عتبات النص ونص العتبات .. قراءة في مجموعة (نقط) لوفاء عبد الرزاق

Vol. No. 2, Issue No.4 - October-December 2022, ISSN: 2582-9254

0
43

عتبات النص ونص العتبات .. قراءة في مجموعة (نقط) لوفاء عبد الرزاق

د. سعد العتابي

كاتب عربي.

——————————-

تعد المبدعة وفاء عبد الرزاق – العراقية / البصرية المولد والهوى والثقافة والانتماء واللندنية الغربة والسكن – واحدة من أهم الكاتبات العربيات المعاصرات وربما كانت من بين أهمهن تنوعا وغزارة بمنجزها الأدبي والثقافي. وما تميزت به مشاركة مكثفة بالنشاطات الثقافية والمجتمعية والإنسانية. ولعلها من بين المبدعات القليلات اللواتي اشتغلن على التنوع الأجناسي في الإبداع الأدبي، فقد كتبت الرواية والقصة القصيرة والشعر الفصيح والشعر العامي والترجمة إذ نشرت (21) ديوانا شعريا بين فصيح وعامي و (4) روايات و(5) مجموعات قصصية وعدد من الترجمات والإسهامات الأخرى كما أنها قد حصلت على عدد غير قليل من الجوائز والتكريم، وقد تحقق ذلك  بدأب وجهد وصبر تحسد عليه الكاتبة، بل لعلها عشتار عادت  تعطي من روحها وحسها كل جميل ومبدع، ولا تكمن أهمية الكاتبة بغزارة منجزها الإبداعي وتنوعه فحسب بل بقدرتها على التنوع الخصب والتجديد والتجريب حريصة على إبداع كل ما هو جديد ومدهش وتجريب كل إمكانات الإبداع حتى أنك لا ترى مجموعة تشبه الأخرى بل ولا ترى نصا  يشبه آخرا أسلوبا ولغة ودلالة، فالتنوع والتجريب سمتان من سمات إبداعها الأساسية فنراها تقدم لنا زهرة أثر أخرى، لكل واحدة شكل وعطر ورحيق مميز عن صاحبتها، وكذلك تهدينا رؤية بأثر أخرى، كل واحدة  لها قضيتها وموقفها الخاص من الحياة والمجتمع وتفضح المشكلات الاجتماعية والاقتصادية بل حتى تلك  التي سببها الاحتلال الأمريكي للعراق لاسيما انتشار الإرهاب كما نرى في بعض قصصها التي تتحدث عن الإرهاب وآثاره وقتله للأطفال، فهي  مبدعة تعيش المجتمع  والناس وتتمثل أوجاعهم ومشكلاتهم وتحملها بين ثنايا ضلوعها وبنيات أفكارها وتنسجها  نصوصا أدبية جميلة وموجعة في آن واحد، ولعل هذا هو سبب التقاطها لشخصيات اجتماعية تعيش على هامش المجتمع وفي قاعه غير أنها صورة حقيقة لآلامه وأوجاعه وأمراضه أيضا فضلا عن قدرتها على استخدام اللغة على نحو جمالي غير مسبوق ودأب نحو إنتاج دلالة خاصة من خلال العزف على الحرف حتى كأنها سيمفونية لغوية ويتجلى ذلك على نحو كبير في مجموعة (نقط إصدار عام 2010) فنراها تحاول إنتاج الدلالة من خلال متغيرات على الكلمة الواحدة حرفا أو نقطا ولعل في ذلك تميز وتفرد على صعيد الإنتاج الأدبي العراقي والعربي.

وقد لا تستطيع هذه الورقة أن تلم بإبداع الكاتبة كله الذي يحتاج إلى أكثر من دراسة نقدية وقراءة أدبية  لما ينطوي  عليه من تنوع وغزارة وتكثيف وتجريب مستمر لاسيما وأنها واحدة من الكاتبات اللواتي خرجن من معبد افروديت التي حولت التمثال- بجماليون -إلى امرأة يستمتع بها  الرجل ويرجعها صنما  حجرا أصما ثانية كما في الأسطورة أي أنها تنتج نصا أدبيا أنثويا يحاول أن يخلص المرأة من سلطة الذكورة إلى إنسانيتها ولعل هذا هو مشروعنا الأكاديمي  القادم  لدراسة أدب وفاء عبد الرزاق من وجهته هذه لاسيما في تواؤم ما هو أنثوي خاص بما هو مجتمعي عام.

