رواية الخيال العلميّ بين فلسفة العتبات النّصيّة والتّواصليّة الاجتماعيّة رواية ( أعشقني ) لسناء الشعلان مثالاً

Vol. No. 1, Issue No. 3 (Special Issue) - July-September 2021, ISSN: 2582-9254

0
65
رواية الخيال العلميّ بين فلسفة العتبات النّصيّة والتّواصليّة الاجتماعيّة رواية ( أعشقني ) لسناء الشعلان مثالاً 

بقلم

أ. د. عواد كاظم الغزي 
جامعة ذي قار / العراق

————————————-

اتّسع مفهوم النّص في العصر الحديث بعد الإمساك بالعلاقات التي تربط بين أجزائه،  وكشف النّقد الحديث عن الجدل الدّائر بين طبقات النّص ومكوناته الدّاخليّة والمحيطة؛ فقد تبنى كلود دوشي،  وجود ديو،  وفايب لوجان،  وم.   مارتان بالتار البحث في حواشي النّص وأهدابه،  وكلّ ما يتحكّم بفعل القراءة حتى استوت جهودهم نظريّة على يد ( جيرار جينيت ) في مشروعه النّقديّ (معمار النّص 1979)،  و ( المــدخل إلـى جامع النّص)،  انتقل فيه من شعريّة النّص إلى شعريّة المناص في كتابه (عتبات 1987)،  إذ جعل العتبات ملحقات نصّيّة على قسمين نطؤها قبل ولوج النّص،  ويتقاسمها (مناص النّاشر)،  ويكتنف المناص النّشريّ المحيط والفوقيّ الخاصّ بالإشهار،  وجلادة الغلاف والحجم والسّلسلة،  (ومناص المؤلّف)،  ويقوم على النّص التّأليفيّ المحيط،  والنّصّ التّأليفيّ الفوقيّ.

    ويرى النّقاد الغربيون إن العتبات تسهم في ضخ طاقة سردية كثيفة تعمل على تغذية انتظار القارئ قبل ولوجه عالم النص،   ولكل عتبة وظيفة،   ولايمكن أن تكــون بريئة في تركيبها إذ تتكلف بوظيفة التعيين الجنسي للنص،   وتحديد مضمونه وقصديته،   وتؤدي بالقارئ إلى العبور خارج النص،   ووظيفة تسمية النص،   والإخبار عنه.

    وتعد رواية ( أعشقني ) للروائية سناء الشعلان إحدى روايات الخيال العلمي ّإذ تستبطن الرواية كثيرا من العتبات النصية الخارجية والداخلية،   الإشارية والنصية،   بل إن الروائية قد تميل إلى تكرير بعض العتبات مع تغير مضامينها،   ومن ثم فإنها جعلت الرواية في ثمانية فصول،   تتصدر كل فصل عتبة نصية تؤدي وظيفة العنوان من جهة،   ووظيفة الإحالة على الخيال من جهة أخرى،   فكانت العنوانات الفرعية تهيمن على أبعاد ثمانية،   ولاريب أن تتفرع تلك العنوانات إلى عنوانات داخلية،   ونحاول في هذه الدراسة أن نكشف عن البعد الدلالي للعتبات وأثره في تشكيل الصوغ السردي زمانيا ومكانيا،   وماهي العلاقة النصية الرابطة بين التشجير العنواني للرواية،   وأهمية العتبات في الاستدلال على العنوان والولوج بوساطته إلى المتن السردي الروائي.

 البحث: اتسع مفهوم النص في الدراسات الحديثة،   وصار النص معمارا تتراتب فيه البنية،   وتتماسك أجزاؤها،   وتتشكل الدلالة النهائية في كلية المتن،   إذ توسع مفهوم النص (( بعد الوعي والتعرف على كل جزئيات النص،   والامساك بالعلاقات التي تربط بين النصوص مع بعضها بعض )) (1)،   ولما كانت الدلالة تستدعى من كلية النص فقد أصبح لزاما على النقاد استجلاء العلاقة بين داخل النص ومحيطة الخارجي،   ذلك أن (( حدود كتاب من الكتب ليست واضحة بما فيه الكفاية،   وغير متميزة بدقة،   فخلف العنوان،   والأسطر الأولى،   والكلمات الأخيرة،   وخلف بنيته الداخلية،   وشكله الذي يضفي عليه نوعا من الاستدلالية والتميز،   ثمة منظومة من الاحالات إلى كتب ونصوص،   وجمل أخرى )) (2).

