قصة: السيد الحقيقي

Vol. No. 1, Issue No. 4 - October-December 2021, ISSN: 2582-9254

4
3176

قصة: السيد الحقيقي

بقلم

رئيس التحرير أ.د. مجيب الر حمن
البروفيسور بمركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهرلال نهرو، نيو دلهي، الهند

————————————

في إحدى ضواحي ريف مدينة دلهي عمل منير الدين في مزرعة كبيرة بكل جدٍّ وإخلاصٍ وتفانٍ عند سيده، وقد كان مسؤولاً عن رعاية المزرعة والماشية فيها، مالك المزرعة السيّد أسد الزمان شودهري رجل أعمال بارز ومن وجهاء دلهي الذي زار المزرعة كلما تسنّت له الفرصة لذلك مع أسرته وأصدقائه في عطلات نهاية الأسبوع، وكلما زارت عائلة المالكين المزرعة، تعيّن عليه أن يكون أكثر يقظة وحذراً، فأي خطأ أو زلة قد تكون مدمرة له، فقد يغضب أبناء المالك وخصوصاً أصغرهم الذي كان فظّاً غليظ القلب، فيُفصل من العمل.

مالك المزرعة، أسد الزمان شودهري، اسم على مسمى، أسد زمانه، طويل القامة، ضخم البنية والهيئة مع شارب كبير مقوس، ويلبس على الدوام ملابس أنيقة مع عمامة فاخرة، ويعرف بانضباطه وصرامته ما ساعده في تحقيق النجاح الكبير في أعماله التجارية، وعلى الرغم من انتمائه إلى عائلة أرستقراطية في غرب ولاية أوتار براديش إلا أنه نشأ فقيراً، بعد أن كان والده قد بدّد جميع ممتلكاته وأمواله في حياة البذخ والترف واللهو، فتح أسد الزمان شودهري عينيه على العالم محاطاً بالخدم والندماء، لكن عاجلاً ما سلبت منه الحياة أسباب الرفاه، فقد اضطرَّ والده السيد خليق الزمان شودهري إلى اقتراض مبالغ ضخمة من المقرضين للحفاظ على حياة البذخ والترف التي تعوّد عليها، إلى درجة أنه شرع ببيع ممتلكاته العينية وأخيراً منزله الفخم الأشبه بالقصر الملكي لسداد ديونه المستحقة عليه، كان بيع البيت كصاعقة نزلت على أعضاء الأسرة فقد أصبحوا مشرَّدين وبلا مأوى.

ذات صباحٍ انهار أبوه نتيجة لنوبة قلبية شديدة، واظلمت الدنيا في وجه أسد الزّمان، الطفل الصغير ذي السنوات العشر، وفي وجه أمه شبانة شودهري، بل انهار العالم بأكمله في عيني هذين البائسين، وقد كان أسد هو الابن الوحيد لوالديه. شعر فجأة أنه ووالدته بلا مأوى أو سند في هذا الكون الفسيح، الحقيقة أن تصرفات والده الطائشة واللامسؤولة هي ما أوصلتهم لهذا الوضع البائس، فوالده من قبل لم يراع يوماً صلة الرحم، ولم يُقم علاقات جيدة مع أقاربه وأصدقائه، فقد انغمس في شتى أنواع الملذات والملاهي والمعاصي، ونظر بازدراء واحتقار إلى الفقراء من أقاربه.