أما في هذه المقاربة  فسنحاول أن نقدم قراءة لعتبات  مجموعة -نقط- الذي يعد نص العتبة بامتياز لتميزه بالاشتغال  السردي الدلالي على العتبات والتي يمكن عدها  واحدة من أهم المجموعات القصصية التي استغلت على العتبات النصية على نحو تجريبي مكثف فلا تكتفي بعتبة العنوان  بل  ترادفه باستهلال وربما أكثر من استهلال بالقصة الواحدة  تتغيأ  بوساطة  إدهاش القارئ وتقديم بنى دلالية تحاول تفسير النص وتبيان شئ من قصده ورؤية  كاتبته حتى أنها أصبحت نصوصا لا تقل أهمية عن المبنى النصي بل قد تردف العتبة الأولى بأخرى  يمكن لها  أن  تكون نصوصا مستقلة بذاتها كما في قصتي(رحل إلى وسطهم- حول الحلم وصلا)و(لا حول ولا…).

 2

تنطوي مجموعة (نقط) على (12) قصة متنوعة الشخصيات والمشارب والرؤى غير أنها تشترك بتسليط الضوء على حياة المسحوقين والفقراء والمهملين والممحوين من أجندة الحكومات والسياسيين والبرلمانيين وغيرهم.

تبدو هذه القصص مستقلة عن بعضها غير أنها في حقيقة الأمر متن ومبنى سردي واحد مترابط وكأنه خطوط ضوئية تنطلق من حزمة واحدة، و ترتبط بمصدر الضوء ولعل مصدر الضوء هنا هو عتبة العنوان الذي يستقبل قرائه باسم جمع من كلمة واحدة (نقط)، ولعلها كلمة بحاجة إلى أختها التي جعلتها الكاتبة في عهدة النص وكأنها تسبق عنوان كل قصة من قصص المجموعة كذاك تترك فرصة للقراءة كي تتبين ما هذه الكلمة؟ فهل هي (نقط ضوء) تسلط على أحداث في أماكن مظلمة إنسانيا ومجتمعيا ولعلها إشارة إلى بنى السرد فهي بعمومها حزم ضوء تسلط على أحداث تنهض بها شخصيات وفي هذه المجموعة كما نرى أن الأحداث تستخرج من أماكن مظلمة سواء في المجتمع أو في النفس البشرية ولا وعيها.

فقد دأبت الكاتبة على الغوص في أعماق المجتمع من أجل تصوير أحداث مؤلمة وموجعة وتفضح الظلم الذي يقع على الفقراء والمهمشين والممحوين، فالضوء هنا يسلط على المرأة المفجوعة والمستلبة والعامل المسحوق واليتم والطفل المهمل والمعاق والمتسول وغيرها.. ولا يختلف هذا التحليل مع إمكانات دلالية أخرى للنقط فهي أيضا النقط هي التي أضاءت إعجام الحروف وتحديد الفرق الصوتي والمعنوي بين حرف وآخر وهذا ما استثمرته الكاتبة في عزفها على أوتار الحروف عندما تغير معنى كلمة بأخرى مضادة أو مختلفة بتغير نقطة أو أكثر……………

والنقطة في مجتمعنا هي كناية عن الغيرة والعز والكرامة، فالمثل يقول (نقطة لو جرة) وقد استثمر القاصة هذه الإمكانية الدلالية في عدد من قصصها لاسيما قصة (حر طاوع حرَّه). وغيرها من القصص في مكان أو آخر.. ولعل هناك الكثير من الإمكانيات الدلالية لهذه العتبة وأكاد أجزم أن هذه القصص نتاج لسقوط هذه النقطة وإدانة لها في آن واحد ….

ولا نكاد نخرج من عتبة العنوان حتى نلتقي بعتبة أخرى وهي عتبة التوطئة وكأننا أمام استهلال ملحمي كالذي نراه في الملاحم الكبرى مثل جلجامش والأوديسة وغيرها ويبدأ هذا الاستهلال بـ(السم والرصاص يحملان الماضي والحاضر، وحتى المستقبل …………………. -إلى – …النقط مجرد نقط نداري بها عجزنا وهواجس اللغة)، ولعل هذا الاستهلال يعطي انطباعا تفسيرا بأن النص هنا يضع الثقافة مقابل القتل والدمار والحب مقابل الكراهية والبغض وإن كانت تشير إلى عجز اللغة غير أن السرد دائما كان يساوي الحياة والحضارة هي الحياة الخلود ألم يكف جلجامش عن رحلة الحروب ورحلة المغامرات والبحث عن عشبة الخلود وينحو نحو البناء والحضارة والثقافة والعلم لأن الخلود إنما يكمن فيها ؟ وشهرزاد ألم تنقذ بنات جلدها النساء من سيف شهريار؟ هكذا دائما كانت الثقافة وكان السرد يساوي الحياة وينتصر على الموت. لذلك فإن الاستهلال يضع الثقافة والقص مقابل الموت والدمار وإن لم تستطيع الانتصار عليها فإنها تفضح القتل واستلاب الإنسانية ولعل هذه المجموعة قد أخذت على عاتقها فضح استلاب الإنسانية قتلا وظلما ودمارا.