     ولاشك في أن احالات النص إلى محيطه يجعل من المحيط على درجة واحدة من الأهمية في البناء إذ صار مفهوم العتبة تدريجيا مكونا نصيا بنائيا له خصائص ووظائف (3)،   وعدت متعاليات نصية تشكل معمار النص على يد جيرار جينيت الذي يعد رائد النقد الموجه للنصوص المحيطة،   فقد قسم هاتيك العلاقات عبر النصية على خمسة أقسام،   أولها التناصية ويراد بها حضور نص في داخل نص آخر (4)،   وثانيها النصية المحاذية أو المناص ويشمل على (العنوان،   والعنوان التحتي،   والمقدمات،   واسم الكاتب،   والتذييلات،   والتنبيهات،   والحواشي )،   وأما ثالث الأقسام فهو النصية الواصفة أو الميتناص الذي يتحقق عبر العلاقة الرابطة بين نصين،   ويسمى تعليقا،   والقسم الرابع هو النصية الفوقية التي تتبلور في علاقة نص لاحق بنص سابق عليه،   ومن ثم القسم الخامس الذي تجسده النصية الشاملة أو معمارية النص التي تتحقق غالبا في النوع الواحد شعرا أو مسرحية أو رواية (5)

    ولاشك في أن تلك العلاقات تقيم شبكة رامزة مابين النص وما حوله،   وتربط سياقاته بدلالة واشية بأن (( مايقدمه النص من عتبات نصية،   أو مفاتيح تأويلية رامزة قد تبدأ بالعنوان،   وتمضي إلى المقدمات والأشكال والمقبوسات،   وغيرها،   مما يقتضي فحصه ومتابعة أثره،   وعلى المؤول أن يعترف بأن ثمة سياقا تأويليا،   مثلما أن هناك سياقا تأريخيا ونفسيا وسياسيا لكل نص )) (6).

    وبذلك فإن أي نص لايمكن أن يكون مفارقا للمصاحبات اللفظية،   ومايحيط به ويعمل على انتاج معناه ودلالته،   مما خلق مناصا يوازي شعرية النص،   وقد قسمت تلك المناصات على نوعين،   أولهما المناص النشري أو الافتتاحي ( مناص الناشر ) ويضم المناص النشري المحيط والفوقي الخاص بالإشهار ( الغلاف،   وكلمة الناشر،   والإشهار،   وجلادة الغلاف،   والحجم،   والسلسلة )،   وهي من مهام الناشر , وأما القسم الثاني فهو مناص المؤلف،   ويضم النص التأليفي المحيط،   والنص التأليفي الفوقي،   وتلك النصوص ترتبط بالمؤلف مباشرة (7).

   وصار لزاما على القراءة النقدية أن تأخذ بتلك العتبات،   لأنها جسور يصل بها المتلقي إلى بؤرة النص،   ويمكن لها أن تحفزه على القراءة بنحو أفضل،   إذ يقتضي الدخول إلى عالم المؤلف الاعتبار بحزمة (( من الطقوس ومجاوزة عدد من المنافذ،   كالعنوان الفوقي،   والعنوان التحتي،   والتوطئة،   والاهداء. . . . . . . . .  الخ،   ولاتكون العودة إلى عالم الواقع إلا بعبور المخارج كالملاحق وغيرها من النصوص التي تذيل الكتاب )) (8).

    ولايمكن للمتلقي أن يتجاوز تلك العتبات،   ذلك أنها (( تضخ طاقة سردية كثيفة،   وخصبة من طبقات متن النص،   وتعمل على تغذية وامداد أفق انتظار القارئ قبل ولوجه عالم النص المتخيل برؤية مسبقة )) (9).

     إن صيرورة العتبات لازمة قرائية واجراء في أفق القراءة،   كلفها بوظائف نصية وقرائية،   وقف عندها النقد الحديث،   واستظهر احالاتها المرجعية،   فكل عتبة (( تحمل دلالة ما،   أو تضطلع بوظيفة من الوظائف،   ولايمكن أن تكون بريئة من وضعها وتركيبها مادام يتعين عليها أن تواجه بياض الصــفحة الأولى،   وتعمل على تخفيف حدة التوتر الذي يعتري القارئ )) (10)،   وكما أنها تؤدي وظيفة تواصلية بوصفها (( تمكن النص من الانفتاح على أبعاد دلالية تغني التركيب العام للنص الروائي،   وأشكال كتابتها،   بيد أن عتبات النص لايمكنها أن تكتسب أهميتها بمعزل عن طبيعة الخصوصية النصية،   وبمعزل عن تصورات الكاتب للكتابة،   واختياراتها التصنيفية )) (11).

