قصة: الفأل

Vol. No. 2, Issue No.1 - January-March 2022, ISSN: 2582-9254

0
344

قصة: الفال

قصة لـ: ناميتا غوخالي *

ترجمة: د. مخلص الرحمن** 

أستاذ مساعد ورئيس قسم اللغة العربية، كلية ايتش. بي. التابعة لجامعة بردوان، الهند.

mukhles1@gmail.com

——————————

كنت في صالون التجميل “سيكريت”، وفي الممرات الجانبية لـ وولد بانيشور، توجد  فتاة شابة تزيل شعر ذقنى بالخيط، وأنفاسها عَبِقة بنكهة الفواكه، وتفوح رائحة الملابس المتسخة الرطبة الموسمية من إبطيها. كان وجهها قريبًا جدا من وجهي، وكانت عيناها مركزتين، وشفتها العليا مزخرفة بالعرَق.

عندما انتهت، أعطتني ابتسامة متعاطفة، واختتمت حديثها قائلة: “إنه عمل شاق لامرأة”، وهي تنفض ذقني الناعم الآن بمسحوق التلك الصيني. ثم قالت “وومون” بدل وومن. ابتسمتُ مرة أخرى في التضامن.

لقد تغيرت كاتماندو منذ أن زرتها قبل عشر سنوات، بدا الجو أكثر سخونة وازدحامًا، ولكن لسبب غير مفهوم، كانت المدينة بأكملها تبدو بنفس الحال على  صورتها. وادي كاتماندو مكوّن على شكل كأس جميل، تحيط به الجبال والسحب وقمم ثلجية غير مرئية، يشق نهر باغماتي طريقه عبر الوادي، وينحدر من جوكارنا شاقّا طريقه عبر الوحل والقمامة والحطام والنفايات باتجاه تيراي ثم بيهار.

 لقد حضرت مؤتمرًا يتحدث عن: “الهجرة وسبل كسب العيش والهويات الكلية والجزئية. معظم أعضاء الوفود من خبراء نيبال، أحبوا المدينة وبيئتها. تحدثوا عن مدينة بوخارا ، وعن شرائح لحم الجاموس والنمط الماوي بكل مودة وإلمام، غادرتُ هذه المجموعة السعيدة من الأصدقاء، وهم يشربون البيرة وينشئون العروض التقديمية  على برنامج باور بوينت، وقد وعدت والدتي بأنني سأذهب إلى معبد باشوباتيناث لأداء صلواتي وطلب بركة الإله، وكان مطلوب منهم أن يمنحوني زوجًا وسيمًا قويا موسرا، ليخففوا من مخاوف والدتي بشأن عنوستي المستمرة وتبتلي المتواصل. وبعد أن أعربتُ تضامني مع الأنوثة في صالون التجميل، خرجت من هناك.

لمع برج مدخل المعبد الذهبي المزخرف بضوء خافت في وقت متأخر بعد الظهيرة، تغيرت الغيوم الداكنة مع أشعة الشمس الساطعة التي غسلها المطر. خارت الأبقار في حظائرها المؤدية إلى المعبد الرئيسي. فجأة، دفعني ستة حراس مسلحين يرتدون ملابس مموهة إلى جانب الممر الضيق. كانوا يسيرون خلف كاهن قصير مستقيم الظهر بهندام عسكري، وهو يرتدي ملابس الزهد الزعفرانية، ويرافقونه إلى المدخل الخلفي الخشبي المنحوت لمعبد باشوباتي الرئيسي. توجه هو إلى الوراء للحظة ليأمر الحراس بشئ ما،  تلاقت عيناه بعيني. وكان يظهر عليهما علامة ازدراء واحتقار. صرفت نظري بعيدًا وواصلت السير إلى الأضرحة المواجهة للنهر. أمّ بدينة من مدينة مدراس –  تتكلم بلهجة أمريكية-تاميلية – عبرت الجسر وبدأت تمشي بجانبي. وترافق فتاة أسترالية شابة توجهها بصوت عالٍ بطريقة صوفية للهندوسية، كانت تدوّي حروف العلة والحروف الصحيحة في فمها بدون ترتيب، وتسلسل ما لا يمكن التنبؤ به. مثلا تقول: تم بناء هذا المعبد عام 400 للميلاد، قبل آلاف السنين…

رائع! وأعني ذلك، أجابت مرافقتها. وكانت تلك المرأة الثرثارة ترتدي بدلة مثيرة  من الدنيم وعلامة براهمانية على جبينها، قدميها مغطاة بجوارب الطيران الناعمة و شبشب فليب فلوب مطاطي على غرار الغيشا (المغنية والراقصة اليابانية). ووجهها محاطً بهالة من الشَعر الرمادي المتجعد. كل شيء فيها بدا هزليًا وغريبًا، بالإضافة إلى ذلك نوبة الهوس والتهديد في صوتها العالي والبقبقة المستمرة، وهي التي أفسدت تجربتي في المعبد وأبعدت الرومانسية ونزعة الخلود.