أما العتبة الثالثة فكانت الإهداء التي تعطي لنا الصورة الأخرى  فهي عتبة وإهداء وهو  (اعرف كيف تنزوي حشودك بداخلي…………………..لتبقين نفـْسي ونفـَسي النفيس) وهذا نص آخر يعطي صورة أخرى للمبنى السردي المتنوع والمربك أحيانا وهذا الإهداء يتحدث عن إمرة وليست أية إمرة أنها النفس النفيس للكاتبة وتشير الكاتبة في  قصد الإهداء إلى نفسها النفيس إلى أختها -رجاء- وهذا هو قصد الكاتبة حقيقة وواقعا غير أن للنص رأيا آخرا، فهذه  الرجاء ليست امرأة عادية فهي  تعاني من وجع الحياة والفراش والولادة لذلك كان هذا الإهداء نصا موازيا آخرا يسلط الضوء على الكثير من بنى السرد في هذه المجموعة هنا المرأة  هي الأنثى التي تعاني من سحق أنوثتها وإلغاء شخصيتها  حتى تتحول إلى وسادة مرة ومفرخة أخرى وعبدة تخدم سيدها الرجل مرارا كما نرى في القصص لاسيما الأولى منها (الراء والمسدس)، لذلك فإن هذا الإهداء وإن يكن اسما متعينا غير أنه يتحول إلى  رمز للمرأة المسحوقة في مجتمع ذكوري البنية والتصرف والرؤى وتستند إلى ثقافة ذكورية تسلب المجتمع كله إنسانية وليس المرأة فقط ولعل هذا هو مجتمع هذه المجموعة السردي وكما كانت التوطئة  تشتغل على ثنائية القتل والدمار مقابل ثقافة الأدب والحضارة والسمو والحب الذي تمثله اللغة فإن الإهداء يفضح ثقافة الذكورة والفحولة القوية الباطشة المتسلطة مقابل ثقافة الأنوثة الرقيقة الجميلة والتي هي إكسير الحياة  فهي أم وحبية وزوجة غير أنها مستلبة موجوعة مضطهدة وكما نرى في معظم قصص هذه المجموعة بل هي النووية السردية التي تنداح حولها بقية النوويات فاليتم والقتل والاضطهاد والذل والفقر نتاج لاستلاب المرأة وصورة من لذلك تعد هذه المجموعة واحدا من أهم ما كتب بالأدب الأنثوي في العراق وبما في الوطن العربي…….

وبعد الإهداء نرى نجمة وبعدها عتبة رابعة قبل أن ندخل المبنى القصصي وهذه العتبة عبارة عن استهلال توضيحي لرؤية الراوي / الكاتب عندما تقول (إحياء يرتجفون بين الواقع والخيال ………………… لنستمع إلى التصاق الأنفاس مع بعضها.. كيفما شاءت هي نستمع..) وهذا الاستهلال يشتغل على ثنائية الحروف والكراسي فالحروف متحولة متغيرة غير مستقرة والكراسي تجلس على ثلاث قوائم غير مستقرة أيضا 12 كرسي أعرج غير مستقر ليشير إلى أن الحياة عرجاء وغير مستقرة وغير منصفة أيضا لسكانها كما أن الكرسي أعرج وغير مستقر يجالسه والحروف غير مستقرة لمستخدمها والراء حرف متحول متغير ورمزي أيضا وهكذا تنهض الكاتبة / الراوي بتسليط الأضواء على كل كرسي على حدة ولكل كرسي قضية موجعة تصور ظلم الحياة واعوجاجها على …

الموضوع المحير و الجميل أيضا هنا هو  أن الكاتبة وضعت مجموعتها على  أربعة أرجل أربعة عتبات مستقرة وهي  (عنوان- توطئة – إهداء – واستهلال توضيحي بل ربما ملحمي) هذه  البنية الرباعية المركزية في المتن السردي وتشكيلها البصري  تشي بالروية والاستقرار فالكاتب هنا مستقر متبصر بالأمور والحياة ويجلس على كرسي مستقر من أربعة قوائم ليكتب عن موضوعات إشكالية بالحياة  تعاني شخصياتها من اعوجاج الحياة معها وتجلس على كراسي حذفت الراء منها وكسرت إحدى قوائمها إذا فهذه البنية الرباعية تقابلها بنية ثلاثية تتشكل من كرسي ثلاثي القوائم و أيضا عتبات القصص القصيرة الأخرى هي ثلاثية أيضا كأنها الكرسي أيضا، فكل قصة عتباتها تتشكل من العنوان واستهلال مشطور شطرين كل شطر يشكل قائمة من قوائم الكرسي ومع العنوان يظهر لنا الكرسي ثلاثي القوائم الأعرج ليقص لنا قصة اعوجاج الحياة معه …………….

