اللغة العربية في الهند …الواقع والتحديات

Vol. No. 1, Issue No. 1 - January-March 2021, ISSN: 2582-9254

0
639

اللغة العربية في الهند …الواقع والتحديات

أ.د. أحمد القاضي
رئيس قسم اللغة الأردية – كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر، القاهرة، جمهورية مصر العربية، والمستشار الثقافي السابق لجمهورية مصر العربية بالهند

——————————————————–

تمثل الهند ـــ منذ آلاف السنين ــــ مركز إشعاع علمي وثقافي، حيث كانت مَعقلاً لدراسة الفلسفة، والدين، والطب، والأدب. كما عمدت الحكومة الهندية إلى توفير التعليم المجاني والإجباري كحقٍّ أساسيٍ للأطفال حتى الرابعة عشرة، وقد حازت الهند قصب السبق في المجال العلمي والتعليمي، ويرجع ذلك إلى نظامها التعليمي ومؤسساته التي تكتسب شهرة عالمية حيناً بعد حينٍ، وبدأت تجذب أفواجاً من طلبة العلم من جميع أنحاء العالم، حيث تضم الهند بين ربوعها مجموعة من أفضل الجامعات في العالم مثل المعاهد الهندية التكنولوجية.

          تضم الهند أكثر من خمسمائة جامعة مركزية وحكومية فضلاً عن آلاف الجامعات والكليات الخاصة، وهي ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان بعد الصين؛ حيث يبلغ عدد سكانها أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة، يتحدثون عدداً كبيراً من اللغات واللهجات، أمَّا اللغات الرسمية في الهند فتزيد عن اثنتين وعشرين لغة، إلى جانب اللغة الإنجليزية. أمَّا الحياة الدينية فتمتاز الهند بالتعددية الدينية؛ حيث يدين حوالي 82 %من سكانها بـ “الهندوكية”، ويتنوع الباقون ما بين: “مسلمين”، و”مسيحيين”، و”سيخ”، و”بوذيين”، و”بارسيين”، بالإضافة إلى بعض الأقليات الدينية الأخرى.

          ينقسم نظام التعليم الأساسي في الهند إلى ثلاث مراحل: الابتدائي والمتوسط والثانوي، ومن الثابت ــ تاريخيًا ــ ارتباط اللغة العربية بشبه القارة الهندية منذ أن وطأ العرب هذه البلاد؛ حيث ابتاع التجار العرب التوابل والحرير من شبة القارة الهندية عبر موانئ البلاد المجاورة على شاطئ بحر العرب، كما أننا ما زلنا نطلق على التوابل اسم “بهارات”؛ و”البهارات” اسم للهند. من هنا استوعبت اللغات الهندية الكثير من الألفاظ العربية، كما اقترضت العربية بعض الكلمات الهندية مثل: “المسك، والكافور، والزنجبيل، والصندل، والكرفس، والقرنفل، والخيزران، والفيل، والهيل”، وغيرها”، كما أحبَّ العرب الهند لدرجة أنهم اتخذوا منها أسماء لبناتهم وسيوفهم.

        كذلك استوطنت بعض العائلات العربية بعض المناطق الجنوبية وخاصة في منطقة “المالابار”، مما ساعد كثيرًا الخليفة “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه على التوجه ناحية شبه القارة الهندية، إلا أن هذه الفتوحات توثقت بدخول “محمد بن القاسم” إلى منطقة “السند” في بداية القرن الثامن الميلادي ممثلًا للدولة الأموية، ثم توالت الهجرات من شبه القارة وإليها.

     دانت “السند” تحت راية الإسلام ما يقرب من ثلاثمائة عام، كانت اللغة العربية خلالها لغة الخطاب اليومي جنباً إلى جنب مع اللغات المحلية الأخرى، ولم يبق من آثار هذه الفترة إلا تأثير اللغة العربية في معظم اللغات المحلية التي أصبحت لغات قومية فيما بعد مثل:”السندية”، و”الأردية”. وقد أكدَّ ذلك “بشار المقدسي”، عندما قدم “الملتان”، ووجد أهل “السند” يتكلمون العربية والسندية، ومن أهم مظاهر تأثير العربية على السندية أن الأخيرة تكتب بحروف عربية، فضلًا عن استيعابها كثيراً من الألفاظ والمفردات العربية.

