الموضوع النفسي في مجموعة “امرأة بزي جسد” للقاصة العراقية وفاء عبد الرزاق

Vol. No. 2, Issue No.4 - October-December 2022, ISSN: 2582-9254

0
42

الموضوع النفسي في مجموعة “امرأة بزي جسد” للقاصة العراقية وفاء عبد الرزاق

الدكتور مسلك ميمون

كاتب من المغرب

———————–

القاصّة والشّاعرة وفاء عبد الرزاق ، الموهبة الثّرة المعطاء، العربية العراقية ،التي أغرقتها الغربة في بريطانية بعيداً عن الوطن، و لكن الوطن يسكنها ، و يشدّها إلى مرابع الذكريات في البصرة . فقد ظلت ُتعرف شاعرة و بخاصة في الشّعر الشّعبي . لانحدارها من أسرة شاعرة : الأم ، و الأب ، و الأخ الأكبر ..و لكن رغم ذلك فهي قصّاصة و لوعة بفن السّرد و السّرديات .

و تهمّنا في هذه الدراسة مجموعتها: ( امرأة بزي جسد ) التي جاءت في حجم متوسط، و تتكون من إحدى عشرة قصة : ( لها ، لي ، لا أعرف ــ أربع أقدام وسطح ـ مقلوب سائق ــ تحت ظل البياض ــ مزميهراء ـ طفل بصحن هريس ـ امرأة بزي جسد ـ حافلة ، زاوية ، و قطار ـ عقاب أم ثواب ـ غزو جراد ـ حفلة في حاوية زبالة).

إنّ الموضوع في القصة القصيرة عموماً ،و في قصص وفاء عبد الرزاق يأخذ أبعاداً مختلفة ؛حسب ثقافة القاص، و بعد نظره، و طريقة طرحه فنياً . فالموضوع أحياناً يطرح في القصّة . و يأتي كمادة إخبارية، أو تقرير عن حادثة ، و أحياناً يكون وسيلة جدال و صراع و أخذ ورد بين الشّخصيات التي تعكس واقعاً معيشاً.و أحياناً أخرى يحجب الرّمز أو كثرة الكلام و تداخله.. كلّ معالم الموضوع ..

و في جميع الأحوال لا يمكن الحديث عن نص سردي قصصي دون موضوع / حدث . بل أساس البناء الفنّي و قوامه ، و جود فكرة ما ، لا يهم صدقها من كذبها ،من واقعيتها من خيالها … المهم الأساس هو الوجود الفعلي .. و كلّ الأشياء الأخرى تستتبع ذلك على التّوالي ســواء في عملية الإبداع و التّكوين . أو بعد ذلك في عملية التّحليل و النّقد و الدّراسة ..

*

عودة لمجموعة “امرأة بزي جسد ” فإنّ المواضيع تختلف في دلالتها و كنهها ،و بعدها و إشكاليتها .. كما تختلف في طرائق طرحها و بنائها فنياً.و ليس الموضوع في حد ذاته إبداعاً بل الإبداع في كيفية و طريقة تقديمه للمتلقي، في صورة تسمح بالتّفاعل. و في هذه المجموعة اعتنت القاصّة بالبعد النّفسي . و نسجت عوالم قصصية نفسية ..

ففي قصة ( لها، لي، لا أعرف) الموضوع نفسي تبدأ القصّة ب ( فعلا لا أعرف..) و تنتهي ب ( لا أعرف . ) و الموضوع محاولة رؤية الذّات من الخارج . فالغالب الأعمّ أنّ الرؤية داخلية تعتمد الإحساس و الشّعور .. و هو في جميع الأحوال شعور متبلد، استكان لواقع ما ، و تكيّف و وضع ما . على خلاف الرؤية من الخارج التي تتّسم بالموضوعية و الحياد ، لهذا تدفع إلى الدهشة و التّساؤول : ( فعلا لا أعرف ، على حدّ علمي أنّها اغتسلت في حمامي استخدمت منشفتي و عطري المفضل … ما لا أعرفه أنّ خروجها من الدار زامن خروجي بالضبط ….

تعثرت بمنخفض في الشارع ، ما كدت أرفع نفسي عن الأرض حتى وجدتها أمامي تناولني حقيبتي بعد مسحها إياها من ماء مطر راكد في الحفرة ، دافئا كان وجهها ، وجدته صورة لجدتي ، و رائحة أختي الكبرى ، تسلل قلب أمي من نظراتها بحزنها المقوس الرقيق ، ابتسمت لها وغادرت . .. ناولتني الفاتورة ، أخذت المفتاح من يدي و دخلتْ .