بعدها ولحسن الحظ تقدّم أحد أخواله لمساعدتهما وانتشالهما من الضيق والهوان الذي لحق به وبأمه. وكان خاله المدعو بالحاج عبد الرحمن، موظفاً حكومياً يعمل كأمين في إدارة الري في ولاية أوتار براديش، تميز بكونه ضابطاً أميناً وعدولاً لم يأخذ رشوة في حياته، وبالتالي ظل “فقيراً” من وجهة نظر زوج أخته، كما كان رجلًا متديناً ولم يستسلم أبداً لإغراءات كسب المال بوسائل غير مشروعة، فقد كان يؤمن أن الكسب الحلال والمأكل الحلال من أسمى القيم الأساسية في الإسلام وأنه ما يجعل أفعال المرء  جديراً بالقبول عند الله، فالطعام الحلال ليس فقط لحم حيوان مذبوح بالطريقة الإسلامية، بل القوت الحلال أساساً هو الطعام الذي يُحصل عليه بوسائل مشروعة ومباحة في الإسلام، لذلك فالأموال المكتسبة من الرشوة والغش والاحتيال في الأعمال التجارية وبخس حقوق العباد واختلاس الأموال العامة  وتزوير الفواتير أو أخذ رواتب شهرية دون أداء المهام المنوطة بالمرء، كل ذلك من قبيل الكسب الحرام الذي ينأى عنه الحاج عبد الرحمن، وبالتالي فإنّ أيّ مقدار من العمل الديني والخدمة الدينية أو النشاط الخيري لا قيمة له أصلاً عند الله لأنه ينمو على تربة فاسدة، والتربة الفاسدة لن تنبت أشجاراً مثمرة يانعة، لم يكن الحاج عبد الرحمن يؤمن بهذا المبدأ الجوهري للإسلام فحسب، بل مارسه أيضاً في حياته ونصح به أقاربه وأصدقائه، لذلك فقد كان كالشوكة في عيون بعض الناس وخاصة في عيني زوج أخته- خليق الزمان شودهري، الذي يعتبره رجلا يطال منه في عصر التقدم المادي، حيث تعد الإنجازات والمكتسبات المادية هي المعيار الوحيد لمكانة الإنسان في المجتمع.

بالنسبة لأسد الزمان الطفل، كان من الصعب التكيف مع الحياة في منزل خاله مع أبناء خؤولته، ومع ذلك فإن الوقت كفيل بمداواة الجراح كونه خير بلسم للجروح وخير معلم للإنسان، شرع أسد الزمان يذهب للمدرسة واجتهد كثيراً لاجتياز مراحل التعليم المدرسي والجامعي بتفوق، وبعد أن بلغ أشدّه انتقل إلى دلهي مع والدته وبدأ العمل في شركة لتصدير الملابس. وسرعان ما استقال من وظيفته وبدأ عمله الخاص في تصدير الملابس الجاهزة.

في غضون سنوات قليلة انتعشت أعماله التجارية الصغيرة وحقق فيها نجاحاً كبيراً، وأصبح واحداً من كبار رجال الأعمال، كما صار محسوبا في كبار الأثرياء في المدينة، وبعدها اشترى مزرعته الكبيرة في ضاحية من ضواحي دلهي، واعتاد أن يصطحب عائلته في عطلات نهاية الأسبوع إلى الحفلات، مضت سنوات حياته بسرعة فهو الآخر صاحب عائلة تعيش في بحبوحة ونعيم وترف كبير، الأبناء يدرسون في أرقى مدارس وكليات دلهي، ولسوء حظه لم يتيسر لأسد الزمان شودهري، الغارق لعنقه في إدارة أعماله أن ينتبه إلى تربية أولاده تربية صالحة، فنشأوا مغرورين بالمال، فاسدي الأخلاق، غير مهتمين بالإنسان والفقراء والمعوزين، بل غالباً ما أساؤوا التصرف إلى الخدم.

كان منير الدين رجلاً فقيراً يعيش في قرية قريبة من منزل المزرعة “شودهري فارم هاؤوس”. عُيّن عاملاً في المزرعة وعمل بجد في المزرعة لأكثر من 12 ساعة في اليوم، لم يكن يأخذ الإجازات أبدا حتى في عطل نهاية الأسبوع، كان يتقاضى أجراً لا بأس به يكفيه هو وعائلته الكبيرة وكان سعيداً، ومع ذلك، فقد كره العمل في عطلات نهاية الأسبوع لأنه غالباً ما تعرّض لسوء المعاملة من قبل أولاد مالكه، فنال أشدّ التوبيخ على أصغر الأخطاء أو الزلات أو أتفه الأمور. لم تكن لديه الشجاعة لإبلاغ المالك أسد الزمان شودهري، لأن ذلك سيجلب له العقاب، ولا يسعه أن يخسر وظيفته فهو مسؤول عن إعالة عائلته الكبيرة، واستمرّ منير الدين يتحمل كل الإهانات والإساءات على أيدي مالكيه الصغار، لأن الفقراء في بلادنا يولدون ليعانوا الذل على أيدي السادة الأغنياء. هذه هي الطريقة التي يعمل بها مجتمعنا، لم يكن منير الدين رجلا مثقفا حتى يطلع على حقوقه، فالتعليم ينير العقول ويمنح الثقة والشجاعة للمقاومة والتساؤل ومعارضة الظلم والاضطهاد، منير الدين كملايين الأمّيين في بلادنا، اختار حياة الذل ظنًا منه أنه شيء طبيعي أو أمر مفروغ منه.

