شقاء زينب: قصة قصيرة

Vol. No. 2, Issue No.1 - January-March 2022, ISSN: 2582-9254

0
458

شقاء زينب

قصة قصيرة

بقلم: د. تجمل حق

أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية، كلية مهيتوش نندي (التابعة لجامعة كلكتا)، هوغلي، بنغال الغربية، الهند.

tajammulhaqjnu@gmail.com

———————————-

وسط طبيعة غناء خلابة ولدت زينب في أسرة ثرية، حيث كان أبوها عين الحق من وجهاء القرية، ويملك اثني عشر فداناً من الأراضي الزراعية، تتكون أسرتها من خمس بنات وتسعة أبناء، يكبرها شقيقاها عبد الله ونعمة الله، وشاء القدر أن تكون زينب ذات بشرة داكنة، إلا أن والداها وأسرتها فرحوا بميلادها بعد غلامين، وجاء أهل القرية إلى بيتها لتهنئة أبويها عين الحق ورحيمة بولادة ابنتهما، وحتى إمام مسجد القرية من ضمنهم، وقال بهذه المناسبة: “إن البنت نعمة من الله، من أوتي بها فقد أوتي خيرا كثيرا”. ثم ذكر بعض الأحاديث النبوية في فضل تربية البنات.

نشأت وشبّت الفتاة زينب في رفاهية ورغد من العيش بمعية أخواتها وإخوتها، ولمّا بلغت الرابعة عشرة من عمرها، بدأ أبوها يفكر في تزويجها، كما جرت العادة والتقاليد في القرية، التي تحتم الزواج المبكر للبنات خشية الفتنة، ولم تكن زينب ترغب في الزواج لصغر سنها أولا، ولامتلاكها طموحات أخرى وللحصول على الشهادات الدراسية العليا لكن هيهات هيهات، فهي لم تحظ إلا بالقليل من التعليم، فقد درست في كُتّاب المسجد، وتعلّمت قراءة القرآن الكريم وأبجديات اللغة الأردية بطريقة مكسّرة فقط، لأنه غير مسموح للفتيات في قريتها الذهاب بعيدا للدراسة.

 لذلك كانت تقوم بأعمال البيت والمطبخ بإيعاز من نساء القرية اللاتي يملين عليها وعلى فتيات القرية بأن مهارة الطهي والتفاني في أعمال البيت ليصبحن زوجات صالحات تغني عن التعليم.

         أدركت زينب في قرارة نفسها مدى أهمية التعليم في الصغر ولكن ما باليد من حيلة، فقد كانت ترى إخوانها يذهبون إلى المدن الكبيرة في الهند لطلب العلم والرقي بمستواهم العلمي، فيما بقيت حبيسة الجدران تترقب فارس أحلامها  وتعلق عليه كل آمالها كما هي حالة معظم فتيات القرى الهندية، وبما أنها سوداء البشرة وقبيحة حسب العرف السائد هناك، ما جعل الخطاب ينفرون من التقدم لطلب يدها للزواج، وبدأت العائلات الفقيرة تتهامس فيما بينها وتبدي رغبة في خطبتها طمعاً في مال أبيها، ولم تجرؤ تلك العائلات فعل ذلك إلا بتوسيط إمام المسجد، فذهب إلى بيت زينب، وتحدث مع عين الحق بخصوص زواجها لأحد شبان القرية الفقراء، لكنه رفض رفضا باتا وقال: “لا تصلح ابنتي لهذه الأسر المعدمة، فحياتها ستتحول إلى جحيم، وكيف لي أن ألقي ابنتي إلى التهلكة؟”.

كانت الهموم تساور أم زينب كل حين وآن وتدعو في صلواتها بأن ييسر أمر زواج زينب، وفكرت السيدة رحيمة باعتبارها أما قلقة على زواج ابنتها، وتلوم شباب هذه الأيام الذين يعتبرون بياض البشرة وحده معيارا للجمال عند البنات، وهي تتساءل هل تمجيد بياض لون البشرة من مخلفات الاستعمار الإنجليزي الذي دام قرنين في الهند؟ وتارة تتذكر أقاويل نساء الحي: “البنت ثقيلة في بيت أبيها، بيتها الحقيقي هو بيت زوجها…”، وبينما الأفكار تأخذها يمينا وشمالا وهي غارقة في التفكير، إذ طرأت على بالها فكرة عرض تزويج زينب من سائقها عبد الجبار الذي يعمل في بيتها منذ عشر سنوات، ويعتني بأمور الحقل والزراعة معا، وأسرته كلها تعمل لديهم في موسم الحصاد.

تجاسرت أم زينب على التحدث مع أم سائقها عبد الجبار عن الزواج، فرضيت دون تفكير، وربما كان ذلك طمعاً في مالها، كان السائق عبد الجبار غلاما يافعا يعمل عندهم منذ نعومة أظافره، ولا يتقن عملاً سوى سياقة المحراث الآلي التي تعلمها من أبيه، لقد كان ولداً ريفيا وبسيطا جدا، لا يعرف المدن الكبرى أو الحياة المدنية، نحيفاً وساذجا إلى حد ما، أهل القرية يسخرون من شكله: “إنه يتمايل بهبوب الرياح، فكيف يتحكم في مقود المحراث الآلي؟”.