بخطوات جريئة صعدت السلم فتحت دولاب ملابسي، خبأت حقيبتها المتواضعة ، ارتدت نعلي الخفيف أعدتْ لها كوب شاي و جلست تتفرج على شاشة تلفازي ..)

هذا الاقتباس لتصرفات الأخرى مع السّاردة يبن أنّه غير عاد، و لا يمكن لضيفة صديقة أو غير ذلك ،أن تتصرف هكذا بحرية مطلقة . الشئ الذي جعل السّاردة في قمّة الدّهشة و الغرابة تسألها : (من أنت؟ فأجابت : لا أدري ، أجبتها : و أنا لا أدري ) و كذلك الأمر حين تنظر الذّات إلى نفسها من الخارج . فكثير من تصرفاتنا التي لا نؤمن بها قد نقوم بها فعلا و لكن هل نستطيع إيجاد مسوغ لذلك أو توضيحه ؟ حتماً لا نستطيع . و قد نتبرأ من ذلك و نوضح بأنّنا لسنا في مستوى فعل عمل كهذا،و لكن لماذا الآخر/الأنا، قام به ؟ ذاك مصدر الحيرة و الدّهشة و كأنّنا أمام ازدواج الشّخصية، و هو مرض نفسي بالدرجة الأولى، على عكس الفصام الذي هو مرض عقلي. و من تمّة كان العنوان “لها، لي،لا أعرف” و تلك حالة المريض نفسياً يشكو من عدم المعرفة و الفهم ، و لكن لا يتورّع في طلب المساعدة .

في القصّة الثّانية: ( أربع أقدام وسطح) .

ــ في القدم الأولى :نصادف العامل النفسيي، بشكل غرائبي . تتحول السّاردة إلى قدم . مجرد قدم ، تتمنّى ،و ترغب أن تصل إلى السّطح ( كهدف ) لكن المرتقى صعب ، و ثلاثون درجة تتوسط الفراغ تزيد الأمر خطورة و صعوبة.. إذا لابدّ من سنـد . فجاهدت القدم أن يكون لها ذراع تستند عليها ، أو ركبة تحركها لكي و كما قالت : (أعترف لنفسي أنني حاولت ) ص10 كما تمنت أن تكون لها قدم ثانية.و في خضم هذا تحققت الأمنية بشكل آخر و ذلك،بأن أصبحت القدم على شكل عنكبوت قادر على القفز .و عمل الوهم، و الاستعداد على تقبله، بأن أصبحت القدم غير القادرة بدون سند الوصول إلى السّطح تؤمن بأنّها عنكبوت : ( أنا “عنكب” و لمَ لا ؟ سأتخيل أني هو و أبني شبكتي كي لا يعبره الآخرون و سأتغذى على على دماء المتطفلين المتسللين و أبصق عليهم . إذاً أنا عنكب، عنكب أنا و لوما عليكم أن تعرفوا قدراتي ، فأنا أعرف المسلك المؤدي إلى السطح ، سأكون لائقاً لعنكب و أتسلق ، هي حكمتي في التمرد ..) ص11

لو عدنا إلى النّص سنجد دلالات نفسية وظفتها الكاتبة : ارتقاء السّلم ، الفراغ الكبير ، بيت فارغ ، أتخيل ،سأرى العالم ، جاهدت طويلا، لأصعد أول السلم ،ضعف نفسي، أنني حاولت، و ددت أن تكون لي ، قدرتها على القفز، سأتخيل أنني هو، أبني شبكتي ، سأتغـــذى على دماء المتطفلين، أن تعرفوا قدراتي، سأكون لائقاً لعنكب ، حكمتي في التّمرد، سأنطلق..

هذا زخم من الألفاظ الدالة عن نفسية تعاني من وضع محبط، و لا تملك سنداً، إلا التّخيل و الحلم بالوصول إلى القمّة ( السّطح) .

القدم الثانية : و هي في أوّل درجة السّلم حائرة في الصّعود المستحيل. تستمع إلى كلب في الدّرجة الثلاثين، يتمتع بنباحه الذي ينعش أفكاره، و يذكره بهيئته الكلبية و يهز ذيله فرحاً بما يقدم له صاحبه من بقايا عظام وليمته. و لا تخيفه اللّيالي الحالكة .

