تجليات ثورات الربيع العربي في رواية “تدمر شاهد ومشهود” لمحمد سليم حماد دراسة تحليلية

Vol. No. 2, Issue No.3 - July-September 2022, ISSN: 2582-9254

0
347
تجليات ثورات الربيع العربي في رواية “تدمر شاهد ومشهود” لمحمد سليم حماد دراسة تحليلية

عادل عفان

 الجامعة الملية الإسلامية، نيو دلهي، الهند

————–

ملخص البحث: قد تناولت في هذه المقالة تجليات ثورات الربيع العربي في رواية “تدمر شاهد ومشهود”، وحاولت إبراز هذه الرواية الشهيرة التي توضح الأحوال والظروف القاسية في السجون السورية، وتتحدث عن المعتقلين السوريين والعرب في البلاد العربية المختلفة. الرواية شكل من أشكال الكتابة السردية التي تحاول كشف الواقع والحقائق عن المعتقلين السياسيين. وتشتمل هذه المقالة على ستة محاور مسبوقة بالمقدمة ومتبوعة بالخاتمة: المحور الأول هو نبذة عن الربيع العربي وأسبابه، والمحور الثاني هو التعريف برواية “تدمر شاهد ومشهود”، والمحور الثالث هو تجربته القاسية في سجن تدمر، والمحور الرابع هو سجن تدمر كان مصنع زرع الخوف، والمحور الخامس هو الامتياز في التعذيب بين السجناء، والمحور السادس هو رواية “تدمر شاهد ومشهود” عمل توثيقي، وأما المنهج الذي اخترته لكتابة هذه المقالة العلمية فهو المنهج الوصفي التحليلي.

الكلمات المفتاحية: الربيع العربي، السجن، المقهورون والمظلمون، ثورة.

المقدمة: نعرف أن الدول العربية كانت حريصة على العيش بالحرية والكرامة، لكن منذ عقود قد مضت يعيش  الشعب العربي عيش المقهورين والمظلومين في بلادهم تحت حكم مستبد ظالم، ولكن لديهم بصيص أمل بأنه قد يأتي أحد القادة العرب لشعبه بنظام أمثل وحياة أفضل، وكانوا ينتظرون أشد الانتظار منذ وقت بعيد أن يأتي حين يتغير فيه النظام من الوحشية إلى حكم أمثل وتتحول الحياة فيه من أسوأ إلى أفضل، كما أن الظلم والقهر والاستبداد سائد في أغلب بلاد العرب فكانت التوترات وعدم الاستقرار من أسباب رئيسية في معظم الدول العربية، وذلك لأن معظم القادة لا يولون أي اهتمام أو اعتبار لأصوات المقهورين والأشخاص الذين لا صوت لهم. فنظرا إلى الوحشية والقسوة والظلم لا بد من اندلاع الثورات والمظاهرات في جميع الدول العربية التي يتحكم قادتها بقوة وسطوة وهي سميت بالربيع العربي.

قد بدأ الربيع العربي في ديسمبر 2010م باحتجاجات سلمية من أجل الحرية والديمقراطية والحقوق المدنية ولكن مع مرور الوقت قد تحول إلى عنف مؤلم للغاية وقتل ودمار في بلاد عربية وفي مقدمتها تونس، وليبيا، ومصر وسوريا. وفي جانب آخر، قدم هذا الحدث التاريخي مساحة واسعة للمؤرخين والأكاديميين والمفكرين وعلماء السياسة والاجتماع للنقاش والبحث، كما فتح الباب أو المجال أمام الشعراء والمؤلفين والكتاب للكتابة عن الأحداث والأحوال في بلادهم حسب منظورهم السياسي والاجتماعي.