أخيرا تزوج عبد الجبار من زينب تنفيذاً لرغبة أسرتها، وفي بداية زواجهما كانت حياتهما هادئة لسنوات لأن أبا زينب كان يغدق عليهما بالمال، وبعد عامين من زواجهما، أنجبت زينب توأمين، وكانت ولودة كأمها، ففي غضون عشر سنوات، أصبحت أما لخمس بنات وولدين.

في هذه الأثناء، ترك زوجها عبد الجبار السياقة في بيت أبيها بعد أن أغضبه بعض الفتيان قائلين: “إنه يقتات مما يتصدق به صهره عليه لأنه من أغنياء القرية”، لذا بعدها ترك وظيفته متذمرا، وبدأ يعمل لدى دهقان القرية السيد طاهر حسين، وشق عليه إدارة البيت وتغطية مصاريفه خصوصا وقد كثر أولادهم، أما البائسة زينب فتطلب حاجيات البيت من أمها سرا، وهي بدورها تساعدها دون علم أحد سوى زوجها. وبما أن عبد الجبار كان سائقا تعرف على بعض الشبان السيئين، وأصبح له رفقاء سوء يشربون الخمر، وبدأ يشرب الخمر معهم، ما زاد من بؤس وشقاء زينب، زوجها يعود إليها سكراناً، ويشتمها لأتفه الأسباب، ويضربها أحيانا، لكنها لم تشتك لأي كان هذه الحوادث المؤلمة في حياتها.

في إحدى الليالي من العربدة والسكر مع رفقاء السوء، دخل عليها مخمورا وضربها عبد الجبار ضربا مبرحا حتى سمع الجيران، وذاع الخبر على إثرها، وجاء والد زينب إلى بيتها ليتحقق، حينها أنب زوجها عبد الجبار على فعلته الشنعاء، لكنه لم يعد ولدا خنوعا كالسابق، ورفع صوته على سيده السابق، وصاح في وجهه قائلا: “لا أحتاج إلى ابنتك التافهة، إن شئت، خذها إلى بيتك”.

ذهل عين الحق بعد أن رأى جرأة عبد الجبار وغطرسته، ففار غضبه وثار، ولكن أهل القرية هدأوه وقالوا له: في الصلح خير، انظر الى مستقبل ابنتك وأطفالها”. وتصالح معه على مضض، وأوصى ابنته زينب بالخير، وغادر من عندها محملا بالهموم.

بعد مضي أيام على الحادثة، فُصل عبد الجبار عن وظيفته الجديدة في بيت دهقان القرية بسبب سلوكه العنيف وتصرفاته الطائشة، فاتجه إلى دلهي ليكسب قوته، براتب أكبر مما كان يتلقاه في القرية، إلا أنه مازال غير كافيا لعائلته، فكانت زينب تسد حوائج البيت بمشقة بالغة، ومما زاد الطين بلة هو موت أمها إثر نوبة قلبية، وبذلك، فقدت زينب قوامها الأكبر في حياتها، وتزوج أبوها ثانية من فتاة شابة تدعى زبيدة، والتي قطعت عليها كل الهدايا والإعانات من بيت والدها لها، فكان يساعدها أبوها سرا خشية من زوجته الثانية.

رجع عبد الجبار إلى بيته بعد قضاء سنتين في دلهي كعامل مهاجر، ورأى أن زينب لا تجد مساعدة كافية من بيتها بعد وفاة أمها، وبلغت ابنتاه إلى سن الزواج، ولذا طلب من والد زينب عين الحق مبلغا كبيرا من المال ليزوج به ابنتيه، فرضي بإعطاء مبلغ زهيد، ولم يعطه المبلغ المطلوب. فثارت ثائرته وعاد إلى بيته غاضبا، وبدأ الجدال مع زينب، وانهال عليها شتما وضربا، وفي فورة الغضب، طلقها ثلاث مرات، وأخرجها مع أولادها من بيته، فذهبت بهم إلى بيت أبيها، حيث جعلتها زبيدة زوجة أبيها الثانية خادمة للبيت، وعاملتها وأولادها معاملة السيد مع عبيده.

في هذه الأثناء، رجع أخوها الأكبر عبد الله من السعودية حيث كان يدرس في الماجستير في قسم اللغة العربية وآدابها، وأسس مدرسة كبيرة لتعليم البنات في القرية بتبرعات جمعها من داخل الهند وخارجها، وقد رأى عبد الله حال أختها المنكوبة في رعاية زوجة أبيها الظالمة، فأشفق عليها وعلى أطفالها الذين أصبحوا كاليتامى رغم وجود والدهم الذي خذلهم، فجاء بهم إلى بيته الكبير، وسكنوا في بيته في راحة وطمأنينة بعد مدة طويلة، وبينما هم كذلك، إذ قالت زوجة عبد الله في اليوم العاشر من مجيئها: “يا زينب! إلى متى ستسكنين هنا مع أولادك؟”. يحسن بك أن تساعدي أخاك في إدارة المدرسة” فرحت زينب كثيرا ظنا منها أنها وجدت وظيفة!!! ولكن اكتشفت فيما بعد أن عليها العمل في مطبخ المدرسة كعاملة بسيطة لقاء إشباع جوعها فقط ومن دون راتب، وأطفالها سيكونون خدما في بيت أخيه والمدرسة…

……………….. *****……………….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here