مضت السنوات بسرعة البرق، لقد أمضى 25 عاماً في خدمة أسياده، وهي خدمة استثنائية تميزت بالوفاء والأمانة نذر فيها قلبه وروحه لخدمة أسياده، وفي هذه المدة الطويلة تغيّرت أشياء قليلة: نال قليلا من الاحترام، لكن ساوره الخوف دائماً: خطأ صغير يكفي لطرده من العمل.

اعتاد منير الدين مثل معظم المسلمين الذهاب لصلاة الجمعة، لم يهتم قط بالصلاة خمس مراتٍ كما هو مطلوب من المسلمين، حتى في صلاة الجمعة، كان يصل المسجد فقط قبل الصلاة ولا يهتم بالاستماع إلى الخطبة التي يلقيها الإمام باللغة الأردية يشرح فيها أساسيات الإسلام، لم يخطر بباله أبداً أن يستمع إلى الخطب ويفكر فيها.

ذات يوم أثناء عودته من صلاة الجمعة، صادف قريباً له قرب باب المسجد وقد عاد من مومباي مؤخراً، فانشغل في محادثة معه، وخرج إمام المسجد مولانا محمد خالد من المسجد بعد أداء سننه ونوافله ورأى منير الدين يتحدث إلى شخص ما، لقد كان مشهداً غير عادي حيث لم ير أحد منير الدين يبقى هناك بعد الصلاة في سنوات خدمته الطويلة في المزرعة.

الإمام محمد خالد: السلام عليكم الأخ منير الدين، يسعدني أن أراك هنا بعد الصلاة. لقد أثّر كورونا على المصلّين أيضاً. قليل منهم الآن يأتون إلى المسجد للصلاة.

منير الدين: وعليكم السلام يا حضرة الإمام. كيف حالكم؟ وكيف حال العائلة.

 الإمام محمد خالد: الحمد لله كل شيء على ما يرام. كنتُ أصبت بالكورونا لكني تعافيت والحمد لله. لقد لقي كثير من الناس حتفهم في هذا الوباء. هذا قضاء الله وقدره. إن الحياة والموت بيد الله.

وكيف حال سيدك السيد أسد الزمان شودهري؟ لقد سمعت أنه أصيب بكورونا وأدخل المستشفى؟

منير الدين: أجل. إن حالته خطيرة. لكنه رجل ثريٌّ جدا ويحصل على أفضل علاج وسيكون بخير إن شاء الله.

الإمام محمد خالد: صحيح أنه يستطيع الحصول على أفضل علاج في أرقى المستشفيات، لكن الموت لا مفر منه لأحد، فالموت يدركنا ولو كنا في بروج مشيدة. والكل سيرحل سواء بالوباء أو بغيره. البقاء لله، ألا ترون حتى أغنى الأشخاص والشباب يموتون بكورونا في أيام قليلة من إصابتهم بالفيروس. وهذا عذاب منزل من الله عقاباً على ذنوبنا ومعاصينا. لكن الناس صم بكم وعمي لا يفقهون هذه العلامات الواضحة وينغمسون في الحياة كما لو أنهم لن يموتوا أبداً.

لم يكن لدى منير الدين ميول دينية واضحة. لكن كلمات الإمام العاطفيّة أثّرت في قلبه. لم يستطع أن يتذكر مناسبة في حياته حيث خاطبه مباشرة عالمُ دينٍ أو إمامُ مسجدٍ، وتذكّر أنه لم يُسمح له إلا بساعة واحدة لصلاة الجمعة. سيتم الإبلاغ عن أيّ تأخير إلى الابن الأصغر لمالكه الذي سينهال عليه بوابلٍ من الشتائم ويعامله كأنه حيوان وليس بشراً.

منير الدين: كلام حضرتك يهزّ روحي ويؤثر في قلبي. لكن عليّ أن أسرع للمزرعة فقد تأخّرتُ عن عملي بنصف ساعة تقريباً، وقد يبلغ الخدم الآخرون المالك الصغير فأنال حظي من التوبيخ والعقاب، إنهم قساة حقًا، هل آتي إليكم في المساء حتى تخبروني أكثر عن الإسلام؟

الإمام محمد خالد: بالتأكيد الأخ منير. من فضلك تعال في الليل بعد أن ينتهي عملك.

