي تمس عقدها الماسي الاصطناعي بأطراف أصابعها الوردية، بدت متحمسة للغاية حين دخلت الغرفة قالت: “لقد استرددت الأموال”، وأفرغت أربعة آلاف روبية نقدا، وسوارين من الذهب، وبطاقة ائتمان، ووضعتها على السرير المزدوج الموجود في الغرفة، أضافت المضيفة: “كان هو النادل! لا أعرف كيف تمكن من الدخول! ربما نسيت إقفال الباب أو كنت تستحمين؟”

تذكرت أنها كانت عارية تماما عندما استيقظت، بدون أن ينفع الإزار الذي كانت تتغطى به، احمرت خجلا، وتلعثمت عند تقديم الشكر إليها، لقد طردته الإدارة بالفعل، واصلت ريتا الثرثارة القول: دائما كنت أتوجس منه خطأ ما، إن الأمور غاية في الحساسية كما تعرفين، اعتقد أنك ستوافقين على أننا لسنا بحاجة إلى الاتصال بالشرطة، تساءلت عن اسمه وما إذا كانت ستعرف ذلك، لقد داعبها ونام معها، وقام بدفع فاتورتها، وتعجبت من تصرفها كسيدة محترمة.

قالت بصوت خافت: “اعتقد أنني سأعود إلى دلهي حالا”، وقبل أن تعرف ذلك، دفعت الفاتورة، وركبت سيارة امباسادور قديمة جدا هذه المرة، ناقشت حول ما إذا كانت ستتوقف في دهرادون وتزور والديها، لكنها قررت عدم القيام بذلك.

كانت فاتسال فيديارثي سيدة واقعية، وقررت إبقاء الحادث لنفسها، وكلما تذكرت ذلك شعرت بإحساس عميق بالندم، يليه شعور مفرط بالارتياح، في بعض الأحيان، كانت تتنهد كأنها تتصفح صفحة من نسخة مملة بشكل خاص أو تكتب هايكو أو تقرأ قصيدة لماثيو أرنولد.

  • “ربما ..كانت تعتقد، من يدري!

كان من المفترض أن تختتم القصة القصيرة بنهاية مرضية، لكن من الصعب تحوير الحكاية لتلاءم متطلبات سرد فني، فاختلافي مع القصة القصيرة هو تحديدا أنها تفترض نظاما وتماثلا زائفين على الأحداث، مما يجبر العقول الشابة القابلة للتأثر على توقع حالة مماثلة من الورطة غير المكتملة التي هي الحياة، وإلى أن وافق “ماني” في سياق نقاش نظري أن الضربة القاضية ليست ضرورية دوما لتحقيق خاتمة جيدة.

الهوامش:

1 – الريكاشة : هي التوكتوك، وسيلة نقل عامة خاصة بالبلدان الآسيوية، مكونة من ثلاثة عجلات وتنقل راكبين على الأكثر.

  1. مدراس، اسم قديم لمدينة تشنائ الهندية.

3 . الكومكوم- نوع من النبات يصنع من حبوبها مسحوق يستخدمه الهندوس لوضع نقطة على الجبين تسمى بيندي.

4- الفيرومونات: مادة جاذبة ويقصد بها هنا الدافع الجنسي.

1 COMMENT

  1. قصة جميلة جدا والترجمة أروع، الشكر لكم على نشر قصص قصيرة هندية مترجمة بالعربية، لي رجاء فقط إتاحة الفرصة للباحثين العرب نشر قصصهم بالعربية.
    تحياتي وتقديري
    طه عبد الرحمن

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here