    وقــد حاول الــنقد الحديث أسلبة وظائف العتبات،   وتقنينها بدلالات محددة،   واختزالها بأنساق محدودة،   فهي إما أن تكون ذا وظيفة تعيينية تجنيسية للنص،   إذ تحدد جنس الكتابة بين الأنواع الأدبية،   الرواية والقصة والشعر وغيرها،   وإما أن تكون ذات وظيفة تحدد مضمون النص وقصديته،   وغاية المؤلف منه بوساطة ربطها بالغلاف والعناوين الداخلية والخطاب النقدي،   أو قد تكون العتبة ذات وظيفة تساعد القارئ على العبور من خارج النص إلى داخله،   أي من اللانص أو الواقع الخارجي إلى النص بوصفه لحظة تخييل،   وتشكل وظيفة تسمية النص ثيمة مهمة في وظائف العتبات،   ذلك أن العنوان عتبة أساسية،   ونصا مصغرا داخل نص كبير يحيل على اسم المؤلف،   وقد تتكلف العتبات بالاخبار عن اسم المؤلف،   ودار النشر،   وتاريخ النشر،   أو ثيمة قرائية أخرى،   ومعنى آخر (12).

   ولكننا لانعدم أن نــجد وظائف أخرى للعتبات تتمحور في الوظيفة الجمالية،   والوظيفة التداولية،   إذ تسهم الوظيفتان في اظهار جمالية الاشهار التأليفي،   واستمالة القارئ (13)،   ولاريب في أن تكون بعض مسلمات التأليف عتبة ذات صلة سردية بالنص،   فالخاتمة عتبة تتعالق بأفق القراءة مضمونيا ودلاليا،   وتؤدي مهمة جمالية تظل واشية بمضمون الكتاب،   وخلاصة أفكاره ( 14).

    وسنحاول في هذه الدراسة الوقوف عند العتبات النصية في رواية (أعشقني ) للروائية سناء الشعلان ،   إذ تعد من روايات الخيال العلمي،   وإن كانت سردية الخيال العلمي في الرواية غير مهيمنة على كلية متنها،   ولكن التجنيس الحديث أدلج الرواية ضمن متون الخيال العلمي،   ومن ثم استكناه الخيط الرابط بين مضامين الخيال العلمي والرؤية الذاتية للكاتبة،   ومحاولتها الطوفان فوق الواقع وتقديم السرد برؤية فلسفية،   وقد حشدت لذلك تفريعات فصلية،   واستهلال وحملت العتبات بحمولة دلالية تتواصل فيها مع الواقع المجتمعي من جهة،   والخيال العلمي من جهة أخرى،   ونحاول استظهار وظائف العتبات النصية النشرية والتأليفية ( المحيطة والفوقية ) التي تتمحور في الغلاف بوساطة الصورة واللون وعتبة التجنيس،   وعتبة النشر،   وعتبة الحوارات،   وعتبة الشهادات،   ومن ثم العتبات التأليفية المحيطة التي انتجها المؤلف من اسم وعنوان،   وتصدير،   واستهلال،   وخاتمة.

     إن الغلاف يعد الثيمة الأولى التي تستميل المتلقي نحو المتن،   فهو دال بصري للوهلة الأولى بعد أن تجاوز ظهوره الكلاسيكي صوب ظهوره البصري الدال على (( مقاربة النص من حيث المبنى والفحوى والمنظور،   لانه يشكل فضاء بصريا ودلاليا (15)،   ولفضل مايحمله الغلاف من رموز وعلامات وايقونات تؤدي وظيفة افتتاح الفضاء الورقي،   وتشكل مظهر الكتاب الخارجي (16)،   واخضعت تلك الوظائف للنظريات الحديثة،   ولاسيما السيمياء والتلقي،   وصيرورتها علامات قرائية (17).

