فنّ البورتريه من روايات نجيب محفوظ إلى لوحات حلمي التوني: المرأة نموذجا

Vol. No. 2, Issue No.2 - April-June 2022, ISSN: 2582-9254

0
621

فنّ البورتريه  من روايات نجيب محفوظ إلى لوحات حلمي التوني: المرأة نموذجا 

بقلم: رجاء الفاريك تليلي
باحثة في الأدب والفنون بكلية الآداب والفنون والإنسانيّات بمنوبة، تونس

—————————

مقدّمة:

 مثّل الرّسم أوّل وسيلة اعتمدها الإنسان للتعبير عن ذاته وتجاوز حيرته  بـ “[استلال] الصورة من كهوف ذاته لينقشها على كهوف الطبيعة مذ  عكست النار ظلاله على جدرانها[1].

ولم يكن من الصعب عليه إدراك ما للوجه من قدرة لا محدودة على التعبير وكشف دواخل النّفس وتحقيق التّواصل مع الآخر . لذلك سعى إلى تثبيت هذه القدرة من خلال فنون شتّى كالنّحت والحفر والرّسم والتّصوير …، ولعل ما خلّفه الإنسان المصري القديم من أعمال فنّيّة أن يؤكّد أهمية هذا النّوع من الفنون منذ القدم فقد مثّلت الصورة الوجهية أو ” البورتريه ” أهمّ إرث فنّيّ للحضارة الفرعونية إذ تناول الرّسّامون والنّحّاتون المصريّون القدامى  الشخصيّة الإنسانية وفق مقوّمات تشكيليّة مخصوصة دافعهم إلى ذلك هاجس عقائدي يعتقد بوجود حياة أخرى بعد الموت، ذاك المجهول المخيف، وبإمكانيّة “العودة إلى الحياة ” التي لا تتحقق إلّا من خلال الوجوه والأقنعة الّتي تستدلّ بواسطتها الرّوح على جسدها.

ولئن كان الفنّ التّشكيلي أكثر الفنون عناية بالصورة الوجهية (البورتريه) واهتماما بتقنياتها وأساليب رسمها فإنّ هذا الجنس من الفنون لم يبق حكرا عليه بل تجاوزه وعبر إلى مجالات أخرى لعلّ أبرزها مجال الرّواية الذي ينبني على ركائز أساسية تمثّل الشخصيّات الرّوائية فيها بملامحها وتفاعلاتها وانفعالاتها حجر الزاوية، فظهر “البورتريه الأدبي” بمختلف أبعاده الشّكليّة والنّفسيّة والاجتماعية وتنافس الرّوائيّون في توظيفه والإفادة منه في بنية الرواية وحبكتها.

وبالإضافة إلى ذلك نرى أن الفنّ بما هو رسم  ليس مجرّد  تقنية يستثمرها الأدب في إبداع المعاني وتصوير المشاهد فقط بل هو يعاضد الأدب ويمنحه آفاقا واسعة لإنتاج المعنى بما  كان يبدعه الرسّامون من لوحات تشكيلية مستمدة من ثنايا الكتب نفسها وليس أدلّ على ذلك مما وصل إلينا من مخطوطات قديمة خلّدها التاريخ، زُيّنت صفحاتُها برسوم ومنمنمات في غاية الدقة والرّهافة فكان تجسيدا لثورة جمالية قطعت مع السّائد من التّقاليد الفنّيّة في الحضارتين اليونانيّة  والبيزنطيّة  بابتكارها جماليّات جديدة للرّسم والتّعبير عن النّصوص اللغويّة المكتوبة بواسطة الرّيشة.

إنّ التّمايز  بين عالمي الأدب والفنون الجميلة  ليس إلّا تمايزا ظاهريا لا يكاد يخفي ما بينهما من اتّصال وتفاعل باعتبارهما شكلين من أشكال الإبداع الإنسانيّ ، يعبّران- وإن بأساليب وتقنيات مختلفة- عن الفكر في تطوّره والوجدان في انفعالاته والتجربة الإنسانية في  تحقّقاتها و تمثّلات الإنسان للوجود والكون في اختلافها. وهما في كل ذلك يستندان إلى مذاهب واتّجاهات واحدة فالواقعية أو الطّابعانيّة أو السّرياليّة أو الرّمزيّة أو غيرها من المدارس  تتجلّى آثارها بوضوح في الأدب والفنّ التّشكيليّ على حد ّ السّواء وخصوصا في جنس الرّواية وفي الفنّ التّشكيليّ بفروعه المتعدّدة من نحت ورسم وحفر …

من هنا نتبين أهمّيّة النّظر في هذه المسألة واستكشاف أبعادها وحدودها، وعلاقة التّأثير والتّأثّر بين جنسي الرّواية والفنّ التّشكيليّ في مبحث محدّد هو مبحث “البورتريه”، وما يمكن أن ينتج عن هذا التّفاعل من حركيّة واستحداث لقيم تعبيريّة جديدة وفتح لنوافذ أخرى للنّظر إلى  العالم وتمثل الوجود .

لقد اهتم النّقّاد الغربيّون بهذه المسألة في بحوثهم وأولوها عناية واضحة من خلال بعض الكتب والبحوث الجماعيّة  نذكر من بينها  كتاب “الزمن والسرد والصورة الثّابتة ” الذي قام بجمعه ونشره  الباحثان ميراي ريبيار ( فرنسا )  وجون بيتنز (بلجيكا)  سنة 2001  وكتاب ” روايات /لوحات “الّذي جمعه جان بيار قييمار(فرنسا )   ونشرته منشورات جامعة “ليل “سنة 1994م، ومن خلال عقد بعض النّدوات التي اهتمّت بهذه المسألة نذكر من بينها النّدوة الّتي عُقدت بالبرتغال في فيفري من سنة 2015 تحت عنوان ” من اللّوحة في الرّواية إلى الرّسم الرّوائي “،

كما لم يغب هذا المبحث عن بعض الدّارسين  العرب إذ أولى بعضهم اهتماما واضحا للعلاقة القائمة بين الرّوايات العربيّة والفنّ التشكيلي من خلال الرّسوم المصاحبة للسّرد الرّوائي  ومن بين هذه الدراسات يمكن الإشارة إلى كتاب ” مروان قصاب باشي: رحلة الحياة والفن” لـعبد الرّحمان منيف والّذي صدرسنة 1996 عن دار بيسان للنّشر والتوزيع والإعلام وفيه جملة من المقالات الّتي عنيت بمسألة تلاقح الرّواية والفنّ التّشكيليّ من خلال بعض النماذج ومنها رواية مدن الملح لـعبد الرّحمان منيف والتي تخلّلتها رسوم الباشي في تكامل واضح بين الكلمة والصورة . وكتاب “نجيب محفوظ السارد والتشكيليّ ” لأشرف أبو اليزيد الذي نشر سنة 2018 عن الهيئة المصرية للكتاب ووثّق الكاتب من خلاله أعمال الفنانين التشكيليين الّذين صاحبت رسومهم أعمال نجيب محفوظ طيلة خمسين سنة ويزيد من الإبداع الروائي.

 ولئن أبدع الرّسّامون في تجسيد مختلف الشخصيّات الرّوائيّة بواسطة الرّيشة فإنّ أعمالهم تلك ماهي إلّا ترجمة بصريّة للبورتريهات الأدبيّة الّتي أبدع في صياغتها الكاتب محوّلا بذلك الحروف والكلمات صورا ماثلة  للمتقبّل يتعرّف من خلالها الشخصيّات ويراها رؤيا العين من خلال مختلف التقنيّات من وصف مادّيّ ووصف نفسيّ وحوار و”مونولوغ” داخليّ وأيضا من خلال نموّ الحدث الرّوائيّ وتتابعه، بما يجعل الشّخصيّة الرّوائيّة واضحة المعالم  لا تزيدها الرّسوم إلا التّجسيد البصري لرؤية الكاتب دون أن ننكر ما قد تضيف إليها لمسات الرّسّام من بصمة إبداعيّة لا تخلو من رؤية مختلفة عن رؤية الكاتب أحيانا.

وليس أدلّ على هذا التّفاعل بين مجالين فنّيين مختلفين ممّا لمسناه عند اطّلاعنا على مدوّنة نجيب محفوظ الغنيّة بالعلاقات والرموز التي أثارت اهتمام الرسّامين وجعلتهم يستلهمون من “البورتريهات” الأدبية التي أبدع نجيب محفوظ في صياغتها العديد من اللّوحات التّشكيليّة خلّدت ذكر هذه الشخصيّات .

لقد مثّل عالم الرواية عالما مفتوحا على كلّ الأشكال الإبداعية فهو عالم لا محدود يمارس من خلاله المبدع حرّيّته الذّاتيّة بما يحرّره من كلّ تصنيف أو تجنيس إذ هو المظلّة التي تنضوي تحتها أجناس أدبية بل فنّيّة مختلفة. لذلك فقد سعينا إلى تبيّن هذه الحركة التفاعليّة بين فنّين مختلفين من خلال تقنية واحدة عابرة للمجالات هي تقنية “البورتريه “الّتي تتجاوز مجرّد كونها تقنية لتصبح فنّا قائما بذاته متجذّرا حضاريا وتاريخيا.

       ولقد مثّلت المرأة في روايات محفوظ مادّة خصبة للعديد من الفنّانين التّشكيليّين ومن أبرز هؤلاء الفنّان التّشكيلي حلمي التّوني الذي أولى المرأة في روايات نجيب محفوظ اهتماما كبيرا  في مجموعة من اللوحات  اختار أن يسمّيها   “نساء نجيب محفوظ”. ولم يكن اختيارنا لهذه اللوحات اعتباطيا إذ مثّلت “تيمة” المرأة خصوصية وتفرّدا عند هذا الفنان التّشكيلي سواء في أسلوب الطرح أو في تقنياته وهو الملقّب “رسّام المرأة” إذ يحتفي بها في لوحاته و يرى فيها أيقونة دائمة للجمال، والأصل الحقيقيّ للحياة .

صورة المرأة من قلم محفوظ إلى ريشة التّوني:

يقول جمال كامل: “لم أعرف في حياتي مصوّرا للشخصيّات المصريّة أقدر منه [نجيب محفوظ]، وأبرع في تجسيد ظلالها وألوانها، وصياغة الخلفيّة التي تتكامل معها وتجعل الحياة تدبّ في أدقّ تفاصيلها… الصّورة والشّخصيّة عنده هي الإنسان والبيئة معا. وموضوع البورتريه الّذي يرسمه وجه ومكان وزمان.. ورائحة أيضا[2] …”

تختزل هذه الكلمات كلّ ما يمكن أن يقال عن إبداع نجيب محفوظ في رسم البورتريهات الرّوائيّة لشخصيّاته، إبداع “يحوّل السّمع بصرا” فتتجسّد الشّخصيّة بكل ملامحها الشكليّة والنّفسيّة والاجتماعيّة للمتقبّل. وهو ما لمسناه بوضوح عند تناولنا لبورتريهات كلّ من حميدة وأمينة وسمارة وزهرة، إذ بدت هذه الشخصيّات تجسيدا لنماذج مألوفة قد نصادفها في كل آن وحين، استطاع نجيب محفوظ من خلالها أن يقدّم رؤيته للعالم والأشياء من حوله ويوصل للمتقبّل رسالته بوصفه أديبا يسعى إلى تغيير الواقع بنقده وتعرية مفاسده وإبراز سلبياته سواء من خلال كتاباته الواقعية أو عند اعتماده للرمزيّة في رواياته التعبيريّة.

حميدة بين محفوظ والتوني:

  • البورتريه الأدبيّ

لقد رسم نجيب محفوظ بورتريه حميدة بأبعاده الشّكليّة والنفسيّة والاجتماعيّة موظّفا في ذلك كل الأساليب من وصف وسرد وحوار بين الشّخصيّات أو بين حميدة وذاتها، ليكشف معاناة طبقة اجتماعيّة مطحونة إبان الحرب العالميّة الأولى تضطرّ فيها المرأة لامتهان الدعّارة من أجل تحقيق طموحها في حياة مرفّهة، وهو بذلك يشخّص الدّاء الذي أصاب المجتمع المصريّ من خلال تصويره لانحدار المرأة وتردّيها.

ويعتبر الوصف المادّيّ من أهمّ التقنيات الفنّيّة التي تسهم في رسم البورتريه الشّكلي للشخصيّة وهو سمة بارزة في الروايات الواقعيّة إذ  يضطلع بدور مهمّ في إبراز رؤية الكاتب للكون ولا يكون مجرد وسيلة لإبطاء حركة السّرد، ولقد وظّفه نجيب محفوظ لتحديد ملامح حميدة الخارجية فصوّرها لنا بقلمه كما لو كان يمسك بريشة رسّام: “كانت في العشرين، متوسّطة القامة، رشيقة القوام نحاسيّة البشرة يميل وجهها إلى الطّول، في نقاء ورواء، وأميز ما يميّزها عينان سوداوان جميلتان، لهما حور بديع فاتن، ولكنّها إذا أطبقت شفتيها الرقيقتين وحدت  بصرها تلبّستها حالة من القوة والصرامة لا عهد للنّساء بها[3]

إنّ الوصف المادّيّ الذي اعتمده المؤلّف لم يكن شكليّا ولم تكن وظيفته إبطاء السّرد بل جاء ليمنح شخصيّة حميدة تميّزها وتفرّدها عن باقي سكّان الزقاق بما يضفي شرعيّة لما سيتواتر من أحداث تكون هي بطلتها. وقد اعتمد نجيب محفوظ عند تقديمه لبورتريه حميدة في هذه الفقرة “راويا عليما يمتلك الصّوت والمحتوى العرفانيّ”   فجاء الوصف في صيغة تقريريّة لا تبرّرها سوى رغبة المؤلّف في تقديم الشّخصيّة للقارئ كما يراها بما يخدم السّرد. غير أنّ الكاتب لا يكتفي بما قدّمه من ملامح بورتريه حميدة بل يستعين بمختلف الشّخصيّات داخل الرّواية لكشف جوانب أخرى لهذه الشخصيّة متخلّيا بذلك عن المحتوى العرفاني ومكتفيا بالصوت، فتأتينا صورة حميدة وفق ما تحبّ لنفسها أن تكون وما تبذله لأعين النّاس وخصوصا أولئك الّذين يهتمّون لأمرها إماّ حبّا أو شهوة فنراها وقد “التفّت في ملاءتها … وقطعت الزّقاق في عناية بمشيتها وهيئتها لأنّها تعلم أنّ أعينا أربعا تتبعها متفحصة ثاقبة، عيني السّيّد سليم علوان صاحب الوكالة وعيني عبّاس الحلو الحلّاق. ولم تكن تفاهة ثيابها لتغيب عنها، فستان من الدّمور وملاءة قديمة وشبشب رقّ نعلاه، بيد أنّها تلفّ الملاءة لفّة تشي بحسن قوامها الرّشيق وتصوّر عجيزتها الملمومة أحسن تصوير، وتبرز ثدييها الكاعبين، وتكشف عن نصف ساقيها المدملجتين، ثمّ تنحسر في أعلاها عن مفرق شعرها الأسود ووجهها البرونزيّ الفاتن القسمات… وراحت تنهب الطّريق الزّاخر العامر بعينيها الجميلتين[4].

لقد رسم نجيب محفوظ بورتريه حميدة من خلال وعيها بذاتها وما تسعى لأن تبدو عليه في طريقة مشيتها ولعبة الإظهار والإخفاء الّتي تتقن تفاصيلها فتلعب الملاءة دورا مزدوجا إذ هي وسيلة للحجب بلونها الأسود الّذي يخفي ما تحته لكنّها في الوقت ذاته تكشف عن تفاصيل هذا المحجوب عن الأعين برغبة من صاحبتها الّتي تبرع في شدّها على أجزاء معيّنة من جسمها مستثيرة بذلك الخيال الجامح لدى من يراها. وفي هذا الصّدد يصادر ميشيل بوتور على أنّ:” الإنسان لا يشكّل وحدة بنفسه، فالشّخص وشخص الرّواية ونحن أنفسنا، لا نشكّل فردا بحدّ ذاتنا، جسدا فقط، بل جسدا مكسوّا بالثّياب، مسلّحا، ومجهّزا…”  [5]حيث [كذا] تمثّل الثّياب أشياء ثقافية و” لوازم جسديّة لا غنى، إذ لا يتشكّل الجسد بدونها” [6]   بل إنّ الشخصيّة ذاتها لا تتشكّل إلّا بها، ورغم وعي حميدة بحالتها الرّثّة ونسبها الوضيع إلّا أنّ ثقتها بنفسها وبجمالها لا تهتزّ وإن صادف وغلبها ذاك الشّعور بالضّعة فإنّها تغطّي عليه بما تبديه من شراسة وقوّة.

ولم يكتف نجيب محفوظ بتقديم البورتريه الشّكليّ لحميدة في إطارها الأصليّ المتمثّل في الزقاق بل تتبّعها بقلمه في انتقالها من عالم الزّقاق إلى عالم اللّيل مبرزا ما طرأ عليها من تغيّر:

على الرّاس عمامة بيضاء مرتفعة في تقوّس كالخوذة، عقص تحتها شعرها المدهون العبق، الخدّان والشفتان مصبوغتان بالحمرة على خلاف بقيّة الوجه الّذي خلا من الأصباغ، بعد تجربة طويلة دلّت على أنّ بشرتها البرنزيّة أفتن للجنود الحلفاء وأحبّ إليهم، الأشفار مكحّلة والأهداب مدهونة مفصّلة تهدف إلى عل أطرافها الحقيقيّة، وعلى الجفون ظلال بنفسج مقطّرة من نسائم الفجر، هلالان مزجّجان خطّتهما يد ماهرة مكان الحاجبين، سلسلتان من البلاتين ذات نبقتين من اللّؤلؤ  تتدلّيان من الأذنين غير ساعة ذهبيّة في معصمها وهلال منغرس في مقدّم العمامة. فستان أبيض يشفّ أعلاه عن قميص ورديّ وتنضح حاشيته بسمرة فخذيها، جورب رماديّ من الحرير الخالص لبسته لا لشيء إلّا غلوّ ثمنه، وقد تطاير شذا عبق من تحت إبطها وراحتيها وعنقها. فلشدّ ما تغيّر كلّ شيء[7]

لقد أطنب نجيب محفوظ في رسم البورتريه الجديد لشخصيّة حميدة بعد الّذي طرأ على حياتها من انقلاب فتناولها في كلّ تفاصيلها مبرزا مدى التّحوّل الّذي شهدته صورتها والمتأمّل في هذه التفاصيل يتبيّن أنها تهمّ أساسا ملابسها ومجوهراتها، ذاك الغلاف الّذي تغلّف به جسمها. كما أنّ الكاتب يتوقّف طويلا عند وجهها الّذي تغطيه المساحيق مبرزا بذلك خصوصيّة وضعها كبائعة هوى تبذل جسدها سلعة مستخدمة بهاء وجهها الّذي برعت في إبراز مفاتنه بواسطة مساحيق التّجميل.  فالمومس لا تملك سوى جسدها تعرضه للبيع، ورغم سعي نجيب محفوظ لتقديم صورة حميدة من خلال عينيها بالإشارة إلى وقفتها أمام المرآة إلّا أنّه قد سمح لراويه العليم بالتّدخّل في رسم هذه الصورة من خلال الجملة التالية: “جورب رماديّ من الحرير الخالص لبسته لا لشيء إلّا غلوّ ثمنه” كأنّما يذكّر القارئ بسوء الذّوق الّذي تتّسم به حميدة، تلك الفتاة الفقيرة التي هبطت عليها الثروة هبوطا فتصوّرت أنّ قيمة الأشياء تزداد بغلوّ أثمانها، إذ يحتاج منها الأمر جهدا مضاعفا لتكتسب القدرة على تمييز الأشياء ومعرفة قيمتها.

تغيّرت حميدة في ظاهرها تغيّرا كبيرا لكنّها لم تستطع أن تخلع عنها آثار حياتها القديمة التي بقيت ماثلة في يديها القبيحتين وصوتها “الخشن الفظّ” وهي نقائص ما فتئ فرج إبراهيم يذكرها بها كلّما أراد استفزازها فيخاطبها متشفّيا:” أطيلي أظافرك واصبغيها بالمنيكور.. يداك نقطة ضعف في جمالك”[8] ،” حذار، هذه نقطة ضعف أخرى ما فطنت لها من قبل، صوتك يا عزيزتي.. ازعقي إذا شئت من الفم لا من الحنجرة، فهذا صوت خشن فظّ، ولو أهملناه بلا تهذيب وترهيف فظع، ولعلّه أن يذكّر السّامع بالمدقّ ولو كنت في عماد الدّين”[9]

لقد برع نجيب محفوظ في رسم التناقض الصارخ بين البورتريه الشّكلي لـ”حميدة الزقاق” وبورتريه “حميدة عماد الدين” من خلال تركيزه على التّفاصيل المختلفة لكليهما متّخذا موقع الرّاوي مطلق المعرفة حينا وموقع الراوي من الخارج أحيانا، وموظّفا في ذلك تقنية الوصف بالأساس وهي التّقنية الأنسب في رسم البورتريه الشكلي للشخصيّة.