فرواية “تدمر شاهد مشهود” أصدرت أول مرة سنة 1998 ، يروي “محمد سليم حماد” تجربته القاسية في السجون السورية، وهي معاناة تلخص ما يواجه آلاف المعتقلين السوريين والعرب من بلاد عربية مختلفة. فيروي محمد سليم حماد وهو أحد أعضاء الإخوان المسلمين في الأردن الفظائع والأهوال التي ذاقها هو وغيره في مقبرة أو سجن تدمر، يقشعر جسد القارئ عند قراءة أساليب التعذيب والاستجواب المطبقة على السجناء. تكثرت قراءة هذه الرواية قبيل ثورات الربيع العربي بين شبان العرب والتي زادت نيران الثورة في مناطق عربية عامة وسوريا خاصة.

نبذة عن الربيع العربي وأسبابه:

بعد عقود من التعطل والجمود، وعلى غير المتوقع، اندلعت في أكثر من بلد عربي ثورات شعبية أسقطت أنظمة، وهزت عروش أنظمة الملوك والحكام، وخلقت واقعا جديدا على المستوى السياسي والاجتماعي، لم تكن سرعة تشكّله وعمق تحولاته لتخطر على بال أكثر المراقبين تفاؤلا، ففي أواخر عام 2010 ومطلع 2011 اندلعت موجة صارخة من الثورات والاحتجاجات في مُختلف أنحاء الوطن العربي، بدأ محمد البوعزيزي والثورة التونسية التي أطلقت وتيرة النيران في كثير من الأقطار العربية وعرفت تلك الفترة بربيع الثورات العربية. ومن أسباب قيام هذه الاحتجاجات والمظاهرات المفاجئة انتشار الفساد والركود الاقتصاديّ وسوء الأحوال المَعيشية والبطالة، إضافة إلى التضييق السياسيّ وسوء الأوضاع عموماً في البلاد العربية. قبل العقد الأخير اندلعت شرارة ثورات شعبية لم يتوقع أحد حدوثها في العالم العربي، أثارت أحلاما بالحرية، قبل أن تتدحرج كرة الثلج في معظم الدول التي انتقلت إليها وتحطم آمالا كثيرة. لكن هذا الحدث التاريخي غير وجه المنطقة العربية برمتها..

وقد انتشرت هذه الاحتجاجات بسرعة كبيرة في أغلب البلدان العربية، وقد تضمنت اشتباكات ومعارك بين قوات الأمن والمُتظاهرين ووصلت في بعض الأحيان إلى وقوع قتلى من المواطنين ورجال الأمن. وقد تشتهر هذه الثورات والمظاهرات بظهور هتاف عربيّ أصبح شهيراً في كل الدول العربية وهو: “الشعب يريد إسقاط النظام”. ولقد أثبتت الأحداث أن هذه الأنظمة الحكومية غاية في الضعف والهشاشة، وتبين أنَّ العقلية البوليسية القمعية عاجزة عن ترويض الشعوب بشكل دائم، فحركة الشارع فاقت في قوتها وصلابتها وانسجامها مع الأحداث قدرة الأنظمة الحكومية والأجهزة الأمنية، وأطاحت الانتفاضات الشعبية بدكتاتوريات متجذرة حكمت لعقود بقبضة من حديد وبطش.

تناول عدد لابأس به من الباحثين أحداث ثورات الربيع العربي بالتحليل والدراسة رغبة في تحديد العوامل والأسباب التي أدت إلي اندلاعها في الأساس، وقد تمكنوا من تحديد مجموعة من المسببات التي دفعت الشعوب إلي الثورة علي الأنظمة الحاكمة وأبرزها الاستبداد السياسي والظلم بمختلف أنواعه وأشكاله في صدارة العوامل التي قادت إلي اندلاع ثورات الربيع العربي حيث يري الباحثون والخبراء أن الاستبداد السياسي هو أبرز عامل مشترك بين نظام حسني مبارك في مصر ونظام بن علي في تونس ونظام القذافي في ليبيا ونظام حافظ الأسد وابنه القاسي الظالم في سوريا.