    ويشي استقراء رواية  (أعشقني ) بوفرة العتبات النصية فيها ابتداء من الغلاف (( إذ وضعت فيها الكاتبة صورتها الشخصية بزينتها الرومانسية الصارخة عبــر اللــون الأحمــر النائــب الظاهــر عــن العاطــفة،   والصــورة الشخصية تدشن المعنى بقافلة ذاتية أنثوية تستدرج الآخر منذ البدء)) (18)،   ولاشك في أن ظهور الروائية بصورتها الشخصية الجميلة،   ومن خلفها الظل بعيدا عن الترميز يعطي الرؤية السيميائية دلالة جديدة تقوم على الذاتية الممهورة بالغموض،   ويمكن لأول العتبات النشرية ( الغلاف ) أن يكون دالا نصيا على المتن،   ذلك أن (( لوحة الغلاف تشكل جزءا مهما من نسيج الرواية ذاته )) (19)،   فقد كانت الصورة الشخصية للكاتبة مكتفية باتجاه النظر صوب المتلقي،   ومتخذة من اللون الأحمر فضاء للصورة،   وما تحيل عليه في أهمية ماسيأتي،   وما ستقول،   فتحشد القارئ للقــادم من السرد،   وتعلن خطورة المقروء،   ومخالفته النسق السائد،   وأما اتجاه النظر صوب القارئ،   فإنه يحيل على التقابل والتحدي والانتباه،   ومن ثم الاحالة على أنني أعي ماأقول،   فتشابه (( الصورة بموضوعها الواقعي يجعل في الإمكان قراءة الصورة،   أو فك رموزها قراءة تستفيد هي نفسها من الأسس التي تدخل في قراءة الموضوع نفسه )) (20) ،   فالذاتية تهيمن على فضاء الغلاف (( ولاسيما أن العنوان يدعم الواجهة عبر الجملة الفعلية الذاتية،   حتـى يجــد القارئ نفسه أمام عتبة فنية ديناميكية تختزل الذات فقط )) (21)،   مما يخلق تواصلا نسقيا بين الظهور الذاتي الاجتماعي للكاتبة والملفوظ الفعلي المكتنف بـ صيغة الأمر،   فتتواصل الدلالة في الاحالة على المعشوق،   وتغدو الكاتبة هي الفاعل في ثيمة الطلب ( أعشقني )،   والذات هي الناطقة بفعل العشق (( فعندما شرعت الكاتبة بهذه العنونة جعلت القارئ يبحث عن الهدف من الصيغة الفعلية المضارعة التي تكتنف فيها القول ليعود إلى الذات نفسها لتنبئ عن النرجسية الفردية )) (22).

   ويتصل هاتيك البوح الذاتي بالخيال العلمي عبر مفارقة موت جسد بطل الرواية ( باسل المهري )،   قائد حكومة مجرة التبانة،   ولم يتبق منه إلا العقل،   تزامنا مع موت البطلة ( شمس )،   مما دفع حكومة البطل إلى نقل عقله إلى جسد (شمس ) المعارضة لحكومة درب التبانة بعد أن فارقت الحياة تحت التعذيب،   وتأخذ المفارقة بعدا تضاديا في تماهي عقل البطل بجسد الأنثى عبر ثنائية الحاكم / المعارض،   وثنائية الفكر / الانتماء عبر حاكم مجرة التبانة الملحدة،   والمتبنية للحداثة الرافضة للتقليد،   وحاملة التراث العقائدي،   وزعامتها الوطنية،   وصفتها النبوية،   وهو صراع ثنائي فكري بين الحداثة الملحدة والسلفية العقائدية،   ومن ثم يتواشج هذا الفعل في العتبات دلاليا مع عتبات أخرى أثبتتها الكاتبة صراحة،   وخلقت لها شخــصية مغــيبة هــي شخصــية خــالد الــذي يرتــبط وجــوديــا بالبــطلــة ( شمس )،   (( خالد ليس خيالا،   بل هو حقيقة،   ولا يمكن أن يكون إلا حقيقة سناء )) (23)،   وأيضا (( خالد وأسئلة الانتظار. . . .   إلى متى تظل صامتا ياخالد،   وأظل ألعب معك لعبة التخفي ؟ متى يعرف الجميع إنك حقيقة نابضة بالإحساس والجمال،   والتلفت،   والثورة،   والصخب اللذيذ ؟ متى يرون ملامحك النبيلة ؟ ويسمعون كلماتك الندية ؟. . . . . .   متى أقول للجميع إنك حقيقة راسخة في زمــن الردة والريبة ؟ متى تعود بمواسم الفرح والحب،   وجــــنى الحقــيقــة الســابحة فــي الأزل ؟ خالــد أنتــظرك. . . . . .   شــمس وسنــاء )) (24 ).

     وما من شك في أن الكاتبــة استثمرت الخيـال العلمي المغيب لشخصية ( خالد )،   وأحدثت مقابلة بين ( خالد ) و ( شمس )،   أي بين انبعاث الحياة والوجود الخيالي،   وربطت الكاتبة بين ذاتها والوجود الخيالي قبالة انبعاث الحياة،   فاسهم ( كاف المفعول به في انتظرك ) بمرور الدلالة الاجتماعية من صورة الكاتبة في الغـــلاف عبــر الفــعل ( أعشقني ) إلى التــماهي مع ( شمس ) في الانتظار،   ومن ثم الطوفان عبر الخيال العلمي برفضها الخراب الألكتروني البشع،   وصيرورتها نبية هذا العصر الألكتروني المقيت،   وتقدم الكاتبة تواصلا اجتماعيا يتجسد في صيرورة البعد الخامس ( الحب والعاطفة ) شفرة الحياة.