بينما القدم في الأسفل تحاول أن تقنع نفسها : ( لست قدماً مبتورة بل أحترم البتر ، و أحبّ البرص لكون ذيله ينمو و إن بُتر ، كما أحبه و هو لا يأبه لاشمئزاز الرائي إليه . ) ص12

بينما يتساءل الكلب و هو في الأعلى : ( بماذا تطمح هذه القدم ؟ أزعجتها بنباحي و أزعجتني أفكارها ) و ما أفكارها؟ ذاك ما ذكّر الكلب به القدم إذ قال لها.”أنت مجرد قدم يراودها حلمها الملتهب لرؤية قمر السّطح ستبقى هذه الرغبة تنهش أحشاءك”. و كما نلاحظ أنّ في القدم الثّانية جملة من الألفاظ ذات الحمولة النّفسية : ( يستحق الاعتناء، ينعش أفكاري،يذكرني،أحبه، أتقمصه، فرحا،تخيفني، تخيفهم ، رؤية الأشباح، اشمئزاز،تطمح، أزعجتها،يخجلني،يراودها ، حلمها، الرّغبة،بهجتي ..)

 القدم الثّالثة : بعد كلام يشبه الهلوسة : ( ملعون من تقوده قدم خنزير . لكن لمَ اللعنة ؟ هل أحاول إرضاء من يجيد النّوم على قفاه ؟كل حر بقفاه . رغم متعة هذه الحرية إلا أنّه يتوسل الإنسان بداخله أن يفسر له الأشياء…) و يستمرالكلام المتداخل ..إلى أن تعود القدم إلى نفسها فتعرب : ( ليس من عادتي صعود السّطح ، بل أشير بإصبعي ينزل من فيه ، أجعل للحمير أجنحة و أطير عليها حيث أقتادها إلى السطح .)

قدم أخرى بنفسية مختلفة ، لا تحدوها رغبة الوصول بجهد و مجاهدة . بل تشير و تأمر فيلبى طلبها بل إن أرادت الارتقاء تجعل للحمير أجنحة و تطير عليها إلى أن تصل السّطح .

فهي قدم انتهازية وصولية . تعيش عالة على الآخرين ( الحمير) و ما الانتهازية إلا ضرب مرضي نفسي تعززه الأنانية المفرطة و حبّ الذّات ، و التّنكر للجميع و تعبر عن ذلك ألفاظ منها ” خنازير ، اللّعنة ، النّوم ، متعة ، مرؤوس ، رئيس ، رائحة نتنة ، دابة ، المتوحشين ، أشير ، الحمير ، أطير ، السّطح..”

القدم الرّابعة : قدم بقيت في أوّل درج من السّلم تتأمّل الذين هم فوق السّطح؛ من أقدام راقصة . فتشعر بأنّهم في حاجة إلى تعزية، و تقول في سرها : ( أنا قدم جسور تبحث عمن يطيل الحياة و يستشف أبديتها و هم يزدادون ارتقاء بقصرها . ) ص15 كلام يسوغ عدم القدرة على الصّعود و الارتقاء ، يزداد وضوحاً حين تطلب من السّلم الخشبي أن يعود سيرته الأولى و يصبح شجرة : ( ارجع حيث كنت ، الشجرة التي أسقيتها طفولتي ، إني أراني أغنى الناس بك .. لنا جادتنا و لهم السّطح .) قدم ، فقدت الأمل في الصّعود و الارتقـاء و أرادت أن تستسلم لواقعها دون مجاهدة و لا احتيال و لا وصولية . و هي نفسية خاملة تريد الواقع كما تشاء ، سهلا خيالياً ميتفزيقياً ..لا كما ينبغي أن يكون . و لها ألفاظها النفسية : ( اعتراضي ،(عدم ) الصعود، ترقص ، يرقصون ،ضجيج الأقدام ،أتخيل ،تعزية ، يستحقون ، السلم طفيلياتهم ، تزحف ،أوحالهم ، يدك بيدي ،لنا جادتنا و لهم السّطح ، أذهلني الحلم ، أهذي بافتراضاتي )

أمّا قصة ( مقلوب سائق ) قصة ساخرة يتحول فيها السّارد إلى طاكسي بدل حمل النّاس يحمل أنواعاً من السيارات كلّ يوم، و كلّ سيارة تحكي قصتها مع مالكها. و كانت أوّل زبونة :

ـ من أين البنية ؟

ـ يا غبي من عائلة “شفرولي” الأصيلة .

ـ عذرك ما قصدت الأصل و اسم العشيرة بل لمن ترجع ملكيتك يا رقيقة العود وعذبة الكلام ؟

ـ أنا أعود لموظف في شركة النفط اسمه “عايف زهقان” متزوج من ثلاث نساء لكلّ واحدة أربع بنات لم يرزقه الله بولد، عذبوني أولاد الكلب ….

