قصة: الفاجعة

Vol. No. 1, Issue No. 2 - April-June 2021, ISSN: 2582-9254

0
1007

قصة: الفاجعة

بقلم
الروائية عائشة بنور
كاتبة وروائية جزائرية

————————————-

كلّ ليلة تفتح فاطمة صندوق أسرارها المخبأ في خزانة قديمة مغطاة بزربية زاهية الألوان حاكتها جدتها لالة زهور، تتفقد أشياءه التي تذكرها بحنين جارف يداهمها كل ليلة فتحترق ضلوعها من شدّة  الفراق والشوق الذي يجري في دمها إليه.

تمرر أناملها على قلادة بنية اللون لابنها قد تركها في عجالة على فراشه حينما خرج مستعجلا، لكنه لم يعد منذ تلك اللحظة التي خرج فيها.

لم يعد ياســر…

مرّ أكثر من عامين و لم يعد… ، قالتها فاطمة بمرارة وهي تشمّ أشياءه.

في اليوم التالي، أشرقت شمس الصباح على المدينة محتشمة بعد ليلة البارحة التي شنت فيها الطائرات غاراتها بالقنابل النيوترونية المحرمة على المدنيين، شكل الدخان الذي خلفته غمامة سوداء تملأ السماء الزرقاء، ولون اللهب على الأجسام النحيلة يزيد من احتراقها.

كان الجميع يهربون من انفجارات ليلة البارحة ويختبئون في كل مكان، الأرض ترتج تحت الأقدام والأصوات المرعوبة تعلو وتعلو…

– لا شيء يعلو فوق الرصاص، هكذا كانت فاطمة تردّد في سرّها.

وتمر الأيام موحشة… كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر حينما انزوت فاطمة في غرفتها بعيدا عن عيون النسوة النائحات. نظرت إلى نفسها مقعدة على كرسي متحرك بحسرة ثم اتجهت نحو مكتبها تقلب دفاترها وبعض صور العائلة الذين فقدتهم في الليالي المشؤومة.

أول سطر كتبته في دفترها اليومي وهي تنظر إلى صورة أختها ليلى باسمة بجانب مكتبها وقد انسابت دمعتان حارقتان على وجنتيها لتبلل الورقة أمامها ثم كتبت قائلة:

 – إلى العزيزة الراحلة..

هــل أقول لك وداعا وطيفك يحوم حولي أيتها الراحلة دون وداع.

لم أكــن أصدق يوما أن خطأ الطبيب يستـره التــراب حتى فجعت فيــكِ وأنتِ تغادرين الحيـاة في ربيـع العمــر بشظية مزقت جسدك إلى أشلاء.

– ماذا أقول لصغـارك وهم يفتشــون عنكِ في وجـوه تشابهت عليهم، ويبحثون عن عينيك في العيون الدامعة..

يجري الصبي “ياسين” في عامه الأول متلهفا، قاصدا كل امــرأة يبحث عن محياك الذي غاب عنه فيخيب ظنـه ويتسلى بالدمـوع.

وفي المقبرة تقصد الصغــرى “فاطمة الزهراء” قبرك لتحفـر الثـرى بعُـود صغير لتخرجـك من تحت التراب، بينما تحضن الكبـرى “إسراء” ملابســك ليــلا دامعـة…

باتت فاطمة تلك الليلة حزينة جدا تكتب ورقة وتمزق أخرى ثم تقلب أشياءها في الخزانة فينسدل أمامها قميص ابنها الصغير يوسف الذي عانق البحر إلى الضفة الأخرى ليزيد من وجعها أكثر فأكثر..

يوسف عانق غضب البحر هروبا من وحوش المدينة التي غيّرت ملامح المدينة إلى رماد وسرقت شبابه في وضح النهار ولملمت أحلام الإنسان في فوهة البنادق.

ذكرها قميصه بأنهار الطفولة التي كانت تتوضأ بها وتمسح ثغره المتبسم.

مرّ زمن طويل على غيابه وذات صباح ندي ترى صورته على شاشة التلفاز غارقا في البحر الأطلسي فتصرخ قائلة:

– آه …آه ….

آه يا عزيزي لم تتحمــل مرارة الحياة فغرقت في جوف اليّم لتعلن للعالم أنك راحل، وتنهدت بعمق وهي تقول:

– الحرب وحدها تركتني أعانق اللّيالي الباردة في العـراء.

تنظر فاطمة من النافذة بعدما بسط اللّيل رداءه وهي تكمد صرختها في جوفها و قد فاضت مدامعها،  وصوت داخلي يتمتـم:

– عندما يدفن الابن أمه يعني يدفن طفولته، وعندما تدفن الأم ابنها تدفن نفسها…

و أرخت عينيها إلى الأرض وأمسكت عن الكــلام ….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here