التعريف برواية “تدمر شاهد ومشهود”:

 رواية “تدمر شاهد ومشهود” أصدرت عام 1998 تحت عنوان “تدمر شاهد مشهود”، وتحكي قصة طالب أردني كان يدرس الهندسة في دمشق، حينما تم اعتقاله من أمام كليته، ليختفي عن الأنظار إحدى عشرة سنة كاملة، أمضى معظمها في سجن تدمر العسكري سيئ السمعة، شاهداً على المعاناة التي يلاقيها السجناء بدءا من طريقة الأسئلة والكلمات البذيئة والمسبات والصفعات والإهانات وصولا إلى أصوات التعذيب واستغاثات المعذبين وممارسات من الإرهاب الموتور ضلعت به أجهزة نظام الأسد السياسية والأمنية معاً، فطالت أرواح مئات من خيرة أبناء الشعب السوري قضوا على أعواد المشانق أو تحت سياط الجلادين، ومعهم ألوف لا تكاد تحصى ممن طالت عليهم السنون أسرى القيد والمحنة والظلم، حتى نسيهم العالم أو يكاد، فرواية تدمر شاهد ومشهود سجل يكاد لم يُسبَق بسعته وتفاصيله من الوقائع والشواهد والأسماء والمراحل التي عاشها محمد سليم حماد بين الأعوام 1980 و1991 وتذوق مع أنواع و آلاف من السجناء مرارتـها وفظاعتها وتنقل بين فصولها وحلقاتـها المفجعة، فكان العمل بحق “شاهداً” على صفحات دامية من محنة سوريا، وكان كل حدث “مشهود” وثيقة جديدة تدين الأيدي التي انسلخت، وفاقت في ممارستها وحش الغاب فظاعة، وقسوة، وتعطشاً للدماء ويشير الكتاب في الفصل الأول إلى مشاهدات صاحبه في قيادة فرع مخابرات العدوي حيث كانت بداية الحبس، والذي سرعان ما تنقل فيه إلى مجرد رقم، لا اسم ينادى به غيره، ولا إشارة تدل من غيره عليه، ثم بدأت مراحل التحقيق، حيث عُري “محمد سليم حماد” كيوم ولدته أمه، وتم تخصيص وجبتين من العذاب اليومي لازمتاه طوال أسبوع كامل، كاد خلالهن أن يقضي نحبه غير مرة، وأصيب من جرائها بما يشبه الشلل في معصميه من أثر القيود دام معه لعدة شهور تلت، وشعر أن وزنه انخفض خلال ذاك الأسبوع خمسة عشر كيلوا غراماً.

تجربته القاسية في سجن تدمر:

   يروي محمد سليم حماد تجربته القاسية في السجون السورية، وهي معاناة تلخص ما يواجه آلاف المعتقلين السوريين والعرب من لبنان وفلسطين والأردن والعراق، والذين يرفض الحكم السوري الإقرار بوجودهم في معتقلاتهم، كما لم يستجب لأي مناشدات للإفراج عنهم، لغرض التخفيف عن أسرهم وعائلاتـهم المنكوبة بفقدانـهم منذ سنوات طويلة. وتشتمل على أنواع من التعذيب التي كان يتم ممارستها في سجن تدمر مثل الضرب بالأسلاك الكهربائية والسياط وكل ما يقوم مقامها وما إلى ذلك رمي المعتقلين من ارتفاع حتى تتكسّر عظام السجين وتكسير الرأس والجمجمة بالضرب المباشر بالحذاء العسكري وأخماس البندقية، بالإضافة إلى أساليب التعذيب الأخرى المتعارف عليها في سجون النظام الأخرى، مثل الكرسي الألماني[1]  والصعق بالكهرباء[2].