 3

يشير عنوان القصة الأولى أو الكرسي الأول (الراء والكرسي) إلى ثنائية لغوية تتشكل من معطوف ومعطوف عليه بينهما حرف عطف غير أن حرف العطف لم يؤدي مهمة الجمع بين المعطوفين ولا يعني العطف هنا التوافق إنما التضاد والاختلاف كما تشير بنية القصة الدلالية وآلية اشتغالها السردية فالراء هنا رمزا للأنوثة والمسدس رمزا لذكورة  يطلق رصاصاته برحم المرأة ويولي ..حتى نرى أن الأنثى هنا قد مسخت  وسحقت  إمام  الرجل مرة وإمام أطفالها مرة أخرى فهي وحدها تعاني ومن ليل موحش ثقيل ومستمر و(لا أحد يستيقظ أبداً) ولا أحد يشاركها الهم لا أحد سوى رجل أهبل وسخ  وبخيل ولعلنا نتصور كيف تعيش امرأة مع هكذا رجل بخيل وسخ وأهبل ومتسلط أيضا فهو بديل عن سلطة الأب وسلطة المجتمع  ..

لقد فقدت هذه المرأة إنسانيتها أمام هذا الرجل وأنوثتها حتى تحولت إلى ثلج في لحظات الاشتعال، وتخلت أيضا عن مشاعرها وجسدها الملتهب أنوثة غير أنه يتحول إلى ثلج وموت أمام هذا الرجل الخائن لزوجته أيضا. هذا النص لا يعري فرد بل مجتمع والسلطة أيضا فقد يحتمل من الدلالة الرمزية التي تدين السلطة القاسية المرفهة والقامعة لشعب يعيش بالظلم والضيم فلم لا تكون المرأة رمزا للشعب المضطهد والرجل رمزا للسلطة التي حولت النماء والخير إلى خراب؟…إنه تساؤل فحسب

أما قصة (حر طاوع حرَّه) فيشر عنوانها إلى علاقة بين المبتدأ حر والجملة الفعلية الخبرية طاوع حرة وهو يشير إلى الولد الذي افتدى أمه وتحول إلى محظية لزوجها كي لا ينهال عليها ضربا وإهانة ويتساوق هذا العنوان مع بنية العتبة الأولى (كيف أرثي فقداناً بطفل؟ كيف أصير نفسه ومثله؟ المختبئ بثاني كرسي أعرج) نلاحظ هنا رثائية للطفل الذي فقد نفسه عندما فقد شرفة النقطة وتحول إلى محظية لزوج أمه الذي كان يضرب أمه ويهينها وبمسخ إنسانيتها لامتناعها عنه فأشفق على أمه وتحول بديلا عنها ليطفئ غضب هذا الرجل …  وهكذا يتبن اشتغال العتبة على البنية الدلالية لهذه القصة التي تشتغل على حركتين سرديتين الأولى ماضوية وهي الحياة بكنف الأب ورحمته حياة مستقرة تسودها الرحمة والمودة وحركة سردية حاضرة راهنة عندما يموت الأب وتتزوج ألام من آخر غير أنها تتمنع عليه فيشبعها ضربا إلى أن تحول الابن بديلا عنها فعفا عنها ……   وهذه القصة لا تشير إلى اغتصاب المرأة وانتهاك إنسانيتها فحسب إنما اغتصاب الطفولة واغتيال براءتها ووأد إنسانيتها وتصوير الشذوذ بأبشع صوره. وماذا بقي في المجتمع / الوطن عندما يموت الأب وسيتبدل بشاذ وسادي وتغصب إنسانية الأم وتغتصب الطفولة وتذبح. ماذا بقي إنها حكاية بلد مغتصب أسير من خلال حكاية أسرة مغتصبة هذه قصة مرعبة جدا في مضمونها السطحي أو في دلالاتها العميقة……

كما نرى عتبة وصفية أخرى تجلس على الكرسي الثالث وهي (سماء صماء) فقد وصفت السماء بالصم وهي جملة استعارية لأن الصم إنما يصيب الأحياء لذلك يرون كل شيء أصم بما في ذلك السماء والأرض لذلك كانت هذه الجملة إشارة للصم الذي يصيب الحياة. فعندما تتحول السماء الجميلة مصدر الحياة الضياء والجمال إلى صماء تغادر الحياة هذه الأرض إلى المجهول بل تصبح هي مجهولة ويصبح سؤال التعبة الثانية الاستهلالية (قد أبدو مجنونة لو حاولتُ البحث عن الكلمات.

لكني بحاجة سؤال:

 – هل الموت بطل؟

كيف شكله؟ ما سر بطولته؟  ما سبب ديمومته؟ هل هو طفل أم شيخ؟

 قد أبدو مجنونة فعلا لو أعدت السؤال لأن السؤال بلا نقطة.

