قراءة في رواية (رقصة الجديلة والنهر)للأديبة العراقية وفاء عبدالرزاق)

Vol. No. 2, Issue No.4 - October-December 2022, ISSN: 2582-9254

0
89
قراءة في رواية (رقصة الجديلة والنهر)للأديبة العراقية (وفاء عبدالرزاق)

د. أحمد الهادي رشراش

 ناقد ألسني، جامعة طرابلس/ ليبيا

—————————

شهدت الساحة العربية في الآونة الأخيرة نشوب حروب دامية واحتدام صراعات عرقية، ودينية، وطائفية، ومذهبية، وجهوية، وقبلية، زرعتها أيادٍ معادية، وأذكى جذوتها سقوط بعض الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة، والإفراط في الثأر من قبل المنتصر، ومحاولة اجتثاث أنصار تلك الأنظمة الدكتاتورية؛ الأمر الذي جعل بعض أولئك الأنصار يفكرون في الثـأر، والتحالف مع الشيطان لأجل النيل من جلاديهم، وظهر الشيطان بالفعل في صورة داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) فانخرطوا في صفوفه، وقاموا بدعمه؛ لأنه في نظرهم الحل الوحيد للأخذ بالثأر، والخلاص من الاجتثاث.

وعلى الرغم من صمت أغلب المثقفين العرب، وغيابهم ، شبه التام، عن هذا المشهد الدموي المؤلم، وفي ظل الموقف الباهت الخافت لكثير من المبدعين والفنانين العرب، يعلو صوت الأديبة والشاعرة العراقية الكبيرة (وفاء عبدالرزاق) متحدياً الإرهاب بالإبداع، من خلال روايتها (رقصة الجديلة والنهر) فنخلة العراق، أبت إلا أن تساقط رطباً جنياً؛ لتطعم به اليتامى والأيامى الذين فقدوا أرباب أسرهم بسبب الإرهاب؛ وليأكل منه الإنسان والطير والدواب، ولتظلل بظلالها الوارفة على النازحين؛ لكي تقيهم مخاطر العراء، الذي صار سقفاً للكثيرين في ظل الإرهاب، وألحّت على استمرار لحن الحياة وعزف سيمفونيتها الرائعة، بأناملها الناعمة المبدعة الساحرة، تعزف وتعزف، وتصحب عزفها بالغناء؛ لتقول: لا للإرهاب نعم للحياة، وبالإبداع وحده سنتحدى الإرهاب، ونعيد لحن الحياة، فكان صاحب الناي من بين أبرز أبطال روايتها، وعزفه الحزين صاحب كل فصول الرواية، ولا غرابة في ذلك فهي (قيثارة العراق) التي عزفت بكلماتها أجمل القصائد الشعرية ، وأروع القصص والروايات!

أطلقت الأديبة العراقية (وفاء عبدالرزاق) نخلة العراق وقيثاراتها روايتها الجديدة (رقصة الجديلة والنهر) معلنةً (بالإبداع نتحدى الإرهاب) وهذا ما تأكده عدة نصوص في الرواية، مثل: ((سأعزف وأعزف ليصل صوتي السماء، ويتحول المرئي إلى عوالم ضوء))[1].

تفاعل عقلُ الروائية وفاء عبدالرزاق وفكرُها مع العالم المحيط بها، فأنتجب هذا العمل الإبداعي، وفقاً لرؤيتها وغنى تجربتها الحياتية والإبداعية، مستوحيةً أحداثه من قصة واقعية، دارت أحداثها في عصر المؤلفة (العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين) وموطنها (العراق) وكانت بطلتها البطلة الكردية (ريحانة) التي تعثرت في حياتها بسبب وجود تحدٍ كبير أمامها، يتمثل في الإرهاب الداعشي، الذي ألم ببلدها العراق على وجه العموم، ومدينتها (كوباني) على وجه الخصوص، فتخلّت – بحرقة – عن حبيبها وحياتها الدنيوية التي كانت تتأملها، مجبرة نفسها على قبول تحدِّي الإرهاب، فانخرطت في صفوف المقاتلين لتدافع عن وطنها، ولتعطي لمحبيها الأحقية في الحياة.

