جرعة إضافيّة من السّجان إلى. . . في “السّجان مسجون أيضاً للأديبة د. سناء الشعلان

Vol. No. 1, Issue No. 3 (Special Issue) - July-September 2021, ISSN: 2582-9254

0
79
جرعة إضافيّة من السّجان إلى. . . في “السّجان مسجون أيضاً”([1]) للأديبة د. سناء الشعلان

بقلم

د.  شوكت علي درويش

الجامعة الأردنية،  الأردن.

————————–

قال تعالى: ﴿ لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صدُورِهِم مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴿13 لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴿14)([2] ).  أيّ أنّ أي عمل فنيّ (رواية أو قصّة أو قصّة قصيرة جدّاً أو مسرحيّة أو قصيدة شعر ، أو. . . ) لا بدّ أن يجتمع فيه مرسل (الأديب)، ورسالة (النّص)، ومستقبِل (القارئ أو النّاقد).

وتتعدّد قراءات النّص كلّ حسب ثقافته، وحسب تأثير النّص(الموضوع) في مستقبلِه نفسيّاً ومجتمعيّاً وتفاعليّاً.

ولن أتطرّق إلى ما يميّز القصّة القصيرة جدّاً من باقي الأنواع الأدبيّة، وسأكتفي بالحديث عن القصّة القصيرة جدّاً.

تمتاز القصّة القصيرة جدّاً من الأنواع الأدبيّة بكلماتها المعدودة (القصر)، و”الوعي بالهدف الذي يبرزه الفرد والجماعة سعياً وراء تحقيقه”([3])، وهو أوّل عناصر النّقد التّحليليّ، يتبعه عنصر الفهم، فعنصر الاستنتاج.

واللّغة هي عدّة الكاتب وعتاده، وعليه أن يعتني بقاموسه اللّغويّ، ويعرف الألفاظ المترادفة معرفة تتيح له انتقاء اللفظ المناسب للحدث والسرد، وكما قلت إنّ القصّة القصيرة تمتاز بالقصر، فالكاتب يهتمّ بالاقتصاد اللّغويّ.

وأمّا الحدث ففيه حكاية وعقدة، والحكاية تحتوي على ترتيب زمنيّ وحسب” فالحكاية البسيطة تجيب على سؤالنا: وماذا بعد؟ أمّا الحبكة فإنّها تجيب على السّؤالين معاً. ماذا بعد، ولماذا؟ وكلّ عقدة تتضمّن صراعاً. وهذا إمّا أن يكون صراعاً ضدّ الأقدار أو الظّروف الاجتماعيّة أو صراعاً بين الشّخصيّات، أو صراعاً نفسيّاً داخل الشّخصيّة نفسها”([4])

بعد مقدّمة حملت عنواناً “قريباً من الجدار” أضاءت شمعة عنونتها “إضاءة على ظلام” بعدها، قسّمت د. سناء شعلان “حدث ذات جدار” – إن جاز لي القول – على ثلاثة فصول أو مواقف. الفصل الأوّل مجموعة قصصيّة بلا عنوان فرعيّ –إن جاز لي القول- حوى عشر قصص، أمّا الفصل الثاني فعنونته بـ “ما قاله الجدار”، وحوى اثنتي عشرة قصة قصيرة جدّاً، أمّا الفصل الثالث فعنونته بـ ” بعيداً عن الجدار”، وحوى قصتين اثنتين. وسأتناول في دراستي بعضاً مما قاله الجدار.

فنجد العنوان ” ما قاله الجدار” جملة اسميّة، والجملة الاسميّة تعني الثّبات، ولعلّ أحدهم يقول: إنّنا يمكن أن نعتبرها جملة فعليّة؛ لأنّ الضّمير في “قاله” يعود إلى “ما”، ولكن الكاتبة قدّمت الأهمّ. يقول سيبويه :” والتّقديم ههنا والتّأخير” فيما يكون ظرفاً قد يكون اسماً في العناية والاهتمام، و. . .  وجميع ما ذكرت لك من التقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربيّ جيد كثير”([5])

ومن حيث اللّغة جاءت باستعارة لطيفة، وعنونت القصّة القصيرة جدّاً الأولى “السّجان مسجون تماماً”.