   يقول محمد سليم حماد في كتابه الذي يقع في 125 صفحة إن تعرضه للتعذيب العنيف بدأ مع اعتقاله في فرع قيادة المخابرات في منطقة العدوي بدمشق، حيث حل رقم 13 محل اسمه، ونزعت عنه ملابسه، وأمره المحققون بأن يجثو على ركبتيه مطأطئ الرأس ليجيب على أسئلتهم وسط ضرب مبرح، وتـهديدات بالقضاء عليه. ويضيف محمد سليم حماد الذي لم يكن بوسعه الإقرار بما يطلب منه أنه نقل بعد ذلك إلى غرفة مخصصة للتعذيب أسفل قبو مظلم،[3] حيث علق بالحبال في سقف الغرفة وهو مجرد الثياب ثم انـهال عليه الجلادون بالضرب بأسياخ النار وأسلاك الكهرباء والعصي، واندفع هؤلاء إلى استخدام اللسعات الكهربائية في مناطق حساسة من جسمه مهددين إياه بالموت ما لم يعترف بما يطلب منه. وبعد تلك المرحلة من العذاب التي تعرف بلغة الجلادين “الشبح” ذهب بمحمد سليم حماد إلى تعذيب من نوع آخر يقال “بساط الريح” و هذ لوح من الخشب يشد المسجون إليه بواسطة قطعة حديدية ثم يرفع نصفه حيث يبدأ الضرب على القدمين بأسلاك معدنية، وأسلوب آخر يسمي “الكرسي الألماني ” وهو كرسي ذو أجزاء متحركة يوثق المعتقل إليه من ذراعيه وساقيه ثم يسحب مسنده الخلفي إلى الوراء، ساحباً بذلك الجذع الأعلى معه، فيما تظل قدماه مثبتتان من الجهة الأخرى، فيتركز الضغط على الصدر والعمود الفقري، مما يؤدي إلى تـهتك العمود الفقري، والإصابة بالشلل لاحقاً.

 ويقول المعتقل الأردني محمد سليم حماد في روايته أن مرحلة التعذيب التي تعرض لها أثناء حبسه لم تكن سوى مرحلة أولى حسب طريق معروف يسلكه المعتقلون السياسيون في سوريا، فقد نقل محمد سليم حماد بعد ذلك إلى فرع التحقيق العسكري بدمشق حيث أخضع لجولات جديدة من التعذيب القاسي الذي يشمل الصعق بالكهرباء، والكي بالنار، والجلد والشبح. ويعدّ سجن تدمر الذي أقيم زمن الاستعمار الفرنسي لتعذيب المجاهدين ضد الاحتلال الأسوأ سمعة بين السجون والمعتقلات السورية، ويعدّ التعذيب جزءا من منهجية الاعتقال، حيث يبدأ منذ اللحظات الأولى لوصول المعتقل وهو معصوب العينين، ويختتم بوفاته، أو الإفراج عنه وهو أمر نادر كما تشير الوقائع. ويكتب السجين الأردني محمد سليم حماد أساليب التعذيب التي تعرض لها أو شاهدها في سجن تدمر على النحو الآتي:

1- التعليم: وهو اختيار واحد من المعتقلين بشكل عشوائي، حيث يتم تعريضه لوجبات قاسية من العذاب إلى أن يقضي نحبه، وبذلك يكون عبرة لغيره من المعتقلين[4].

2- الدولاب: حيث يوضع المعتقل داخل دولاب مطاطي، وترفع قدماه في الهواء، بحيث ينهال عليه الجلادون بالسياط، وبعد ذلك تربط القدمان بسلسلة من الحديد تمنعهما من التحرك، ويلي ذلك انقضاض على المعتقل بالضرب والركل، إلى أن تسيل الدماء منه.

3- المراقبة الدورية: في المهجع الذي يكتظ بالمعتقلين، وهو عبارة عن غرفة مستطيلة تحتوي على دورة مياه وحمامين، وفي السقف فتحتان مغطاتان بقضبان حديدية، ويقوم عناصر المخابرات والشرطة العسكرية بالتعرض للمعتقلين كافة أو انتقاء واحد منهم، كلما طلب بدء جولة جديدة من التعذيب[5].

4- التفقد: وهو عملية الإحصاء اليومي للمعتقلين، حيث تصاحبه على الدوام عمليات ضرب وسب وجلد، ولا يسمح للمعتقلين بالنوم إلا على بطانيات بالية، لا تتيح لهم الوقاية من برد الصحراء ا لقارس[6].