ولئن كانت الرواية واقعية مستوحاة من الواقع، فإن الخيال كان حاضراً فيها، ولعل أبرزه الحديث عن روح ريحانة التي ظلت تحوم في سماء العراق توزع السنابل على البيوت، من غير تمييز بين مسلم وشيعي، وعربي وكردي، وسني وشيعي، في رسالة إلى ضرورة الاتحاد ونبذ الخلافات، ومواجهة الإرهاب، والتوجه نحو العمل والبناء.

ونقلت الروايات أنّ ريحانة قتلت مائةً من الدواعش، فكانت نهايتها الذبح وقطع العنق، وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورة رأسها تتدلّى منه جدائل شعرها الجميل، فأضحت ريحانة رمزاً للمقاومة الكردية العراقية، بل الإنسانية، ضد الإرهاب، معلنة أنّ المرأة لم تخلق سقط متاع، يتمتع بها الدواعش وغيرهم، بل هي شريك رئيس في الحياة، في الشدة والرخاء.

دارت أحداث الرواية حول موضوع شغل دول الشرق الأوسط على وجه الخصوص، والعالم بصفة عامة، وهو موضوع الإرهاب ومحاربته، وما يصحب ذلك من عقبات واجهها أبطال الرواية (كالتواطؤ من قبل بعض المواطنين، وتغوّل الإرهابيين وشناعة أفعالهم، والصمت العالمي) ومحاولاتهم الدؤوبة لتخطي تلك العقبات، للوصول إلى الهدف، وهو القضاء على الإرهاب والعيش في سلام.

وقد تعدّدت الأحداث واختلفت، فعالجت قضايا عديدة مرتبطة بالموضوع الرئيس (الإرهاب) فصرحت بأصحابه (داعش) وقائدهم البغدادي، وأعوانهم العملاء من أبناء العراق، وأفعالهم الشنيعة من قتل وتهجير واغتصاب، ودوافعهم (المال، الجنس)، وتسترهم باسم الدين، والصمت العالمي والمؤامرة، والدعوة إلى اللحمة الوطنية والتكاثف العراقي لمواجهة الإرهاب، وبقاء الأمل رغم الألم…الخ.

ولا تخلو الرواية من التساؤلات الفلسفية التي تشغل بال الروائية، كقولها: ((هل هؤلاء خلقهم الله كسائر مخلوقاته؟ أو أنهم جاءوا هكذا على هيئة مذابح؟ كيف تكون يد الله يد القاتل ورقبة القتيل؟))[2].

وتميّزت الرواية بدقة الوصف، وجودة التصوير، وبراعة التشبيه، فقد وصفت الروائية الطبيعة، متغنيةً بجمالها؛ لإثبات الأحقية في العيش والحياة، كقولها: ((وثب “عادل” واقفاً ناظراً إلى الفضاء الأخضر على الجبل المزدان بورد البابونج والورد الأصفر والبنفسجي والأحمر … يراقب النجوم في سماء نصف غائمة))[3].

وقد تفننت الروائية، في روايتها هذه، في تعدّد الشخصيات، واختلاف الأمكنة (بغداد، الموصل، دهوك، الرمادي، جلولاء، جبال سنجار، جبال شنكال…) وتنوّع الأحداث، فضلاً عن روعة السرد وبراعته في تحقيق غائيته. وقد وفقت في حسن اختيار الشخصيات وتنوعها، بذكاء يدعو إلى اللحمة، ونبذ الخلافات الدينية والعرقية والطائفية، فاختلفت الشخصيات بين السني والشيعي والمسيحي والكردي والأيزيدي (ريحانة، وشيرين، وعادل، ورناهي، وكازين، وبريفان، وهافال، والقس موريس، وأبوعلي، وسميرة المسيحية …الخ).

وكل الأماني أن تتحول هذه الرواية المميزة إلى عمل تلفزيوني أو سينمائي؛ ليكون الجمهور المتلقي أكبر، وتصل الرسالة بأسرع وقت ممكن إلى كل إنساء يبغض الإرهاب.

……………….. ***** ……………….

[1] . وفاء عبد الرزاق، رقصة الجديلة والنهر، مؤسسة المثقف العربي ، سيدني- استراليا، 2015م. ص: 10

[2] . المصدر السابق، ص: 59

[3] . المصدر السابق، ص: 87

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here