ثم تستمر في الحديث عن زوجات مالكها . و تنتقل للحديث عن غزلها بـ “بي أم” و كيف خذلها و تزوج المرسديس و تعجبت كيف أن الذكور لا يقنعون بواحدة . لما نصحها الطاكسي أن تعامله بالمثل اعترضت لقيمها و مبادئها ثمّ إنّ أخاها  “شفوري” يحبّ أخت “بي أم”  “بي أمّاية” طمعاً في القصر و الخدم و الحشم و السفرات للخارج و الألماس و الفلبينيات ..

ثمّ هي لا تريد العودة إلى مالكها عايف لأنّه في زيارة لحبيبته الجديدة و رخصّ لها أن تذهب بعيداً كي لا يعرف من رقمها . و حين الأداء قدمت ساعة ثمينة، لأنّها لا تحمل نقوداً معها .

فودعته بعد أن سألته عن اسمه فقال الطاكسي : حافي بن عريان من بني متعب .

فقبل أن تغادر أخبرته عن السّاعة الثّمينة : (زوجة ” رولز ” أهدت الساعة إلى ” بي أم “و أهداها لأخته ” بي أماية ” و هي أهدتها لأخي “شفوري ” و أنا سرقتها منه …قلت يمكن أحتاجها في يوم ما لمغازلة أو ملاحقة أو سهرةماجنة في قصر ” فورد “أو على يخت العم ” فراري ” و الله أفضل أراها بيدك و لا تلبسها الفلبينية خادمتنا .) ص16

في طريق العودة و عند بائع البطيخ ترك دوره لامرأة مسنة سألها عن اسمها فقالت :

ـ يمه اسمي “تيوتا” يمه المالك اسمه “كاسب تعبان من عشيرة مكدود”

فسلمها السّاعة الثّمينة و طلب منها أن تسلمها لكاسب مالكها . في الصباح كان الشارع يعجّ برجال الشرطة الكلّ يبحث عن لص سرق ساعة الوزير ” رويلز “

القصّة الرمزية ، انعكاس فنّي لعناصر المجتمع الخليجي و ما يملكون من سيارات فاخرة . وكل سيارة تحكي أسرار مالكها.هؤلاء الملاك،و رغم كلّ الثّراء يعانون من التّعب و أسماؤهم رامزة لذلك في إشارة أنّ السّعادة لا يحققها البذخ و فحش الثّراء، و امتلاك الخدم و الحشم لأنّ السّعادة ليس من جنس المادة . فهي إحساس و شعور ليس إلا. لا يتحقق بالرغبات و تحقيـق الأحلام ، و الغرق في الملذات و الشّهوات . بقدر ما يتحقّق بالقناعة و الاعتدال ..و الرّمز في ذلك إعطاء السّاعة الثمينة إلى تيوتا لتسلمها إلى كاسب .

أمّا قصة ” تحت ظل البياض ” نص يختلف عن سابقيه بناء و أسلوباً . ولكنّه لا يخرج عن إطار الهاجس النّفسي : أمّ في الأربعين يصاحبها ابنها المعاق ،تركبان إلى جانب السّاردة و يبدأ الحكي . الأمّ عينها على ابنها و تصرفاته . بينما السّاردة تبدو متفهمة للوضع . غير أنّ الشّاب يتصرف على سجيته فتكثر تنبيهات الأم : ( لاحظت ذات الأربعين تراقب حركاته بدقة ، و ترشده بإشارات من عينها ، أو بأصبعها ، لم يأبه لتحذيراتها مد عنقه صوب عنقي ، تشمم رائحة عطري فرك أنفه الأفطس كأنه شم حليبا و سارح زبد فمه مما اضطره لمسحه بكم قميصه المقلم ،مد ذراعه خلف ظهري تاركا رأسه على كتفي مثل طفل . ) ص25

لا شك أنّ نفسية أمّ ترعى معاقاً بهذا الشكل ، ستكون صعبة ، كلّها معاناة و إحراج و ألم لهذا اعتذرت للسّاردة و لكن الطفل/الشاب تمادى في تصرفه ( زاد التصاقه أكثر و كطفل أيضاً ربّما أقل من طفل كرضيع و شمّني بقوة ، هذه المرة شعرت بلعابه يسيل على ثوبي .. ) ص26 فاضطرت الأم محرجة أن تنزل في المحطة القادمة .ساحبة ابنها وسط الزّحام و قد ظلّ مشدوداً إلى السّاردة بوَله.. و عنه تصدر حركات غريبة ( ربّما حلم بعرس ، أو ربّما رائحة عطر الأنثى أثارت عقل طفل ، وجسد رجل منغولي شبق )

أمّا قصة (مزمهراء) فتعالج موضوع الزّواج المختلط بين مسيحية و مسلم، و انعكاـس ذلك على مستقبل الأطفال إبان زواجهم بين المسجد و الإمام،والكنيسة و الرّاهب و محاولة التّوافق بين الدينين بوجود زائرة غيبية يفسرها الرّاهب بأنّها: مزمهراء و لمّا تسأل السّاردة يخبرهــا الرّاهب في الإسلام هناك : زهراء أي فاطمة الزهراء ، و في المسيحية هناك مريم .