5- التنفس: حيث يعمد الجلادون إلى استغلال اللحظات التي يخرج فيها المعتقلون إلى باحة السجن، للانقضاض عليهم بالضرب بواسطة العصي والأسلاك، ومنعهم من التحدث إلى بعضهم، ويعتبر الطعام المقدم إلى المعتقلين جزءاً من عملية الإساءة التي تتميز بـها المعتقلات السورية، وخاصة سجن تدمر الصحراوي، وتتميز الأطعمة في غالب الأحيان بأنـها فاسدة، وتسبب الأمراض المعدية للسجناء، وفي بعض الأحيان يؤمر المعتقلون بأكل الذباب والصراصير والفئران الميتة تحت التهديد والوعيد.

6- الحلاقة: يؤمر المعتقل بالجلوس جاثياً أمام الحلاق وهو أحد جلادي السجن، حيث يقوم الحلاق باستخدام موسى جارحة مع الضرب والشتم، وغالباً ما يتسبب العمل بإصابة المعتقل بجروح غائرة في الرأس والوجه[7].

7- الحمام: حيث يخرج المعتقلون إلى باحة السجن، وينهال عليهم الجلادون بالضرب والجلد، ثم. يساقون إلى مقصورات ضمن مجموعات تضم كل واحدة نحو ستة معتقلين، ويوضع هؤلاء تحت رشاش يطلق ماءً بارداً، وهم ينـزعون عنهم ملابسهم.

8- النوم بالتناوب: كان مهجع السجناء بائسا تعيسا وفي غاية السوء إضافة إلى ضيق المساحة التي لم تكد تتسع لأي نزيل جديد، بحيث أصبح السجناء يتناوبون على النوم في حين يبقي البعض منهم واقفا في انتظار دورة[8].

ويصف محمد سليم حماد في كتابه الأجواء المرعبة التي تخيم على معتقل تدمر، و عملية الإعدام المتواصلة للسجناء السياسيين، إلى جانب وفاة عدد منهم نتيجة إصابتهم بأمراض خطيرة[9]، لم تتخذ السلطات لهم فرصة الحصول على العلاج في المشفى، والمحاكمات الصورية التي يقوم بـها ضباط الأمن والمخابرات ، حيث تصدر أحكام عشوائية تتصف بالقسوة استناداً إلى اعترافات تم انتزاعها تحت التعذيب، ورغم هذه الصورة المهيبة فقد أجبر الشرطيون السجناء وغالبيتهم من طلبة الجامعات على التصويت بقول “نعم” خلال حملة إعادة انتخاب الرئيس حافظ الأسد لولاية جديدة وليبقي في الحكم عام 1991، ويروي محمد سليم حماد إن الجلادين أجبروا المعتقلين على كتابة كلمة “نعم” بدمهم إمعاناً في القسوة. ويسلط الكتاب الوثيقة مشاهدات عدد من المعتقلين أثناء مجزرة سجن تدمر في 27 مايو 1980 عندما ذهبت سرايا الدفاع بقيادة شقيق الرئيس العقيد رفعت الأسد على قتل ما يربو على 600 معتقل ودفنهم في مقابر جماعية خارج الصحراء شرق بلدة تدمر. بالإضافة إلى التعذيب الوحشي الذي لا تخطر فنونه على قلوب الإبليس، يضيف أولئك السفاحون تعذيبا نفسيا آخر، يرشون فوق جروحهم الجسدية المتقيحة ملحا. يقضي السجناء أيامهم كالسنين في روتين يفقدون فيه كل طعم للحياة، لا يستطيع أحدهم التحدث إلى جاره الذي ينام معه على عازل واحد ويتربصون بالباب لأي اقتحام خارجي يتخلصون من هذا الجحيم.

