دراسة في قصة “نفس أمّارة بالعشق” للأديبة د. سناء الشعلان

Vol. No. 1, Issue No. 3 (Special Issue) - July-September 2021, ISSN: 2582-9254

0
83
دراسة في قصة “نفس أمّارة بالعشق” للأديبة د. سناء الشعلان

بقلم:

أ. راوية عاشور

———————

تفتحت الكاتبة سناء الشعلان على روح مشاكسة تستفز السّكون، وتُجيد دائما روحها الجموح والتناقض بين الجموح والاستسلام المشروع للجمال. وإنّ القارئ لهذه القصة يجد فيها جانبا فنيا لفظيا ومعنويا، وانعكاسا  لروح مبدعتيها المداعبة لكلّ شيء غريب تعشقه، وتجد فيها جمال الحياة بكلّ انعكاساته واضطراباته.

فالقصة كما يقول بعض الدارسين لها ما هي إلا إفراز اجتماعي وبيئي ونفسي وحضاري، وإن كان الأمر كذلك، فهذه القصّة هي دليل تفتّح الوعي الثّقافي عند سناء شعلان التي أجادت التّعبير عن مكنوناتها الداخلية دون إحراج وخوف أو خجل لا مكان له.

ومن هنا أذكر بعض سمات قصّة “نفس أمارة بالعشق ” في ضوء المنهج النّفسي، فمن العتبة الأولى للقصة بدأت سناء الشعلان بـ (لي) وانتهت  بـ (أنا) وهذا يدل على تضخّم الذّات عندها؛ فـ(الّذات) في العرف الأدبي والنّفسي محاولة إثباتها لذاتها المتمردة على واقع معاش رغم رفضها له في بعض الأحيان وقبولها لهذا العشق في بعض الأحيان من خلال تكرارها لبعض العبارات التي تثبت استسلامها وقبولها له:  ” لي نفس أمارة بالعشق، ولي قلب لا يبرم بضعفه  الآسر…”[1]

وقد أشبعت سناء الشعلان النّص بالعبارات السيّاسيّة التي نجدها في أغلب أوصافها وتعابيرها، فقد جعلت النّص كثيفا  بالمفردات االسّياسيّة والحربيّة، ومن تلك العبارات التي ذكرتها بشكل واضح وصريح من بداية النّص حتى نهايته التي أوردتها  في قصتها:  “شنّ حرباً دامية…والإعدامات والنفي…والمخلوعين…والمسجونين…ورئيسة فخرية…ودم الأبرياء…”[2]

بل إنّ الزّمن الذي برز في المقطع الأول بشكل مكثف عندها أرادت به أن تؤكد أنها تعيش الحالة، ومستمرة على هذا العشق والثبوت عليه،  فهي خاضعة لهذا العشق اللاإرادي “أمّارة ” بمعنى الأمر، فالأمر عندها ليس بيدها، والقلب هو الذي يفرض عليها أن تعشق،  وهي مستسلمة لأوامره ونبضاته: ” ولي قلب لا يبرم بضعفه الآسر”[3]

كما اندمج مع قصتها وعشقها البعد الديني، وتشابك مع تصريحها بحقيقة هذا العشق وقدسيته، وهي عمدت إلى ربط مشاعرها بالأبعاد الدينيّة لتصبغ عشقها بنوع من القبول والشّرعية، وهو يكمن في داخلها، وينبض فيها: ”  أنا القائمة بأمر الله في الأرض[4] و نبية الكلمة[5]  أنا ورثية كلّ الافتقاد والاحتياج والجوع والشّهوة والارتواء والتنهّدات والخلجات والارتعاشات”[6]

وقد رمت الكاتبة بشباكها على استثمار الشّخوص القصصّية الشّهيرة، واستثمرتها في قصّتها؛ لتأكد أنّ هذا العشق موجود منذ الأزل القديم،  فهو معترف به،  ” فالأساطير  مثل وعروس البحر و  سندريلا ” كلها مفردات وكلمات أكدّت على العشق القديم.