    وينصهر في ذلك الواقع والخيال العلمي والأدبي عبر ثيمة نوعية الملكية الفردية للملف،   فأبطال الملف شمس،   وسناء،   وخالد،   والأم نبية البعد الخامس،   ومانحة الحب والعطاء،   وحاملة راية الحب الخالد (25)،   ولكن الكاتبة لاتضع القارئ في دوامة،   فعتبة التجنيس كفيلة بالالماح إلى ماهو في صدده،   إذ تقع عينا القارئ في صورة الغلاف على عتبة التجنيس التي تستدرجه إلى نوعية الأدب المقبل عليه،   ويولد حلقة تواصلية تداولية،   فتكمن دلالة التجنيس في الإخبار عن نوعية العمل الأدبي بوساطة التواثق بين الكاتبة والقارئ،   وتمهد الكاتبة لديمومة الصلة مع المتلقي،   فتقيم جسور الثقة،   إذ يمكن للمتلقي في هاتيك العتبة معرفة منتج الكتاب،   وناشره،   ومموله،   وتحديد أهمية الرواية،   فهي عتبة إشهارية ( 26 )،   إذ تضمنت تلك العتبة صدور الرواية في بلد إقامة الكاتبة،   وكما تضمنت توثيق آلية النشر والطباعة،   وتقيدها في سجلات رسمية،   فضلا عن المتداخلين وعنواناتهم في تصميم العتبات النشرية ( 27 ).

    ومن ثم تأتي عتبة التصدير لتؤدي مؤازرة ثانية بين متن الرواية بوصفها رواية خيال علمي،   والثيمة الاجتماعية،   وهي عتبة ملحقة بالنص إذ تتصدره وتكــون أول صفــحة مــن النص تلي الإهداء،   وتسبق الاستهلال ( 28 )،   ويتمظهر التصدير في شكل من أشكال التناص إذ تقتبس الكاتبة نصوصا مقتطعة من سياقها الأصلي،   فتحيل على ثقافة الانتقاء وموسوعية القراءة،   وتمتد تلك الصلة الاجتماعية بين التصدير لــ ( كاميل فلا ماريوم )،   واردافه بمــقولات بطــلي الــرواية ( شــمس،   وحالد ) ( 29 ).

    وأما عتبة المحتويات فقد تضمنت تقسيمات الفصول،   وأرقام صفحاتها من دون ذكر العتبة ( عنوان الفصل )،   وفي ذلك قصدية تأليفية تحيل على أن مصطلح الفصل لن يكون حاملا لفكرة المتن،   فالعتبة العنوانية للفصول  في المتن بكرا على القارئ،   وعلى المتلقي تأويل أبعادها (30 ).

    وتشي عتبة الاستهلال بأن ماسيقال هو ميتا سرد اختمر في خيال الكاتبة يدور حول البعد الخامس ( الحب )،   وأثر النبية العاشقة فيه،   وقد ربطت الكاتبة بين الحب والخراب الإلكتروني،   والجمال والنظريات النفسية،   والفـكر الصــوفي والإيماني والتبشيري ( 31)،   ويتصل هذا البعد الاجتماعي،   وفكرة الخيال العلمي بالذات عبر ملكية الملف السري  وتأريخه ( 3010 ) وبــعده الخامــس،   وحــزمته الضــوئية المــكتوبة،   وملكــيته الشــخصيــة ( س / س / خ للعام 3010 )،   ومصادر حسابه في شبكة المخابرات المركزية لمجرة درب التبانة،   ومرفقات الملف السري تلك الزهــرة الجميلة البرية المجففة ومجهولة الفائدة،   أو التفاصيل،   أو العرض ( 32 ) .

   ومن ثم تتوزع المتن الروائي سردية عتبات عنونة الفصول،   فيعلن الفصل الأول الذي بدا محمولا مجهولا في عتبة المحتويات عنوانه التواصلي المحمل ببعد دلالة الأدب الخيالي عن (( البعد الأول : الطول في امتداد جسدها تسكن آمالي كلها،   ويغفو بدعة طوق نجاتي )) ( 33 ) الذي يحيل على جسد (( زعيمة مرموقة في حزب الحياة الممنوع والمعارض،   ويذكــرون إنها كاتبة مشهورة،   كما يقولون عنها الكثير من الأشياء الأخرى. . . . .   لاشك في أن حروبي الطويلة مع المعارضين والمثقفين عبر المجرة قد سرقتني حتى من معرفة هذه المرأة التي يقال إنها مشهورة بلقب النبية )) (34 ).