والعامل النّفسي هنا ينشطر إلى شطرين في شطره السّلبي الحيرة بين ديانة الأم و ديانة الأب و أيّهما يتبع في مراسم كمراسم الزّواج ؟و في شطره الإيجابي فكرة المرأة الغيبية التي تراقب المراسيم عن بعد، سواء في المسجد أو في الكنيسة و هي (مزمهراء) .والتي هي مسألة تهرب من واقع مرير ، و صراع نفسي مضطرم… ليس إلا .

أمّا قصّة ( طفل بصحن هريس ) فأثر نفسي آخر، السّاردة تحضر و ليمة عشاء فاخر . و لكنّها مسكونة بصور البؤس ،و الجوع ، و المعاناة ..في أماكن عامّة في العالم.. فكيف تأكل و تستطيب الأكل و هذا الذي بداخلها يشغلها و يفقدها الشهية؟ : (شاهدت هيكلا عظميا لامرأة من إفريقيا … رأيت طفلة لبنانية مشوهة .. حين غرزت الشوكة نبتت شريحة من لحم كف مهروس بقذيفة وقعت في سوق شعبي في بغداد …) ص 35/36 و تنثال الصّور المزعجة و كأنّها تأنيب ضمير بينما ( هم يضحكون و يتبادلون ورق العنب و الدجاج، غريب أمرهم ألم يروا الأطفال انتشروا في المكان ازدحموا حولي و حولهم،لماذا أنا فقط أراهم،هل هذا عقاب لي لأني تفرجت على صورهم في الكومبيوتر ؟ ) ص36

أمّا قصة ( امرأة بزي جسد ) التي اختير عنوانها كعنوان للمجموعة . فإنّها توغل في العامل النّفسي لدرجة البتر و الفصل . لنتأمل هذا التصدير الغريب : (أرفع رأسي أنزعه كقطعة قديمة ، أضعه على طاولة الطعام قرب سلة الفاكهة ، أتركه يتفرج على ألوانها الزاهية …. لا يعجبه النوم كما لا تعجبه الراحة، و لأنه لم يتركني أهدأ لحظة في حياتي انتزعته من رقبتي و تركته يتأمل، فقط يتأمل لا يستطيع أن يأكل أو يشرب، فقد النطق تماماً) ص40

الرأس بؤرة الانشغال ، و التّوتر، و الأفكار .. مكان الدماغ المتحكم في كلّ الجسد، و مكان العينين الخطيرتين الراصدتين لكلّ ما تدركانه ،و تبحثان في تجسّس و استخبار عن كلّ مالا تدركانه ، ( العينان الأسيرتان ، جسران يعبر عليهما القادم والغادي .. ) ثمّ الشّفتان،، و لو لاهما لا انقطع حبل الكلام . و اختلط الفهم بعدمه و لضاعت الحقيقة .. بل هما معاً و بوجودهما ورطتا صاحبهما في مشاكل عدّة . كما في الرأس المنخار و قدرته في تصنيف الروائح و تحديد مصدرها و درجتها ، و هناك حاجبان أسودان و وجنتان و حنك مدور .. عليهما ترتسم علامات الفرحة و الحزن و الاكتئاب .. و من تمّ كان الرأس جامعاً راصداً و عاكساً لما يتعامل في الدّماغ . ثمّ يلفت الانتباه إلى عضو آخر، اليد اليمنى ( لا بأس سأنزعها هي الأخرى قرب رأس تحك شعره و تصفعه ) ثم تقسو الساردة على اليد اليسرى و تسمها (بالعبودية لأنها صالحة للحمام فقط ..لا أحبّكما ، أنتما حماران يسوقكما جسد و رأس … لست بحاجة لحمارين،أخلعكما راضية..) ص43 و هكذا مع الأمعاء، و القلب، بتر و تخلص حتى تصبح المسألة امرأة كانت بزي جسد . و هذه حالة نفسية ، يصبح الإنسان لا يطيق نفسه و لا شكله و يعمد لمحاسبة نفسه حساباً عسيراً فيقسو على نفسه انتقاماً ممّا يشعر به من إحباط و سودوية …و هذا ما يعرف في علم النفس بالمازوخية Masochism [1] أو الماشوسية أو الخضوعية أي حبّ تعذيب النّفس ، و هي خاصية شائعة بين النّساء . على عكس السّادية التي يعشق صاحبها تعذيب الآخرين و يجد في ذلك متعة و لذّة ، و هي تخص بعض الرجال.