(السطر المستقيم يبدأ من نقطة، ثم يكبر.)  هذا السؤال اللائب يجد مشروعية في حياة لائبة صماء عندما تكون الحياة صماء بلا جدوى يكون الموت بطلا يكون الموت إلها مخلصا من عذاب دائم وموجع.. هذا هو خاطب العتبة في هذه القصة لاسيما وإنها تتحدث عن امرأة صماء تعيش على هامش الحياة لا حبيب لا أنيس، الكل يمارس سلطته عليها وقهره لها الأب سلطة والأم سلطة والأخوة الذكور لهم كل شيء وهي تذوي بين حيطان جرداء وسماء صماء. وهكذا يستمر مسلسل استلاب إنسانية الإنسان لاسيما المرأة في هذه الحياة المتواصلة تفضح الاستلاب وتحول الشخصيات من الهامش إلى متن الحياة عندما تسلط عليهم ضوء السرد..

وعلى هذا النحو ترى  اشتغال العتبة في القصة الرابعة الكرسي الرابع (طووووووووووووووط لك)، ولعل هذا العنوان لا يشتغل على معنى محدد فهو ليس جملة تعنى ولا كلمة ذات معنى، إنه صوت حروف ورؤية أديب ولعل أجمل ما في هذه العتبة /العنوان الاستثمار الدلالي لهذا  لصوت القطار في سيره ووقوفه (طوطووووووووووووط لك )  صوت بالفراغ للفراغ  ليشير  إلى حياة بالفراغ فحياة فارغة كما هو الصوت ونحن ركاب في هذا القطار ولكل منا محطته إلا السائق فهو الوحيد الذي يبقى بالقطار ويكمل دورة القطار ذهابا وإيابا غير أنه في فراغ حياته من فراغ فعامر سائق القطار  مسكين لا يملك من الدنيا إلا صوت القطار كما مبين بالاستهلال  (عامر… أيها المسكين تملك كل هذا أل (طوووووووووووووط) وكرسيّ أعرج.

رصاصكَ يصوّب باتجاه البحر…. بينما الأغلفة نسيت ثيابها على الشاطئ.) فالاستهلال هذا عتبة ندائية وربما استغاثة او توجع وهي واحدة من استخدامات النداء فهذا النداء بـ (اي) المنادى هنا خرج إلى التوجع والتفجع ولعل هذه هو المدخل الدلالي الصحيح للولوج إلى عالم عامر الذي يقود القطار أو هو يقوده بدورة حياة ملؤها الفراغ واللاجدوى وبلا نقطة بداية ولا نقطة نهاية كما صوت القطار صوت في الفراغ لذلك عامر يعيش على هامش الحياة بلا أمل بلا امرأة بلا هدف بلا رعشة حب بلا أطفال …. حتى أن رصاصاته تذهب أدراج البحر أدراج الفراغ والوهم.

وما أن نخرج من قصة فراغ كرسي فارغ إلا من صوت وألم ووجع إلا وندخل في فراغ آخر لاشي في لاشي آخر فقصة الكرسي الخامس (الممحو) بدأت من عتبتها للحديث عن الهامش عن الفراغ عن ذلك وتلك الذين عاشا بلا حياة فالممحو عبارة عن(أذرعٌ وأمنياتٌ …

أذرعٌ انتفضت على ذاتها …. ومشت باتجاه الشارع..) فقط أذرع وأمنيات بلا حياة انتفض على فراغها لتسير في فراغ ا لقد التقطت الكاتبة شخصيتين معتلتين تعيشا على هامش الحياة فهو رجل / بل شيء (ينفيه العناق وأثوابه الوحيدة حين يحك جلده من وسخ الأيام. قريبون وبعيدون ينفوه… ولا يرون دموعه الممتلئة بابتسامة ودم.)  نرى أنه رجل يعيش على الهامش والطرقات وهي فتاة تعاني عاهة مرضية ومهملة من العائلة فكل شيء لا أخوتها ولها فضلات الطعام تعامل معاملة الكلب حتى هربت مع الكلب وعثر عليها الممحو فينقذها من الصبية ويسيران معا في الفراغ ممحو مع ممحوة بحثا عن حياة ممحوة لعلها تكون أفضل. واقل قسوة.

ويشير عنوان الكرسي السادس إلى (لص) ومن ثم يحدثه الراوي باستهلال قائلا (في المكان السهل..

تتربَّصُكَ الرصاصات…

أيـُّها الـلـًصُ…..

انتبه!

المدرسة عجوز بلا عكـَّـاز وبوصلة الكتاب عصارة مُرّة).