   ويأتي الفصل الثاني في المتن حاملا للبعد الثاني (( البعد الثاني : ثمة مفاهيم جديدة ونظريات نسبية أخرى للزمن عندما يتعلق الأمر باحتلال جسدها،   وأنا محتل آثم )) ( 35 )،   وتتمحور تلك النظريات حول عالم افتراضي،   وخيالي علمي،   فبطل الرواية باسل المهري يشبه نفسه برائد فضاء (( بغرور يتقنه،   وهو من صميم طبعه ــ برائد الفضاء المشهور نيل آرمسترونج ــ الرجل الأول الذي وطأ سطح القمر قبل أكثر من ألف وخمسمائة عام. . . . . . . .   وهو يتخيل مقدار فخره بعمليته النادرة التي أشرعت الطب البشري على أبواب جديدة ))  (36 ).

    ويليهما البعد الثالث في الفصل الثالث (( البعد الثالث : الارتفاع جسدها الصغير النحيل هو أقرب مسافة لنفسي نحو الألم )) (37 ) ،   وفيه يتبنى بطل الرواية باسل المهري الوثيقة الرسمية الجديدة (( لاوهذه وثيقتك الجديدة،   أنت منذ الآن باسل المهري يبعث من جديد في جسد آخر،   سأل بحزن مداهم لايعرف له معنى : وماذا عنها ؟ هي ماتت وانتهى أمرها،   وأقفل ملفها إلى الأبد،   أنت وحدك الباقي الآن )) ( 38 ).

     وبعد البعد الثاني والثالت يدور البعد الرابع في الفصل الرابع حول بطل الرواية باسل المهري (( البعد الرابع : العرض لاتتجاوز مساحة الكون عرض أجزائي )) ( 39 )،   وفيه ينازع البطل ذاته،   ويطمع في الخروج من جسدها (( جسدها لي،   وأنا من له،   أن يمسك بخيوط اللعبة كلها في هذه اللحظة،   ولن أخسر مهما كلف الأمر،   هذا الجسد بات لي،   ولم يعد لها،   قريبا سأطردها حتى من جسدها،   سأجري عمليات تجميل،   لأحول هذا الجـسد الأنــثوي إلى آخر يضج بالرجولة،   سأخضع لعملية إزالة لورم الحمل،   وسأحلق شعر رأسها من جديد،   فأنا أكره شعرها الجميل،   لأنها تحبه،   وإن تأكدت بطريقة ما أنها لاتحبه فسوف أربيه مديدا نكاية بها،   ولو كبدني ذلك دفع غرامة لحكومة المجرة )) ( 40 ).

     ويشكل البعد الخامس استدارة موضوعية نحو عتبات الرواية (( البعد الخـامس : بالـحب وحـده تتـغيــر بــه حقـائــق الأشـيــاء وقـوانيــن الطبيــعة )) (41 )،   وفيه تتكبل محاولات باسل المهري في الخروج من الجسد الأنثوي بعد أن نما في احشاء جسده الأنثوي جنين مجهول الأب معار جسد الأم،   وبعد أن يتصفح إحدى الوثائق الألكترونية يجد فيها فقرة واحدة تمثل دلالة الحب الخالد،   ونبوؤة الأم ( 42 )،   فهي مقطع بنائي ميتا سردي شكل عتبة دالة ترتبط بالمتن دلاليا.

    ومن ثم تتلاشى عتبات الأبعاد وتتكلف عتبات النظريات بالظهور،   فتتقاسم ماتبقى من فصول الرواية،   إذ حمل الفصل السادس (( النظرية : نظرية طاقة البعد الخامس )) ( 43 )،   وتستكمل تلك النظرية بعدها الخامس في حقيقة الشخصية،   شخصية ( خالد )،   الذي تؤكد الكاتبة في عتبة تفسيرية على أنه شخصية حقيقية وليس ابداعية  (44 ).