أمّا قصة :” نسيج آخر” فهي أقرب إلى عملية مقارنة بين امرأة عجوز عاملة و بين رجل شرقي سكير مهمل عاطل من جهة،و بينهما معاً و بين السّاردة.و في هذه المقارنة السّردية الكثير من النّقط النّفسية لنتأمل و صف المرأة العجوز: ( يدخلون معها في حوارات لا أفهم لغتها.مرة بالهندي و مرة بالانكليزي المكسور،و مرات بصياح لا غير ، مجرد صاح لتثبت لنفسها أنها موضع اهتمام و لها أصحاب يفهمون لغتها . ) و هذا شعور بالنّقص تعوضه العجوز بالثرثرة و محادثة الآخرين بصوت مرتفع و بالهندية و الانكليزية بغيـــة لفت الاهتمام و الشّعور باهتمام الآخر . و في لقطات سريعة تتطرق السّاردة إلى حــالات نفسية شخصية، تخصّ المرأة العجوز العاملة ، و جارها الشّيخ السكير المهمل :

(بينما هو يعيش على نفقة الدولة ليسكر . هي تعيش من عرق جبينها لتعيش بكرامة .

هو وحده شريكه هذيانه و نفور الناس منه . هما يختلفان علي بالثرثرة و أنا مختلفةعنهم بالصمت .) ص47/48

الغربة و الاغتراب ، و الوحدة و الشعور بالانفراد Singularisation كلّ ذلك شكل من ثلاثة شخصيات ، ثلاثة نفوس مختلفة . و إن كان الحي يجمعهم ، و أشياء أخرى تجعلهم على صلة ما و لكن عوامل دفينة تفرقهم ، بل تجعل رؤيتهم للحياة والنّاس مختلفة .

في نص : “حافلة ،زاوية و قطار “. لا تخلو من هاجس نفسي لما ينتاب السّاردة و هي تتأمل ما حولها في الحافلة، أو من خلال زجاجها الذي غابت الملامح من خلفه لزخات المطر . ففي حديث السّاردة عن عاشقين أبكمين في العشرينات من عمرهما تقول : ( بإمكانهما الجلوس ملتصقين لكنهما فضلا التقابل ، يحاوران عيونهما و يتبادلان أسئلة و أجوبة ، في نقاش ،في غزل أو موعد جديد…تذليل الصعوبات ، و التعبير عن الذات ، حاجة للخروج من العزلة ،و الخوف ، و الإحباط إلى عالم مفتوح… الاتصال الكلي بالإشارة يفضح روحين أثملتا بعشق لغة القلب . ) ص51 و يلاحظ أنّ السّاردة لم تكتفي بالإشارة إلى عامل الإعاقة و ما يستتبع ذلك نفسياً ..بل جاءت بمصطلحات نفسية موظفة في التّعبير :

( تذليل الصعوبات ـ التعبير عن الذات ـ الخروج من العزلة ـ الخوف ـ الإحباط ـ الاتصال ـ الإشارة ) و هي أمور لها علاقة وطيدة بعالم الإعاقة، و ذوي الحاجات الخاصّة .

و في نص : ( عقاب أم ثواب ) قصّة ممتعة و تتسم بالبناء الفنّي و الرؤية الواعية . و هي كغيرها من نصوص المجموعة، لا تخلو من هاجس نفسي . بل أجده هنا يتخذ بعداً يخصّ الإعلام، و كذبه ،و تزييفه للحقائق : السّاردة ضاقت من أخبار التلفاز الكئيبة و من القنوات الطالحة غير المجدية . و انتقت بعض المحطات ..فوجدتها لا تخلو من عيوب . فأوقفت الصّوت و تركت الشّخصيات تحدث بعضها البعض كالصّم البكم و هي تتمتع برؤية الشفاه تتحرك بدون كلام . : ( أستمتع برؤيتهم يحركون شفاههم ببلاهة و يحركون العيون و الأيدي وقسمات الوجه و أحيانا رفع الحواجب تعبيرا عن حركة أو كلمة ، أغلق الصوت لأتفرج على شكلهم المضحك ، تماماً كاستمتاعهم بوجعي و ثورتي غير المسموعة و حرقة قلبي الموجعة بمشاهد يعرضونها علي كل دقيقة يدخلون صقيعهم داخل صندوقي الصدري و يحفرون ، يحفرون كعميان و كرؤساء و سماسرة . ) ص54