ولشخصيّة حميدة بقلم محفوظ أبعاد أخرى غير الشكليّ منها فنراه يدفع القارئ إلى الغوص في أعماقها النفسيّة ببراعة من خلال مشهد صوّره عبر عيني حميدة للزقاق وأهله فنراها تصفه وإيّاهم بسخرية مريرة من خلال قول يبدو كما لو أنّها تحادث به نفسها: “مرحبا يا زقاق الهنا والسعادة. دمت ودام أهلك الأجلّاء. يا لحسن هذا المنظر، ويا لجمال هؤلاء الناس. ماذا أرى؟ هذه حسنيّة الفرّانة جالسة على عتبة الفرن كالزكيبة عينا على الأرغفة وعينا على جعدة زوجها، والرجل يشتغل مخافة أن تنهال عليه لكماتها وركلاتها، وهذا المعلّم كرشة القهوجي متطامن الرأس كالنائم وما هو بالنائم. وعم كامل يغط في نومه، والذباب يرقص على صينيّة البسبوسة بلا رقيب. وهذا عباس الحلو يسترق النظر إلى النافذة في جمال ودلال، ولعلّه لا يشكّ في أنّ هذه النظرة سترميني عند قدميه أسيرة لهواه، أدركوني ياهوه قبل التلف. أمّا هذا فالسيّد علوان صاحب الوكالة رفع عينيه يا أماه ثم غضّهما، ثم رفعهما ثانية.. قلنا الأولى مصادفة، والثّانية يا سليم بك؟: ربّاه هذه نظرة ثالثة: ماذا تريد يا رجل يا عجوز يا قليل الحياء؟؟ مصادفة كلّ يوم في مثل هذه الساعة؟ ليتك لم تكن زوجا وأبا إذا لبادلتك نظرة بنظرة ولقلت لك أهلا وسهلا ومرحبا. هذا كلّ شيء، هذا هو الزقاق فلماذا لا تهمل حميدة شعرها حتّى تقمّل؟[10]

يبدو لنا ونحن نقرأ هذه الفقرة أنّ الكاتب يعيد تقديم شخصيّات روايته من أهل الزّقاق معتمدا في ذلك وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر الراوي، وذلك من خلال نظرة حميدة لهم وهذا صحيح نسبيّا غير أنّه لا يعدو أن يكون ظاهر الأمر إذ أن المتعمّق في هذه الفقرة يكتشف أنّه يسبر من خلالها أغوار حميدة ويكتشف مميّزات هذه الشخصيّة السّاخرة ممّا حولهاّ المنتقدة حد التّمرّد للوضع المفروض عليهاّ. فهي تسخر دون شفقة من “جعدة الفرّان “الّذي يرهب زوجته وترى في “المعلم كرشة” و”العم ّكامل” مثالين للخمول والتّقاعس، أمّا عبّاس فإّنّ جماله وأناقته وإعجابه بها لم تشفع له لينال رضاها وحتّى التّاجر الثّري الّذي يحاول استمالتها فإنّه لا يعدو أن يكون عجوزا متصابيا في نظرها.

لقد كشف لنا نجيب محفوظ من خلال هذا المونولوغ جوانب متعدّدة من شخصيّة حميدة دون أن يستعمل في ذلك أسلوبا تقريريّا، بل إنّه دفع المتقبّل إلى استنتاج ملامح الشخصيّة والإحاطة بما يعتمل داخلها من رفض للواقع الاجتماعي المتردّي الّذي تعيشه والّذي يدفع بها نحو الإحباط واللاّمبالاة حتى أنّها لا تستنكف من ترك شعرها للقمل مادام هذا الزقاق يفتقر إلى الشّخص المناسب الّذي تعتني بنفسها من أجله.

إنّ حميدة ترى في هذا الزّقاق سجنا يقيّد أحلامها ويفرض عليها واقعا كريها مرّا لا تستطيع تغييره بسهولة لذلك فهي تواجهه بالتهكّم والسّخرية السّاخطة على كل شيء وكلّ أحد، فطموحها يدفعها إلى رفض هذا الواقع المفروض والسّعي للتّمرّد عليه عند كلّ فرصة مستخدمة في ذلك قدرتها الفائقة على العراك وسلاطة لسانها في السّباب فهي “إذا أطبقت شفتيها الرّقيقتين وحدّت بصرها تلبّستها حالة من القوّة والصّرامة لا عهد للنّساء بها! وقد كان غضبها دائما ممّا لا يستهان به حتى في زقاق المدق نفسه. وأمّها على ما اشتهرت به من قوّة تتحاماها ما استطاعت. قالت لها يوما وهما تتسابّان:” لن يلمّ شعثك برجل، فأيّ رجل يرضى بأن يضمّ إلى صدره جمرة موقدة”. وكانت تقول في مرّات أخرى: إنّ جنونا لا شك فيه ينتاب ابنتها حين الغضب، وسمّتها لذلك الخمّسين باسم الرّياح المعروفة”[11]

إنّ حميدة شخصيّة جمعت بين جمال الطّلعة وشراسة الطّبع والطّموح “النّهم” في تناقض عجيب وهي إلى ذلك لا تقيم وزنا للأخلاق التي كانت ” أهون شيء على نفسها المتمرّدة، وقد نشأت في جوّ لا يكاد يتفيّأ ظلّها، أو يتقيّد بأغلالها. وزادها استهانةً طبعٌ جموح وأمّ مهملة قليلا ما تستكن في بيتها، فانطلقت على سجيّتها تخاصم هذا وتعارك تلك فلا تعمل لشيء حسابا، ولا تقيم لفضيلة وزنا[12]

لقد رسم لنا نجيب محفوظ من خلال المقتطفات السابقة الملامح النّفسيّة التي تميّز شخصيّة حميدة ممهّدا بذلك لما سيأتي من أحداث مهمّة تغيّر وجهة حياتها إذ تتظافر مختلف الخصائص التي تصبغ هذه الشّخصيّة من طموح وجموح وعناد وافتقار للقيم الأخلاقيّة لتدفع بها نحو حياة المجون والفساد في سعي منها للتّخلّص من الفقر ورغم الثّمن الباهض الّذي دفعته جرّاء ذلك إلّا أنّ عنادها كان أكبر من أن تشعر بالنّدم ولو للحظة و” لم تشدّها إلى ذلك الماضي ذكرى حسنة يهفو إليها الفؤاد فانغمرت في حاضرها لا تلوي على شيء… فقد طابت بحياتها نفسا”[13] عكس الكثيرات ممن اضطرتهنّ الظروف للدّعارة. وحتى ثورتها وغضبها عند اكتشافها لغاية فرج إبراهيم من استدراجها لعالمه فهي لم تكن ثورة لدوافع قيمية وأخلاقية بل كانت مجرّد تنفيس عن غضبها الدائم ورغبتها في العراك فهي “لم تكن في عهدها الأوّل بالسّاذجة فتأسى للخدعة الّتي أطاحت بها، ولم تكن بالفتاة الطّيّبة فتذهب نفسها حسرات على ما فُقِد من أمل في الحياة الطّيّبة، ولم تكن بالفاضلة حقّا فتبكي على شرفها المثلوم” [14]

غير أنّ كلّ ذلك لا ينفي المشاعر الّتي كانت حميدة تكنّها لفرج إبراهيم فهي وإن انساقت وراء طموحها اللّامحدود فإنّ انجذابها إلى فرج إبراهيم وحبّها له كانا  من أهمّ الدوافع نحو الطّريق الجديد الّذي سلكته ولئن كان هذا الأخير يستخدم مؤهّلاته الجسدية وأسلوبه المحترف في الإيقاع بفريسته فإنّ حميدة كانت صادقة في مشاعرها، مستعدّة للتّضحية بكلّ شيء في سبيل الحصول عليه لكنّ حبّها له لم يكن ذاك الحبّ الّذي ينتهي نهاية مقبولة اجتماعيا بالزواج وإقامة أسرة فحميدة جَموح بطبعها ترفض دور الزوجة المستكينة إذ “لو تحقّق ذاك الزّواج لكانت الآن قابعة في البيت، دائبة على القيام بدور الزوجة والخادم والأمّ وغير ذلك من الواجبات الّتي تدري الآن عن تجربة ويقين أنّها لم تخلق لها”[15] . إنّ حبّ حميدة لفرج مختلف كل الاختلاف عن أيّ حبّ فهو خليط من مشاعر الشهوة والرّغبة في التّملّك والتّسلّط الّذي يزري بضعف المرأة واستكانتها حتّى في أشدّ اللّحظات حميميّة فقد “كانت -حتى وهي بين ذراعي الرّجل الّذي محضته الحبّ- تتلمّس أنامل الحب خلال اللّكمات والصفعات”[16]

 ورغم إدراك حميدة لحقيقة فرج إبراهيم ووعيها بأنّه مجرّد “تاجر أعراض” لا عاشق فإنّ ذلك لم يدفع بها لكرهه أو النّقمة عليه بل سيطرت عليها مشاعر الحبّ والغيرة ممن حولهما من نساء الليل، وأصبحت تسعى فقط للاستئثار به في عناد رغم غضبها كلّما ذكرها بالتزامات “العمل” لاعتقادها أنّ ” ذلّ الحبّ في أعماقه ظفر[17]. كانت حميدة مستعدّة للإيفاء بـ”التزامات الحياة الجديدة” ما دامت مغلّفة بغلاف الحبّ المتبادل بينها وبين فرج، ذاك الحب الغريب المرضيّ الّذي يبدو كما لو كان جولة لا تنتهي على حلبة المصارعة، لكنّها وبمجرّد انسحاب غريمها من هذا الصراع العاطفيّ شعرت بفداحة خسارتها ممّا ذكّى في نفسها حبّ الانتقام من هذا المخادع و”الفتك به”.

لقد أتقن نجيب محفوظ تصوير البورتريه النفسي لحميدة، تلك الفتاة الّتي لم تحصل على أيّ شيء في الحياة بسهولة ولم تأتها الدّنيا هيّنة ليّنة. فقد عاشت حميدة الحرمان منذ ولادتها إذ فقدت كلّ سند ووجدت نفسها تعيش اليتم رغم احتضان صديقة والدتها لها، وعانت من الفقر المدقع الّذي زاده حدّة إحساسها بما تتمتّع به من جمال وبأنّها تستحق أفضل من تلك العيشة البائسة فتفاقم سخطها على وضعها ونقمتها على كلّ المحيطين بها فكانت تنفّس عن غضبها بالشراسة والعنف اللّذين أصبحا سمة بارزة لسلوكها، متجاوزة بذلك كلّ حدّ، مستعدّة للقتل في سبيل تحقيق رغبتها بالانتقام. إنّ “حميدة نجيب محفوظ” شخصيّة مرضيّة جمعت بين المتناقضات ما جعل منها شخصيّة مهزوزة مستعدّة لكلّ شيء في سبيل الوصول إلى غاياتها.

ونجيب محفوظ وهو يسرّد صورة حميدة إنّما يعيد “تمثيل الواقع الحيّ بطريقة فنّيّة[18]  محوّلا نصّه السّرديّ إلى مجموعة من العلامات ضمن منظومة دلاليّة متكاملة تمنح المتقبّل مفاتيح الرّواية باستقرائها وتتبع دلالاتها وإيحاءاتها، فالكاتب يقدّم لنا زقاق المدق لا كجدران وبيوت وشوارع فحسب بل ككائن ينبض بالحياة من خلال مختلف الشخصيّات الّتي تمثّل دعائم لصورته الّتي أراد لنا نجيب محفوظ أن نرسمها في خيالنا. إنّ الزّقاق بأهله هو الإطار الاجتماعي الّذي ولدت حميدة في كنفه وترعرعت وهو الّذي أسهم في نحت شخصيّتها وهو وكما يقدّمه نجيب محفوظ على لسان راويه” هذا الزّقاق يكاد يعيش في شبه عزلة عمّا يحدق به من مسارب الدّنيا”[19]، “منحصر بين جدران ثلاثة كالمصيدة”، “ينتهي سريعا – كما انتهى مجده الغابر- ببيتين متلاصقين”[20] . لقد اختار نجيب محفوظ أوصاف الزّقاق بدقّة وعناية بما يمهّد للآتي من الأحداث فعزلته مفروضة لا اختياريّة وسكّانه يرزحون تحت عبء هذه العزلة كما لو كانوا فئرانا في مصيدة لا يرجون منها فكاكا. ولئن كان يوما ذا صيت ومجد فإنّه لم يبق له من مجده سوى بضع تهاويل من الأرابيسك تزين قهوة كرشة وقد أضحت جدران أبنيته متهاوية متخلخلة، فكيف لهذا المكان المنفّر “الميّت” أن يروق لحميدة وهي الّتي لا تعرف لطموحها حدودا لذلك نراها كلّ مساء تغادره نحو عالم آخر نابض بالحياة. هذا هو حال الزّقاق فكيف كان حال أهله؟

يطلعنا نجيب محفوظ على أبرز شخصيّات روايته من أهل الزّقاق فيقدّم صورة بانوراميّة متنقّلا من شخصيّة لأخرى كأنّما يريد بذلك أن يمنحنا أكبر قدر من الوضوح في الرّؤية وإمكانيّة ِالحكم على الزّقاق من خلال أهله كإطار عامّ يحيط بحميدة ويحدّد لنا ملامح شخصيّتها ويجيب عن تساؤلاتنا حول مواقفها وسلوكها. والمتأمّل في السّمات المميّزة لكلّ شخصيّة من سكّان الحي ومرتاديه يتبين بوضوح أنّها وفي معظمها شخصيّات غير سويّة فمن الإدمان إلى الشّذوذ الجنسيّ (المعلّم كرشة)،ومن “السّاديّة” (زيطة) إلى الدّروشة وحياة الأوهام (درويش) ومن الشهوانيّة والتّصابي (سليم علوان وسنيّة) إلى الانتهازيّة والاستثمار في الحرب وإن كان ذلك بالتعامل مع الأعداء من أجل كسب المال مهما كانت الوسيلة (حسين) ومن الشّراسة وسلاطة اللّسان (حسنيّة الفرانة وأم حميدة وأم حسين) إلى السلبيّة والاستكانة للواقع المرير(عمّ كامل وعبّاس الحلو).

في هذا الإطار الاجتماعي رأت حميدة النّور وبين هذه النّماذج البشريّة ترعرعت، فشبّت متمرّدة ناقمة على واقع لا يحقّق لها ما ترى أنّها تستحقّه من حياة مرفّهة ورخاء وهي من هي من الجمال والبهاء الّذي ضاعف من إحساسها بالحرمان. وازداد قهرها لمنظر صويحباتها العاملات وهن يرفلن في ملابسهن الجميلة. كانت حميدة تفجّر نقمتها تلك بالطريقة الوحيدة الّتي تعلّمتها مّمن يحيطون بها فكانت غضوبا شرسة الطّباع محبّة للعراك حتى أنّ أمّها الّتي ربّتها كانت تنعتها بـ”الخمّسين”. إنّ طموح حميدة الجامح كان السّبب الرئيسيّ لهروبها من الزقاق لكنه لم يكن السبب الوحيد فحميدة لم تكن يوما مرتبطة بهذا الزقاق إلّا من خلال رباط وهن ضعيف متمثّل في أمّها الّتي رعتها بعد وفاة أهلها ولم تكن سوى صديقة لوالدتها الحقيقيّة. وحتّى خطبتها لعبّاس الحلو لم تكن سوى رباط مؤقّت اضطرّت إليه اضطرارا فما إن وجدت لدى سليم علوان ما يحقّق طموحها حتى تخلّت عنه ولولا مرض سليم علوان لتمّت زيجتهما. ثم كان ظهور فرج إبراهيم الذي منّاها بحياة التّرف والرفاهية فلم تتردّد في قطع كل رابط بينها وبين الزّقاق وأهله دون التفاتة ندم واحدة إذ “طالما اختنقت في هذا البيت وهذا الزقاق، وهيهات أن يعتاقها عائق بعد اليوم عن الانطلاق على النور والجاه والسّلطان، وهل من سبيل إلى الإفلات من ربقة الماضي إلّا على يد هذا الرّجل الّذي أوقد في خيالها نارا؟”[21] ولئن همّها للحظات ما سيقال عنها في الزقاق بعد هروبها وخصوصا موقف السيد رضوان الحسيني فإنّ ذلك لم يدم طويلا فقد لعنت الزّقاق وأهله جميعا بمن فيهم رضوان الحسيني الّذي لم تتقبّل يوما تدخّله في شؤونها وترى في تقواه مجرّد ادّعاء بل إنّها تذهب إلى أنّه “لو كان طيّبا كما [يزعمون]لما رزأه اللّه في أبنائه جميعا”[22]  فذهنها لم يكن يتقبّل أن يوجد في الزقاق المقيت شخص واحد يستحق التّقدير.

لقد غادرت حميدة عالم الزّقاق الفقير وانضمّت إلى عالم آخر مبهر مليء بالأضواء والتّرف وما كان لها من همّ سوى الحصول على الحياة التي طالما حلمت بها، ولم تكن حميدة غبيّة لكي يفوتها ما يتوجّب عليها تقديمه مقابل الحصول على ما تريد. ورغم أنّها كانت توهم نفسها بحبّ فرج إبراهيم لها إلّا أنها كانت في قرارة نفسها تعي حجم المغالطة التي تعتمدها لتقبل ببشاعة المسألة فتغلّف حياة المومسات الّتي أصبحت تحياها بغلاف الحبّ الموهوم.

إنّ المتأمّل في التّغيير الاجتماعي الّذي طرأ على حياة حميدة يستنتج أنّ الأمر لم يختلف كثيرا وأنّه لا يعدو أن يكون انتقالا من واقع رديء إلى واقع أكثر رداءة فحميدة، ورغم حياة الفقر في الزّقاق، كانت تملك أمرها فتقبل ما تريد وترفض ما لا يروق لها. أمّا في حياتها الجديدة التي اختارتها فقد فقدت قدرتها على الإمساك بزمام أمورها إذ صارت حياتها ملكا لفرج إبراهيم يسيّرها كيفما أراد ووفق ما يتطلّبه “العمل” الّذي تؤدّيه.

ما الذي تغيّر في حميدة إذن؟ في حقيقة الأمر لم يتغيّر سوى الظّاهر أمّا الباطن فهو على حاله: الشراسة ذاتها والطمع ذاته وانعدام الوازع القيمي ذاته وإن لبس لبوس التهتّك والدعارة بوضوح في حياتها الجديدة. الشّيء الوحيد الّذي لا تستهين به حميدة هو حياتها أمّا غير ذلك فلا قيمة له عندها  وحتّى رغبتها في الانتقام من فرج إبراهيم لم تدفع بها للاستهانة بحياتها إذ “هيهات أن تسترخي يدها القابضة على حبل الحياة[23] لذلك فإنّها لم تفلت من يدها فرصة الانتقام من فرج إبراهيم بيد خطيبها السّابق فمثلت عليه دور الضحيّة ببراعة واستثارت في نفسه حميّة الانتقام ممّن كان سببا في تفريقهما بإغوائه ولم يكن لعبّاس الحلو أن يتخيّل أنّها تتلاعب به فهو لم يعرف من حميدة إلّا الصّورة الّتي رسمها لها في ذهنه والّتي تختلف كثيرا عن الواقع.

 يمكن لنا من خلال ما سبق وبعمليّة إحصاء بسيطة أن نتبيّن أهميّة شخصيّة حميدة في رواية زقاق المدقّ فنجيب محفوظ قد خصّص كلّ فصول روايته لبناء بورتريه هذه الشّخصيّة بأبعادها المختلفة إمّا بالحضور الشّاخص أو بالحضور الضّمني أو حتّى بالغياب وهو من خلال هذه الشّخصيّة يقدّم لنا “بورتريها” لفئة اجتماعيّة مهمّة أفرزها الوضع الاجتماعي الصعب الّذي عاشته مصر خلال الحرب العالميّة اجتمع فيه الفقر والجهل والمرض ليخلق نموذجا مرضيّا متحلّلا من كلّ القيم والقيود بأنواعها بسبب ما يشعر به من ظلم وقهر اجتماعيّ. لذلك جاءت حميدة كما رسمها نجيب محفوظ في قالب امرأة منحلّة متدهورة لا قيم لها ولا أخلاق، قد باعت روحها للشيطان واتّخذت من جمع المال غاية وهدفا مهما كانت طريقة الوصول إليه. ونجيب محفوظ في تناوله هذا يصدر عن رؤية مخصوصة للعالم متأثرة بالبيئة المحافظة الّتي نشأ في كنفها كما يصدر عن تأثّر واضح بالمدرسة الواقعيّة الطبيعانية الّتي تنطلق من الواقع كما هو فتصوّر الصراعات التي تعتمل داخله بطريقة واقعية لا تجميل فيها مركّزة بذلك على الجوانب السلبية من فقر وجهل وجريمة وظلم في سعي لدفع المتلقي إلى نبذ هذا الواقع المتدهور ومحاولة إصلاحه.

  • البورتريه التّشكيليّ

مثّلت رواية زقاق المدق  نقطة تحوّل بارزة في كتابات نجيب محفوظ باتّجاهه نحو المدرسة الواقعية الطبيعانيّة فقد جاءت تصويرا دقيقا لملامح المجتمع المصري في تلك الحقبة. ذلك ما أسهم في جعل هذه الرّواية  مصدر إلهام للعديد من الفنون البصريّة لا على المستوى المحلّي فحسب بل على المستوى العالمي  أيضا  بعد أن ترجمت إلى عدّة لغات وكانت حميدة هي الشّخصيّة المحوريّة لهذا العمل لذلك فلا غرابة أن يقع اختيار حلمي التّوني عليها لتكون أيقونة من أيقونات معرضه الذي أقيم على هامش فعاليّات ندوة” العربي”  الّتي نظّمتها مجلّة “العربي” الكويتيّة في ذكراها المائة والّذي اتّخذ له عنوانا: “نساء نجيب محفوظ”   وعُرضت من خلاله تسعة بورتريهات للشّخصيّات النّسائية الأبرز في أعمال نجيب محفوظ.