         قامت الدولة العباسيّة على تصفية الخلافة الأمويّة في كل الولايات التابعة لها، وسيطر الأتراك والإيرانيّون على هذه البلاد في بداية القرن الحادي عشر الميلادي، وحلَّت اللغة الفارسيّة محل اللغة العربية كلغة رسميّة للدولة الإسلاميّة، وإن ظلّت اللغة العربيّة باقية بين العلماء، وفي مناهج المدارس الدينيّة بوصفها لغة القرآن الكريم الذي هو حصنها الحصين إلى يوم الدين.

       ولقد كان لانتقال عاصمة الخلافة من “دمشق” إلى “بغداد” أثره الإيجابي على العلاقات التجارية والثقافية، خاصة في عهد “هارون الرشيد”، وابنه “المأمون” الّلذيْن عُرفا بتشجيعهما على التواصل مع أبناء الثقافات الأخرى، بل إن البعض قال إن “البرامكة” ينتمون إلى أصول هندية، وإنهم استوطنوا “إيران” في البداية ثم أسلموا، والتحقوا ببلاط الدولة العباسية، وعمدوا إلى استقدام الأطباء والحكماء الهنود، وترجموا الكثير من كتب الحكمة الهندية إلى اللغة العربيّة. كما أنّ دولة المماليك قد مارست دوراً كبيراً خلال القرنيْن الثالث والرابع عشر في دعم التواصل بين شبه القارة الهنديّة، وبين الدول العربيّة وخاصة “مصر”، وازدادت المدارس في “دهلي”، مما جعلها تنافس العواصم العربية الأخرى كـ “القاهرة”، و”دمشق”، و”بغداد”، وقد وفد في عصرهم الرحالة العربي “ابن بطوطة”، بل بلغ الأمر أن صك السلطان “ألتمش: 1236م” النقود بالعربية.

       ولقد دام التواصل مع شبه القارة حتى أحكم الإنجليز قبضتهم عليها في عام 1857م، كما رفعوا رايتهم فوق جزء كبير من الأراضي العربية، مما زاد شعور العرب والمسلمين بفقد هويتهم، فأسّسوا المدارس الدينية ــ خاصة بعد دخول الأوربيّين مع بدايات القرن السادس عشر ــ بين جدران مساجدهم، وهذا يعود فيه الفضل إلى المخلصين من علماء شبه القارة الذين جادوا بكل غالٍ ونفيس من أجل نشر الثقافة العربية.

     ومن الجدير بالذكر أن التربية الإسلامية ترتبط بالمسجد ارتباطاً وثيقاً، ولعل ذلك يرجع إلى أن التعليم في بدايته كان دينياً محضاً، وقد أنفق الأمراء والسلاطين ومحبو العلم والأغنياء على تمويل هذه المدارس في القرى والمدن.

         ومن أهم المدارس الدينية نذكر: “دار العلوم ديوبند”، و”دار العلوم ندوة العلماء” و”مدرسة الإصلاح” في “أعظم جره”، وجامعة “دار السلام” في “عمر أباد” جنوب الهند، و”جامعة الرشاد”، و”جامعة الفلاح”، و”الجامعة السلفية” في “بنارس”، و”مدرسة مظاهر العلوم”، و”مدرسة شاهي” في “مراد اباد”، و”مدرسة إمداديه” في “در بنهكا ببهار”، و”مدرسة أحمدية” لهريا سرائي، و”المدرسة الرحمانية” في “دهلي”، و”المدرسة العالية” في “رامبور”، و”المدرسة العالية” في “كولكتا”، و” المدرسة النظامية” في “حيدر اباد”، والكثير من المدارس في ولاية “كيرالا” مثل: “روضة العلوم”، و”الجامعة الندوية”، و”الجامعة الإسلامية”، و”تنسيق الكليات”، و”الثقافة الإسلامية”، و”جامعة دار الهدى”، وهناك مئات المدارس في “كشمير”، و”بهار”، و”مدهيه برديش”، وكذلك مدارس الشيعة في “لكهنو”، مثل مدرسة “سلطان المدارس”، و”المدرسة النظامية”، و”مدرسة الواعظين”، وغيرها من المؤسسات الإسلامية التي تقوم على خدمة اللغة العربية.

        بالإضافة إلى كل تلك المدارس الإسلامية، هناك العديد من الجامعات الإسلامية مثل: جامعة “على جره”، و”الجامعة العثمانية”، و”الجامعة الملية الإسلامية”، لتعليم العلوم العصرية واللغات الأجنبية، وتُعد هذه الجامعات اليوم من أرقى الجامعات في الهند، وقد تخرج منها نخبة بارزة من بينهم: “ذاكر حسين” ـ الرئيس الهندي عام1969م ــ، والذي أطلقت الدولة المصرية اسمه على أحد شوارع حي “مدينة نصر” في “القاهرة”.