إذاً ، رد الفعل ، و الانتقام ، و التّلذذ بذلك و لو بشكل لا يؤثر في الآخر.و لكن هي الرغبة في ذلك ليس إلا . و قديماً قيل ( الانتقام هو اعتراف بالألم ) إنّ ما تتركه و سائل الإعلام في نفوس النّاس له خدش عميق لا يزول العمر كلّه.و من تمّ انحنى النّص انحناءة طريفة فتخيلت السّاردة أنّ المذيع في التلفاز يدعوها أن تقترب ثمّ وشوش إليها بأنّه سجين و عليها أن تنقذه ، ففعلت و أخرجته من التلفاز، و أطعمته و دار بينهما حديث حول سبب سجنه فتبين أنّه لا يوافق أكاذيب إدارة القناة . و أنّه يريد ذكر الحقيقة . فكان حكم القاضي قاسياً : (بما أنّك لم تلب أوامر مدير القناة و التي هي في صالح البشرية ،حكمنا عليك بالسجن الانفرادي المؤبد، النبل الذي تبحث عنه ليس بالأفعال، فالأفعال لا تستر أحياناً بل بالحاجة إلى نبل النفس ،تماماً كأصحاب المشاريع الخيرية الذين يبيتون بأحضان زانية . ) ص 62/63 و هكذا غيب الفعل من أجل نبل النفس الكاذب . الشيء الذي فتح الباب على مصراعيه للكذب ،و الرياء ، و الرذيلة ، و الخبث ، و كل وجوه النفاق . الشيء الذي جعل الإنسان يعيش انفصاماً في شخصيته قد يؤدي به إلى الجنون . أو يعيش أحياناً مزدوج الشّخصية ، و هو لا يدري .و في نص : ( غزو جراد ) قصة تبدو غريبة .تأخذ طابعاً رمزياً … السّاردة تغادر بيتها لتجد الحديقة ملئت جراداً .تخرج إلى العيادة لتلتمس علاجاً لما لحقها من أذى الجراد فتجد كلّ النّاس و وسائل المواصلات .. قد تحولوا إلى جراد : ( ما الذي يحصل اليوم ؟ و مًن الفاعل و المسبب لوضع غير مألوف ؟ حتى الحافلات كانت على شكل جراد كبير بداخله ركاب من جراد . ) ص 67 و بعد بحث و تقص قامت الساردة بزيارة الطبيب فوجدته هو نفسه جرادة فتبين لها أنّها الوحيدة المختلفة ، بل قرأت خبراً مفاده : (بجهود و تجارب عالم الأحياء البروفيسور GARAD و إصراره بالقضاء على حشرة مصابة بفقر الدم ، اكتشف مبيدا فعالا للقضاء عليها .) ص68 و عموماً القصة ترمز لعدم التّكيف مع الوضع الكائن ، فإنّ ذلك يؤدي إلى العزلة القاتلة . و هي دعوة خفية للتكيف[2] Adjustment و قد ورد في الفقرة الثّانية من القصّة : ( بما أنني أنتسب إلى هذا العالم لابد أن أدخل معه في زمانه و مكانه و شكله، فلو نظرت إليه من منظوري الخاص سأنعزل بوعي أو دون وعي مني و سأعثر له على ألف حجة لتبرير أخطائه . ) ص 65 و إن كنت أفضل حذف هذه الفقرة لأنّها نتيجة قبل الأوان . و لأنّها لخصت النّص قبــل انتهائه . عموماً يبقى النّص معبراً عن ضرورة التّلاؤم و التّوافق Adaptation من أجل البقاء السيكولوجي Psychological survival بل و التّكيف النّفسي أيضا ًPsychological adjustment