يربط محمّد المخزنجي في مقاله على صفحات مجلّة العربي[24]، بين البورتريه التّشكيلي ومقطع الرّواية الّذي أخذ منه فيورده كما جاء في الرّواية:” ولمّا انتصف الموسكي أو كاد لاحت منها التفاتة فرأت عبّاس الحلو يسير متأخّرا عنهنّ قليلا وعيناه تلحظانها بتلك النظرة المألوفة، وتساءلت عمّا دعاه إلى ترك دكّانه في هذه السّاعة على غير عادة. هل تبعها عمدا؟ ألم يعد يقنع برسائل النّظر؟ كان على فقره متأنّقا كأكثريّة أهل فنّه، فلم يضايقها ظهوره. وقالت لنفسها إنّ أيّة واحدة من صاحباتها لا تطمع في زوج خير منه، وكانت تجد نحوه شعورا غريبا معقّدا، فهو من ناحية الشّابّ الوحيد في الزّقاق الّذي يصلح لها زوجا، وهي من ناحية أخرى تحلم بزوج على مثال المقاول الغنيّ الّذي حظيت به جارتها في الصناديقيّة

لا يبدو في اعتقادنا أنّ النّصّ الّذي اختاره المخزنجي مناسب تماما للبورتريه الّذي رسمه حلمي التّوني فما ورد فيه لا يتعلّق بصورة حميدة بقدر ارتباطه بالعلاقة الّتي جمعتها بعباس الحلو. بل يمكننا الجزم بعدم مناسبة هذا النصّ للبورتريه الّذي رسمه حلمي التّوني إذ يظهر الزّقاق في الخلفيّة وحميدة تهمّ بمغادرته لكنّها بالتأكيد لم تصل إلى الموسكي. وعند بحثنا عن مقطع ملائم وجدنا أنّ البورتريه الذي رسمه حلمي التّوني لا يعتمد مقطعا وصفيّا واحدا من الرواية بل يبدو ترجمة لمقطعين وصفيين يرد أحدهما في بداية الفصل الثّالث على لسان الرّاوي:” كانت في العشرين، متوسّطة القامة، رشيقة القوام نحاسيّة البشرة يميل وجهها إلى الطّول، في نقاء ورواء، وأميز ما يميّزها عينان سوداوان جميلتان، لهما حور بديع فاتن، ولكنّها إذا أطبقت شفتيها الرقيقتين وحدّت بصرها تلبّستها حالة من القوة والصرامة لا عهد للنّساء بها”  [25]

أمّا المقطع الثاني فيرد في بداية الفصل الخامس الّذي قدّم فيه نجيب محفوظ البورتريه الشّكلي لحميدة وهذا نصّه:” عاد الزّقاق رويدا رويدا إلى عالم الظلال والتفّت حميدة في ملاءتها، ومضت تستمع إلى دقّات شبشبها على السّلّم في طريقها إلى الخارج. وقطعت الزّقاق في عناية بمشيتها وهيئتها لأنّها تعلم أنّ أعينا أربعا تتبعها متفحّصة ثاقبة، عيني السّيّد سليم علوان صاحب الوكالة، وعيني عبّاس الحلو الحلّاق. ولم تكن تفاهة ثيابها لتغيب عنها، فستان من الدّمور وملاءة قديمة باهتة وشبشب رقّ نعلاه، بيد أنّها تلفّ الملاءة لفّة تشي بحسن قوامها الرشيق، وتصوّر عجيزتها الملمومة أحسن تصوير، وتبرز ثدييها الكاعبين، وتكشف عن نصف ساقيها المدملجتين، ثمّ تنحسر في أعلاها عن مفرق شعرها الأسود ووجهها البرونزي فاتن القسمات[26]

إنّ أيّ عمل تشكيلي ينقسم بصورة عامّة إلى ثلاثة عناصر أساسيّة لا يمكن فهمه وتحليله إلّا من خلالها وهي الشكل والأرضيّة أوّلا فاللّون والضوء وأخيرا النّقط وما ينشأ عنها من خطوط وأشكال وقد حاولنا اعتماد هذه العناصر في تحليل بورتريه حميدة من خلال البحث في التقنيات المعتمدة والألوان والإضاءة والخطوط والأشكال

والمتأمّل في بورتريه حميدة بريشة التّوني يلاحظ بما لا يدع مجالا للشّكّ العلاقة الوطيدة بين المقطعين الرّوائيّين والبورتريه التّشكيليّ فتطلّ علينا حميدة من خلال مدخل مقوّس منقوش بنيّ اللّون مثّل إطارا داخل الإطار في سعي واضح من الرّسّام لـ”عزل المسترسل وفصله إلى سطح وعمق وواجهة وخلفيّة”[27]  ، وقد احتلّت  بجسدها الملتحف الواجهة في حين امتدّ  الزّقاق في خلفيّة البورتريه متّخذا شكل صندوق منغلق ترتفع جدرانه عاليا كما لو كانت “مصيدة”   ولا تسمح إلّا بظهور جزئي للسّماء الزّرقاء بما يسمح لحزمة محدودة من الأشعّة بالتّسرّب إلى داخل الزّقاق، كاسرة بذلك حدّة السّواد الذي يبدو مخيّما على جدرانه، من خلال الظّلال الّتي اختار الرّسّام إبرازها مستخدما اللّون البنيّ المائل إلى السّواد، كلّ ذلك في انسجام وتكامل مع لون المدخل المقوّس ومع لون الملاءة والشّعر، وفي تناقض واضح مع بياض الحمامة وزرقة السّماء .

يبدو ظاهرا للعيان توظيف حلمي التوني لتقنيات مختلفة في إنجازه لبورتريه حميدة لعلّ من أبرزها تقنية المنظور الخطّيّ الموحية بالعمق والبعد الثّلاثيّ للّوحة التشكيليّة وهي تقنية يعتمدها الرّسّام لضبط ” تخطيط اللّوحة بالاستناد إلى خطوط ونقاط وهميّة تخوّل له السّيطرة على الفضاء المرسوم وإكسابه الوحدة والتّناغم الضّروريّين” [28]   إلّا أنّه لا يحترم مبادئ هذه التقنية فنراه يعتمد نقطتي تلاش مختلفتين  إحداهما على يمين رأس حميدة والأخرى عند رقبتها تلتقي عند كلّ منهما خطوط التّلاشي ولعلّ التوني أراد بذلك أن يحرّف بورتريه حميدة بتحريف وجهها في إشارة واضحة لانحراف روحها المتمرّدة على واقعها والطّامحة لحياة أخرى تتحقق فيها كلّ رغباتها وشهواتها مهما كان السبيل إلى ذلك وإن كان سبيل الانحراف.

ولم يكتف حلمي التوني بهذه التّقنية بل اعتمد كذلك تقنية التأطير الّتي يسعى من خلالها لإبراز مواطن القوّة في اللّوحة من خلال توظيفه قاعدة الأثلاث الثلاثة (la règle des trois tiers)بتقسيم البورتريه بواسطة خطوط وهمية أفقية وعمودية “توجّه الإدراك إلى مواطن القوّة منها” [29] وتجزّئ اللّوحة إلى تسعة أجزاء إذ تمثّل نقاط التّقاطع الأربعة لهذه الخطوط نقاطا ذهبيّة في اللّوحة بينما يمثّل الثّلثان العموديان الأوّل والثّالث المناطق الأكثر اجتذابا لعين المتقبّل. وإذا حلّلنا بورتريه حميدة وفق عمليّة التّأطير الّتي اعتمدها حلمي التّوني فإنّنا نلاحظ انتصاب جسم حميدة على امتداد خطّ الطّول الوهمي الثّاني بينما تحتلّ الشّفتان المطبقتان إحدى النّقاط الذّهبيّة وتشدّ إليها عين المتقبّل في حين ترتكز العين اليمنى لحميدة على الخطّ الوهميّ العمودي الأيسر ممثّلة بذلك عنصر جاذبيّة لعين المتقبّل.

يمتدّ جسم الحمامة البيضاء على الخطّ الوهميّ العمودي الأيمن محتلّا الثلث الأعلى من اللّوحة فيحدث بذلك تناقضا صارخا بين السّواد الحالك المحيط بها وبياض ريشها النّاصع، وبينها وبين العين المكحولة لحميدة على الخطّ الوهمي المقابل بما يجذب نظر المتقبّل ويدفعه للتّساؤل عن المغزى من حضورها البارز في اللّوحة. وممّا يشد الانتباه ثنائيّة التّماثل والتّناقض بين جناحي الحمامة البيضاء المحلّقة نحو الأعلى وخصلات شعر حميدة ذات السّواد الفاحم المتطايرة مع الريح في اتجاه الأسفل.

خلف جسم حميدة الّذي يحتلّ واجهة اللّوحة تظهر قطّة صغيرة هزيلة باهتة الألوان تحتلّ بجسمها الضئيل أسفل الثلث الأيمن من اللّوحة ممّا يجعلها محطّ نظر المتقبّل، وهي ترمق حميدة بنظرة حادّة، وقد اتّخذ حلمي التّوني من ظلّها المتطاول أمامها مؤشّرا على التّوقيت المسائيّ الّذي تغادر فيه حميدة الزّقاق عادة.

تحتلّ حميدة بجسدها الفارع المندفع واجهة اللّوحة حتّى إنّها تبدو كما لو كانت تهمّ بمغادرة الإطار. وجسم حميدة في واجهة اللّوحة هو الّذي يصنّفها ضمن جنس البورتريه بما هو “عمل ثنائيّ الأبعاد، رسما كان أو صورة يمثّل ترجمة واستنساخا في الآن ذاته لتقديم المظهر الخارجي لشخص مّا مهما كانت درجة الواقعيّة في هذا العمل”[30] . ويمكننا تصنيف بورتريه حميدة بريشة حلمي التّوني ضمن البورتريهات النّصفيّة (portrait en buste) وهو إلى ذلك بورتريه جبهي (portrait de face)  يبدو من خلاله وجهها البرونزيّ واضح الملامح، وتظهر تفاصيل جسمها الملتفّ بالملاءة “اللّفّ” بطريقة تسمح برؤية الرقبة والصدر واليدين المشبكتين عند الصدر في حين تبرز بقيّة تفاصيل الجسم من تحت الملاءة المشدودة ممّا يسمح بإبراز مفاتنها. أمّا فستانها فيبدو خَلِقا وقد أضاف إليه الرّسّام خرقة لإخفاء مزقه وثقوبه في حين تزيّن جيدها بعقد من الخرز الملوّن وقرطين بنفس اللّون بما يعمّق مظهر البؤس الذي يلقي بظلاله على ملابسها وحليها، وتتطاير خصلات شعرها ويحملها الهواء بحرّيّة في تماه مع حركة جناحي الحمامة الّتي تحلّق فوق رأسها.

إن المتأمّل   لبورتريه حميدة ينشدّ مباشرة إلى ملامح وجهها الّذي يغرق شطره في ظلّ الملاءة وإن كان لا يحجبه (وهو ما أبرزه التوني من خلال التّدرّج الضوئي على مستوى لون الوجه): عينان واسعتان نجلاوان مكحولتان بطريقة لافتة زادت من اتّساعهما وجاذبيتهما، وأنف دقيق يعلو شفتين ممتلئتين قد صبغتا بلون ورديّ وأطبقتا على طرف الملاءة في حركة تميّز نساء الحارات الشعبيّة وتعكس مهارتهنّ في استخدام الملاءة وتثبيتها على أجسادهنّ. فإذا انحدرت عين المتقبّل مع الجسد البرونزيّ المنحوت شدّ انتباهها تشابك اليدين المائلتين إلى الامتلاء عند الصدر في حركة تسعى إلى إخفاء الثديين والرقبة بينما تُبرِز الملاءة المشدودة خصرها المنحوت بأنوثته الطاغية.

لقد اعتمد حلمي التّوني في بناء لوحته أنواعا مختلفة من الخطوط فالمنحني منها جاء لإبراز انحناءات الجسد وانثناءاته بما يمنح إحساسا بالرشاقة والليونة في حين توحي الخطوط المنكسرة في غير انتظام والتي حدّد التوني بواسطتها خصلات الشعر المتطايرة بحالة الاضطراب والقلق اللّذين يتملّكان حميدة.

ولم يكتف حلمي التّوني بالعلامة البصرية من خلال رسمه بل أردفها بعلامة لغويّة بإضافة اسم الشخصيّة إلى اللّوحة احتلّت الثلث العلوي الأيسر للّوحة في تصريح واضح بمرجعه الأدبي عند إنجاز هذا البورتريه، فهو لا يصدر في ذلك عن مخيّلة بحتة بل ينطلق بالأساس من شخصيّة روائيّة جسّدها نجيب محفوظ من خلال نصه الأدبيّ كما جسّدتها الأعمال السينمائيّة عدّة مرات.

لقد اختار حلمي التّوني وهو يرسم حميدة ألوانا تعكس بوضوح ما تضمّه هذه الشخصية من تناقضات وصراعات، فمن اللّون الصريح (الأزرق) إلى الألوان المتمازجة (البنيّ والبرونزي) ومن الحضور الكلّي للألوان(الأبيض) إلى انعدامها (الأسود). إنّ انعدام التّناغم بين الألوان يعكس بوضوح التناقض الصارخ بين الغنى والفقر اللّذين تجمعهما حميدة: غنى الشّكل والجمال الساحر الّذي كانت تنعم به في مقابل الفقر المادي المدقع الّذي كانت تعاني منه. وكما أبرز التوني هذا التّناقض من خلال اختياراته اللّونيّة فقد أظهره كذلك من خلال لعبة الظّلال والضّوء فيبدو الزقاق وقد غمر الضّوء جزءا منه في حين غرقت بقيّته في الظلّ وكذلك يبدو وجه حميدة. ويبدو التّوني في كل ذلك متأثّرا بالمذهب التّعبيريّ في الفنّ التّشكيليّ الّذي يرى أنّ “الفنّ ينبغي ألّا يتقيد بتسجيلات الانطباعات المرئيّة بل عليه أن يعبّر عن التّجارب العاطفيّة والقيم الرّوحيّة والكشف عمّا وراء الأقنعة”[31]  فيحقق ذلك من خلال منح الألوان والأشكال والخطوط مضامين باطنية ذات إيحاءات مختلفة ، والتوني يوظف من أجل تحقيق هذا البعد التّعبيري للّوحة ثنائيتي الظلال والضّوء والأعلى والأسفل المتجسدّتين في الحمامة البيضاء المحلّقة نحو السّماء الزّرقاء في دلالة واضحة على السّموّ الذي يضفيه التّوني بريشته على حلم حميدة بحياة الرّفاهية خارج جدران الزّقاق مقابل القطّة الهزيلة ذات اللّون الباهت والمنشدّة إلى الأسفل في إشارة إلى واقع الزقاق البائس. وهي قراءة من بين قراءات أخرى قد نتّفق معها وقد نختلف ومن بينها القراءة التي اعتمدها أشرف أبو اليزيد إذ يعتبرّ أنّ القطّة” تجمع بين ما هو مستأنس وما هو وحشيّ، بين رغبة في السّلام وأخرى في الانطلاق ” [32] وهو في ذلك يصدر عن تأويل مخصوص لإيحاءات اللّوحة ورموزها يرتبط ارتباطا وثيقا بالخلفيّة الحضارية الفرعونية لحلمي التّوني.

إنّه الصّراع الّذي تعيشه حميدة بين قدر محتوم يحكمه الفقر وطموح جامح لحياة الرفاهيّة والغنى والّذي حاول الرّسّام أن يبرزه من خلال اختياراته اللّونية والضّوئية ومن خلال الأشكال والرّموز الّتي يوظفها ولعبة الحركة والسكون التي تحكم مكوّناتها.

ولا يحتاج حلمي التّوني في اعتقادنا إلى مهر لوحاته باسمه إذ تنطق ريشته فتفصح عنه، فلقد “خلق تيّاره الفنّيّ الخاصّ به… فتفصح الأشكال والأحجام والألوان والظلال عن المشاعر الفنّيّة المعتملة داخل الفنّان”[33]   .وهو إلى ذلك ابن بيئته  فرسومه نتاج خيار ارتضاه لنفسه بأن يستلهم عمله الفنيّ من بيئة الإنسان المصري البسيط فجاءت خطوطه عفويّة بسيطة تلقائيّة، تذكّر بالفنّان الشعبيّ الّذي كان يجوب الأسواق ويرسم لوحاته لطالبيها وفي الحقيقة فإنّ اختيارات حلمي التوني لم تكن اعتباطية بل جاءت نتيجة بحث يستند إلى قناعته بأنّ” الخصوصية مصدر إلهام لأيّ عمل فني أصيل وصادق”[34]  وقد تمكّن من خلال بحثه  من العثور على ” بوتقة انصهرت فيها كل الحضارات وفنونها وهي الفن الشعبي المصريّ”.  فبدا جليّا من خلال لوحة حميدة اللّمسة الفرعونيّة الأصيلة في رسم العينين المكحولتين الواسعتين وفي اختيار الوضعية الجبهية الّتي تميّزت بها جلّ الرّسوم الفرعونيّة والّتي تؤكّد الشّجاعة والقدرة على المواجهة كما يعكس تصلّب الملامح الّذي يميّز البورتريه الجبهي قسوة حميدة وعنادها وتصلّب مواقفها الرّافضة لواقعها البائس. أمّا ملامح الفنون الفارسية فلقد تجلّت للعيان من خلال المنمنمات ورسوم الأزهار على القوس المحيط بمدخل الزقاق وعلى خرقة القماش البادية في فستان حميدة.

كما تبرز آثار المعتقدات الدينية القديمة واضحة من خلال اليدين المشبّكتين عند الصدر وقد أخفتا وراءهما النهدين في حركة ترمز لمنح الخصوبة والتي ترتبط عادة بالتّجسيد الأنثوي وبآلهة الخصوبة عند الفينيقيين. ويمكن لنا أن نلاحظ التّشابه الواضح بين منظر اليدين المتشابكتين اللّتين تخفيان تحتهما قلبا يخفق لانعتاقه من جدران الزقاق وخفق جناحي الحمامة التي تجسّد الرّغبة ذاتها. فكأنّما نسمع الخفقان وحفيف الأجنحة من خلال تلك الحركة المجسّدة تشكيليّا.

وتعتبر اليد “من أكثر أعضاء جسم الإنسان استخداما بعد العين كرمز في الأعمال الفنّية وهي من أقدم الرموز التي ارتبطت بالحضارة الإنسانيّة” [35]  وفي لوحتنا هذه نلاحظ بوضوح اعتناء الرّسام بكل تفاصيل الجسد لا بملامح الوجه فقط فجمال حميدة يمتد إلى كامل الجسم فينطق شهوة وإغراء وقد نجح التّوني في اعتقادنا في إبراز ذلك من خلال تفاصيل لوحته فبدت العينان المكحولتان شديدتي الجاذبية ونجحت لعبة الإخفاء والإظهار في شدّ انتباه المتقبّل نحو مواطن الإغراء في هذا الجسم الفتيّ: فالملاءة المشدودة تبرز ما تسعى ظاهريا لإخفائه من جمال القوام وإغوائه بينما اليدان المعقودتان على الصّدر وإن بدتا ساعيتين إلى إخفاء النّهدين الكاعبين فإنّهما وعلى العكس من ذلك تلفتان الانتباه إليهما بهذه الحركة التي تنمّ عن حياء مصطنع يخفي رغبة مكبوتة في الانعتاق من كلّ القيود وإشباع شهوات الجسد. أمّا حركة الاندفاع الّتي تبدو للنّاظر من خلال الخصلات المتحرّرة من تحت الملاءة والمتطايرة مع الهواء أو من خلال الوضع الجبهي الّذي اختاره الرّسام أو نظرة التصميم البادية في عيني حميدة، فإنّ ذلك يعكس بوضوح روحها المتمرّدة ورفضها للحياة في الزّقاق الّذي تتركه كلّ يوم خلفها باحثة عن سبيل للانعتاق منه وبناء حياة جديدة بعيدا عن البؤس الذي يرمز إليه الزقاق بجدرانه المتداعية التي تحجب الشمس عن أهله وتحوّله إلى ما يشبه القبر. إنّ حميدة وهي تنطلق خارج الزقاق تحمل معها حلمها -مجسّدا في الحمامة البيضاء – في الحصول على الحياة الّتي تريد خارج هذا “القبر” المحكوم بالجمود والسّكون ولكن اندفاعها ذاك لا يخفي ما يحتدم بداخلها من صراع ما بين واقع تعيشه ولا ترتضيه وحلم تسعى لتحقيقه ولا تجد إليه من سبيل سوى جسدها.