ولقد جاءت مفردتها الشّعبية في قصتها في حالة تناقض بين الأسطورة والواقع باستخدامها مفردات يومية حقيقية ملموسة ” شبشب برتقالي…و جبر أبو ريحة…وحسان الهبيلة…وسلمان أبو بربور…”[7]

والقصة تستعرض ثقافة سناء الشعلان الواسعة بشكل منصهر بذكاء في القصة؛ ففي العلوم ذكرت:  ” كروموسومات ولغة الجسد والمخنث والأعور ولألثغ “، وفي التّاريخ قالت:  ” المؤرخين ” وفي الجغرافيا قولها كلمات:  ” منحنيات وانزلاقات “.كذلك استعرضت بوضوح ثقافتها الجنسيّة عبر الكثير من العبارات ذات المدلول الجنسيّ: “مثل:  ” شهوة وارتعاشات وتنهدات وجموح الرجال والفتنة وقبل المقبلين ومشتهين ودوار لذيذ ولحظة اجتماع رجل وامرأة واشتهيت…”

وهذا كلّه ينمّ عن تحرّر سناء شعلان الداخلي، وعدم وجود كبت داخلي، وهي متحررة من قيود الكبت والتعصب والقيود العمياء، وهي ترصد واقع معاش بحدود الواقع والمعقول.

وعكفت الكاتبة على استحضار الوسط الاجتماعي الذي تنتمي إليه،   وهي لم تبق في برجها العاجي أو لم ترد أن تكن فيه، بل أحضرت عالمها  المعاش من خلال ذكرها: “القبيلة وأولاد الجيران والحارة القديمة والمخيم والأيتام والضرائر “

ويكشف التبّصر في النّص كيف أنّ سناء شعلان تعمدت سرد بعض أسماء الشّخصيات العظيمة التي ثار أصحابها على واقعهم، وحملوا أهدافاً قضايا تهمّ مجتمعاتهم،  فهم في نظرها أشخاص غير عاديين، بل أبطال سطرهم التاريخ والواقع، ليصبحوا قدوات يُحتذى بها مثل: “علي ولمبا وجيفارا وماو وصلاح الدّين وشجرة الدّر والحلاج وجميلة بوحيرد ومصطفى كامل وعلي الزيبق ومسرور السّياف ومعروف الإسكافي وجعفر الطّيار وابن عربي وديك الجن الحمصي وفارس عودة وجان دارك وهانبيال وإليسار  والمتنبي وأبا العتاهية وهوميروس والظاهر بيبرس وفراس العجلوني والشّريف الرضي و نزار قباني وعمر أبو ريشة وفيكتور هيجو “[8]

وسناء الشعلان لم تذكر أسماء هؤلاء عن عبث وفوضى، بل أرادت تأكيد أنّ عشقها عميق أكيد عريق بقدر عراقتهم وموثوقيّة وجودهم.

واللافت للنّظر عودة الكاتبة إلى نفس الأسلوب واستخدامها “لي وأنا ” ضمير المتكلم والملكية الذي يوحي بمشاعر نفسية واضحة لاإرادية تكمن بداخلها، وهذا التضخّم في الذات  يظهر دون وعي منها، وبطريقة عفويّة:  “فغدا لي – كمسلة…أنا في “.

ويبرز التناقض المقصود فنيّاً  بشكل جلي في النّص، وهو تناقض يظهر بشكل واضح عند توصيفها لطفولتها لما تحبّ وما تكره: ” خيوط الشّمس أولّ من عشقت وثورة البحار وصخب المحيطات ” وهذا التّناقض تجلىّ أيضاً في ربطها بين مفاهيم الطّفولة المسالمة بمفاهيم الثّورة وهو تناقض عفوي، وهذا الجموح والاستسلام عبارة تناقض في ذات المبدعة:

وكذلك نلحظ  تركيز المبدعة على  الأحرف  “س ش ح”، وغنى النّص بهذه الأحرف؛ لأنّه يخدم الذّات، فحرف السّين يملك صدى في داخله، وهمسه الدّاخلي مثل “السكون والاحتياج والشّهوة والارتعاشات”.