تتحدث القصة عن طفل من أسرة فقيرة فقد أباه بانفجار وأمه تعمل  في بيت مدير الشرطة / السلطة التي تآمرت  مع الإرهاب  على حياة هذه العائلة فقد جعلها تعيش الفقر والعوز  فالإرهاب قتل معيلها و مدير الشرطة هو السلطة التي تستخدم الشعب وتسرق عرقه وقوته …. أما طفل هذه العائلة فيصبح متشردا في الطرقات وأماكن القمامة وهنا يعثر على لعبة أراد أن يفرح أخته الطفلة بها غير أن السلطة / الشرطي يقمع هذه الفرحة ويتهمه بالسرقة بل بالاشتراك بخطف طفلة أخرى.. ولعل السؤال هنا يرجعنا لعتبة العنوان   من اللص الطفل / المشرد ام السلطة التي تسرق تعب إلام وتستغلها ومن جهة وتسرق فرحة الطفولة حتى بلعبة بائسة.  هذا العنوان المطلق غير المقيد بكلمة رديفة يشير إلى السلطة مطلق السلطة من كل جنس ونوع فهي سارققققققققققققققققق.

أما قصة الكرسي السابع فهي (دعاء) ودعاء اسم علم أنثوي ليحل العنوان إلى أنها حكاية فتاة /امرأة المهم إنسان يحمل في ضلوعه أنثى تتفجر..و الدعاء أيضا في البلاغة العربية هي جزء من خروج الأمر إلى غير حقيقته  اللغوية إلى صيغة بلاغية وطلب الشيء من أدني إلى أعلا وأصبح يستخدم بطلب الشيء من الله طلب مغفرة شفاء رزق وووو  المهم يحمل صيغة علائقية بين أدنى وأعلا ولعل هذا هو تفسير  العتبة الأخرى الاستهلال (أحلامنا ضبابٌ والسحابة ليست أمّ

بين هوّة الجريمة وهوّة الانتماء، هوة أخرى..

و

الصُلبان هي الصُلبان، تتنزّه في دمنا فاردة ذراعيها كفزّاعة الحقول..

هي

الفزّاعة

و

أنا الحقل.)

فهذه العتبة تشير إلى علاقة سلطة وتسلط باسم الحماية الصلبان التي تشير إلى صلب نبي الحب عيسى (ع) هي الفزاعة ولكنها ليست للحماية إنما للصلب باسم الحماية ولعل قصة (عاء) أو كرسيها أو بوحها يشير إلى ذلك صراحة فالأب الذي كان حنونا أصبح سلطة فقد شيد في داخلها فزاعة كبيرة فزاعة خوف الذي تحول إلى صلبان قتل. وهي فتاة في سن المراهقة في لحظة التوقد غير أنها لا تعرف نفسها هل أنثى أم طفلة أم لبوة فالأب باسم الحرص عليها يفرض عليها ما يشاء وينسى أنها إنسان.. ودعاء تعاني من ضعف بصر شديد ربما يصل للعمى تريد أن تتعالج وتخرج من ظلامها غير أن الأب الذي كان حنونا تحول إلى محط سلطة عندما أصبح برلمانيا مشغولا بسلطته ونفوذه. لذلك لا ترى (دعاْ ء) في أبيها إلا سلطة لا تنشغل إلا بمكاسبها ونفوذها أما هي لم يلتفت اليها وأصبح لا يشبها إلا برابطة الدم …. فكرهته وكرهت كل البرلمانيين كل السلطة. دعاء واحدة من الشعب إنسانة عادية مثابرة بل هي رمز للشعب الذي يعاني من الأمراض التي تفتك به والأمراض هنا ليست جسدية ولا العمى جسدي فيزياوي إنما هي رمزا للفقر والجهل والضيم ووووووووو

أما الأب فتحول إلى السلطة التي حولته من إنسان إلى محض سلطة وهي أيضا تهمل الناس والشعب ولا تنشغل إلا بامتيازاتها المادية والسلطوية، فقد اشتغلت هذه القصة برمزية عالية لإدانة السلطة التي تقمع الشعب وتهمله وتسرق قوته وتتحول من حامي حقيقي لمصالحة إلى فزاعة شكلية، ثم إلى صليب تصلب عليه آمال الشعب وأحلامه وتطلعاته الم تصلب أنوثة دعاء وإنسانيتها وطموحا ورؤاها بل وبصرها وبصيرتها باسم الخوف عليها؟ وألم تتحول العلاقة مع إلام من مودة ورحمة وحب إلى مجرد علاقة أكل وشرب؟ وكم الجرائم ارتكبت باسم الخوف على؟ ………………