وصل منير الدين إلى المزرعة وقد تأخّر ساعة. وقد كان هناك خادم يغار منه اتصل بالفعل بالمالك الأصغر وأخبره بتأخره في العودة للمزرعة بعد صلاة الجمعة.

رنّ جوال منير الدين، فارتعدت فرائصه، فقد كان الاتصال من الابن الأصغر للمالك، وكما توقّع فقد نال منه أبشع الشتائم، وأحسّ منير الدين بالذل والمهانة الشديدة. وبدأت الدموع تنهمر على خديه. لكن الرجل المسكين ماذا يستطيع أن يفعل سوى أن يصبر كما صبر منذ 25 سنة من عمله في المزرعة.

في الثامنة مساءً، وصل منير الدين إلى منزل الإمام محمد خالد الذي كان يستعدّ لصلاة العشاء. رحّب بمنير الدين وأخبره أنه ذاهب لأداء صلاة العشاء ويا حبّذا لو صحبه إلى المسجد لأداء صلاة العشاء، وقال له إنه عادة ما يلقي محاضرة قصيرة بعد صلاة العشاء. يمكنه الاستماع إلى الوعظ الديني ويستفيد منه. بالكاد تذكّر منير الدين أنه أدى صلاة أخرى غير صلاة الجمعة المعتادة. ذهب مع الإمام محمد خالد إلى المسجد. وبعد صلاة العشاء، بقي المصلون، الذين كان عددهم قليلاً بسبب قيود كورونا، للاستماع إلى محاضرة الإمام محمد خالد.

جلس الإمام محمد خالد على كرسي وبدأ بإلقاء خطبته. بدأ حديثه بالقول: إخواني في الله! لقد نشر الله آياته الكثيرة حولنا لنتبيّن هذه العلامات والآيات ونعرفه ومن ثم نعود إليه تائبين. نحن نصلي ونعتقد بأننا قمنا بأداء الواجب. إخوتي الأعزاء، عندما نعمل لدى شخص ما، كم نهتم بهذا السيد من البشر! نحن نفعل كل ما هو بوسعنا لنكسب رضاه وألا نغضبه. نحن نعمل حتى بعد ساعات عملنا لكسب رضا سيدنا الذي هو رجل مثلنا، يمكنه أن يعطينا أجراً لقاء خدمتنا له. ولكنه لا يستطيع أن يمنحنا الحياة أو الموت، أو الرزق، إنه لن يقدر على شيء ما لم يرد الله به،  نحن نعيش في هذه الدنيا لنحو 60-70 سنة ، لكننا نبذل قصارى جهودنا لإرضاء أسيادنا من البشر، الذين ليسوا أسياداً في الواقع، وهم بشر لا حول لهم ولا قوة إلا بالله، كم هي مأساة كبيرة أن جُلّ همنا هو إرضاء سيد من البشر، فنفعل كل ما يمكنه أن يرضي هذا الإنسان، ونهتم بأتفه الأمور التي قد ترضيه أو تغضبه، ولكن هل فكّرنا فقط في أن نعمل عملاً يُرضي سيّدنا الحقيقي الذي هو خالقنا وبارئنا، وربُّنا، وكفيلنا وناصرنا وحامينا وصديقنا الحقيقي، فكل نفس من أنفاس حياتنا ملك له ومنة منه، وهو الذي أتينا منه وإليه نعود، لحياة أبدية لا تفنى، إمّا في الجحيم أو الجنة بناء على أعمالنا وولائنا له.

هل فكرتم يوماً في إرضاء هذا السيد؟ هل كنتم في موقف تم فيه توبيخكم أو معاقبتكم من قبل صاحب العمل على ارتكاب خطأ بسيط؟ هل خطر ببالكم أن السيّد الحقيقي عاقبكم على عصيانكم المستمر له؟ هل توقف هذا المالك عن إطعامكم أو قطع إمدادكم من حوائجكم الدنيوية؟ هل فكرتم فيه يوماً باعتباره الذات التي تستحق اهتمامنا وتفانينا الحقيقيين؟ إن الله سبحانه وتعالى – ومن خلال كتابه القرآن الكريم – يخاطبكم شخصياً ومباشرةً، هل سبق لكم أن أصغيتُم إلى دعوته. ماذا لو أصابكم كورونا وأهلككم، فهل تملكون الشجاعة لمواجهة خالقكم. أليست هي أكبر مأساة في حياتنا؟

وقعت كلمات الإمام في قلب منير الدين وقع السّهم في الجسد. فقبل ساعات معدودة فقط، تعرّض للإهانة والذلّ على يد نجل المالك بسبب تأخير طفيف في الوصول إلى مكان العمل. وفكّر منير الدين في نفسه: 25 عاماً من الخدمة المتفانية ما أمكنها أن تضمن له كرامته. لو أنه وضع نسبة ضئيلة من الإخلاص لربه الحقيقي وأخطأ فلن يعامله بالطريقة التي عومل بها، فهو رب رؤوف كريم رحيم.