لقد قدّم لنا حلمي التّوني بورتريه حميدة بمختلف أبعاده فبرز البورتريه الشّكليّ من خلال ملامح الوجه وتفاصيل الجسد التي وظّف في رسمها الخطوط والأشكال والألوان في انسجام وتناسب تامّين، أمّا البورتريه النّفسيّ فقد ظهرت خفاياه من خلال جمود الملامح ونظرة التّحدّي وحركة الاندفاع التي تبدو عليها حميدة كما لو أنّها تغادر اللّوحة لا الزّقاق وكذلك من خلال لعبة الظّلال والضوء، والأعلى والأسفل بما يكشف عن خبايا روحها وعمّا يعتمل بداخلها من صراع. في حين أسهمت العلامات الثقافيّة من ملابس وحلي ومعمار في إبراز ملامح البورتريه الاجتماعي لحميدة.

وفي اعتقادنا فإنّ حلمي التوني، رغم التزامه بما ورد في الفقرتين المذكورتين آنفا من أوصاف شكليّة لحميدة، قد نجح في تجاوزها واستطاع من خلال صورة ثابتة أن يختزل الأبعاد المختلفة لهذه الشخصيّة التي قام نجيب محفوظ ببنائها على مدى خمسة وثلاثين فصلا.

قد تتبادر إلى الذّهن أسئلة كثيرة بعد هذه القراءة السّيميائيّة التّحليلية وبعد الدّراسة المقارنيّة بين عملين إبداعيين بلغتين مختلفتين لعلّ أبرزها ما طرحه محمد المخزنجي على نفسه من تساؤل بقوله:” كيف تستجيب تراجيديّة المعالجة عند نجيب محفوظ للبهجة التّشكيليّة الّتي تتّسم بها أعمال حلمي التّوني؟” [36]

في اعتقادنا تحتاج صيغة هذا السؤال إلى تعديل، لتصبح على النّحو التّالي:” كيف استجابت ريشة التّوني المبهجة لتراجيديّة المعالجة عند نجيب محفوظ؟” ذلك أنّ التّوني هو الّذي طوّع ريشته لتنهل من الرّواية وتبدع هذا البورتريه وغيره من البورتريهات. والإجابة عن هذا التّساؤل تكمن في طيّات العمل التّشكيلي ذاته  وفي ركيزة من ركائزه  المتمثّلة في اختيار الألوان التي تمثّل “اللّغة الأقدر حسّيّا، […]لأنّها أساسا أداة الفنّان للإفصاح عن نبع أحاسيسه، لذلك فإنّ وعي الفنّان يتجسّد لاإراديّا من خلال الألوان وبها”[37]  ، وقد اختار حلمي التّوني أن يقوم بخطوة باتجاه العمل الرّوائي الّذي يغلب عليه الطّابع التّراجيدي وذلك بالتّنازل جزئيّا عن الألوان الصريحة واعتماد ألوان ترابيّة قاتمة تعكس بوضوح حال الزّقاق القديم المتهالك الذي طغت عليه مظاهر البؤس والفقر غير أنّ ذلك لم يمنع التّوني من وضع لمسته الخاصّة  باستخدام ألوان  تمنح بعض الإشراق للّوحة من خلال ريش الحمامة الأبيض وزرقة السّماء الصّافية .ورغم احتلال هذه الألوان لمساحات محدودة فإنّ التّوني منحها حضورا بارزا بأن جعلها تحتلّ مواطن القوّة من اللّوحة من جهة، ومن جهة أخرى بإقامة تضادّ واضح بينها وبين الألوان القاتمة في اللّوحة بما يزيد البياض نصاعة والألوان الزّاهية إشراقا. إنّه حلمي التّوني ذاك الفنّان ذو النّظرة التفاؤليّة الّتي تظهر في جلّ أعماله الفنّيّة وهو في ذلك لا يتماهى كلّيّا في رؤيته لشخصيّة حميدة مع كاتبها إذ يرى فيها جانبا مشرقا رغم كلّ القتامة الّتي صبغت شخصيّتها في العمل الرّوائيّ حتى حوّلت جمالها نقمة فالتّوني يرى أنّ لحميدة الحقّ في الحلم وأنّه مشروع بالنّسبة لها أن تسعى وراء حلمها، لذلك رسم أحلامها على هيئة حمامة محلّقة تتّجه برأسها نحو السّماء كأنّما تتعلّق همّتها بما هو أسمى وأرقى.

لم يُفقد بورتريه حميدة حلمي التّوني خصوصيّته وفرادته رغم تنازله عن الألوان المبهجة الصّريحة، فقد حافظ الرّسّام على طابع الفنّان الشعبيّ من خلال بساطة الخطوط ومظاهر التبرّج على محيّا حميدة وأسلوبها في ارتداء الملاءة مستحقا بذلك ما قاله أحمد فؤاد سليم عن تميّز المرأة التي يرسمها فـ:”.. هي بذاتها مفتاح لمجمل الأسرار، إذ جعلها وعاء يحمل “كودات” العالم، فـ[…]هي تبدو كأنّها ولدت من رحم ” حاملة الجرّة” لمحمود مختار… امرأة نموذجيّة تملك مفاتيح “التّوني” امتلاكا، من الصّبابة وحتّى طمي النّيل، امرأة كمثل الرّجل، والفرس والفارس، والقمر والشّمس، والسّيف والطّير، والوشم…”[38]   .  فحلمي التّوني فنّان ينطلق في أعماله من أعماق حضارة ثريّة تميّزت المرأة فيها ومنذ القدم بسمات لا تمتلكها غيرها من النّساء وقد” استوعب (التّوني)جغرافيّة المرأة المصريّة، وإحداثيّات تضاريسها الّتي تخصّها دون سواها، كما تمكّن من إثبات تاريخها منذ العصر الفرعونيّ (نفرتاري/ كبيرة الملكات وجميلة جميلات الدّنيا) إلى يومنا هذا، وذلك ببراعة تصوير هيكلها وملامحها الفيزيائيّة والنّفسيّة، وعلاقاتها مع بنات جنسها ومع الرّجل، وكذلك صراعاتها وانقساماتها الدّاخليّة”  [39]

وليس غريبا على حلمي التّوني أن يتّخذ هذا الموقف من حميدة فهو بطبعه يرى المرأة الكائن الأرقى عليه أسّ الوجود كلّه ففي نظره لا يساوي(العالم) شيئا بدون المرأة. لذلك لنا أن نتساءل عن مدى صحّة المقولة التي افتتح بها أشرف أبو اليزيد كتابه “نجيب محفوظ السارد والتشكيلي إذ يذهب إلى أنّ “مصريّة التّوني التّشكيلية [أعادت] تفسير مصريّة نجيب محفوظ السّرديّة، بصريّا، حتّى إنّ نكهة أحدهما لم تتفوّق على الآخر، ولم تغالب مكانة الفنّان الأديب، وإنّما هناك نهل متبادل، لأنّ المعين واحد” [40]

في اعتقادنا لقد أصاب أشرف أبو اليزيد في أشياء وجانب الصواب في أخرى فنجيب محفوظ ينهل في كتاباته من المجتمع المصري ويستند إلى شخصيّات لها مرجعها في الواقع ويجعل من الأزقة والحارات القاهرية مسرحا لأعماله ملامسا بذلك الطّبقة الشعبيّة التي تمثّل السّواد الأعظم من المجتمع المصري وكذلك كان التّوني فهو مصري في فنّه حتّى النّخاع، موغل في أعماق الإنسان المصري الشعبي البسيط، ينهل من معين الفنّان الشعبي بخطوطه الطفوليّة وألوانه الصريحة. وبالتأكيد لا يمكن لنا أن نشكّك في تميّز كل من الرّوائي والرّسّام وخبرة كل منهما في مجاله إلّا أنّ ذلك لا يجعل لكليهما نفس الرّؤية الفلسفيّة للقضيّة المحورية المتمثّلة في المرأة إذ يبدو الفرق واضحا ما بين شخصيّة حميدة التي يراها نجيب محفوظ: تلك الفتاة الشرسة الطَّموح حد الطمع، المستعدّة لكل فعل مذموم من أجل الوصول إلى غاياتها وتحقيق نزواتها وما بين حميدة ذات الأحلام السّامية صاحبة الطّموح المشروع نحو الأفضل، تلك الّتي تحوي إلى جانب شرورها روحا وثّابة تائقة للأفضل محبّة للحياة. لقد رسم نجيب محفوظ حميدة في صورة مومس بالفطرة مصرّحا بذلك على لسان فرج إبراهيم بل وعلى لسان حميدة نفسها في حين رفعها حلمي التوني إلى مصاف الآلهة من خلال اليدين المشبّكتين عند الصدر في حركة ترمز لمنح الخصوبة ميّزت آلهة الخصوبة لدى الفينيقيين.

لقد تجاوزت ترجمة حلمي التوني لبورتريه حميدة تشكيليا مجرّد التّمثيل والمحاكاة ونظرت إلى العمل الروائيّ نظرة نقديّة أخرجت “حميدة التوني” من جلباب “حميدة محفوظ “وزرعت فيها بذرة خير لم ير محفوظ أنّها كانت جديرة بها وفي رأينا فإنّ سبب ذلك هو تلك الهالة التي يحيط بها التّوني نساءه فيرفعهنّ في نظر المتقبّل إلى أسمى الدّرجات مهما فعلن وهي النظرة الّتي استحق من أجلها لقب رسّام النّساء.

سمارة ( ثرثرة فوق النّيل):

  • البورتريه الأدبيّ

لأنّ التّطوّر سنّة الحياة فقد تحوّل أسلوب نجيب محفوظ في تناول قضايا مجتمعه من الواقعيّة إلى التعبيريّة، فكانت سمارة بورتريها نموذجيّا للمرأة المثقفة إبان ثورة 1952وظّف نجيب محفوظ في بناء ملامحها الحوار الخارجيّ والحوار الباطني الّذي يعتمل داخلها أو داخل أنيس زكي، ذلك أنّ الكتابة التعبيرية تقتضي الانطلاق من باطن الشخصيّة “لاعتقادها أنّ الحقيقة توجد في الداخل “. ومن خلال سمارة كشف نجيب محفوظ أبعاد أزمة الطّبقة المثقّفة في تلك الفترة منبّها لخطورة مآلات الأمور عبر نصّ شديد الرّمزيّة يكشف عن حالة الاغتراب التي يعيشها روّاد العوامة والتي ألقت بهم في دوامة من العبثيّة واللاوعي وصلت إلى حد الاستهانة بأرواح البشر.

لقد تناول نجيب محفوظ قضيّة المرأة المصريّة من خلال نماذج مختلفة على امتداد عقود فشهد تناوله لصورتها تطوّرا واضحا فرضه امتداد زمن الكتابة وتطوّر منزلتها في المجتمع فحميدة مثلا كانت فتاة جاهلة جلّ ما تصبو إليه حياة مرفّهة ناعمة مهما كانت الوسيلة، في حين تسعى سمارة نحو هدف أرقى بأن تصبح كاتبة مسرحيّة تناقش قضايا مجتمعها.

يدعونا عنوان الرواية “ثرثرة فوق النيل” إلى التّوقّف عنده لما يحويه من معان عميقة تتجاوز سطحية الملفوظ إلى عمق المعاني فالعنوان يؤطر أحداث الرّواية مكانيّا من ناحية ومن ناحية أخرى يختزلها في كلمة: إنّها مجرّد ثرثرة. فما الذي يجعل هذه الثرثرة مهمّة حتّى تملأ فضاء الرّواية؟

تصادر فاليريا كيربتشنكو[41] على أنّ نجيب محفوظ  يدرس من خلال روايته هذه ” ظاهرة الاغتراب في المجتمع المصريّ ويراها ليس باعتبار أنّها دراما القدر الفرديّ ولكن باعتبارها ظاهرة اجتماعيّة ذات آثار سلبيّة غاية في الخطورة”[42] فقد” رسم نجيب محفوظ أبعاد الحالة الذهنيّة والمزاج الّذي استولى على قسم واسع من المثقّفين المصريّين في مرحلة بعينها”[43] فكانت العوّامة التي تتقاذفها حركة مياه النيل “رمزا للاغتراب” في حين أنّ الشاطئ المستقر الثاّبت مثّل رمزا “للعالم الخارجي” الّذي تأتي منه سمارة بهجت لتبدأ أحداث الرّواية في التّصاعد عبر حوار يكاد لا ينتهي بين ” المحورين المتعارضين: أنيس زكي[ والّذي يمثّل الفكر العبثي] وسمارة بهجت[ الّتي تمثّل الفكر الجادّ والواعي] حوار[ا ] يتغيّا الكشف عن الذّات والتّواصل مع الآخرين ومع التاريخ والعالم الخارجيّ”[44].

ارتأى نجيب محفوظ أن يمهّد لظهور سمارة في العوّامة من خلال حوار دار بين زميلها في العمل علي السيّد وبين أهل العوّامة يستأذنهم قي قدومها لزيارتهم فقدّمها على لسانه بصفتها” زميلتـ[ه] الجميلة النّابهة” وكان علينا أن ننتظر قدومها مع أهل العوّامة لنتبيّن ملامحها التي تردنا على لسان أنيس زكي وهو يراها من خلال جفنيه المثقلين فإذا:”.. هي حقّا ذات شخصيّة، ولكن أنوثتها جذّابة بلا عائق، ورغم ثقل جفنيه رأى سمرتها المتبدّية بلا رتوش. وملامحها واضحة كأناقتها البسيطة، ولكن في نظرتها ذكاء يصدّ عن اكتناه أغوارها”[45] وهي” مثيرة من قبل أن تتكلّم. جميلة ورائحتها حلوة[46]. كان هذا انطباع أنيس زكي عنها في زيارتها الأولى رغم شبه الغيبوبة التي سيطرت عليه جرّاء المخدرات.  ولعلّ نجيب محفوظ قد اختار أن يرينا سمارة بهجت من خلال عيني أنيس زكي لما تكتسيه هذه الشخصيّة من أهمّيّة في الرّواية إذ من خلال حواراتهما معا يتصاعد نسق السرد وتتواتر الأحداث وتنكشف أبعاد الشخصيات المختلفة، وممّا يؤكّد هذا التوجّه عند محفوظ أننا نراها مرّة أخرى من خلال عيني الشخصيّة نفسها لكن وهي صاحية فيصف لنا ملابسها بقوله “لعلّه لأسباب تتعلّق بمهنتها أو بجدّيّتها أنّ طوق القميص لا ينحصر (كذا) عن شيء من مشارف ثدييها كالأخريات[47]وينتبه إلى” عينيها العسليّتين الجميلتين[48].

لقد اكتفى نجيب محفوظ بتقديم البورتريه الشّكلي لسمارة من خلال عيني أنيس زكي دون غيره ومن خلال مقاطع وصفيّة قصيرة تدفعنا إلى الاعتقاد بأنّ ما يهمّ المؤلّف في هذه الشخصيّة لا يتعلّق ببعدها الشّكلي بل بما هو أعمق من ذلك، فوصف أنيس زكي لها لا يعدو مجرد التقديم لشخصيّتها  إلّا أنّها لم تكن تعني له الكثير رغم جمالها ، فهو يعيش في عالم خلقه لنفسه داخل غلالة من دخان الحشيش ، إنّه الشخصية الصّموت ولعلّ صمته ذاك هو ما منحه الفرصة لتأمّل سمارة ونقل صورتها إلى القارئ، ورغم انجذاب رجب القاضي لسمارة فإنّ الكاتب لم يمنحه فرصة وصفها وهو ما يؤكّد اعتقادنا أنّ توجّه نجيب محفوظ في بناء هذه الشخصيّة سيكون متركّزا على البعد النفسي والذّهني لها لا على البعد الشّكلي. فسمارة نموذج لامرأة الفكر وهي في ذلك تختلف عن النّموذج السّابق ولذلك فإنّ بناء شخصيّتها يختلف تماما عن بناء شخصيّة حميدة  . ونجيب محفوظ في ذلك يسعى لإقناع القارئ بصدقيّة ما يقدّمه إذ عادة ما يكون اهتمام المرأة المثقفة منصبّا على الجانب الذهني والفكري من شخصيّتها لا الجانب الشكلي وهو ما يبرز جليّا من اقتضاب نجيب محفوظ في وصف ملامحها أو جسدها وفي اختياراته لملابسها بشكل يختلف كلّيّا عمّا توخّاه في رسم بورتريه حميدة  إذ أطنب في وصف مظهرها الخارجيّ وملامحها من خلال وجهات نظر مختلفة لشخصيّات عديدة من الرّواية.

مثّل الحوار في رواية ثرثرة فوق النيل عنصرا أساسيّا في بنائها إذ شغل حيّزا كبيرا منها فكأنّما أصبح هو الغاية لا الوسيلة كي يستقيم بناء الرّواية ذلك أنّ الثّرثرة ليست سوى كلام لا فعل فيها ولا يمكن أن تتجسّد إلّا من خلال الحوار بين الشّخصيّات الّذي ” يمكّن (..) من رسم ملامح الشّخصيّة بتحديده خصالها الخلقيّة والخُلُقيّة ووصفه لنبرة الصوت والحركات المصاحبة للكلام فيكتمل الحوار صوتيّا وأسلوبيّا”[49] أو الحوار الباطني الذي تعيشه الشّخصيّة مع ذاتها ” فتسبر أغوارها النّفسيّة وتكشف عن أفكارها عبر الخطاب الداخليّ وتيّار الوعي وما يتّصل به من اعترافات ومُسارّات فهي بذلك تعرّف بنفسها فيتعرّف عنها[ كذا] القارئ”[50] لذلك فنحن لن نتبين ملامح البورتريه النّفسي لسمارة إلا من خلال تتبّعنا للحوار الداّئر بين الشّخصيات حولها ثم بينها وبين سمارة ذاتها، ليس ذلك فقط بل أيضا من خلال الحوار الباطني لأنيس منصور مع ذاته حولها . فمن تكون سمارة وماهي ملامحها النفسية والذهنيّة؟

يتخلّى الرّاوي العليم عن دوره في “ثرثرة فوق النيل” ليجعل الشخصيّات المختلفة تروي عوضا عنه فيرسم علي السّيّد لأصدقائه ملامح سمارة قبل حضورها للعوامة من خلال بعض الأوصاف تمهيدا لزيارتها  وهي كما يراها ” جميلة نابهة[51]، ولأنها صحفيّة معروفة فقد أدلى الممثّل رجب القاضي بحكمه عليها من خلال كتاباتها فهي ” إذا حكمنا عليها بما تكتب …جادّة لدرجة الرعب[52] ولكنّ زميلها علي السّيّد يراها” ودود[ا] حقا وتحبّ الناس … ولا يليق أن تعامل معاملة امرأة عابثة فهي آنسة فاضلة[53]كما يصفها. ورغم اعتقاد خالد عزوز بانتمائها للطّبقة البورجوازيّة فإنّها وحسب رأي زميلها “ليست من البورجوازيّة في شيء ممّا [يـ]عنيه… فهي في الخامسة والعشرين، ليسانس لغة انجليزيّة، وقد حصلت عليه وهي دون العشرين بقليل، صحفيّة ممتازة أكبر بكثير من سنّها، وذات آمال أدبيّة ترجو أن تتحقّق يوما، ممن يأخذن الحياة مأخذ الجدّ وأن (كذا) تكن لطيفة المعشر، ومعروف أنّها رفضت زواجا بورجوازيّا فاخرا رغم مرتّبها الصغير”[54].

لقد كان هذا رأي الصحفي علي السيد في سمارة غير أن الكاتب خالد عزوز لم ير فيها من خلال كتاباتها إلّا “فتاة متطرفة[55]ما دفع سناء للتّساؤل عن سبب اضطرارهم لاستضافة ” امرأة خطرة مثلها لا يمكن أن تعد[هم] بأيّ تسلية[56]. لقد كانت آراء الجميع وأحكامهم عليها متباينة فقد حكم عليها علي السيد من خلال مزاملته لها لسنوات في حين انطلق البقيّة في أحكامهم من انطباعات ناتجة عن كتاباتها التي تتّسم بالجدّيّة المفرطة حدّ التطرّف حسب البعض. وكان لزاما علينا أن ننتظر لقاءهم بها لكي تتوضّح صورتها في أعينهم وبالتّالي تلك التي يبذلها كاتبها للمتقبّل.

   تبدو سمارة في أوّل لقاء لها بجماعة العوامة كما وصفها علي السيّد” ودودا” فقد تبادلت أطراف الحديث مع الجميع ونوّهت بفيلم رجب القاضي الأخير وأقصوصة “الزّمّار” التي كتبها خالد عزّوز، غير أن تودّدها ذاك يخفي وراءه فضولا وحبّ استطلاع كبيرين فهي لم تهمل أيّا من الموجودين حتى أنّها انتبهت إلى “عمّ عبدو” وعلقت على بنيته الضخمة. لكنّها في المقابل لم تسمح لكل من حاورها أن يسبر أغوارها فقد كان ” [ذكاؤها] يصدّ عن اكتناه أغوارها” كما يرى أنيس زكي، فلم تبد رأيها فيهم بوضوح وتهرّبت أكثر من مرّة بقولها:” لا أريد أن أردّد الاكليشيهات المحفوظة ولا أحب أن أسقط كالتمثيليّات الهادفة[57] وكذلك بأنها ” لن [تـ]ستدرج للهاوية، لن [تـ]سمح لنفس[ها] بأن [تـ]كون ثقيلة الدم كتمثيليّة هادفة[58] متعلّلة بأنّها تعلن آراءها ” كل أسبوع” في مقالاتها.