        أمَّا الإرهاصات الأولى لتدريس اللغة العربية في الجامعات الحكومية والأهلية، فقد بدأت ضمن مناهج أقسام اللغات الشرقية مع اللغتين الفارسية والتركية، وكانت المناهج تقريباً تقوم على دراسة بعض كتب التراث القديمة مثل: “المعلقات”، و”مقامات الحريري”، وغيرها، كما أن الأبحاث كانت تكتب باللغة الإنجليزية أو الأردية. وبعد تقسيم شبه القارة عام 1947م تغيرت المناهج الدراسية قليلاً، خاصة وأن الهند بدأت تتوسع في علاقاتها مع الدول العربية، ثم توالى بعد ذلك إنشاء أقسام اللغة العربية في الجامعات والكليات المختلفة.

       وبعد اكتشاف النفط في منطقة الخليج وبعض البلدان العربية الأخرى ازداد الطلب على خريجي أقسام اللغة العربية نتيجة تزايد العقود التجارية بين الشركات الهندية، وبين الدول العربية، وبدأت الكليات والمدارس الدينية تدريس بعض المناهج التي تساعد الخريجين على اكتساب مهارة التحدث والترجمة لتغطية الحاجة الضرورية إلى العمالة المهاجرة.

       واليوم تضم الهند ما يقرب من خمس وثلاثين جامعة، وأكثر من مائة كلية تنتشر في جميع عموم الهند تقوم بتدريس اللغة العربية ضمن مقرراتها الدراسية ابتداءً من مرحلة الليسانس ومدتها ثلاث سنوات، وانتهاءً بالماجستير والدكتوراه، أهمها :”جامعة دهلي”، و”جامعة جواهر لال نهرو”، و”جامعة كولكتا”، و”جامعة بنارس”، و”جامعة كشمير”، و”جامعة آسام”، و”جامعة اله اباد”، و”جامعة بركة الله بهوبال”، و”جامعة كيرالا”، و” جامعة مدراس”، و”جامعة البنجاب”، و”جامعة بومباي”، و”جامعة حيدر آباد”، فضلًا عن أكثر من ثلاثين ألف مدرسة دينية تقوم أيضًا بتدريس اللغة العربية، ويقال إن أربعة في المائة من تعداد المسلمين البالغ عددهم أكثر من مائتي مليون نسمة يدرسون اللغة العربية في هذه المدارس الدينية نظراً لضعف حالتهم المادية، وعدم مقدرتهم على إلحاق أبنائهم بالمدارس الحكومية؛ فالمدارس الدينية في الهند تقوم على الجهود الذاتية والتبرعات المادية التي تبذلها الجماعات الدينية المختلفة، والتي تسعى بشكل أو آخر إلى أن تكون لها السيادة والريادة في المناطق التي تسيطر عليها فكرياً.

       تطرق الوفود من طالبي العلوم الدينية ودارسي اللغة العربية أبواب العالم العربي، وخاصة الأزهر الشريف لدراسة مثل هذه العلوم؛ حيث يضم الأزهر الشريف ما يقرب من ثلاثمائة طالب هندي، كما أن منابر الدعوة في الهند تقوم على هؤلاء، ولا يُسمح لغيرهم باعتلائها. لكن تبقى أزمة التعصب الفكري والانتماء المذهبي باقية حيث تتمسك كل فرقة أو طريقة بما تعتقده، وترى أنها على الحق المبين دون غيرها، بل يصل الأمر أحيانا حد تكفير بعضهم البعض خاصة بين “البريلويين” أصحاب المنهج الصوفي، وبين “الديوبنديين” دعاة المنهج السلفي.

         إن المتتبع لمثل هذه المدارس، يجد أنها تنقسم ــ من حيث المناهج ــ إلى ثلاثة أقسام:

 الأول: مدارس تحفيظ القرآن الكريم وتدريس قراءاته.

الثاني: مدارس تدريس بعض المواد الشرعية والأدبية.

الثالث: مدارس تدريس المواد الشرعية، بالإضافة إلى تدريس بعض المهن والحرف الفنية والحاسوب، وغيرها من متطلبات العصر، وهي قليلة جداً.