اللّغة: واللّغة كما أسلفت- عدّة الكاتب وعتاده- فقد جاءت جملة العنوان جملة (اسميّة)، والجملة الاسميّة تدلّ على الثّبات، وألحقتها بـ “أيضاً” التي من معانيها “تكراراً ومراجعاً” ونصب أيضاً ” إمّا على المفعوليّة المطلقة،  وإمّا على الحال”( [6])، فالمفعول المطلق يفيد التأكيد،  “والحال هو الاسم المنصوب المفسّر لما انبهم من الهيئات”([7])

وظّفت الكاتبة الفعل الماضي خمس مرّات، ثلاثاً منها فعلاً ماضياً ناقصاً، كان مرتين، وليس مرة واحدة، واستمتع وانتحر. والفعل المضارع ست مرات، جاء اثنان منها مرتبطين بكان. ” نفهم المراد من قول النّحاة :” (كان) مع معموليها تفيد اتّصاف اسمها بمعنى خبرها اتّصافا مجرّداً. [ اتّصافاً مجرّداً؛ أيّ لا زيادة معه، لأنّها لا تدلّ بصيغتها على نفي أو دوام أو تحوّل، أو زمن خاصّ، كالصّباح والمساء والضّحى، ولا غير ذلك ممّا تدلّ عليه أخواتها. حقّاً إنّها تدلّ على الزّمن الماضي أوغيره، ولكن دلالتها عليه مطلقة، إذ لا تقييد فيها بالصّباح، أو المساء أو غيرهما ]”( [8])

    الشّخصيّة: بدأت الكاتبة قصتها بـ ” كان يبدو العمل له ممتعاً”، فأوحت إلى القارئ بنهاية بطلها، كما يقولون عند السّؤال عن أحدهم أو عن أمر ما “صار في خبر كان”، أيّ مات، أو انتهى، والإنسان لا يضحّي بحياته إذا كانت وظيفته (عمله) ممتعة إلاّ إذا كان مريضاً، أو أنّه كان يخدع نفسه ظنّاً منه أن ّ عمله ممتع، وكذلك لتضعنا أمام أسئلة من مثل وماذا بعد؟ ولماذا؟ وكيف؟ وهذا ما يبرزه الحدث وتنميته.

   والشّخصيّة الثّانية:” النّاس” الذين يتعامل معهم، ويتلذّذ بتعذيبهم، فتجعلنا نتساءل:من؟ كلّ النّاس أو فئة مخصوصة؟

الحدث: اتبعت مفتتح قصتها بـ ” فليس” الفاء العاطفة، وليس “التي تفيد نفي الحال”([9])، واتبعتها بـ “أن يقف” أنّ المصدريّة ، والفعل “يقف” لتؤول إلى مصدر الوقوف، فتكون ليس داخله على جملة اسميّة التي تعني الثّبات في الأصل، لتنفي “ليس” هذا الثّبات، وتقودنا إلى العقدة، “وكلّ عقدة تتضمّن صراعاً، وهو إمّا أن يكون صراعاً ضدّ الأقدار أو الظّروف الاجتماعيّة، أو صراعاً بين الشّخصيّات، أو صراعاً نفسيّاً داخل الشّخصيّة نفسها”([10])” يمارس عبرها متعته السّاديّة ” فالصّراع صراع داخليّ، ينمو ليوصلنا إلى النّهاية، وظّفت “استمتع” لتنمي المفتتح “ممتعاً” “استمتع سنوات طويلة” لماذا؟ “بهذه اللّعبة العمل” فالسّاديّة ” لعبة” “والوقوف على بوابة عمل.  لماذا يقف على البوّابة؟ تفكّ لغز النّاس “السّجان المعذّب للفلسطينيين”، وتنمية للحدث توظّف الكاتبة ” لكن”. ([11])