سجن تدمر كان مصنع زرع الخوف:

   تدور أحداث الرواية حول واقع المجتمع السوري خلال فترة الحكم الرئيس السابق حافظ الأسد وتسلط الضوء على الفساد المتفشي في البلاد وما ترتب عن ذلك من معاناة وتضييق على الحريات. لمدة عقود أطلقت السلطات الحاكمة سياسة التخويف، متسلحة بشتي الأساليب والأدوات لزرع الخوف في النفوس والاستبداد بالعباد. يقول برؤ “حكم عليّ القاضي بالإعدام في غضون ثوانٍ. لم يكن لدي الوقت لفتح فمي إلا أنه لحسن الحظ لم يتجاوز وقتها 17 عاما وبالتالي لا تنطبق عليه هذه العقوبة لأنه صغير ولكن أصدقاؤه السبعة لم تكن لديهم هذه الفرصة وقد شنقوا، فالسجن الواقع على أبواب الصحراء بدأ برؤ رحلة طويلة مع الرعب، رأى خلالها الموت والجنون من الزنزانة التي يتقاسمها مع عشرات السجناء وهي تقع أمام غرفة الإعدام ليشاهدوا من الثقوب بالباب عمليات الشنق الحية التي كانت تحدث كل سبت وأربعاء أسبوعيا[10]. وفي سجن تدمر يموت الكثير من المعتقلين بسبب التعذيب الذي تعقد له ثلاث جلسات في اليوم وكأنه وجبة طعام دون احتساب الضرب بالعصي الذي يقوم به الحراس أثناء النداء مرتين في الأسبوع للاستحمام. وهذا ما تكشفه رواية ” تدمر شاهد مشهود” لسليم حماد.

الامتياز في التعذيب بين السجناء:

  يذكر محمد حماد في كتابه عن وجود النساء المسجونات في سجن تدمر، لكنهم لم يستطيعوا التواصل معهم، كذلك المساجين المحسوبين على البعث اليميني العراقي، وعلى سجناء شيوعيين، لم يتواصلوا معهم لكنهم علموا أن المعاملة معهم كانت أقل تعذيب ويحصلون على حقوق أكثر. كما تحدث محمد حماد عن الزيارات التي كانت تأتي لبعض السجناء والتي يحصل بها السجناء على بعض الحاجات الشخصية والمال، وكيف نشأت شبكة فساد ونهب من إدارة السجن وبعض المساجين الساقطين أخلاقيا وسلوكيا، ليعاد نهب هذه الأموال على قلتها، لقد تكالبوا على السجناء والقليل الذي يأتيهم، فقد فتحوا دكانا متواضعا، وباعوهم أغراضهم بأسعار غالية جدا، لقد كان سرقة علنية. لقد وقع السجناء ضحية قمع شديد مستديم لسنوات أدى لانهيار البعض نفسيا إلى درجة أن يكون مخبرا على رفاقه السجناء معه، مع العلم أن المخبر لا يحصل على أي مكتسب، والبعض منهم قد يقع ضحية تسلط السجانين عليه ويموت تحت التعذيب، ولا تفيده خيانته للسجناء ممن يعيش معهم، مع العلم أن الوشاية لا تفيد شيئا للنظام، لأن السجناء أعجز من أن يؤذوا نملة، حتى يؤثروا على النظام المجرم داخل السجن وخارجه، فلا إمكانية للسجناء لفعل أي شيء، كما أنهم منقطعين عن العالم كله، لكن الوشاية تؤدي لأن يأخذها السجانون ذريعة لمزيد من تعذيب السجناء وقتلهم وإذلالهم[11].

رواية “تدمر شاهد ومشهود” عمل توثيقي:

 وقد عرض المؤلف مجموعة من الأمثلة الدالة على ما كان الشعب يعانيه من قمع وتنكيل ونفي واستيلاء على الممتلكات. وعلى ما كانت البطانة والحاشية تمارسانه من ابتزاز واضطهاد. فكلمة خوف تتردد بقوة في فصول هذه الرواية، التي يظهر أيضا خوف كاتبها وهو في السجن. في الحقيقة هذا عمل توثيقي رائع ينصح بقراءته بشدة، يحمل القارئ في رحلة إلى العالم الخفي لنظام الأسد الوحشي في سوريا ويسرد معاناة آلاف من البشر من الذل والإهانة والتصفية المباشرة ويعري طائفية عبيد النظام وتعاملهم الحيواني مع مجتمع البشر. ومن ناحية أخري يقول بعض الأدباء هذه الرواية من قسم أدب السجون ويُطلق أدب السجون على أي عمل أدبي، يسرد قصة شخص فردا أو جماعة قضاها في مكان مضاد لإرادته، دون أدنى اعتبار لزمن الكتابة؛ فلا ضير أن تكتب على شكل يوميات أثناء الاعتقال، أو تحرر بعد مغادرة المعتقل زنزانته ومعانقة الحرية. ولكن الرواية كانت على الرغم من كثرة أحداثها وقصص الرعب التي تحتويها بمثابة توثيق، فالكاتب هنا عمد إلى توثيق كل حدث صغير سردا منذ أول يوم في اعتقاله وحتى خروجه من ذلك القبر المخيف، ويذكر الكاتب الظلم والقسوة وأساليب التعذيب من السجن التي لا تخطر على بال أحد، ويكشف عن السبب الحقيقي لغياب أصوات معارضة في سوريا خلال الثلاثين سنة الماضية.