لقد تعاملت سمارة مع الموجودين بذكاء كبير ينمّ عن رغبة عارمة في استكشاف شخصيّاتهم وهي رغبة لها دوافعها الخفيّة فقدوم سمارة للعوامة لم يكن بريئا ودون نوايا إذ كانت تسعى وراء أشخاص سمعت عنهم ورأت أنّهم مناسبون ليحظوا بأدوار في المسرحيّة التي تنوي كتابتها. ولقد دفعتها رغبتها تلك إلى القدوم باكرا في زيارتها التّالية للعوامة علّها تتمكّن من استنطاق أنيس زكي الذي ظلّ صامتا أثناء زيارتها الأولى، إنّها صحفيّة طَموح ومثابرة لا تتوانى عن وضع نفسها محلّ شبهة أمام الآخرين في سبيل الحصول على معطيات من الموظف “المسطول “أنيس زكي لكن جهودها لم تتكلّل بالنّجاح إذ لم يكن سهلا أن تعرف أكثر ممّا عرفته عنه من زميلها علي السّيّد. ولأنّها لا تستسلم لليأس فقد واصلت مسعاها لتحقيق غايتها من المعرفة من خلال لعبة اقترحتها لمزيد التعارف بينهم بالحديث عن الهمّ الأوّل الذي يشغل كلّا منهم، ولكي تبعد عنها الشكوك كان عليها أن تبدأ اللعبة   فصارحتهم   بعزمها على كتابة مسرحيّة وكشفت لهم عن عقيدتها في الحياة وأنّها تؤمن بالجدّيّة في القول والفعل ما دفع رجب للقول:” أمامكم ساحرة ستحوّل بقلمها المهزلة إلى دراما هادفة”[59]. لقد كشفت سمارة نواياها للمجموعة بعد أن عجزت عن استنطاقهم بطريقة عفويّة وهي في سعيها ذاك ترسم ملامح شخصيات مسرحيتها ثمّ تدوّنها لاحقا على مفكرة، لم يكن الأمر هزلا بل كان أمرا جدّيّا بالنسبة لها. ويكفي أن نتأمّل ملاحظاتها التي سجّلتها على المفكّرة لنكتشف شخصيّة عميقة التّفكير حادّة الذّكاء وهي إلى ذلك فيلسوفة تطرح على نفسها أسئلة وجوديّة كما تصادر على ذلك فاليريا كيربتشنكو في محاولة منها لفهم المعضلة:” هل إنّ غياب العقيدة هو الّذي يفضي إلى الفساد؟ أم أنّ الفساد هو الّذي يهدر كلّ فكر وعقيدة؟[60]

تبدو سمارة في كلّ ما سبق واثقة طموحا، شديدة الاعتداد بقناعاتها فكانت تناقش جماعة العوّامة حول أفكارهم العبثيّة وتحاول إقناعهم بضرورة التغيير والانخراط في الحياة لا العيش على هامشها، ورغم براعتها  وإيمانها القوي بمبدأ إرادة الحياة والعمل الجادّ لإضفاء معنى عليها فإنّها لم  تفلح في سعيها فلم يأخذ أيّ منهم كلامها مأخذ الجدّ، وإن ناقشوها في رأيها فمن باب المجاملة ذلك أنّ مواقفهم تلك هي الّتي منحت لجمعهم المعنى، فكلّهم مغتربون في وطنهم يعانون من الانبتات عن الواقع الّذي لفظهم فلم يعد لهم دور، إنّها معاناة الطّبقة المثقّفة في ظلّ نظام حكم عسكريّ متسلّط دفع بهم نحو العبثيّة فجعلوا من الهزل والسّخرية سلاحهم الذي يواجهون به واقعهم في لحظات الاستفاقة من تأثير المخدّرات، أمّا في حالة غياب الوعي فقد كانت لهم فلسفتهم الخاصّة التي لا تتجاوز الثّرثرة العابثة إلى الفعل، بل لعلّ تلك الثّرثرة اللاّوعية هي الحياة الحقّ بالنسبة إليهم وليست سمارة في نظرهم سوى” واعظة[61] بل أكثر من ذلك، هي” امرأة مزعجة تقتحم عليـ[هم] بديهيّات الحياة[62] كما يصفها أنيس زكي متسائلا:” ماذا تريد وكيف يمكن أن ننسطل في مطاردة مستمرّة حامية؟”[63] ولئن كان أنيس أكثر الموجودين غيابا إلّا أنّ نظرته لسمارة لم تجانب الصواب في رأيه ،خصوصا بعد أن كشف غايتها الحقيقية  بسرقته لمفكّرتها التي تحوي ملاحظات حول كل واحد منهم ، إنّها في نظره فتاة رديئة جاءت للتّجسّس لا من أجل الصداقة.

لم تستطع سمارة أن تخفي إحساسها بالضّياع وعدم الفهم فقد اعترفت لأنيس بشكّها في منهجها الذي اعتمدته معهم لكنّها في الحقيقة قد بدأت تفقد ثقتها في منهج حياتها كلّه فتلك الثقة والجديّة اللتين اتّسمت بهما سابقا بدأتا في الاهتزاز بعدما قدمت للعوامة وتعاملت مع أهلها وليس أدلّ على ذلك من موقفها عند وقوع الحادث، ولئن كانت مواقف البقيّة مفهومة لما جبلوا عليه من   سلبيّة في التعامل مع الحياة فإنّ موقف سمارة يدعو للاستغراب والدّهشة إذ كيف لها أن تصمت إزاء مقتل شخص وتنساق لاتّفاقهم بالهروب من المسؤوليّة، أليست هي التي كانت تدعوهم للتّعامل مع الحياة بجدّيّة والانخراط في واقعهم ؟ أم أنّ الكلام النظري يتبخّر أمام أوّل أزمة حقيقيّة فيغدو ثرثرة لا معنى لها؟

لقد حاولت سمارة أن تقنعهم بضرورة المواجهة وتحمّل المسؤوليّة لكنّ الأمر لم يتعدّ مجرد الكلام فلم تستطع أن تتّخذ خطوة فعليّة لحملهم على ذلك وكأنما لا تعدو محاولاتها تلك أن تكون مسكّنات لآلام وخز الضمير، حتّى بدا أنيس المسطول أكثر جدّيّة في سعيه للاعتراف بما حصل والتّبليغ عن الحادث وإن لم يرقَ قراره إلى مستوى الفعل.

لقد أراد نجيب محفوظ أن يقدّم من خلال رسمه لبورتريه سمارة النّفسي شخصيّة المرأة المثقّفة التي وإن اختلفت ظاهريّا عن أصحاب العوّامة إلّا أنّها لا تعدو أن تكون واحدة منهم تكتفي بالقول دون الفعل وتعجز عن تغيير واقعهم فهي وكما تراها فاليريا كاربتشنكو ونشاطرها رؤيتها تلك ” امرأة منفتحة وجادّة وذات شخصيّة قويّة ومع ذلك فإنّها لم تستطع أن تمثّل قوّة اجتماعيّة أو فنّيّة مختلفة ولم تتمكن من بلورة موقف اجتماعيّ إيجابيّ. فهي الأخرى تنتمي إلى بيئة المثقّفين الّذين أصاب الكثيرين منهم -على حدّ قولها- الفساد والتّحلّل”[64]

لقد رسم نجيب محفوظ البورتريه النفسي لسمارة من خلال “حوار يرتقي ” إلى مشارف فلسفيّة ونفسانيّة يصوغها وعي متأزّم (أنيس زكي) ووعي قائم-سائد (سمارة بهجت) لكنّهما يعجزان معا عن تحقيق ذلك “الفعل الأخلاقيّ” المغيّر للأشياء”[65] بل لنقل إنّ سمارة قد انحدرت بوعيها نحو هاوية اللّامبالاة والعدميّة إمعانا في إبراز التّدهور الذي وصلت إليه طبقة مهمّة من طبقات الشعب المصري بعد الثّورة بسبب التّسلّط واستغناء النّظام عنهم ما حرمهم كلّ مساهمة فعّالة في الواقع.

لقد وظّف نجيب محفوظ سمارة بهجت لتكون” [وسيطا حيّا] يختبر من خلالها…المفارقات القائمة بين ما هي عليه الحياة وما يجب أن تكونه”[66] فبدا التناقض عنصرا أساسيّا في بناء شخصيّتها، وكانت كما يراها بدري عثمان “[تـ]كتفي بالمراقبة الحزينة الصامتة بعد أن استنفدت دورها في العطاء… ولكنها مع ذلك لا تقدّم أو تؤخّر من حتميّة المصير العدميّ”[67] الذي صار مشتركا بينها وبين روّاد العوّامة.

كما يبدو البورتريه الاجتماعي لسمارة واضحا من خلال ما تبادلته مختلف الشخصيّات من حوارات سواء بحضورها أو في غيابها، فهي الصحفيّة الناجحة التي تنتمي إلى طبقة المثقّفين البورجوازيين وهي ذات فكر متحرّر اجتماعيا ما سمح لها بمخالطة أهل العوّامة والسّهر معهم   كما سمح لها بحرّيّة اختيار شريك حياتها. لكنّ تحرّرها لم يكن مطلقا كحال ليلى زيدان أو سنيّة أو سناء، بل كان بالقدر الّذي يحفظ لها احترامها فلا “تعامل معاملة امرأة عابثة[68]

وترى فوزيّة العشماوي[69] أنّ نجيب محفوظ ” قد لجأ إلى إدخال هذه الشخصيّة النّسائيّة المعتدلة في تحرّرها في شلّة نساء عوّامة ثرثرة فوق النيل ليبرز الفارق بينها وبين بقيّة النساء المتحرّرات جدّا اللّواتي يتردّدن على العوّامة، واللّواتي كنّ يقلّدن الرّجال في كلّ شيء حتّى في تعاطي الحشيش، ولقد كانت هذه الظّاهرة منتشرة في المجتمع المصريّ في منتصف السّتّينات بعد انتشار أفكار المساواة التّامّة على جميع المستويات الفكريّة والفلسفيّة والسياسيّة خاصة بعد ظهور كتاب سيمون ديبوفوار الجنس الثاني (1949)[70]. وهذا ما دفعها للتساؤل عن مدى تأثّر نجيب محفوظ بكتابات سيمون ديبوفوار وهو يرسم بورتريه سمارة وغيرها من بطلات ثرثرة فوق النيل خصوصا وأنّها كانت قد زارت مصر في 1966 وتمّ الاحتفاء بقدومها كثيرا. لكنّنا نعتقد أنّ الأمر لا يجب أن ينظر إليه من هذه الزّاوية فشخصيّة سمارة التي رسمها نجيب محفوظ لم تكن لتؤدّي دورها الذي أراده لها إلّا إذا كانت على الصّورة التي منحها إيّاها إذ كان لابدّ لها أن تكون متحرّرة لتزور العوّامة وأهلها على أن يكون تحرّرها ذاك معتدلا لتخلق التّوازن بين رؤيتها الجدّيّة للعالم ورؤية باقي الشّخصيّات له كما كان من الضّروري أن تتمتّع بصفات الذّكاء والجدّيّة ليصل مؤلّفها من خلالها إلى طرح القضيّة التي يبتغي إثارتها وتقديمها للمتقبّل والمتمثّلة في نقد الوضع الاجتماعي السّائد في طبقة المثقّفين في تلك الحقبة . إنّ سمارة هي “المنظار” -والعبارة لنجيب سرور-الّذي بواسطته يرصد نجيب محفوظ أزمة الطّبقة المثقّفة التي وجدت نفسها على الهامش بدون دور فعليّ يحقّق لوجودها معنى فاختارت الغياب على الاغتراب لكنّه غياب مؤقت مفتعل لا يقطع مع المكان، بل يتعالى عليه مع دخان الحشيش نحو عالم آخر مهزوز كاهتزاز عوامتهم لكنه لا يفتقر إلى فلسفة تحكمه وفلسفته العبث ولا شيء غيره فقد اختاروا أن يكونوا “رجالـ[ا] في حال انعدام من الوزن”[71] يحلّقون بأفكارهم العبثيّة ويخرجون ألسنتهم للواقع المرير الّذي يعيشونه.

لقد كانت سمارة بحكم مهنتها وتكوينها الثّقافي والإيديولوجي قريبة من الشّأن العام متبنّية لأفكار الثّورة متحمّسة لبناء المجتمع على الصّورة الّتي تراها بنشر الوعي الجادّ والمثمر، وقد حاولت “مساعدة الآخرين بقدر المستطاع للخروج من سجن النّفس “[72] فهل نجحت في تغيير الوضع داخل العوّامة؟ يبدو أنّ نجيب محفوظ لا يريد لها ذلك ولعلّه أراد من خلال إفشال مسعاها أن يبرز مدى التّدهور القيمي الذي أصاب المجتمع في نخبته المثقّفة التي تعيش إمّا على سطح العوامة في حالة اهتزاز دائم لا ثبات فيه، هو رمز لاهتزاز ثقتهم بأنفسهم، أو على الشاطئ في حالة من الانفصام يختصرها خالد عزوز بقوله:” كلّ قلم يكتب عن الاشتراكيّة على حين تحلم أكثريّة الكاتبين بالاقتناء والإثراء وليالي الأنس بالمعمورة[73]. ولم تكن سمارة إلا واحدة من أهل الشاطئ كشفت العوامة انفصام شخصيّتها فهي لا تعدو أن تكون واحدة منهم كما يصرّح بذلك مصطفى زيدان:” واضح أنّك في الإيمان القديم مثلنا، ومثلنا أيضا في الطبقة التي تنحدر إلى الهاوية”.

إنّ ما ينقص أفراد هذه الطبقة حسب نجيب محفوظ هو المعنى: المعنى لوجودهم، وقد افتقدوه فاختاروا الاغتراب الطّوعيّ، لكنّه اغتراب يوقف عجلة التّقدّم داخل المجتمع ويعود به إلى عصور الانحطاط والحيوانيّة. وعندما صرّح أنيس زكي بقراره إنهاء هذا الانحدار حدث الزّلزال وشارفت العوّامة على الغرق.

يعترف نجيب محفوظ بصعوبة الأمر لكنه لا يراه مستحيلا وقد جعل من أكثر الحاضرين غيابا عن الواقع ربّان هذا التّغيير، لكنّه في الآن نفسه لا يسمح له بالحدوث إمعانا في هزّ الضّمائر الغائبة علها تنتبه لخطورة الوضع.

لقد شغلت سمارة الموضع الذي أراده لها الكاتب ليبلغ عبرها آراءه المنتقدة للنّظام منبّها لحالة التّدهور الّتي أصبح عليها المجتمع عموما وطبقة المثقفين بالذات وفي ذلك يقول نجيب محفوظ في مذكّراته:” ففي رواية ثرثرة فوق النيل التي ظهرت في عزّ مجد عبد النّاصر، وفي وقت كان فيه الإعلام الرّسميّ يحاول ليل نهار أن يؤكّد للنّاس انتصار الثّورة والنّظام، نبّهتُ إلى كارثة قوميّة، قد بدأت تطلّ برأسها على السّطح وكان لابد أن تكون لها نتائجها الخطيرة. كنت أعني محنة الضّياع وعدم الإحساس بالانتماء الّتي يعاني منها النّاس، خاصّة في أوساط المثقّفين، الّذين انعزلوا عن المجتمع، وأصبحوا في شبه غيبوبة، فلا أحد يعطيهم فرصة ولا هم قادرون على رؤية الطّريق الصّحيح”[74].

ويبدو سعي نجيب محفوظ واضحا- من خلال شخصيّة سمارة وغيرها من الشخصيّات في رواية ثرثرة فوق النيل – إلى “تركيب الرؤية الفنّيّة والمعنويّة وإخراجها على نحو من التّكثيف الدرامي الرّمزيّ إلى حيّز الإمكان والتّحقّق، أي إلى حيّز الفعل”[75] محاولا بذلك أن يبلّغ رسالة ويوجّه اهتمام مختلف مكوّنات المجتمع المصريّ إلى خطورة الوضع الّذي تحياه أهمّ فئة من فئاته والتي يفترض بها أن تقوده نحو الرّقيّ فإذا هي تتخلّى عن دورها وتنعزل في عالم من العبثيّة والهامشيّة منفصل عن الواقع ولئن اختار نجيب محفوظ سمارة بهجت لتكون صلة الوصل بين الواقع والعالم المهزوز لأهل العوّامة فإنّه لم يتورع عن أن يرديها في الهاوية وينزع عنها تلك الجديّة الزائفة إمعانا منه في إبراز مدى التّدهور الّذي آلت إليه الأمور، فبدت سمارة في آخر الرّواية مجرّد ظاهرة صوتيّة لا ترتقي إلى مستوى الفعل لتغيير الوضع المتردي الذي وصلت إليه بعد أن أصبحت متستّرة على جريمة قتل، بل هي شخصيّة مهزوزة لا تختلف في شيء عن مرتادي العوّامة.

   لقد نجح نجيب محفوظ  في خلق الصدمة لدى المتقبّل من خلال هذا العمل الرّوائي والتي يعرّفها عبد الهادي عبد الرحمان بأنّها” قتل الرّتابة وتجاوز الرّكود و خلق الاندهاشة[كذا] وغمر المرارة والاستمتاع بالوهم، باختصار تجاوز التّقليديّ في اللّغة والزّمان والمكان والصّورة… نوع من التّعرية تجعلنا نضحك عندما تفرض علينا الطّقوس أن نبكي…[هي] تجسيد للذات عندما يختفي الآخر تماما… تجاوز للاجتماعيّ عندما نقطّعه إربا ونحوّله إلى ذوات بكلّ عريها وجنونها وهوسها المقنّع تحت آلاف من المآثر والمنمّقات والأغلفة والطّواطم والطّرق المستقيمة …”[76]، فجاءت شخصية سمارة لتجسّد الوعي الاجتماعيّ المزيّف الذي يسعى أهل العوّامة لتجاوزه فينجحون في خلع القناع عن هذا الوجه وتعريته أمام نفسه من خلال سرد تصاعديّ يتّخذ من الحوار بين الشخصيّات أداة لتقدّمه .

  • البورتريه التّشكيليّ

إنّ المتأمّل للبورتريهات التّسعة الّتي رسمها حلمي التوني لشخصيات نسائيّة من روايات نجيب محفوظ لابدّ أن ينتبه لتفرّد بورتريه سمارة بهجت واختلافه عن البقيّة. فقد التقط الرّسّام لحظة بعينها ليجسّد من خلالها بورتريه سمارة بهجت متمثّلة في لحظة دخولها العوّامة لأوّل مرة تاركة العالم الخارجي خلفها لتغوص في “عالم عوّامة اللّذّة والتّغييب الذي غرقت فيه البلاد حتّى صدمت بنكسة يونيو 1967”[77]، وهي اللّحظة التي يصفها نجيب محفوظ من خلال الفقرة التالية:” ظهرت من وراء البارافان باسمة الوجه، وتقدّمت – يتبعها علي السيّد- وهي تتلقّى النّظرات المركّزة في هدوء ودّيّ ودون ارتباك. وقف الرّجال جميعا، حتّى أنيس وقف في جلبابه الأبيض المنحسر عن أسفل ساقيه، وقام علي السّيّد بالتعريف التقليدي، واقترح أحمد نصر أن يجيء لها بكرسيّ، ولكنّها رغبت في الجلوس على شلتة فالتصق رجب – بحركة لا إراديّة – بسناء مُفسحا لها مكانا إلى جانبه. واستأنف أنيس عمله وهو يسترق إليها النّظر. توقع ممّا سمع ورأى أن يرى شيئا غريبا. وهي حقّا ذات شخصيّة، ولكنّ أنوثتها جذّابة بلا عائق”[78]

تطالعنا سمارة في بورتريه حلمي التّوني وهي تدلف إلى  عالم آخر داخل العوامة يلفّه الضباب والغموض،  في وضعيّة حركة من خلال بورتريه إلى الرّكبتين portrait a demi grandeur   بزاوية نظر مائلة جعلت منه بورتريه ثلاثة أرباع portrait trois-quarts الذي يمثّل  الوضعيّة الأفضل والأكثر جماليّة وحيويّة إذ يسمح بإبراز مشهد غير متماثل للكتفين ويعطي حضورا للموضوع الّذي يبدو كما لو أنّه يخرج من اللّوحة، والتّوني بذلك يتخلّى عن الوضعيّة الجبهيّة الّتي اعتمدها في رسم بورتريه حميدة الّذي تطالعنا فيه الشخصيّة مواجهة للمتقبّل. ولذلك دلالاته الفنّيّة التي تجعل منه لوحة متفرّدة بين بقية بورتريهات التّوني المتّصلة بشخصيات نجيب محفوظ النسائيّة، إذ تغيب النظرة المباشرة للمتقبّل لتحلّ محلّها تلك النّظرة المتعطّشة لاستكشاف عالم جديد بالنسبة لسمارة، ما يشغلها عن محيطها الذي تأتي منه والّذي يقف المتقبل قبالته، إنّها نظرة تورّطه في العمل وتجرّه جرّا إلى تقمّص شخصيّة سمارة وتكسبه نفس فضولها لاستكشاف ما خفي من عالم العوّامة الغامض. وقد عمّق ذلك التأثير اختيار حلمي التّوني لبورتريه يماثل في أبعاده اللّقطة المتوسّطة الّتي تمثّل الصورة الحركة ،وهي حركة عبر الزمان والمكان تحوّل اللّوحة إلى سرديّة وتضفي عليها حركة تقطع مع الجمود الّذي تكتسيه اللوحات التّشكيلية باعتبارها علامة بصريّة ذات بعدين.