    ويصرح الفصل السادس بعتبة العنوان ( أعشقني ) بعد أن يتكيف بطل الرواية مع جسد الأنثى ويتماهى في حبها،   ويـكون خـطاب عتـبـة الـغلاف ( أعشقني) موجها إلى الذات والآخر / البـطل والبطلة في لحظة انصهارهما،   وفي خطاب البطل للجنين (( إنني أعشق أمك شمس بامتداد لايعرف نهاية،   فهل تغضب ؟ تستطيع أن تركلني بقدر ماتشاء إن كنت خائفا علي،   ولكن ذلك لن يغير شيئا من حقيقة أنني أ.. .  ع.. .  ش.. .  ق.. .  ن.. .  ي )) (45 ).

    وتؤكد الكاتبة عتبة النظرية بالفصل السابع (( المعادلة : معادلة نظرية طاقة البـعد الخامس،   شـعري + كـلماتي + خـالد ــ طاقة كونية غير متناهية )) ( 46 )،   فتلج عالم الفلسفة باستعمال رموز رياضية،   واستخلاص ناتج وجودي فلسفي يقترب من الاعتراف والشهادة مخاطبا الجنين (( نسيت أن أقول لك إنني متخصصة بأدب الخيال العلمي )) ( 47 ).

   وتمازج الخيال العلمي بأيقونة الشخصية،   وطول شعرها،   وبلاغة كلامها،   وتأريخ نضالها،   وموهبتها الأدبية،   وتمردها الوجودي،   ويعاود الميتا سردي الظهور ثانية عبر الحكايات،   ورسائل خالد،   والزمن الافتراضي،   والعبر،   والفضاءات،   والصلاة.

   ويأتي الفصل الثامن ليختم الأبعاد النظرية التي أسست لظهور رواية الخيال العلمي في (( انطلاق الطاقة )) ( 48 )،   ليتحول السرد إلى الخيال الابداعي (( كل مايفعله البشر في هذا الكوكب لاقيمة له،   فعلي الوحيد الذي له قيمة،   وهو الكتابة إلى سيد المطر )) ( 49 ).

الهـــــــــــــــــــــــــــوامش:

(1)         عتبات من النص إلى المناص : جيرار جينيت :عبد الحق بلعابد : تقديم سعيد يقطين : الدار العربية للعلوم : ط1 : ناشرون : 2008 : 14.

(2)         حفريات المعرفة : ميشيل فوكو : ترجمة،   سالم ياقوت : ط2 :  الدار البيضاء : 1987 : 23.

(3)        ينظر :عتبات الكتابة في الرواية العربية : عبد المالك أشبهون : ط1 : دار الحوار : سوريا : 2009 : 27.

(4)         ينظر : م ـــ ن : 29.

(5)         ينظر : م ـــ ن : 30 ــ 31.

(6)         عتمة التأويل وعتمة التشكيل : د.  بسام غطوس : ط1  : مطبعة السفير : الكويت : 2011 : 71.

(7)        ينظر : العتبات في روايات ناجح المعموري : ختام إبراهيم الحربي : رسالة ماجستير : كلية التربية : جامعة بابل : العراق : 2018 : 18.

(8)        النص الروائي ـــ مناهج وتقنيات : بيرنار فاليط : ترجمة،   رشيد بن حدو : ط1 : المشروع القومي للترجمة : آفاق الثقافة : 36.

(9)         فضاء الرواية وآليات المنهج الجمالي : محمد صابر عبيد : ط1 : جامعة المدينة العالمية : ماليزيا : 2015 : 27.

(10)        عتبات الكتابة في الرواية العربية : 43.

(11)        عتبات النص البنية والدلالة : عبد الفتاح الحجرمي : ط1 : منشورات الرابطة : الدار البيضاء : 1996 : 23.

(12)       ينظر : عتبات النص ـــ مقاربة نظرية : عبد المجيد عليوي،   اسماعيلي : www/:dades infos /com :

(13)       ينظر : شعرية النص الموازي (( عتبات النص الأدبي )) : جميل حمداوي : ط1 : 2014 : 24.

(14)        ينظر : فضاء الرواية وأليات المنهج الجمالي : 207.

(15)       ينظر : دلالات الخطاب الغلافي : جميل حمداوي :

www _ adabfan _ com.

(16)       ينظر التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث : محمد الصفراني : ط1 : المركز الثقافي العربي : الدار البيضاء : 2000 : 133.

(17)       ينظر : القصيدة السيرة الذاتية ( بنية النص وتشكيل الخطاب ) : د. خليل شكري هياس : ط1 : عالم الكتب : أربد : الأردن : 2010 : 97.

(18)       السرد الأنثوي من الخيال إلى الحجاج ـــ قـــــــــــــراءة في رواية ( أعشقني ) لسناء الشعلان : حسين أحمد إبراهيم :

    https://www. dwanal arab.  com

(19 ) دراسة مكونات السرد في الرواية الفلسطينية : يوسف حطيني :                                                     ط1 : اتحاد الكتاب العرب : دمشق : 1999 : 116.