ويستهل الكرسي رقم (8) بوحه وقصته باستهلال (يعزف وحيداً رغم استهزاء الآخرين، يفتـِّش عمـّا يـُنسي الآخرين مـا يؤلم قلوبهم.. كما أن تتبَّسم عيناه كلما رمى له عابر طريق جود اليد.. قلبه لا يخفق لنقطة سؤال فات أوانها، يخفق لأجوبة على شوارع الأزمان..) ليعرف بنفسه بأنه عزف كمان متجول يعزف بالطريق وأن مهمته زرع الفرح بين الناس وجعل قلوبهم قبل عيونهم تتراقص وفي ذلك سعادته وزقه في آن، ولعل ذلك يتسق مع عتبة العنوان المكون من جملتين مركزية وتفسيرية الأولى (رحل إلى وسطهم) أما الجملة الثانية التفسيرية (حول الحلم وصلا) لتشير إلى حلم العودة إلى الحرية إلى اليتم إلى خلاص رجل أربعيني من الحياة ومتاعبها والعودة إلى حرية اليتم والعيش مع الأيتام بعد أن كان هو أيضا يتيما تربى هناك. ولعل هذه القصة قصة عتبات بامتياز فما أن ننهي عتبة حتى نصل إلى أخرى فبعد العنوان تقرأ نصا عن صوت في المرايا صوت مع الذات لأن المرايا صورة للنفس فهو مونولوج يتحدث وبرمزية عالية عن كل علاقة تنتج طفلا

نقطة ضوء ينتظر من يعانقه يحميه ويربيه ويعلمه ووووووو

وبعد هذا الاستهلال نرى عتبة أخرى تتشكل من حروق لفظة أحرار / أيتام

فالألف لا يجد بطاقة سفر للقمة عيش والحاء يعيش وحيدا بلا أحد والراء بلا بيت بلا مكان وبلا حياة والألف الأخرى يعش بوهم الحياة والألفة،   ولعل لكل حرف قصة ربما تكون  مستقلة عن الأخرى غير أن دأب الكاتبة لتصوير حياة الناس المسحوقين والمهمشين جعلها تسلط نقط ضوء عليهم قبل أن تصل للحروف الأخير الراء وهو عبد الله الأعرج يتيم لقيط ومشوه  فقد أسرة تبنته ومن ثمً وعاش في الملجأ حتى أصبح رجلا وتزوج وأنجب غير أن اليتم يلاحقه فقد هجرته زوجته وجعلت أولاده أيتاما وكأن اليتم يلاحقه وأولاده بل سار إلى اليتم هو وأولاده مرة أخرى حتى كأنه يعود يتيما  على كبر غير أنه هذه المرة يحب يتيمة ويعزف لها وللأيتام ولعل دورة اليتم تدور على الحياة كلها حتى لا نعرف من هو اليتم الذي داخل الملجأ ام من هو خارجه الكل أيتام.

تتواصل نقاط الضوء تتساقط على  الكراسي  العرجاء ولعل نقطة الضوء المتسلطة على هذا الكرسي تتكاثف وتنتشر على الحياة كلها كي تصور مجموعة من الأشخاص على باب الله يسعون ويعملون ويبيعون ويقولون يا الله، ولا حول إلا بالله واللهم لك الحول والقوة، كما تشير  عتبة العنوان فهي إشارة إلى حياة أناس لا يملكون من الدنيا إلا (كوب بقهوة مرة) هي مرارة الحياة وتعبها من بين أكوام المرارة والتهميش تنهض شخصيات هذه القصة من السوق من الحياة أناس ينهضون صبحا ويسرحون يبيعون شاي و طماطم وخضرة وخبز وغيرها وعبد الله يجلس بالقهوة يراقب الحياة كيف يكسبون لقمة عيشهم  بالعمل مرة وبيع النفس مرة أخرى.

هكذا يتشظى ضوء هذا الكرسي كي يسلط الضوء على المجتمع بالكلمة ولعل لاستخدام الأرقام بإشارة إلى الأسماء إشارة رمزية قوية بشيء الشخصيات وتهميشهم إلا عبد الله وهو ليس اسم هنا إنما إشارة إلى كلنا عبيد الله ومن لا اسم له ينادى بعبد الله أيضا….قصة تحمل صورة حية وصادقة  وموجعة للحياة..

أما لكرسي العاشر فأمره غريب فعلا فهو (يُنضِّم السَيـْرَ وينفلتُ سَيـْره.) بهاتين الصورتين المتضادين ُتستهل هذه القصة صورة رجل ينظم  السير وأخرى انفلات السير ولا النظام صورة رجل معتل الأول والآخر فهو رجل بسيط ينظم ويتعب ويرهق ليلا ونهارا غير أن حياته غير منظمة ولا يستطيع أن يعيشها  بإنسانية فهو معتل كعلل الحروف على النحو الذي يشي به العنوان (علل المرور) وعلل من  المرور فهي  السلطة التي تمثلها سيارة الرئيس التي تسير حيث يحلو لها من دون مراقب او رقيب ولعل العنوان والاستهلال يشي بثنائية السلطة / والمجتمع كل نشئ للسلطة ولا شيء للمجتمع المعتل بعلل الحياة كلها فقد استعارة الكاتبة اعتلال الحرف للغة قناعا لاعتلال الحياة لأن اللغة إنما هي الحياة واستعارت سيارة الرئيس للسلطة التي كل  شيء فداء لها و تستحوذ على كل شيء فخامة مال دولارات ونفوذ وتسلط والمسكين شرطي المرور معتلا الأول الوسط والآخر كل شيء في حياته معتل . هي صورتان للسلطة واحدة زاهية وللمجتمع مظلمة معتلة لذلك غادر المسيح الأرض واستقبل الصلب مرتاحا كي يخلص من اختلال الدنيا واعتلالها وهذا ما يشي به العنوان متساوقا تما ما مع الاستهلال.