وقد كشف النّص عن المبالغة في التّصوير، في محاولة للمبدعة لتكثيف المعنى، وتوصيل الشّعور المطلوب للمتلقي، وهذا ما نلمسه عندما عزمت على وصف نفسها ذلك الوصف الدقيق: “أخذت الشعر لأجعد وأخذت الجسد الضئيل وأخذت العيون الحلزونية “[9]

ونلحظ تكرار كلمة “كلّ” بشكل كبير  في النّص؛ لعلّ المبدعة أرادت من ذلك  بروز العموميات والكليات، فالعشق تملكه كلّ القلوب النابضة على الرغم من إسقاط ذلك على ذاتها، فنجدها ذكرت كلمة” كلّ” كثيراً في قصتها: “في كلّ ليلة احترقت…وكلّ الثائرين…وكلّ الشّعراء…وكلّ محبوبات…وكلّ الفاعلين…وكلّ عشاقي…

وهي كذلك تراوح بين الذّات/ذاتها وذات الغير، وهو إسقاط لما يجول في مكنوناتها ودواخلها في مقارنة واقعها مع واقع الآخرين.

وبُني النّص على أساس الإكثار من الجمل الاسميّة وأشباه الجمل، ويبدو ذلك منذ أوّل جملة من القصة حيث تقول: ” لي نفس أمّارة بالعشق”[10]

    ودأبت الكاتبة على إعلان ما هو مضمر في لا وعيها  من خلال تكرار الأفعال “أخذت” هذا التكرار صممت عليه  لتوحي للمتلقي على أنها حصلت على ما تريد فهي عاشقة.

وتنتقل سناء الشعلان بأفعالها من الماضي إلي الحاضر ثم   إلى المستقبل؛ فهي حالة إثبات واستمراريّة في حالة اللاوعي،  مثل:  كانت وكنت وأكون ولأكون”. وهي أفعال ناسخة ناقصة  على الرّغم من تنقّل الأزمان، ولكن الحالة واحدة، وهي النّقصان وعدم الكمال الذّاتي رغم التّضخم المزعوم، ولكنّه في حقيقة الأمر غير مكتمل في داخلها، ولكنّه مكتمل فقط على أوراق العشق وأوراقها وخيالها.

وغلب على نصها “ياء المتكلم ” وكأنها بهذا تعزز الفردانية من خلال ” لي وبلحظاتي وغلبني وهزمني..” التي تسكنها فهي تعلنها بصراحة.

  ويتضح كذلك التّناص بشكل واضح في قصتها؛ ولعلّها قد استعانت الكاتبة به لتثبت قدسية هذا العشق، فهي تتمنّى من العشاق أن لا يتوبوا عمّ ما حل بهم، وفي هذا تناص واضح  مع قول الشّاعر نزار قبّاني:

ما ثبت عن عشقي ولا استغفرته        ما أسخف العشاق إن هم تابوا

……..   *****………

 الهوامش:

[1] الشعلان، د.سناء: نفس أمّارة بالعشق من مجموعة تراتيل الماء، ط1، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة الأردنيّة، الأردن، عمان، 2010، ص 121.

[2] المصدر السابق: ص 121-126

[3] المصدر السابق: ص 121

[4] المصدر السابق: ص 121

[5] المصدر السابق: ص 121

[6] المصدر السابق: ص 121

[7] المصدر السابق: ص 123-124

[8] المصدر السابق: ص 123

[9] المصدر السابق: ص 121

[10] المصدر السابق: ص 121

المرجع:

  1. الشعلان، د.سناء: نفس أمّارة بالعشق من مجموعة تراتيل الماء، ط1، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة الأردنيّة، الأردن، عمان، 2010، 121-126.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here