( 20 ) قراءة في السميولوجيا البصرية  : محمد غرافي : مجلة الفكر :     عالم المعرفة : الكويت : مج 31 : العدد 1 : 2002 : 222.

   ( 21 ) السرد الأنثوي من الخيال إلى الحجاج ـــ قــــــــــــراءة في رواية ( أعشقني ) لسناء الشعلان : حسين أحمد إبراهيم :

    https://www. dwanal arab.  com

 ( 22)  م ـــ ن.

(23 ) رواية أعشقني : سناء الشعلان : ط3 : عمان : 2016 : 6.

(24 ) م ـــ ن : 5.

(25 ) ينظر : رواية أعشقني : 63.

(26 ) ينظر : شعرية النص الموازي : 124.

( 27 ) رواية أعشقني : 7.

 ( 28 ) ينظر عتبات : 107.

( 29 ) ينظر : رواية أعشقني : 9.

(30 )  ينظر : م ـــ ن  :    11.

( 31 ) ينظر : م ـــ ن : 13.

( 32 ) ينظر : م ـــ ن : 13.

( 33 ) م ـــ ن : 15.

(34 ) م ـــ ن : 18.

(35 ) م ـــ ن : 29.

( 36 ) م ـــ ن : 33.

( 37 ) م ـــ ن : 39.

( 38 ) م ـــ ن : 46.

( 39 ) م ـــ ن : 49.

( 40 ) م ـــ ن : 54.

( 41 ) م ـــ ن : 62 ــ 63.

( 42 ) م ـــ ن : 64.

( 43 ) م ـــ ن : 75.

( 44 ) م ـــ ن : 77،   هامش رقم (1).

( 45 ) م ـــ ن : 109.

(46 ) م ـــ ن : 111.

( 47 ) م ـــ ن : 116.

( 48 ) م ـــ ن : 165.

( 49 ) م ـــ ن : 178.

 المصــــــــــــــــــــادر :

 (1) دراسة مكونات السرد في الرواية الفلسطينية : يوسف حطيني :                                                        ط1 : اتحاد الكتاب العرب : دمشق : 1999.

(2)  دلالات الخطاب الغلافي : جميل حمداوي :

www _ adabfan _ com.

(3) رواية أعشقني : سناء الشعلان : ط3 : عمان : 2016.

(4) السرد الأنثوي من الخيال إلى الحجاج ـــ قــــــــــــراءة في رواية ( أعشقني ) لسناء الشعلان : حسين أحمد إبراهيم.

 ( 5 ) العتبات في روايات ناجح المعموري : ختام إبراهيم الحربي : رسالة ماجستير : كلية التربية : جامعة بابل : العراق : 2018 .

( 6 ) عتبات الكتابة في الرواية العربية : عبدج المالك أشبهون : ط1 :    دار الحوار : سوريا : 2009.

( 7 ) عتبات من النص إلى المناص : جيرار جينيت :عبد الحق بلعابد : تقديم سعيد يقطين : الدار العربية للعلوم : ط1 : ناشرون : 2008.

( 8 ) عتبات النص البنية والدلالة : عبد الفتاح الحجرمي : ط1 : منشورات الرابطة : الدار البيضاء : 1996.

( 9 ) عتبات النص ـــ مقاربة نظرية : عبد المجيد عليوي،   اسماعيلي : www/:dades infos /com

( 10 ) عتمة التأويل وعتمة التشكيل : د.  بسام غطوس : ط1  : مطبعة اتلسفير : الكويت : 2011.

(11 ) فضاء الرواية وآليات المنهج الجمالي : محمد صابر عبيد : ط1 : جامعة المدينة العالمية : ماليزيا : 2015.

( 12 ) قراءة في السميولوجيا البصرية  : محمد غرافي : مجلة الفكر :     عالم المعرفة : الكويت : مج 31 : العدد 1 : 2002.

( 13 ) القصيدة السيرة الذاتية ( بنية النص وتشكيل الخطاب ) : د. خليل شكري هياس : ط1 : عالم الكتب : أربد : الأردن : 2010.

( 14 ) النص الروائي ـــ مناهج وتقنيات : بيرنار فاليط : ترجمة،   رشيد بن حدو : ط1 : المشروع القومي للترجمة : آفاق الثقافة.

(15 ) النص الموازي (( عتبات النص الأدبي )) : جميل حمداوي :   ط1 : 2014.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here