لقد استخدم حلمي التوني تقنية التّأطير لإضفاء العمق على اللّوحة فقسّمها إلى واجهة وخلفيّة: في الواجهة تبدو سمارة مرتدية لباسا عمليّا uniforme متكوّنا من جمّازة قصيرة رمادية اللون تعلو قميصا أبيض زادته ربطة العنق الحمراء جدّيّة، وسروالا بنفس اللّون يحيط بخصرها حزام من الجلد الأحمر، وقد رفعت شعرها على شكل ذيل حصان. أمّا وجهها فأبرز ما يلفت الانتباه فيه العينان وتلك النّظرة الحادّة التي تتقد عزما وتصميما، أمّا المساحيق على وجهها فقد رسمت بشكل بسيط لا مبالغة فيه: لون ورديّ يبرز الشّفتين الرّقيقتين وبعض الحمرة على الخدّين. وممّا يلفت الانتباه غياب أي نوع من أنواع الحليّ، وحضور عنصر تشكيليّ يمنح هذا البورتريه تميّزا عن بقية اللّوحات، متمثّل في الدّفتر والقلم اللذين تحملهما بين يديها. كلّ ذلك يضفي على شخصيّة سمارة مسحة واضحة من الجدّيّة تتجلّى في الملابس الرّسميّة وغياب الزّينة وطريقة تصفيف الشعر إضافة إلى الدّفتر والقلم اللّذين يمنحانها صورة الباحث الساعي إلى المعرفة في دلالة على مهنتها الصحفيّة وربما على مسعاها من وراء زيارتها للعوّامة، فهي لا تأتي للّهو مثلما يفعل الباقون وإنّما لها غاية محدّدة تسعى وراءها وتبذل في سبيل الوصول إليها كل الجهد والوقت الممكنين.

في الخلفيّة يبرز نهر النيل وقد طفت على سطحه عوّامة أخرى ومن خلفه مدينة القاهرة بعماراتها ومبانيها يغمرها ضوء النهار. فتبدو السّماء زرقاء والمباني بعيدة متضائلة مائلة إلى البياض وقد انعكست عليها أشعّة الشمس، وكأنّما أراد الرّسّام أن يؤكّد اتّساع الهوّة بين العالمين. ويستقرّ خلف سمارة عصفور أبيض اللّون على سور الصّقّالة الرابطة بين العوّامة والشاطئ، بينما تستقر” جوزة” وقارورة خمر على الشّرفة في مواجهة سمارة التي تدخل العوامة الغارقة في العتمة.

وللظّلال والضّوء دور مهم في بناء بورتريه سمارة فالتّوني قد جعل نصف اللّوحة مغمورا بالضّوء ونصفها الآخر يغر ق في العتمة، ما يخلق تباينا[79] واضحا بين نصفيها ويحدث لدى المتقبّل إحساسا بالعمق الفراغيّ[80]، ذلك أنّ ” الإضاءة [ليست] مجرّد إضافة للضوء على شيء أو مشهد، بل هي أيضا اختيار يمنح قيمة لشخصيّة أو لمكان على حساب شخصيّة أو مكان آخر وخلف هذه الاختيارات تكمن الفكرة” [81].

فإذا اعتمدنا قاعدة الأثلاث الثلاثة وجدنا أنّ أهمّ ما يحتلّ الثّلث الأوّل المضيء من اللّوحة هو ذاك العصفور الأبيض المستقرّ على سور العوّامة. والمتأمّل لشكله في وقفته تلك   يلاحظ الشّبه الواضح بينه وبين سمارة، فقد اعتمد التّوني زاوية الرّسم ذاتها ونظرة العينين نفسها وهو يتطلّع نحو عالم العوّامة الغامض، وأبرز التّشابه الكبير بين خصلات شعر سمارة وذيل العصفور. فكأنّ الرّسّام قد جرّد من روح سمارة روحا أخرى وجسّدها في ذاك العصفور وهو في اعتقادنا المعنى الأقرب لمقاصد الفنّان إذا علمنا أن الطّيور ترمز من بين ما ترمز إلى الرّوح المتطلّعة نحو الأعلى، نحو السّماء. فإذا بحثنا في الموروث الحضاري الإفريقي الّذي يمثل مرجعية من مرجعيات حلمي التوني وجدنا أنّ الطّيور ترمز عندهم إلى القدرة على الكلام والتواصل وهي عند الفراعنة مقدّسة ترتقي إلى مصاف الآلهة، فالتّوني بذلك يؤكّد رغبة سمارة في استكشاف عالم العوّامة الغامض من خلال مضاعفة المشهد بصورة الطّائر الّذي يحيل على روح سمارة المتطلّعة لاستكشاف المجهول.

  وتحتلّ” الجوزة” وقارورة الخمر الثلث الأخير المعتم، في مقابلة واضحة بين البراءة والنقاء ووضوح الرؤية من جهة وبين الانحلال والفساد والضبابيّة من جهة أخرى. أمّا سمارة فينتصب جسمها في الحدّ الفاصل بين المجالين المعتم منهما والمضيء مقبلة بوجهها على الدّاخل المعتم.  ويمكن قراءة ذلك على معنيين فهي في الآن ذاته حلقة وصل تربط بين عالمين مختلفين بانتمائها إلى كليهما ما بين نهارها النشيط المكرّس لقيمة العمل والمسؤوليّة وليلها الذي تقضيه في عالم العوّامة المنعزل عن الواقع والغارق في دخان الحشيش، وهي إلى ذلك أداة فصل بين العالمين لأنّها تُقدم على عالم العوامة المهتز اللاواعي متسلّحة بدافع جدّيّ هو البحث عن شخصيّات لمسرحيتها، فمشاركتها لهؤلاء في عبثهم لم يكن من أجل اللهو وتمضية الوقت، بل من أجل هدف أسمى وغاية أجلّ.

إنّ المتتبّع لخطوط القوّة في اللّوحة يتبيّن امتداد يد سمارة في حركتها المنكسرة مع الخطّين الوهميين العمودي الأوّل والأفقي الأسفل في إشارة واضحة لأهمّيّة العمل الّذي كانت تؤديه صحفية وكاتبة، ومع امتداد اليد يطالعنا الدفتر وقد احتلّ الثّلث الأخير من اللّوحة على امتداد الخطّ الأفقي، إنّه دفتر ملاحظاتها الذي ستسجّل عليه ملامح روّاد العوامة، أبطال مسرحيتها الّتي تزمع كتابتها. وعلى هذا الدفتر سجّل التّوني عنوان لوحته: سمارة بهجت. لقد مثّلت اليد أداة مناسبة استطاع من خلالها التوني أن يبرز أهمّ أبعاد هذه الشخصيّة ذلك أنّ “اليد البشريّة هي الإنسان، بل هي الإنسانيّة في بعض وظائفها… “[82]وقد برع التوني في توظيفها للتّعبير عن دلالات تختلف باختلاف حركتها من لوحة إلى أخرى ذلك أنّ” الأيدي والأصابع [تأتي] مكمّلة للحالة التّعبيريّة للوجوه، في معظم لوحات فنّاني “الصورة الشّخصيّة””[83] فهي في بورتريه حميدة ترفع الشخصيّة من الحضيض الي ارتضاه لها نجيب محفوظ روائيّا بوصفها مومسا بالفطرة إلى مصاف الآلهة التي تمنح الحياة وذلك من خلال حركة اليدين المعقودتين أمّا في بورتريه أمينة فقد كانت اليدان المنسدلتان رمزا واضحا للسمة الأكثر بروزا عند أمينة فتلك الحركة تجسيد للاستكانة والخضوع والاستسلام، في حين تتخذ اليد دلالة مختلفة في بورتريه سمارة فتمنح الشخصيّة حركيّة وتبرز قدرتها على الفعل والتّغيير من خلال مسكها بالدفتر الّذي يمنح المتقبّل صورة واضحة عن مهنتها وعن سماتها السلوكيّة. ومن هنا نتبيّن أنّ التّعبير الفنّي عند التّوني” هو أكثر من مجرّد تجسيد الوعي الفنّي في مستواه التّقليديّ … إنّما هو تجاوز حقيقيّ معبّر عنه بواسطة الأداء، تجاوز نابض بالتّطوّر”[84]

لقد خلق حلمي التّوني من خلال لوحته عالمين متناقضين داخل اللّوحة من خلال لعبة الضّوء والعتمة الّتي عبّر عنها بواسطة الألوان فجاء عالم سمارة الواقعيّ بألوان زاهية تمتدّ من زرقة السّماء إلى بياض العصفور الذي استعار الفنّان صورته لسمارة فجاء رمزا لنقاء سريرتها يعكس أحلامها وتطلّعاتها، مرورا بنهر النّيل المتموّجة ألوانه ما بين البياض والزّرقة، وهي ألوان مشرقة تبرز مدى وضوح معالم الواقع الّذي تأتي منه سمارة. أمّا داخل العوّامة فقد اختار له التّوني ألوانا قاتمة تتّخذ من درجات اللّون الرماديّ والبنيّ مؤشّرا على ما ينتظر سمارة من عوالم مجهولة لم يرد لها التوني أن تبقى كذلك بالنسبة إلى المتقبّل فجاءت قارورة الخمر والجوزة على حافة سور العوّامة علامتين محيلتين على عالم اللّيل والعبث الذي ينتظرها داخلها. وفي اعتقادنا فإنّ حلمي التوني قد نجح في تحقيق “معادلة” الظلمة بالنور” “[85]الّتي تقتضي ” نوعا من التّفاعل الذّاتيّ في جميع الأحوال. فالذات هي البؤرة والبيئة الأولى لالتقاء كلّ من الظّلمة والنّور”[86]. إنّ هذه المسألة تدعونا لوقفة تأمّل ذلك أنّ التّوني لم يكن غريبا عن أجواء الرّواية التي دارت في زمن عايشه الرّسّام فقد كان التّوني ناصريّ التّوجّه يتبنّى مبادئ ثورة 1952 ويدافع عنها فجاء بورتريه سمارة تجسيدا لهذه القناعات التي تمنح المثقّف في تلك الفترة دور العنصر الفاعل المسؤول وتجرّد الطّرف المقابل الواقف بحيرة على رصيف الأحداث من كلّ مشروعيّة لحيرته تلك بل وتحمّله مسؤوليتها من خلال إبراز حالة الضبابيّة والضّياع التي يحياها باختيار منه. لذلك فإنّنا نعتقد اعتقادا جازما أن ّسمارة في بورتريه التوني ليست سوى تجسيد لرؤية الفنّان لذاته ،هوالمنتمي لعالم المثقفين والواعي بمسؤوليّته تجاه مجتمعه، بل لنقل إنه “توحيد بين عالمه وعالم اللّوحة” (والفكرة لشاكر حسن آل سعيد) لا يتم إلّا عبر ذاته.

فتبدو سمارة وهي تهمّ بالدّخول إلى العوّامة كما لو أنّها تتخلّى عن عالمها الذي تحياه لتدخل عالما آخر مجهولا بالنسبة إليها لا تدري ما يخفيه لها ولا ما ينتظرها داخله ومع ذلك فقد كانت نظرتها نظرة تصميم ذلك أنّها لا تقصد العوّامة إلا لهدف واضح جليّ في ذهنها فقد كان لها فضول لمعرفة أبطال مسرحيّتها الّتي تزمع كتابتها بين أفراد هذه العوّامة الذين عرفتهم مسبقا من خلال حديث علي السّيّد عنهم لكن حديثه لم يكن كافيا لترسم ملامحهم بوضوح لذلك ارتأت الذهاب إليهم ومخالطتهم عن قرب. وكانت من خلال تحاورها معهم ترسم لكلّ منهم أبعاد شخصيّته. وهذا في اعتقادنا هو ما يفسّر تلك النظرة المصمّمة، إنها نظرة الفنّان ذاته لواقعه، والتي تتسم بالتحدّي والرغبة في الفعل.

إن ّحلمي التوني لا يصدر في هذا البورتريه عن الصورة الأدبيّة الذي رسمها نجيب محفوظ لسمارة في روايته فحسب، بل ينطلق إلى ذلك من رؤيا فنّيّة ” هي نتيجة حسّ وتصوّر”[87] وشغف فنّيّ يتجاوز المرئيّ إلى الحدسيّ ويمنح المتقبّل مساحات من المعنى تتجاوز الظاهر إلى الباطن، لذلك تتنزل الألوان والخطوط والأشكال والقيم عنده منزلة خاصّة بتجاوزها الدّور الجمالي لتكون تجسيدا لرؤياه الفنّيّة الّتي تجاوز المكان والزّمان لتعكس “الوعي… فمن ذلك يستطيع الرّسّام أن ينجز، وأن يكشف الحجب”[88].

ولئن سعى حلمي التّوني للتّركيز على ملمح الجدّيّة الذي صبغ شخصية سمارة سواء من خلال ملامح الوجه أو غياب الحلي والزّينة فإنّه لم يغفل عن إبراز أنوثتها فكانت الخطوط في النصف العلويّ من الجسم واضحة تنكسر لتحدّد زوايا قائمة سواء في مستوى الكتفين أو المرفق في تأكيد على الجانب الجدّي منها في حين تطغى الخطوط المنحنية على رسمه للجزء السفليّ من الجسم مبرزة بذلك تفاصيلها الأنثوية. إنّها دقّة التوني في قراءة نجيب محفوظ، فسمارة لم تكن سوى مزيج بين الجديّة والأنوثة. وإن طغت إحدى السّمتين على الأخرى فإنّها لم تغيّبها تماما وليس أدلّ على ذلك من إعجاب رجب القاضي بها وسعيه لاجتذابها عاطفيّا.

لم تكن سمارة لتدخل هذا العالم المجهول دون سلاح، وسلاحها كان قلمها وهي الصحفيّة السّاعية لخوض غمار التأليف المسرحيّ، لذلك كان الدفتر والقلم علامتين فارقتين في هذه اللّوحة خصوصا وقد رأينا أن البورتريهات المتناولة بالدرس – وحتّى تلك التي لم نتناولها  – والتي جسّد فيها التّوني الشّخصيات النّسائيّة لروايات محفوظ، لم توظّف عنصرا مشابها يمكن أن يدلّ على المهنة التي تمتهنها الشّخصيّة. فأتت حركات الأيدي في معظمها إمّا متشابكة أو منسدلة دون أن تحمل أي شيء باستثناء لوحة إحسان شحاتة التي تحمل فيها سيجارة بيدها. وفي اعتقادنا فإنّ حلمي التّوني قد أراد بذلك أن يخرج سمارة بهجت من نمطيّة الصورة المكرّسة للمرأة بإلباسها لبوس المرأة النشيطة العاملة وهو في ذلك يكرّس الرؤية المحفوظيّة التي اختارت لسمارة أن تكون صحفيّة فاعلة في المجتمع وإن نسبيّا. إنّه تنويع آخر من تنويعات نجيب محفوظ فمن المرأة الجاهلة العاطلة مجسّدة في حميدة إلى الأمّ الخاضعة المستكينة متمثّلة في شخصيّة أمينة ثمّ تأتي شخصيّة سمارة لتقدّم نموذجا للمرأة المثقّفة النشيطة، المتحرّرة من القيود التي يفرضها المجتمع عليها، لكنّها حرّيّة مسؤولة لا انحلال فيها تضبط حدودها بنفسها فتقصد العوّامة لكنها تترفّع عن العبث الماجن، وتحاور مرتاديها لكنّها تمسك بدفّة الحوار وتوجّهه إلى الموضوع الذي تريد.

ورغم أنّ سمارة بهجت لا تلعب دور بطلة الرّواية فقد مثّلت المحرّك الرئيسي للأحداث ، ومن هنا كان اختيار حلمي التوني لها فقدّم لنا البورتريه التّشكيليّ لهذه الشخصيّة معتمدا ما حدّده لها نجيب محفوظ من ملامح من خلال البورتريه الأدبيّ الّذي رسمه. لكنّ سمارة التي قدّمها محفوظ لم تكن ذات ملامح ثابتة ما بين بداية الرواية ونهايتها إذ تحوّلت من امرأة مثقّفة واعية واثقة من خياراتها تتّسم بالإيجابيّة وروح المبادرة إلى شخصيّة مهزوزة سلبيّة عاجزة عن الفعل واتخاذ القرار بصمتها إزاء جريمة القتل التي ارتكبت أمام ناظريها. لكنّ التوني ارتأى أن يقدّم لنا سمارة وهي تنتقل من عالم الواقع إلى عالم العوامة مدفوعة بالفضول المعرفيّ فجاءت صورتها مطابقة لحالتها وهي تقصد العوّامة بنظراتها الحادّة وخطوتها الواثقة وحركيّتها التي تبدو من خلال اختيار التوني للبورتريه إلى الركبتين الّذي يعادل اللقطة المتوسطة في السينما والتي تحيل على الحركة، ولعلّ اختياره ذاك جاء ليلتقط اللّحظة الفارقة (point d’inflexion)في حياة هذه الصّحفيّة الشابّة.

 ولم يكن ذهن حلمي التّوني وهو يرسم البورتريه التّشكيليّ لسمارة خاليا من الصورة السينمائيّة لهذه الشخصيّة والتي جسّدتها الممثّلة ماجدة الخطيب إذ يبدو التّناصّ واضحا بين العملين الفنّيين من خلال ملامح وجهيهما وخصوصا العينين الواسعتين وتلك النظرة العازمة والحادة واستطالة الوجه.

  فالرّسّام لا يصدر في عمله الفنّيّ عن الصّورة الأدبيّة للشّخصيّة فحسب بل تتداخل النصوص في لوحته ما بين أدبي وبصريّ دون أن يمثل ذلك تكرارا أو محاكاة لأيّ منهما، محققة بذلك ما يعرف بالتّشاكل[89] في الفنّ التّشكيليّ ذلك أنّ ” “العمل الفني هو طبقات من الأعمال الفنية تماثلت وتشاكلت استجابة لقانون التشكل والتباين الإبداعي من جهة، ومن جهة أخرى فإنها تماثلت وتباينت استجابة لضرورات الخلق الفني المرتكز على ما للواقع من حضور خاص وجديد يشكل واقع النص وهويته” [90]

 وإضافة إلى اعتماد الرّسّام روايات نجيب محفوظ في إنجازه لهذا البورتريه وغيره من البورتريهات فقد انطلق من رؤياه الخاصة ووعيه ونحن إذ نسعى لاستقراء لوحات التوني فإنّما نسعى لاكتشافه كفنّان من خلال إبداعاته إذ ” ليس [الفنّان] إلّا ما يقصده في موضوعه الفنّيّ”[91] ومن الواضح أنّ قصديّة الأديب لا تتماهى مع قصديّة الرّسّام في كلّ الأحوال، ولا مع قصديّة مخرج الفلم ،إذ تبقى لكلّ منهما رؤيته الخاصّة لشخصيّة سمارة رغم التقاطعات الموجودة بين الرؤى الثلاثة ولئن جعل محفوظ سمارة تنقلب من صحفيّة واثقة واعية مسؤولة إلى امرأة مهزوزة سلبيّة، فإنّ التّوني رأى فيها صورة المرأة الجدّيّة الواثقة المتطلّعة، الّتي لا تتوانى عن خوض غمار المجهول دون تردّد، في حين سعى المخرج السينمائيّ إلى جعل سمارة مزيجا من الشخصيّتين، تنساق لفترة إلى تأثير رجب القاضي بدافع الحبّ فتغيّب ضميرها ثم تستردّ وعيها وتنطلق خلف أنيس زكي تاركة وراءها عالم العوّامة نحو العالم الواقعيّ،  متحمّلة بذلك مسؤوليّتها إزاء المجتمع من خلال اشتراكها مع أنيس زكي في التبليغ عن جريمة القتل.

يبدو واضحا مدى اختلاف التّناول الأدبي لشخصيّة سمارة في رواية ثرثرة فوق النيل عن التّناول التشكيليّ لها ويعود ذلك في اعتقادنا إلى اعتماد الأديب في بناء البورتريه  على مركز للتبئير الدّاخلي من خلال إدراك أنيس زكي للشخصيّة في حين اختار حلمي التوني ولأسباب ذاتيّة أن يقدّم لنا بورتريه سمارة من خلال وعيه هو، في لحظة بعينها تجسّدت فيها الصورة النّموذجيّة للمرأة الواعية المثقّفة التي يرى التّوني أنها تناسب هذه الشخصيّة وفي اعتقادنا أنّ الخلفيّة الإيديولوجيّة لكلّ من نجيب محفوظ  وحلمي التوني تقف خلف هذا التباين في احتمالات المعنى بينهما ، ذلك أنّ نجيب محفوظ كان ينظر إلى حكم عبد النّاصر نظرة النّاقد الّذي يرى الخلل في تهميش النظام لطبقة مهمّة من المجتمع المصري فيشير إليه وينبه لخطورته متأثّرا في طرحه بالرّؤية الماركسية التي لا تعتبر الفنّ تسلية وتشويقا بل ترى فيه تعبيرا عن موقف وتصويرا للصّراع الّذي يخوضه الإنسان من أجل التّحرّر من الاستغلال والقهر.  بينما ينخرط حلمي التّوني بكلّيّته مع الثّورة وصانعيها في كلّ خياراتها[92] ولا يرى منها إلّا الجانب المشرق الّذي ينزّل المرأة المثقّفة منزلة رفيعة متأثّرا في ذلك بناصريّته من جهة وبنزعته النّسويّة من جهة أخرى فهو “[يـ]عتقد أنّ العالم من دون المرأة لا يساوي شيئا وهي كلّ شيء”[93].