كانت الساعة التاسعة مساءً حين غادر منير الدين المسجد متوجهاً إلى منزله الذي كان يبعد نصف كيلومتر عن المسجد. شعر بتوتر شديد. حرّك خطاب الإمام محمد خالد المياه الراكدة في قلبه، وإذا مات في الطريق، أو في المنزل هذه الليلة، كيف سيواجه ربه وبارئه؟ لقد أمضى حياته في خدمة الأسياد القساة الطغاة متناسياً آخرته، متناسياً سيّده الحقيقي. تضرّع منير الدين في نفسه إلى الله: اللهم أعطني مهلة وأعطني فرصة. سأتوب عن أخطائي وذنوبي وأصحح مسار حياتي.

عندما وصل إلى المنزل كانت زوجته السيدة هاجرة تنتظره. غضبت منه على عدم رده على اتصالها. ولكن لما رأت وجه زوجها، أدركت خطورة الأمر. بدأ يروي منير الدين ما حدث في المزرعة والخطبة التي سمعها من الإمام. أجهش بالبكاء. تناول العشاء وذهب للنوم. لكن جافاه النوم، بل كان على بعد أميال من عينيه. إن مقارنة الإمام بين السيدين الإلهي والبشري والأبدي والفاني، قد هزّته هزة كبيرة. ومن شدة توتره لا يستطيع أن ينام فصعد إلى الشرفة واستلقى على بساط ناظراً إلى السّماء.

كانت السّماء صافية ومرصّعة بمليارات النجوم والكواكب. لقد تخيل الله هناك في الأعلى. وفكّر في حجم هذا الكون الواسع وموقع الإنسان فيه، هذا المخلوق المتناهي الصغر الذي لا يمثل حجم حتى ذرة من هذا الكون اللانهائي واللامحدود، كم هو ظالم وجاهل، وكم عظيم هو ربنا، وهو ينادينا، ونحن لا نسمع نداءه، هو يريد أن يحبنا ولا نستجيب لحبه، إنه رب الكون العظيم الذي عجزت عقول البشر عن تصور حدوده في عصر هذا التقدم الفلكي المذهل. إنه معنا في كل لحظة من لحظات حياتنا، إنه أقرب إلينا من حبل الوريد، إنه يحمينا وينصرنا ويطعمنا ويشفينا حين نمرض. وما ذا نعمل نظير كل ذلك، نحن نجد ونكدح لأجل حطام الدنيا فقط، نلهث ونركض وراء هذه الدنيا غافلين عن ندائه، كم نحن أشقياء، وما أصحّ ما قال الله سبحانه وتعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين.

رفع منير الدين يديه إلى السّماء ونادى ربه في تضرع وخشوع والدموع منهمرة على خديه: اللهم إني أهدرت عمري وضيعت حياتي. اللهم اغفر لي، إني أتوب إليك، فأنا عبدك فقط، ولست عبداً لبشر، إيّاك أعبد وإيّاك أستعين.

واستيقظ منير الدين على أذان الفجر، ولأول مرة في حياته يستيقظ على سماع أذان الفجر، فقد نقَّى الله قلبه من الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس. فأسرع إلى زوجته ليوقظها أيضاً لصلاة الفجر، واندفع إلى المسجد للصلاة. أحسّ منير الدين أنه وُلد من جديد. وبلغت سعادته أقصاها فنسي حادثة البارحة وكأنَّها لم تكن شيئاً يُذكر أو يستحق الاهتمام.