ويشير استهلال الكرسي الحادي عشر إلى العربدة والاستهتار ويبدأ بـ(خذ نصف زجاجة عرَق وقل:  – هء هء هء،،تف.) العرق هنا ليس مشروبا للمتعة ولا للسكر العادي إنما لغياب العقل حتى العربدة لذلك نرى التحذير بدخول كافة الأبواب إلا روضة الأطفال وتتضح الدلالة أكثر من لفظة (خبز الأطفال) والتي لا دلالة لها سوى الموت البشع تفجيرا وقتلا وحرقا وهذا ما حدث للطفلة (سمر) التي تحمل معنى الجمال واللطف والدعة كما يصفها الراوي بأنها لطيفة مهذبة وذكية كأنها الحياة بأجمل صورها سُرقت بلحظة عربد الموت ودخل روضة الأطفال يبقى سوى رؤوس متناثرة مشوهة …

هذه القصة إدانة كبرى للثقافة الموت والقتل لاسيما عندما تكون بلا تميز ولا تعرف العدو من الصديق الطفل من الكبير تصبح عربدة كبرى وقتل مجاني للحياة وكأننا بصراع بين ثقافة الموت وثقافة الحياة / سمر شهيدة هذه الثقافة وشاهدة ثقافة الموت…..

أما الكرسي الأخير فقد خصص لشخصية على الهامش وفي القاع أيضا فلا اسم لها ولا ملامح وبل لا صوت إلا (خنَ) فقد اختارت الكاتبة لها رقم هو عنوان هذه القصة وعتبتها وليته أي رقم هو (13) الرقم المشئوم في ثقافة الشعوب منذ صلب السيد المسيح إلى الآن ومن الشؤم أيضا أن يتحدث الاستهلال عن الخيانة مرة (هل سيخونه ظلُّه؟) وعن الانتحار مرة أخرى (ضغطت حوريّة على الزناد وحرقت الورد..  انتحر الزهر وبقيت شجرة عارية على شكل حبيبة) يسلط الضوء على متن القصة التي تبدأ في ذات عيد ياتي الـ 13 ويختلي بأخيه الذي يعطف عليه هذه المرة، ويسلبه ثيابا نظيفة غير أنه يذهب معه إلى مكان لا يعرف الراوي / الابن إلا بعد حين إذ عرف أنهما ذهبا للمقبرة هل لزيارة قبر حورية أم دفنها؟ لا أحد يعلم ومن حورية؟ من يسأل عنها يقال له اطلب لها الرحمة. لقد ماتت أو نحرت أو انتحرت كما يقول الاستهلال لا يهم ما يهم هنا أن حياة الـ 13 هي التي سلبت وشخصية مسخت وصوته انتهى إلا من خنة، لا شيء سوى نهاية الحياة فحورية هي الحياة بجمالها وزهورها التي حرقت، ولم يبق إلا أغصان جرداء  في الاستهلال ولعل سر  الدلالة يكمن في  النهاية عندما تنتهي  حورية تحرق الزهور وحينما تنتهي الحرية / حورية تنتهي الحياة حينما ينتهي الصوت الكلام والرأي  تنهي الحياة فنهاية صوت الـ 13 وانتحار حورية / الحرية وحرق الإزهار يعني نهاية الحياة ….

وختاما أقول أن هذه القراءة المتواضعة قد حاولت أن تدرس عتبات هذا النص المميز بعتباته وآلية اشتغالها السردية والدلالية والجمالية لاسيما أن هذا النص تحولت عتباته إلى نصوص موازية للنص الأصلي تشي بالكثير مما يعمق الدلالة وينوعها ويثريها و ..

إن ما ذكر آنفا ما هو إلا مقاربة أولى على أن هذه المجموعة تقترح الكثير من الأسئلة والدراسات اللاحقة من رؤية أنثوية للمجتمع وبنى فنية وآليات تلقي نصية وبنى سوسيو نصية وأيديولوجية وشعرية سرد وحكي ولغة قص…. الخخخخخخخخخ

……………….. ***** ……………….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here