لقد عمل حلمي التوني من خلال بورتريه سمارة على خلق وعي جديد بالعالم وبمكانة المرأة داخله فخلّصها من حالة السكون ومنحها حركيّة من خلال اختيار بورتريه الثلاثة أرباع، وعمّق الإحساس بالحركة بمنح اليدين دورا تعبيريا واضحا يعكس احتفاءه بقيمتي الثقافة والعمل لدى المرأة المصرية ولعلّه اقترب من رؤية محفوظ في إبرازه للتّناقض بين عالم الواقع وعالم الغيبوبة من خلال تقسيم المساحة والاختيارات اللونيّة وخصوصا من خلال لعبة الظلال والضوء، لكنّه لم يكن في لوحته محاكيا لرؤية نجيب محفوظ بل منحازا لرؤيته الخاصة التي ترفع من مكانة المرأة فتمنح الشخصيّة المرسومة أبعادا نفسيّة جديدة مختلفة عمّا رسمه نجيب محفوظ من ملامح نفسيّة وسمت سمارة في آخر الرواية بالسلبيّة والاهتزاز. وفي رأينا هي تُجاوز النظرة إلى المرأة لتصبح نظرة الفنّان الذاتيّة للمثقّف المصريّ عموما أو لنقل نظرته لما يجب أن يكون عليه هذا المثقّف.

لقد أجاد نجيب محفوظ الرّسم بالكلمات فأسال لعاب المبدعين في مختلف الفنون البصريّة للنّهل من معينه وكان حلمي التّوني أحدهم، وقد اختار أن تكون المرأة في روايات محفوظ ملهمة لبورتريهاته المختلفة فهو رسّام النّساء كما ينعته النّقّاد. لكن حلمي التّوني المبدع له رؤياه الخاصة التي يسعى لتجسيدها من خلال ريشته كي يوصل صورة المرأة كما يراها أو كما يريد لها أن تكون، ولئن استغرقت شخصيّات نجيب محفوظ النسائيّة منه مجهود عقود متواصلة أثمرت رؤية مخصوصة فإنّ التّوني وهو يتناول هذه الشخصيّات بريشته كان ملمّا إلماما كلّيّا بتفاصيلها دفعة واحدة فأعماله جاءت لاحقة لأعمال نجيب محفوظ الرّوائيّة وملامح مختلف الشخصيّات كانت ماثلة أمامه لكنّه لم يسع لنقل رؤية الكاتب بل يصدر عن رؤيته الخاصة للكون وللموجودات  فجاءت لوحاته بليغة المعاني كثيفة الرّمزيّة وقد اكتسبت بلاغتها من خلال تآلف الألوان والأشكال والخطوط وتوظيف مختلف التّقنيات لتكون كلّ منها “نموذجـ[ا] قادرا على أن يسجّل خصوصيّته الفرديّة بحكم الإضافة التي يطرحها تقنيّا ورؤيويا”[94] رغم نقاط التّشابه بينها في استخدامها للألوان والخطوط والأشكال. وهو في اعتقادنا تشابه منطقيّ يعكس رؤية الفنّان وطابعه المميز ويبرز الطّاقة الإبداعيّة الكامنة في ريشته، إنّها طاقة لا تقلّ عن تلك التي يتميّز بها نجيب محفوظ في أعماله الرّوائيّة. ولئن شهدت رؤية الفنان التشكيلي ورؤية الكاتب تقاطعا في نقاط عديدة فإنّ تناول التّوني قد تميّز برفعه لمنزلة المرأة مهما كانت صورتها في الرّواية حتّى إنه ليضعها أحيانا بمرتبة الآلهة التي تمنح الحياة، وهو ما يجعلنا نجزم بأنّ لحلمي التّوني قراءة خاصّة للواقع المصريّ ولدور الفنّ فيه تختلف عن قراءة نجيب محفوظ. فالتّوني يتمسّك بالحلم ويكسو بورتريهاته صبغة تفاؤليّة لا نجدها حاضرة بنفس القدر عند رسم نجيب محفوظ لشخصيّاته الرّوائيّة.

لقد اختار التّوني للبورتريهين لحظة فارقة في حياة كلّ شخصيّة منهما ، فحميدة بدت وكأنّها تترك عالم الزّقاق لتقتحم عالما جديدا أمّا سمارة فقد كانت لحظة دخولها للعوّامة لحظة فارقة في حياتها وعلى أساسها انبنت أحداث الرّواية كاملة. إنّه اختيار واع من الرّسّام يدلّ على عمق قراءته للعمل الأدبيّ. ما يجعلنا نصادر على أنّ إبداع حلمي التوني في تجسيد رؤياه الفنّيّة من خلال بورتريهات نساء نجيب محفوظ لا يقلّ عن إبداع نجيب محفوظ في رسم بورتريهات شخصياته النسائيّة في رواياته المختلفة. فكلاهما ينهل من منبع أصيل هو الفنّ الشعبيّ الذي يخاطب العامّة فيصل إلى وجدانهم ويفعل فيهم فيغير واقعهم دون أن يفقد أصالته. “هو فنّ يتذوّقه النّاس جميعا على اختلاف ثقافتهم ومعارفهم، ويدخل في صميم حياتهم ليحدّد المستوى الحقيقي للحضارة لديهم”[95].

إنّ اختيار حلمي التّوني للفنّ الشعبيّ ينبع من قناعته بأنّه فنّ ” صناعة الفرح والحبّ والأمل[96]” وهو في اختياره ذاك يوظف الأشكال والألوان والضوء لنقل رؤيته الفنيّة الخاصة ويمنح القوّة لعناصر دون أخرى فيجعل من حميدة رمزا للخصوبة والحياة من خلال حركة اليدين المضمومتين إلى الصدر والتي تماهيها مع الآلهة.

في حين يجسّد بورتريه سمارة تجاوزا لرؤية نجيب محفوظ للشّخصيّة الروائية يصل إلى حدّ التناقض فسمارة التي يراها نجيب محفوظ قد تخلّت عن اتّزانها وجدّيتها وانحدرت مع روّاد العوامة إلى عالم العبثيّة واللاّ معنى بعد أن سكتت عن جريمة القتل وتردّدت في التبليغ عنها، أمّا التي رسمها حلمي التوني فبدت امرأة ذات عزيمة ثابتة، تسعى في سبيل غاية معرفية ولا تتوانى عن اقتحام المجهول لتحقيق ما تصبو إليه فهي بدخولها إلى عالم العوامة الغامض المظلم، تتخلّى عن الواقع الواضح المضيء لتقتحم العتمة يحدوها في ذلك حلم بالعثور على ضالّتها جسّده الرّسام من خلال العصفور الأبيض على شرفة العوامة.

لقد استطاع حلمي التوني ومن خلال بورتريهاته النسائيّة أن ينتقل وينقل معه المتقبّل “من الرؤية الحسية والذهنية إلى الرؤيا الما بعد حسية … فالرؤيا هي انعكاس للرؤية عبر المتن التشكيلي الذي يشهد على وجود أسلوب بنائي خاص. والأسلوب هو ما يشرّع لوجود استقلاليّة جمالية للشكل”[97] وفي هذا السياق يمكننا الجزم أن حلمي التوني فنان ذو رؤيا تمنحه تميّزا وفرادة عن غيره فهو يصدر في بورتريهاته عن مقولة بول إلوار:” إنّ الفنّ هو أن أرى العالم على نحو ما أنا عليه، وليس على النحو الّذي عليه هذا العالم”

لقد حقق حلمي التوني المعادلة الصعبة في تجسيد نساء نجيب محفوظ من خلال ثنائية الانعكاس والانزياح فالبورتريهات لشخصيّات روائية رسمها نجيب محفوظ بقلمه وهي بذلك انعكاس للصورة الأدبيّة، إلا أنه انعكاس يتحقّق عبر الانزياح بمعانيها وإيحاءاتها واعتماد رؤيا خاصة للقيم الجمالية المختلفة وللمعنى لدى حلمي التوني دون الوقوع في المحاكاة وتكرار الصورة بأدوات تشكيلية عوض القلم وهو ما يضفي عليه صبغة المبدع مجيبا بذلك عن تساؤل محمّد المخزنجي[98]”  ولئن كان التّوني في بورتريهاته يصدر عن مدوّنة نجيب محفوظ الروائيّة فإنّ تأثّره بالأعمال الفنّيّة السينمائية التي تناولت روايات محفوظ  غير خفيّ. ما دفعنا للتّساؤل عن إمكانية الحديث عن تناص بصريّ على منوال التّناص الأدبي.

لقد شغل مفهوم التّناصّ العديد من النّقّاد في المجال الأدبي منذ القدم فاعتبره البعض من جنس السرقة الأدبيّة في حين رأى آخرون أنه ضرورة إبداعيّة. وكان من الضروريّ أن يسعى كلا الفريقين للإجابة عن سؤال أساسي لمعالجة هذه المسألة، وهو السؤال الذي طرحه محمد العمري مختزلا فيه موضوع التّناص ” ما هو المبدأ الفنّيّ المتحكم في بناء النّصّ الأدبي؟ أهو الإبداع المعتمد على الغرابة أم التّوليد المؤسّس على التفاعل بين النّصوص؟”[99].

بالعودة إلى كتاب محمود المصفار” التّناص بين الرّؤية والإجراء في النّقد الأدبي (مقاربة محايثة للسّرقات الأدبيّة عند العرب) نراه يحدّ عمليّة التلاقي أو التّداخل بين النّصوص بكيفيّات مختلفة ومنها ” أن يستقبل النّصّ الواحد نصوصا عديدة في أنحائه حتّى ينقلب بذلك أشبه بفسيفساء نصوصيّة في القديم وفي الحديث في الأدب وفي غير الأدب أي أنّ النّصّ لا يعدو أن يكون إعادة تركيب بين عدد لا يحصى من النّصوص” [100]. وعلى نفس المنوال يمكننا القول أنّ اللّوحة التّشكيليّة ما هي إلّا إعادة تركيب لعدد لا يحصى من اللوحات التّشكيليّة والصور السينمائية والنصوص المختلفة لغويّة كانت أم بصريّة.

وإذا كانت العبارة النّصّيّة ترتحل من نصّ إلى آخر ومن زمن إلى زمن فإنّ الأشكال والخطوط والألوان تنتقل عبر الزمن من لوحة إلى أخرى ومن عمل إبداعيّ إلى آخروهو ما نلحظه بوضوح من خلال بورتريهات حلمي التوني فعيون حميدة ليست سوى استحضار عن وعي أو غير وعي  لعيون نفرتيتي المرسومة على موميائها،و بورتريه أمينة نسخة تشكيليّة عن بورتريه الممثلة آمال زايد التي أدّت الشخصيّة سينمائيّا. يقول محمّد المصفار ” إنّ النّصّ كالمولود الجديد لا يتحقّق وجوده إلّا بالتلاقي والانضمام”[101] وبورتريهات التّوني ليست سوى نتاج لانضمام وتناصّ بين عملين فنّيين أو أكثر في العمل الإبداعيّ الواحد. وإذ تصادر إخلاص ياسين خضير في سياق تناولها لهذه المسألة في مجال الفنّ التّشكيليّ على أنّ “التّناص عبارة عن قراءة للأعمال الفنية سابقة وتأويل لهذه الأعمال الفنية، وإعادة رسمها من جديد ومحاورتها بطرائق عدة على أن يتضمن العمل الفني الجديد زيادة في التأويل عن الأعمال الفنية السابقة التي تشكل نواة له كما أننا نلحظ أن للتناص حدا أعلى هو التفاعلية وله حد أدنى وهو السرقات الذي يترجم إلى التّلاّص”. فإنّنا نعتقد أن التّوني قد لامس المستوى الأرقى من التّناص في بورتريهاته.

   إنّ الرّسّام كغيره من المبدعين متعدد فهو نتاج ثقافات متنوّعة تلاقحت إذ أنّ “كلّ نص جماليّ يترك يقينا ترسّبات ثقافيّة على مستوى الفكر والسّمات الفنّيّة والجماليّة” [102]وهذا ما نلحظه بوضوح في بورتريهات التوني الّتي تبدو في تفاصيلها متأثّرة لا فقط بعناصر تشكيلية مختلفة مستمدة من الحضارة الفرعونية أو من الفن الشعبي، بل هي شديدة التّأثّر بالأعمال السينمائيّة التي جسّدت أعمال نجيب محفوظ الروائيّة.

ويصادر بعض النّقّاد على أنّ ” كلّ نصّ هو في مفترق نصوص عديدة فيكون في آن واحد إعادة قراءة لها من جهة وامتدادا أو تكثيفا لها من جهة ثانية”[103] وهم بذلك يقرون ببديهية   التّداخل النّصّيّ  وما بورتريهات التّوني في اعتقادنا إلّا نصوص بصريّة تقع في مفترق نصوص بصريّة  عديدة سابقة لها فكلّ لوحة من لوحاته لا تخلو من لمسات فرعونيّة تظهر جليّا في طريقة رسم العيون ومن أخرى إسلاميّة ذات أصول فارسيّة تتجلّى في الرّقش الذي يعتمد الأزهار المتكررة المتشابهة إلى ما لا نهاية له على أطر اللّوحات، ومن تأثير الفنون الشعبيّة الواضح في ملامح الوجوه المثقلة بالمساحيق والرموز المختلفة. كما أن مجاورتها لفنون بصريّة أخرى مثل السينما التي توظّف نفس العناصر من ضوء وظلال وألوان وتعتمد نفس التقنيات كالتأطير وسلّم اللّقطات وغيرها تجعل من هذا التّداخل والتّفاعل أمرا حتميّا وبديهيّا خصوصا إن كانت هذه الأعمال تنهل من معين واحد هو الرّواية المحفوظيّة.

 لقد جسّد التّوني في لوحاته رؤيته الذّاتيّة التي لا تخلو من تقاطعات كبرى مع رؤية الكاتب من خلال تناص خارجي واع ومعلن فالتّوني ومن خلال عناوين لوحاته يؤكّد اقتباسها من روايات نجيب محفوظ  إضافة إلى تقاطعها مع أعمال فنّيّة أخرى تشكيلية كانت أم سينمائيّة فحميدة مثلا ” تبدو كأنّها ولدت من رحم ” حاملة الجرّة” لمحمود مختار[104]

وفي اعتقادنا لا وجود لعمل إبداعي ينشأ من فراغ في أيّ مجال من المجالات الفنّيّة فكلّ إبداع له أسس وخلفيّات يعتمد عليها وهو نتاج تفاعل بين أعمال إبداعيّة مختلفة سواء كانت من نفس الجنس الفنّيّ أو من جنس فنّيّ آخر. وفنّ البورتريه بما هو جنس فنّيّ مرتحل بين مجالات إبداعيّة متعدّدة ليس بمنأى عن هذا التفاعل خصوصا إذا كانت الأدوات المستخدمة هي ذاتها والموضوع المتناول هو ذاته. فكيف إذا كان الرّسّام هو حلمي التوني الذي يتّخذ من الفنّ الشعبيّ منهلا لريشته بما فيه من مفردات فنّيّة أصيلة تجذّر الفنّان في هويته رغم اعتماده لأساليب عالميّة لا تنفي عن لوحاته الأصالة بقدر ما تمهّد لها “الطريق إلى تحقيق الوجود المتحرّر المستقلّ”[105]؟

إنّ هذه الهويّة المستمدة من التراث الفني الأصيل لا يمكن أن تتحقّق بدون استخدام نفس المفردات التي استخدمت سابقا وتوظيفها في إنتاج أعمال فنيّة إبداعيّة جديدة فتجاوز هذه المفردات في معانيها الأوليّة وتمنحها أبعادا جديدة من خلال إعادة ترتيبها وتنظيم العلاقات بينها على سطح اللوحة.” إنّها استجلابات لا شعوريّة عفويّة مقدمة بلا مزدوجين”[106].

الخاتمة:

ليس العمل الفنيّ سوى انعكاس لذات مبدعه ورؤيته لذلك من  المهمّ أن نتعرّف إلى الفكر الإيديولوجي الّذي يستند إليه كلّ من نجيب محفوظ وحلمي التوني في أعمالهما وقد لمسنا تقاطعا واضحا بين توجّهات نجيب محفوظ الروائيّة والفكر الماركسيّ دون مماهاة بينهما، فقد وظّف هذا الرّوائيّ مختلف التّقنيات من وصف وحوار وسرد لرسم بورتريهات شخصيّاته الشّكلية والنّفسيّة والاجتماعيّة فجاءت معبّرة عن أزمة المرأة المصريّة مجسّدة في فئات مختلفة من النّساء المصريّات في حين  استطاع حلمي التّوني المواءمة بين خصوصيّات الفنّ الشعبي، الّذي يصدر عنه في معظم لوحاته، والتقنيات الحديثة مثل تقنية المنظور وقاعدة الأثلاث الثلاثة والتأطير في بناء بورتريهات الشّخصيّات النّسائية موظّفا لغة عالية الرّمزية تتردّد أصداؤها بين مختلف البورتريهات وهو يصدر في ذلك  عن فكر متشبّع بمبادئ الناصريّة وقناعات منحازة للمرأة في كلّ ما قدّمه من أعمال.

إنّ المتعمّق في أعمال نجيب محفوظ الرّوائيّة يتبّين أنّه يصدر عن منوال paradigme ثلاثيّ أقطابه الشّكل والأخلاق والشخصيّة فحميدة مثلا قد جمعت بين سحر الجمال   وقوّة الشخصيّة لكنّها كانت تفتقد القيم الأخلاقيّة ما دفع بها نحو هاوية الانحراف، أمّا سمارة فقد مثّلت نموذج المرأة المثقفة الجميلة المتحرّرة من قيم المجتمع المحافظ والتي تتمتع بشخصيّة قويّة ما أدّى بها إلى التّيه وإضاعة البوصلة الّتي اعتمدتها طيلة مسيرتها ففقدت جدّيتها وتحوّلت إلى إنسانة مهزوزة مثلها في ذلك مثل بقيّة روّاد العوّامة.

 إنّ نجيب محفوظ في تناوله لشخصياته يجعل الجمال نقمة على المرأة ومصدر بلاء لها في معظم الأحوال[107]

ورغم ثراء تجربة نجيب محفوظ الروائيّة وسعيه الدائم إلى تطوير أساليب كتاباته وتنقّله من مدرسة إلى أخرى متتبّعا في ذلك نبض المجتمع الّذي ينتمي إليه فإنّه لم يستطع أن يتخلّص من جبّة الأديب المحافظ الّذي نشأ على قيم مجتمعيّة تنظر للمرأة نظرة معياريّة تجعل سقوطها الأخلاقي مدوّيا بينما تتعامى عن السقوط الأخلاقيّ للرّجل[108]

في مقابل ذلك نجد حلمي التّوني يلتقط تيمة الجمال عند المرأة ويحوّلها إلى ميزة وبقعة ضوء في الشّخصيّة[109] فينشدّ المتقبّل لسحر عيني حميدة وجمال تكوينها الجسديّ رغم الإشارات المختلفة لفقرها من خلال الرّقع على الثّوب، ورغم تركيز التّوني على إبراز ملامح سمارة العمليّة من خلال الزّيّ ومسحة الجدّيّة على وجهها فإنّه لم يغفل عن إضافة تفصيلات تكشف مواطن الجمال في ملامحها وتكوينها الجسديّ.

إن حلمي التوني لا يستلهم بورتريهاته من النّصّ الروائيّ فحسب بل ينطلق من رؤيا ذاتيّة للإبداع الفنّيّ هي كل موروثه الثقافيّ والاجتماعيّ والحضاريّ والدينيّ لذلك جاءت لوحاته تعبيرا واضحا عن شخصيته الفنّيّة المتميّزة رغم التّشاكل  الواضح مع رؤى إبداعيّة أخرى سواء في المجال التشكيليّ أو السّينمائي، وهو ما يؤكّد أنّ بورتريهات حلمي التوني لا تقوم على آليّة الاجترار بل تعمل على امتصاص النّصوص البصريّة السابقة وهضمها قصد إنتاج نصّ بصري جديد ذي بعد جماليّ وإبداعي يحقّق له التميّز والتفرّد. فالتّوني بذلك يلامس أرقى مستويات التّناصّ ولا يكرّر ذاته أو غيره، رغم استفادته من التّجارب الإبداعية السابقة والمحايثة في مختلف الفنون أدبيّة كانت أم بصريّة، بل يحتفظ لنفسه بمساحة من الحرّيّة والذاتيّة في تناولها من خلال الرّسم وهو ما يحقق اللّمسة الإبداعيّة في بورتريهاته.

الهوامش:

[1] طلال معلّا، ” أحوال الصورة: ماذا نرى في الصورة ؟ عالم الضرورة أم عالم الحرّيّة”، مجلّة الحياة الثقافيّة،السنة 26، العدد 124، تونس، أفريل 2001، ص25

[2] جمال، كامل، مرايا جمال كامل ” المعرض الأخير “، من كتاب نجيب محفوظ السّارد والتّشكيلي، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، الطبعة الأولى، 2017، ص139

[3]  -نجيب محفوظ، زقاق المدق، مكتبة مصر دار مصر للطباعة، د.ت

[4] م.ن، ص ص39 -40

[5] ميشال، بوتور، بحوث في الرّواية الجديدة، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت – باريس، الطبعة الثالثة، 1986، ص55.