وصل منير الدين كالعادة إلى المزرعة في الساعة التاسعة صباحاً. وما إن دخل المزرعة حتى سمع صرخات بكاء عالية آتية من داخل بيت المزرعة. كان السيد وجيه الزمان شودهري، الابن الأصغر للمالك، يبكي بحرقة شديدة، وعلم منير الدين من زملائه في العمل أن سيّدهم أسد الدين شودهري سقط ضحيةً للكورونا في الصباح الباكر فأسلم روحه إلى بارئها، حيث لم يتمكن الأطباء من إنقاذه رغم قصارى جهدهم، ولم تسمح سلطات المستشفى لأحد برؤية جثمان الفقيد وأنه سيُدفن في مقبرة مخصَّصة لضحايا الكورونا في وسط دلهي بمراعاة ضوابط وبروتوكولات كورونا.

رفع منير الدين يديه مرة أخرى إلى السماء ليستغفر لسيده وليشكر ربّه على أعظم نعمة أهداها له، نعمة الهداية إلى الله، فاستطاع أن يتعرّف على سيده الحقيقي قبل أن يفوته الأوان ليطّلع على أعظم حقيقة في هذا الكون العظيم، وأحسّ منير الدين أنه اليوم أغنى بكثير وكثير من أسياده من البشر، فهو الآن يملك أعظم ثروة في الحياة: هي ثروة الإيمان بالله، وقد تعلّق الآن بسيده الحقيقي: مالك هذا الكون العظيم ربّ العرش العظيم مالك يوم الدين.

……………….. ***** ……………….

4 COMMENTS

  1. المنبر الصحافي الهندي-العربي سعيد بوجود من يحليه ويزدان به هذا المجال، نتمنى لرئيس تحرير هلال الهند تربعه على هذا المنبر ومنحه مكانة صحافية عالمية بحضوره القوي النشيط المستمر مع رفقته فيه.

  2. يارب!

    نقاش حول الكسب الحلال والكسب الحرام، وتناول معرفة رب الكون السيد الحقيقي بالذكر، وعظمة إمام المسجد وتأثير خطبته في القلب، وحبكة القصة بأسلوب يمزج بين الرقة والدقة والعمق والتوسع في المعنى والمضمون والدلالة، وجمع بين التعابير القرآنية والتعابير الأدبية الحديثة والمعاصرة، متسما بالواقعية، بوركتم سيدي رئيس تحرير هلال الهند، والله السيد الحقيقي نسأله أن يهل علينا هذا الهلال هلال الهند، هلال الصحافة العربية-الهندية، هلال المسيرة الأدبية، هلال النقد الأدبي والمعالجة الأدبية للقضايا الاجتماعية باليمن والبركة والخير والدوام.

    بوركتم من جديد سيدي رئيس التحرير ومدون هذه القصة ذات القيمة الإنسانية والإسلامية والربانية والروحانية.

  3. قصة في غاية الروعة من جهة المسحة الإيمانية القوية، قصة تؤكد حلاوة إيمان الفرد المسلم بربه، قصة تؤكد تفاهة الحياة البشرية وغواية المنغمسين في الدنيا غافلين عن المالك الحقيقي، قصة تؤكد الحقيقة المطلقة أن ثروة الإيمان بالله ثروة لا تعلوها ثروة، وأن الفقر الحقيقي ليس فقر المال وإنما الافتقار إلى معرفة رب العالمين، الرب الحقيقي للبشر والكون بأجمعه.
    قصة تتميز بحبكة شيقة ولغة رائعة سلسلة واسلوب عربي مبين لا يبدو عليه أثر العجمة إطلاقاً، الرجاء من الكاتب الفاضل أن يتحفنا بمزيد من قصصه الرائعة والجميلة، وأنا أتابعه منذ سنتين أو أكثر على صفحة صحيفة الرؤية، وأقول من دون مجاملة أن زاويته الأسبوعية هي تاج المقالات على صفحات الرؤية.
    الكلام الجميل ينبع من القلب الجميل، لابد أن صاحب قصة السيد الحقيقي وكاتب كل المقالات الأسبوعية على صفحة الرأي في مجلة الرؤية الصادرة من دبي يملك قلبا مؤمنا جميلا، حياك الله كاتبنا الفاضل، فإنك تستخدم قلمك لهدف نبيل، وما فائدة الأدب إلا خدمة الأهداف الإنسانية النبيلة.
    مبارك لكم أيها الكاتب الكريم، متمنيا لكم المزيد من التوفيق والألق والإبهار والإنجاز الإبداعي والعلمي.
    مراد طاهر

اترك رداً على Dr. Quamer Shaban Cancel reply

Please enter your comment!
Please enter your name here