الخاتمة:

  إن هذا الكتاب في الواقع مذكرات معتقََل أو سجين تكشف عما جرى ويجري في السجون من الظلم والاظطهاد والتعذيب بشتى أنواعه باسم التفتيش من قبل النظام السوري الاستبدادي المجرم في العقود الأخيرة من حكم سوريا تحت قيادة حافظ الأسد و ابنه بشار الأسد. وبما أن المثقفين والكتّاب والرواة السوريين كانوا يعانون في العقود الخمسة الأخيرة من التاريخ السوري المعاصر من القمع السياسي والكبت الحكومي لجأوا إلى تدوين التجربة المريرة في عمل أدبي وإبداعي، بما فيها القصة والرواية ومذكرات يومية و سيرة ذاتية. ويرى الباحث أن هناك مجموعة من الكتب والروايات التي تناولت الأوضاع العربية المختلفة، ونجحت في إبراز المساوئ السياسية والكشف عن السلبيات المنتشرة في البلدان العربية وإيقاظ الوعي العربي العام، ما أدى إلى تمهيد الطريق لثورات الربيع العربي إذ خرجت شعوبها ضد أنظمة حكمهم في البلدان المختلفة من تونس، ومصر، وليبيا، واليمن وسوريا. وبالتالي توصل الباحث إلى نتيجة أن الكتاب “تدمر شاهد ومشهود” لمحمد سليم حماد من إحدى الروايات أو الكتب التي حرضت بشكل غير مباشر الشعب السوري على الثورة، وهناك علاقة قوية بين الرواية والسلطة السورية، فالرواية أثرت في نفوس القراء من حيث إنها أصبحت أداة للمعارضة لتوجيه التهم إلى السلطة الحاكمة.

الهوامش:

[1]  حماد، محمد سليم: تدمر شاهد مشهود (دمشق: مركز الدراسات السورية 2011) ص: 22

[2]  المرجع نفسه، ص 12

[3] المرجع نفسه، ص 13

[4]  المرجع نفسه، ص 26

[5]  المرجع نفسه، ص 59

[6]  المرجع نفسه، ص 31

[7]  المرجع نفسه، ص 20

[8]  المرجع نفسه، ص 18

[9]  المرجع نفسه، ص 38

[10] الجزيرة (معزوفة الموت بسجن تدمر) https://www.aljazeera.net/ 5/1/2022

[11] حماد، محمد سليم: تدمر شاهد مشهود (دمشق: مركز الدراسات السورية 2011) ص: 39

المصادر والمراجع:

  • حماد، سليم محمد. تدمر شاهد ومشهود، ط دمشق: مركز الدراسات السورية،2011
  • حماد، سليم محمد. تدمر شاهد ومشهود: مذكرات معتقل في سجون الأسد، مركز الدراسات السورية،2006
  • خليفة، خالد. لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة، بيروت: دار الآداب 2013
  • الريحاني، سعيد محمد. عدو الشمس البهلوان الذي صار وحشا، الرباط: طوب بريس، 2012
  • الحجوج، هشام محمد. علاقة الرواية العربية بالحدث السياسي ما بعد العام 2010، جامعة موته، 2015

……………….. ***** ……………….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here