[6] أحمد، علواني، الجسد بين المتخيّل السّردي والنّسق الثقافي،دار النّابغة للنّشر والتّوزيع، طنطا-مصر، الطبعة الأولى،2019، ص 145

[7] زقاق المدق ص253

[8] م.ن.ص257

[9] م.ن.ص257

[10] م.ن.ص ص29-30

[11]  م.ن.ص26

[12]م.ن. ص82

[13] م.ن.ص 254

[14] م.ن.ص254

[15] م.ن.ص255

[16] م.ن.ص255

[17] م.ن.ص256

[18] علواني، أحمد، الجسد بين المتخيّل السّردي والنّسق الثقافي، دار النّابغة للنّشر والتّوزيع، طنطا-مصر، الطبعة الأولى،2019، ص209

[19] محفوظ، نجيب، زقاق المدق، مكتبة مصر دار مصر للطباعة، ص5

[20] م.ن.ص5

[21] م.ن.ص197

[22] م.ن.ص142

[23] م.ن.ص261

[24]محمّد المخزنجي،”نساء في روايات نجيب محفوظ- رسوم: حلمي التوني”، مجلّة العربي، وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد 577، ديسمبر 2006، ص ص15-33.

[25] م، ن. ص ص 25-26

[26] م.ن.ص ص39-40

[27]  أحمد القاسمي، أيقونات (بحوث في السيميائيّة والأنساق البصريّة)، سلسلة وشوم، الدار التونسيّة للكتاب، الطّبعة الأولى،2019، ص105.

[28]   أحمد القاسمي، الخبر والعيان،(نحو تصوّر جديد لمبحث المنظور ووجهة النّظر في فنون القصّ)، كلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنوبة، وحدة السّرديّات 2019، ص17.(درس حضوري)

[29] أيقونات، ص125

[30] Etienne,SauriauVocabulaire d’esthétique,PARIS ,P.U.F ,1990,pp1161-1162

[31]  سهاد عبد المحسن عبد المنعم أحمد، ” التعبيريّة”

http://finearts.uobabylon.edu.iq/lecture.aspx?fid=13&lcid=14545

[32] أشرف أبو اليزيد، نجيب محفوظ السّارد والتّشكيلي ، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب ، الطبعة الأولى ، 2017، ص87

[33] محمّد، أبو طالب، “حلمي التّوني والهمس في العيون” مجلة الهلال، العدد6، 1يونيو 1992، مصر

[34] داليا، عاصم،  ” (المغنى حياة الروح) معرض لحلمي التوني تراه وتسمعه، جريدة الشّرق الأوسط، 16 مارس 2015

[35] د. اياد رستـم المصري، د. ميرنا حسيف مصطفى، دالالت اليد في المعتقدات الدينية و المنحوتات السامية ،الجامعة الياشمية، معيد الممكة رانيا لمسياحة والتراث، الجامعة الياشمية، الزرقاء، األردف

https://eis.hu.edu.jo/deanshipfiles/pub102602274.pdf

[36]محمد المخزنجي، مجلة العربي، م سابقا

[37] احميدة، الصّولي، إيقاعات الضوء واللّون (جولة في فضاءات الفنون التّشكيليّة التّونسيّة) مطبعة فن الطّباعة، الطبعة الأولى، تونس، 2008، ص16

[38] سعيد، الكفراوي، “امرأة حلمي التوني تعود عند الغروب”، جريدة الفنون، العدد21، سبتمبر2002.

[39] شريف، الشافعي، “فاكهة التوني المحرّمة في زمن الكورونا”، جريدة المدن الإلكترونيّة،مارس2020

[40] أشرف، أبو اليزيد، نجيب محفوظ السّارد والتّشكيليّ، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، الطبعة الأولى، 2017، ص92

[41] مستشرقة روسيّة (1930-2015) اهتمت بترجمة العديد من الأعمال الأدبية إلى الروسيّة ونقدها ومن أهمّها روايات نجيب محفوظ، خصص لها أحمد الخميسي فصلا كاملا في كتاب ” نجيب محفوظ في مرآة الاستشراق السوفييتي”

[42] أحمد، الخميسي،  نجيب محفوظ في مرآة الاستشراق السوفيتي، الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، 2011، ص 93

[43] م. ن. ص 100

[44] محمّد، برادة، الرّواية العربيّة واقع وآفاق، دار ابن رشد للطباعة والنشر، د ت، ص135

[45] نجيب، محفوظ، ثرثرة فوق النّيل، دار القلم بيروت- لبنان، 1972. ص ص 57-58

[46] م.ن. 68

[47] م. ن. ص74

[48]  م. ن. ص74

[49]  الطّاهر، الجزيري، الحوار في الخطاب (دراسة تداوليّة سرديّة في نماذج من الرّواية العربيّة الجديدة)، مكتبة آفاق، الكويت، الطبعة الأولى،2012، ص352

[50] م. ن. ص353

[51]  . نجيب، محفوظ، ثرثرة فوق النّيل، دار القلم بيروت- لبنان، 1972، ص51

[52]  م. ن. ص52

[53] م. ن. ص54

[54] م. ن. ص ص 54-55

[55] م. ن. ص55

[56] م. ن. ص55

[57]م. ن. ص66

[58]م. ن. ص67

[59] م. ن. ص82

[60] أحمد، الخميسي،  نجيب محفوظ في مرآة الاستشراق السوفيتي، الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، ص99

[61] نجيب، محفوظ، ثرثرة فوق النّيل، دار القلم بيروت- لبنان، 1972، ص108

[62] م. ن. ص108

[63] م. ن. ص108

[64]  م. ن، ص100

[65] محمّد برادة، الرّواية العربيّة واقع وآفاق، دار ابن رشد للطباعة والنشر، د ت، ص137

[66] عثمان، بدري، بناء الشخصيّة الرئيسيّة في روايات نجيب محفوظ، سلسلة النّقد الأدبي، دار الحداثة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، لبنان-بيروت، الطّبعة الأولى،1986، ص216

[67] م. ن. ص ص 217-218

[68]  نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النّيل، دار القلم بيروت- لبنان، 1972. ص54

[69] أديبة مصرية ولدت ونشأت بالإسكندرية، تعيش في جنيف بسويسرا، أستاذة للأدب العربي والحضارة الإسلامية في جامعة جنيف بسويسرا، وخبيرة لدى اليونسكو في باريس.

[70]  فوزيّة العشماوي، المرأة في أدب نجيب محفوظ (مظاهر تطور المرأة والمجتمع في مصر المعاصرة من خلال روايات نجيب محفوظ 1945-1967)، ترجمة فوزية العشماوي، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2002، ص ص 67-68

[71]  نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النّيل، دار القلم بيروت- لبنان، 1972. ص104

[72] فوزيّة، العشماوي، المرأة في أدب نجيب محفوظ (مظاهر تطور المرأة والمجتمع في مصر المعاصرة من خلال روايات نجيب محفوظ 1945-1967)، ترجمة فوزية العشماوي، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2002،ص67

[73]  نجيب، محفوظ،  ثرثرة فوق النّيل، دار القلم بيروت- لبنان، 1972. ص62

[74] النّقّاش، رجاء، صفحات من مذكّرات نجيب محفوظ، دار الشروق، د ت، ص ص 264-265

[75] عثمان، بدري، بناء الشخصيّة الرئيسيّة في روايات نجيب محفوظ، سلسلة النّقد الأدبي، دار الحداثة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، لبنان-بيروت، الطّبعة الأولى،1986، ص234

[76] عبد الهادي، عبد الرحمان، لعبة الترميز (دراسات في الرموز واللغة والأسطورة)، مؤسسة الانتشار العربي، الطبعة الأولى،2008، ص115

[77] أشرف أبو اليزيد، نجيب محفوظ السّارد والتّشكيلي ، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب ، الطبعة الأولى ، ص89

[78] محفوظ، نجيب، ثرثرة فوق النّيل، دار القلم بيروت- لبنان، 1972. ص57

[79]  ينتج التباين عن وضوح الانفصال بين منطقتي الضوء والظل في اللّوحة وقد اعتمد التوني هذه التقنية بتقسيم اللوحة عموديا إلى نصف مضيء والآخر معتم

لمزيد التعمّق أنظر: الخطّ وعلاقته بالتّكوين في فنّ الرسم المعاصر على الرابط  C:\Users\ghass\Desktop

الخط وعلاقته بالتكوين في فن الرسم المعاصر

[80]يزداد الشعور بالعمق الفراغي كلّما زاد التباين بين الإضاءة والعتمة لمزيد التعمّق انظر نفس المصدر

[81], Imen Amouri , « la lumière ; de la Représentation à le présentation, دراسات فنّيّة في المادة والفعل والأثر، جمعيّة ، الطّبعة الأولى، 2007، ص 23

جسر الفنون دار محمد علي للنّشر

[82] شاكر حسن، آل سعيد، الحرّيّة في الفنّ” ودراسات أخرى”، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1994، ص40.

[83] محمود، بقشيش،  نقد وإبداع، الدّار المصريّة اللّبنانيّة، الطبعة الأولى،1997، ص 196.

[84] . شاكر حسن، آل سعيد، الحرّيّة في الفنّ” ودراسات أخرى”، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية،1994، ص56.

[85]  م.ن. ص116

[86] م.ن. ص 116

[87] م. ن. ص 73

[88] م. ن. ص 80

[89] ويقابله التّناص في الأدب.

[90]  إخلاص ياسين خضير، تداخل سياقات الفنّ المعاصر بين التّناصّ والاقتباس، جامعة بغداد كليّة الفنون الجميلة قسم التّربية الفنّيّة، 2016، ص6

[91] فاروق محمود الدّين العلوان،  إشكاليّة المنهج الفلسفي في الخطاب النّقديّ التّشكيليّ المعاصر، دار علاء الدّين للنّشر، الطبعة الأولى، 2009، ص171

[92] يعتبر حلمي التوني من المدافعين عن عبد النّاصر وعن الثّورة وهو ما جعله يتعرّض للاستهداف في عهد السادات ففصل من عمله بجريدة ” الصحافة المصريّة “بسبب أفكاره النّاصريّة.

[93] صفاء، عزب، ” حلمي التّوني: بعد ثورة يناير أرسم للتّخفيف عن النّاس”، المقال منشور في الموقع https://arb.majalla.com/.

[94]خليل قويعة، تشكيل الرؤية الفنية تأمّلات في تّجارب تشكيليّة من تونس، سلسلة اشراقات، المطابع الجديدة للجنوب، الطبعة الأولى، 2007، ص12

[95]  عفيف بهنسي، الفنّ التّشكيليّ العربيّ، الأولى للنّشر والتّوزيع- دمشق سوريا، الطبعة الأولى، 2003، ص270

[96] م. ن. ص270

[97] خليل قويعة، تشكيل الرؤية (سلسلة إشراقات)، المطابع الجديدة للجنوب، الطبعة الأولى، 2007، ص207

[98] تساءل محمّد المخزنجي في بداية مقاله حول نساء نجيب محفوظ بريشة التوني عن كيفية تناول هذا الأخير للشخصيات بقوله:” كيف تستجيب تراجيديّة المعالجة عند نجيب محفوظ للبهجة التّشكيليّة الّتي تتّسم بها أعمال حلمي التّوني.

لمزيد التعمق انظر كتاب نجيب محفوظ السارد والتّشكيليّ لأشرف أبي اليزيد.

[99]  عبد القادر بقشي، التناص في الخطاب النّقديّ والبلاغي (دراسة نظريّة وتطبيقيّة)، إفريقيا الشرق،2007، ص15

[100] محمود المصفار، التّناصّ بين الرؤية والإجراء في النّقد الأدبي” مقاربة محايثة للسّرقات الأدبيّة عند العرب”، مطبعة التسفير الفنّيّ- صفاقس، ص2

[101] م. ن. ص

[102] عادل شعابث وآخرون، “تناصّ الشكل في فنّ ما بعد الحداثة”، مجلة كلّيّة التربية الأساسيّة جامعة بابل، العدد 15، مارس 2014، ص586

[103]  تازيفتان تودوروف وآخرون، في أصول الخطاب النقدي الجديد، ترجمة أحمد المديني، دار الشؤون الثقافيّة العامّة، بغداد، الطّبعة الأولى، 1987،ص105

[104] فنان تشكيلي مصري من أهم منحوتاته تمثال نهضة مصر وتمثال حاملة الجرّة

[105] نزار، شقرون، شاكر حسن آل سعيد ، ونظرية الفن العربي، دار محمد علي الحامي، ا لطبعة الأولى 2010 ص 110

[106]  رولان، بارت، ” من العمل إلى النّصّ، ترجمة محمّد خير البقاعي، ضمن كتاب دراسات في النّصّ والتناصّيّة، مركز الإنماء الحضاري- حلب، الطبعة الأولى، 1998، ص38.

[107]  يمكن أن نشير هنا إلى شخصيّات نسائيّة أخرى تناولها نجيب محفوظ في رواياته المختلفة مثل شخصيّة إحسان شحاتة في رواية القاهرة الجديدة أو نور في اللّصّ والكلاب أو نفيسة في بداية ونهاية

[108] ولنا في موقف أهل زقاق المدق المتغاضي عن شذوذ المعلم كرشة وغيره أبرز دليل.

[109] تصادر جوليا كريستيفا على وجود ثلاثة أنماط من الترابطات بين المقاطع الشعريّة وهي النّفي الكلّيّ والنّفي المتوازي والنّفي الجزئي. وفي اعتقادنا يمكن لنا قياسا على ذلك أن نتحدّث عن نفي جزئيّ للنص الروائيّ في لوحة  سمارة ولوحة حميدة .

لمزيد التّعمّق انظر Julia kristiva,Sémiotiké(Recherches pour une Sémanalyse),Ed Seuil, coll « Tel Quel »,1969 .

المصادر والمراجع:

المصادر:

  • أبو اليزيد، أشرف: نجيب محفوظ السّارد والتّشكيليّ، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، الطبعة الأولى، 2017.
  • محفوظ، نجيب: زقاق المدق، مكتبة مصر دار مصر للطباعة، د.ت
  • محفوظ، نجيب: ثرثرة فوق النّيل، دار القلم بيروت- لبنان، 1972
  • المخزنجي، محمّد: “نساء في روايات نجيب محفوظ- رسوم: حلمي التوني”، مجلّة العربي، وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد 577، ديسمبر 2006، ص ص15-33.

المراجع:

  • الكتب العربيّة (باللّسان العربي أو مترجمة)
  • آل سعيد، شاكر حسن:الحرّيّة في الفنّ” ودراسات أخرى”، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت،  الطبعة الثانية، 1994.
  • بارت، رولان: “من العمل إلى النّصّ” ترجمة محمّد خير البقاعي، ضمن كتاب دراسات في النّصّ والتناصّيّة، مركز الإنماء الحضاري- حلب، الطبعة الأولى، 1998.
  • برادة، محمّد: الرّواية العربيّة واقع وآفاق، دار ابن رشد للطباعة والنشر، د. ت.
  • بدري عثمان بناء الشخصيّة الرئيسيّة في روايات نجيب محفوظ، سلسلة النّقد الأدبي، دار الحداثة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، لبنان-بيروت، الطّبعة الأولى،1986،
  • بقشي عبد القادر، التناص في الخطاب النّقديّ والبلاغي (دراسة نظريّة وتطبيقيّة)، إفريقيا الشرق،2007
  •  بقشيش، محمود: نقد وإبداع، الدّار المصريّة اللّبنانيّة، الطبعة الأولى،1997.
  • بهنسي، عفيف:  الفنّ التّشكيليّ العربيّ، الأولى للنّشر والتّوزيع-  دمشق سوريا، الطبعة الأولى، 2003
  • بوتور، ميشال:  بحوث في الرّواية الجديدة، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت – باريس، الطبعة الثالثة، 1986.
  • تودوروف، تازيفتان وآخرون ( عمل جماعي):  في أصول الخطاب النقدي الجديد، ترجمة أحمد المديني، دار الشؤون الثقافيّة العامّة، بغداد، الطّبعة الأولى، 1987
  • الجزيري، الطّاهر:  الحوار في الخطاب (دراسة تداوليّة سرديّة في نماذج من الرّواية العربيّة الجديدة)، مكتبة آفاق، الكويت، الطبعة الأولى،2012.
  • الخميسي، أحمد: نجيب محفوظ في مرآة الاستشراق السوفيتي، الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، 2011
  • شقرون، نزار: شاكر حسن آل سعيد، ونظرية الفن العربي، دار محمد علي الحامي، ا لطّبعة الأولى 2010.
  • الصّولي، احميدة: إيقاعات الضوء واللّون (جولة في فضاءات الفنون التّشكيليّة التّونسيّة) مطبعة فن الطّباعة، الطبعة الأولى، تونس، 2008.
  • عبد الرحمان، عبد الهادي: لعبة الترميز (دراسات في الرموز واللغة والأسطورة)، مؤسسة الانتشار العربي، الطبعة الأولى،2008
  • العشماوي، فوزيّة: المرأة في أدب نجيب محفوظ (مظاهر تطوّر المرأة والمجتمع في مصر المعاصرة من خلال روايات نجيب محفوظ(1945-1967) ، ترجمة فوزيّة العشماوي، المجلس الأعلى للثّقافة، مصر، الطّبعة الأولى،2002، ص11
  • العلوان، فاروق محمود الدّين: إشكاليّة المنهج الفلسفي في الخطاب النّقديّ التّشكيليّ المعاصر، دار علاء الدّين للنّش، الطّبعة الأولى، 2009.
  • علواني، أحمد: الجسد بين المتخيّل السّردي والنّسق الثقافي،دار النّابغة للنّشر والتّوزيع، طنطا-مصر، الطبعة الأولى،2019.
  • القاسمي أحمد: أيقونات (بحوث في السيميائيّة والأنساق البصريّة) ، سلسلة وشوم، الدار التونسيّة للكتاب، الطّبعة الأولى.
  • القاسمي أحمد: الخبر والعيان، (نحو تصوّر جديد لمبحث المنظور ووجهة النّظر في فنون القصّ)، كلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنوبة، وحدة السّرديّات 2019، ص17(درس حضوري)
  • قويعة، خليل: تشكيل الرؤية الفنية تأمّلات في تّجارب تشكيليّة من تونس، سلسلة اشراقات، المطابع الجديدة للجنوب، الطّبعة الأولى، 2007.
  • المصفار، محمود: التّناصّ بين الرؤية والإجراء في النّقد الأدبي” مقاربة محايثة للسّرقات الأدبيّة عند العرب”، مطبعة التسفير الفنّيّ- صفاقس، 2008
  • النّقّاش، رجاء: صفحات من مذكّرات نجيب محفوظ، دار الشروق، د ت

دوريّات:

  • أبو طالب، محمّد: “حلمي التّوني والهمس في العيون”، مجلة الهلال، العدد6، 1يونيو 1992، مصر
  • خضير، إخلاص ياسين: “تداخل سياقات الفنّ المعاصر بين التّناصّ والاقتباس”، مجلّة الأكاديميّ، المجلّد 84، كلّيّة الفنون الجميلة -جامعة بغداد،2017
  • شعابث، عادل وآخرون: “تناصّ الشكل في فنّ ما بعد الحداثة”، مجلة كلّيّة التربية الأساسيّة جامعة بابل، العدد 15، مارس 2014
  • عاصم، داليا: ” (المغنى حياة الروح) معرض لحلمي التوني تراه وتسمعه”، جريدة الشّرق الأوسط، 16 مارس 2015
  • عزب، صفاء: ” حلمي التّوني: بعد ثورة يناير أرسم للتّخفيف عن النّاس”، مجلّة المجلّة، لندن، مارس 2019.
  • الكفراوي، سعيد،: “امرأة “حلمي التّوني” تعود عند الغروب”، جريدة الفنون، الكويت، عدد21، سبتمبر 2002.
  • معلّا، طلال: “أحوال الصّورة ماذا نرى في الصّورة؟ عالم الضرورة أم عالم الحرّيّة؟ “مجلة الحياة الثقافيّة، السنة 26، العدد124، أفريل 2001، ص25.

مواقع إلكترونيّة:

  • أحمد، سهاد عبد المحسن عبد المنعم: ” التعبيريّة”

 http://finearts.uobabylon.edu.iq/lecture.aspx?fid=13&lcid=14545/

  • الشافعي، شريف: “فاكهة التوني المحرّمة في زمن الكورونا”. https://www.almodon.com/culture/2020/3/14/%D9%81%D8%A7%D9%83%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%B1%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%85%D9%86-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7
  • اياد رستـم المصري، د. ميرنا حسيف مصطفى، دالالت اليد في المعتقدات الدينية و المنحوتات السامية ،الجامعة الهاشمية، معهد الملكة رانيا للسياحة والتراث، الجامعة الهاشمية، الزرقاء، الردف. https://eis.hu.edu.jo/deanshipfiles/pub102602274.pdf

المراجع باللّغات الأجنبيّة:

  • « La lumière ; de la R Amouri , Imen : eprésentation à le présentation »

دراسات فنّيّة في المادة والفعل والأثر (تأليف جماعي)، دار محمّد علي للنشر وجمعيّة جسر الفنون بالمعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس- صفاقس، الطّبعة الأولى، 2009

  • Sauriau (Etienne): Vocabulaire

……………….. *****. ………………

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here