وكما يقولون ” كلّ شيء إلاّ لكن” انقطع من متعته، وصحا من ساديته وصراعه المجتمعيّ (فكلّ أبناء جلدته على شاكلته يظنّون أنّهم السجانون المعذبون للفلسطينيين)، ووجد نفسه أمام حقيقة أنه سجين، وأنّه كان يكمل متعته وساديته بتعاطي المخدرات متلذذاً بتعذيب الفلسطينيين، فانتحر بجرعة إضافيّة من المخدرات، وفيه إبراز البعد النّفسيّ للشّخص.

           فالدكتورة سناء شعلان واعية لما أرادت تحقيقه، صاحبة ثقافة واسعة متمكنة من اللغة مفردات وجمل، تنتقي مفرداتها من بين مترادفات كثر، لتحقّق الدّقة والوضوح، كما تميّزت من غيرها بالاقتصاد اللّغويّ، كما رأيناه مثلاً: في حذفها جملاً من مثل تعاطيه المخدرات، فتقول:” انتحر بجرعة إضافيّة من المخدرات”. لحظة حاسمة في حياته. وقد استخدمت ضمير الغائب لتظهر لنا “أنّنا نتلقّى الأحداث من وجهة نظر الكاتب العالم بكلّ شيء، والذي يحيط بأكثر ممّا تحيط به الشّخصيّة الرّئيسية”([12])

.  .  .  .  .  .  .  .   *****.  .  .  .  .  .  .  .  .

الهوامش:

[1] –  الشعلان،  سناء: حدث ذات جدار،  ص71.

 2 – الحشر:13-14.

[3] – درويش، د. شوكت علي، الوعي. . .  الثقافة. . . المقاومة: ص9.

[4]  – الشاروني، يوسف، دراسات في القصة القصيرة، ص9.

[5] – سيبويه، كتاب سيبويه:ج1، ص56.

 [6]- معلوف، لويس:  المنجد، مادة أض.

[7] – عبد الحميد، محمد محيي الدين،  التّحفة السّنيّة، ص262.

[8] – حسن عباس: النّحو الوافي، جزء1، ص548، وهامش 1، الصفحة نفسها.

[9] – ابن هشام، جمال الدين: مغني اللبيب، ص386.

[10] – الشاروني، يوسف، دراسات في القصة القصيرة، ص ص 51.

[11] – حرف ابتداء لمجرد إفادة الاستدراك، مغني اللبيب، ص385.

[12]  – الشاروني، يوسف،  دراسات في القصة القصيرة، ص ص 53-54

المصادر والمراجع:

  • ابن هشام، جمال الدين ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، حقّقه وعلّق عليه د. مازن المبارك، محمد علي حمد الله، راجعه سعيد الأفغاني، دار الفكر-بيروت، ط5، بيروت، 1979.
  • حسن عباس، النحو الوافي، دار المعارف، مصر، ط4، ب. ت.
  • درويش، د. شوكت علي، الوعي. . .  الثقافة. . . المقاومة، مقالات في النّقد الأدبيّ، دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان، ط1،
  • سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، الكتاب:كتاب سيبويه، تحقيق:عبد السلام محمد هارون، دار القلم، 1385هـ =1966م.
  • الشاروني، يوسف، دراسات في القصة القصيرة، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط1،
  • الشعلان، سناء، حدث ذات جدار، مجموعة قصصيّة، أمواج للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، ط1 ،
  • عبد الحميد، محمد محيي الدين، التّحفة السّنيّة بشرح المقدّمة الأجرميّة، تحقيق د. شوكت علي درويش، مكتبة الرشد ناشرون، ط، 2003.
  • معلوف، لويس، المنجد في اللغة والأدب والعلوم، ط15،

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here