و نصل إلى آخر نص في المجموعة : ( حفلة في حاوية زبالة ) قصّة مختلفة في بنائها و تركيبها و أسلوبها ، تتدخل في نهايتها القاصّة تدخلا مباشراً لافتاً : ( خلاصة القول : إن هذه القصة هي الأكثر حقيقة من قصصي الباقية ، لأنني أكثر وثوقا بمعرفتي لغزها ) تُروى على ( لسان) قنينة في حاوية زبالة و لكن بطريقة هذيانية تتطرق لأشياء كثيرة ، فكانت أطول نص في المجموعة . تتلخص في تصديرها : ( هل أنا كما أنا أم صرت شخصا لا أعرفه ؟ أين هم أصدقائي ؟ لماذا من يشبهني تصدّت له الحياة و بقي من لا أشبهه؟ ) ص 70 أسئلة وجودية ، تنبثق من نفس حائرة ، قلقة عن ذاتها ، ما آلت إليه ، و من البيئة المحيطة و كيف تغيرت و تبدّلت : ( غريب هذا الإنسان به حاجة إلى العبودية ..و به طمع و جشع يتصارعان أو يعتاش كل منهما على الآخر . ) ص 78 إنّه فعل الزّمن الذي لا يبقي حالا على حاله .و بالتّالي تتغير النفسية طوعاً أو كرهاًً لضمان استمرار دورة الحياة .

إنّ مجموعة (امرأة بزي جسد ) مجموعة قصصية اعتمدت التّيمة النّفسية . بشكل غير مألوف في المجامع القصصية . و هذا أمر جديد أو لنقول أنّه نادر في المجاميع القصصية العربية . فالتّعامل مع الأوضاع النّفسية[3] و السّلوك behavior بخاصّة ، تعامل يتطلب ثقافة و معرفة نفسية،و موهبة و دربة واسعة اطلاع عن الحـالات البشرية المختلفة ، و قوّة الملاحظة . و تمثل الزيجات السّوية منها، و غير السّوية . و يبدو أن القاصّة وفاء عبد الرزاق قد أوتيت من كلّ ذلك بنصيب . ما مكنها من إعداد مجموعة قصصية ، متكاملة ، في إطار سيكولوجي ..

هوامش :

[1] ـالماسوشية Masochism : حب تعذيب النفس The Desire To Receivepain

نسبتها: ينسب مصطلح المازوخية masochism إلى الكاتب الروائي النمساوي ليبولد زاخر مازوخ leqold zacher masoch (1836 – 1895) صاحب الرواية المشهورة (فينوس في الفراء، venus in furs)

[2] ـ التكيف : في اللغة ، تعني كلمة التآلف والتقارب ، فهي نقيض التخالف والتنافر أو التصادم .

فيما يعرفه ( فهمي ، 1987 ) بأنه : العملية الديناميكية المستمرة التي يهدف بها الشخص إلى أن يغير سلوكه ليحدث علاقة أكثر توافقا بينه وبين بيئته .

أما ( الرفاعي ، 1987 ) يعرفه بأنه : مجموعة من ردود الأفعال التي يعدل بها الفرد بناءه النفسي ، وسلوكه ليستجيب إلى شروط محيطة محدودة ، أو خبرة جديدة.

أما ( عبد الله ، 2001 ) فيعرفه بأنه : مجموعة من الاستجابات وردود الأفعال التي يعدل بها الفرد سلوكه وتكوينه النفسي أو بيئته الخارجية لكي يحدث الانسجام المطلوب ، بحيث يشبع حاجاته ويلبي متطلبات بيئته الاجتماعية والطبيعية .

ويذكر ( الهاشمي،1986 ) التكيف في الدراسات النفسية فيقول:” هو تلك العملية المتفاعلة والمستمرة ( ديناميكية ) يمارسها الفرد الإنساني شعوريا أو لا شعوريا ، والتي تهدف إلى تغيير السلوك ليصبح أكثر توافقا مع بيئته ومع متطلبات دوافعه .

[3] ـ لذلك استفاد علم النّفس أيّما استفادة من بعض السّرديات في إطار الرواية و القصّة .و بخاصة أواخر القرن التّاسع عشر و ذلك ببلورة أفكار سيجموند فرويد (1856/1919) في ما يتعلق بالكبث الواقعي للإنسان تجاه مبدأ اللّذة . ، و الاضطراب العصبي الوظيفي ( العصاب ) الذي يرى فرويد أنّ له علاقة بعملية الإبداع و الابتكار . و الانطوائية و التعاسة هذا فضلا عن النّرجسية و عقدة أوديب و اللاوعي الحافظ للكبث . فكتابة فرويد عن إبداعات الكاتبة الفرنسية مارثي روبرت ، وكتابة لويس التوسير(1918) و جوليا كريستيفا و هرولد بلوم و نورمان هولاند… فتحت آفاقا رحبة لدراسة الأدب عن طريق التحليل النفسي و لم تعتمد نظريات فرويد فحسب بل عدلت منها و أضافت لتساير رؤية القرن العشرين . بينما بقيت الدراسات العربية التي تعتمد التّحليل النّفسي بسيطة و قليلة بل محتشمة جداً قياساً لما كتب في الغرب .

……………….. ***** ……………….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here