لا يُسمح لغير الهندوس بالدخول إلى المعبد الرئيسي، ويمكن له أن يحضر إلى ههنا! هي واصلت الكلام، وإلا فإن النمل الأبيض سوف تدمر المنحوتات المقدسة. رائع! أجابت الفتاة الاسترالية وقد قلّت حماستها.

جئت لأصلي لشيفا، خالق الكون ومدمره، بدون الالتفات إلى تفاهات هؤلاء النساء، واصلت السير على طول النهر، مصمّمة على تركهم ورائي. لم توجد هناك معابد، فقط بعض المقاعد التي تشبه الكهوف على طول المنحدرات المنخفضة المتاخِمة لنهر باغماتي. جلس صبي على واحد منها وهو يعزف على مزمار خشبي. تجمعت أربعة كلاب سوداء حوله وترفرف بآذانهم تقديرا. كان صوت المزمار يبدو مثل الموسيقى الحلو بعد ثرثرة الأم من مدينة تشنائ. واصلت المشي متابعًا الموسيقى.

كان الصبي جالسا على منصة خشبية مؤقتة مثل سطح السفينة ما نتَأَ من فتحة ضيقة في الصخر. إنه استدعاني، فتبعته بصمت في ذلك الكهف الفسيح المظلم. كانت له منصة مرتفعة مع فراش عليها. وكان جسد ممدود على الفراش يحدق في السقف.

“مرحبا!” جاء صوت رجل، وهو استخدم نفس اللهجة وطريقة النطق التي  استخدمتها الفتاة الأسترالية إذ قالت: “واو!” ولم أكن ألتفت إليها. “مرحبًا بك في كهفي. أنا نيوزيلندي دخلت روح المعلم الذي كان يعيش ههنا. كنت أصبت بجلطة دماغية قبل أربع سنوا ت، وقد أحضروني إلى هنا. أنا أحدق في السقف منذ ذلك الحين. هل ترغب في الحصول على دعائي؟”

تساءلت، من هم أولئك؟. من جاء به إلى ههنا؟ هو واصل كلامه قائلا: “قد يعتقد الناس في هذا العالم أنني مجنون، ولكني لست كذلك. إذا حدقتَ في السقف لفترة طويلة واستمعت إلى صوت النهر، تتضح أسرار الكون أمامك”،  وكنت أستطيع أن أسمع صوت النهر يجري تحتنا، وأجراس المعبد تئن وترن وتدق من بعيد.

سألته: من أنت؟ هل يمكنني أن أساعدك بشكل ما؟ “أجاب الرجل: أنا توم. أنا بخير. المعلم يراقبني وسيساعدني على الارتفاع فوق السقف. ساقي وذراعي اليمنى مشلولتان. لكنني أدير الأمور. روحي سليمة “.

أنا هربت من الكهف  ويطاردني الخوف والشفقة. قال توم: “لا تذهب. لا تذهب بعيدا، من فضلك، لم أتحدث مع أي شخص باللغة الإنجليزية لفترة طويلة جدًا. أنا غادرتُ. الدخان الرطب اللاذع  المنبعث من محرقة الجثة ملأ الهواء. كانت الجثة مكوّمة بالأخشاب والأعشاب، لكن النار رفضت أن تشتعل. كاهن، وعليه أثر الغضب،  كان يعيد ترتيب الأخشاب محاولا تأجيج النيران. لم يكن هناك أقارب بجواره للرثاء والندب، على الأقل لم أتمكن من رؤية أحد. ظهرت قدما الميت، وهما بدتا ضعيفتين جدا عندما برزتا من تحت كومة من الخشب والعشب. لونهما أصفر باهت وكانتا مغطاتين بالطين والأوساخ. فهما قدما رجل كان يمشي حافي القدمين ويسافر  عبر التلال والغابات.

اخترق شعاع من الضوء الغيومَ وأضاءت أصابع قدميه، بدت واضحة كما لو كانت تنتمي إلى مكان عَتَبيّ بين الموتى والأحياء، ربما احترقت فروة الرأس أخيرًا كما أنني أشتم رائحة احتراق الشعر. جعلتني الرائحة الكريهة أتقيّأ، وتقهقرت من المعبد، ونسيتُ التقوى والورع. وفي السماء، كانت الغيوم تتبعثر مرة أخرى، وقوس قزح ضعيف ظهر عبر الوادي، وهي رحمة وعزاء.

……………….. *****……………….

* كاتبة هندية ومديرة مؤسِسة لـمهرجان جيفور للآداب، الهند. لها عشرون مؤلفا في الموضوعات المختلفة بما فيها القصة القصيرة والرواية والمسرحية وغيرها.

** أستاذ مساعد ورئيس قسم اللغة العربية، كلية ايتش. بي. التابعة لجامعة بردوان، الهند.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here