      أمَّا المقررات الدراسية فتقوم ــ دون استثناء ــ على المنهج القديم وكتبه ومقرراته. ومن الجدير بالذكر أن بعض المقررات تقوم بتدريس الفلسفة والمنطق في بعض الصفوف الدراسية. تصل مدة الدراسة في هذه المدارس إلى ستة عشر عاماً، تتوزع على عدد من المراحل الدراسية:

 ـ المرحلة الابتدائية، ومدتها خمس سنوات.

ـ المرحلة المتوسطة، ومدتها أربع سنوات.

ـ المراحل العليا، ومدتها سنتان أو أكثر.

        ومن هنا أناشد الأزهر الشريف وجميع المؤسسات الدينية الأخرى أن يعملوا على إرسال المبعوثين إلى المدارس الرئيسة لتعليمهم اللغة العربية؛ فتعلمها والوقوف على بيانها، ومعرفة مذاهب القول فيها، يساعد كثيراً على فهم الدين ونشر العقيدة الصحيحة، وحينما نقول تعليم اللغة العربية لا نقصد به تعليم النحو والصرف وعلوم البلاغة، وإنما نقصد به تصحيح الفكر وسداد الرأي.

       ونحن لا ننكر مطلقاً مجهودات أبناء شبه القارة الهندية في مجال الدراسات الإسلامية، ودور مشايخهم وعلمائهم الأفذاذ من أمثال: ” شاه ولي الله الدهلوي”، و”الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي”، والعلامة “عبد الحي الحسني”، وابنه الشيخ “أبو الحسن الندوي”، و”السير سيد أحمد خان”، والعلامة “شبلي النعماني”، والعلامة “صديق حسن خان”، و”مولانا وحيد الدين خان”، ومولانا “كلب علي صادق”، وغيرهم كثيرون.

        كما لا ننسى دور القائمين على تعليم اللغة العربية في الجامعات الحكومية سواء كانت مركزية أو إقليمية، إذ أن معظم دارسيها ومعلميها ينشرون أبحاثهم باللغة العربية ليس هذا فحسب، بل يصدرون العديد من المجلات العلمية والصحفية باللغة العربية، إلا أن ما يشغل أذهان هؤلاء الدارسين من أساتذة وطلاب الآن يتلخص في كيفية إتقان مهارة التحدث، وفهم اللغة لتعينهم على التواصل مع أهل اللغة العربية لتيسير الحصول على وظيفة، أو الالتحاق بأي عمل، وهم محقون في هذا لأن مهارة السماع والتحدث تساعد بشكل كبير على فهم اللغة وإتقانها، وقد يعكس لنا ذلك مكان اللغة العربية ومكانتها، فهي بمثابة العروة الوثقى التي تجمع بين الشعوب الإسلامية.

       من هنا تكمن أهمية دعم اللغة العربية في هذه الجامعات والمدارس الدينية، والعمل على نشرها لأن في ذلك حماية للأمن العربي الإسلامي. ولا شك أن هناك العديد من الدول العربية التي تدعم مثل هذه المدارس والمؤسسات مادياً ومعنوياً، لكن للأسف الشديد يستأثر رجال الدين الذين يسيطرون على المسالك والمذاهب الفكرية المختلفة بمثل هذه المساعدات. لذلك لم نلمس تطويراً ملحوظاً في مناهج هذه المدارس؛ فهناك مَنْ يرفض ذلك التطوير، وهناك مَنْ ينادون بالتطوير الكلي سواء على مستوى طرق التدريس، والاهتمام بالكتاب المقرر، إلا أن الخلافات المذهبية تعوق أي تطوير مما يؤدِّي إلى إفراز خريجين غير مؤهلين بالقدر الكافي الذي يتناسب مع متطلبات المجتمع واحتياجاته.

      ومن هنا يجد الدارس الهندي صعوبة في تعلم اللغة العربية مقارنة بغيرها من اللغات، وربما هو مُحقٌّ في ذلك نظراً لكثرة مفردات اللغة العربية، فضلاً عن تغير معنى المفردة العربية مع تغير موقعها الإعرابي. وهنا تجدر بنا الإشارة إلى أن ذلك لا يعني صعوبة اللغة ذاتها، بقدر ما يعكس صعوبة طرق تدريس اللغة المستخدمة، إذ لا بُدَّ من إعادة النظر في المناهج، وتدريب القائمين على التدريس، والأخذ بأسباب الحضارة الحديثة، كما أنه يجب على الهيئات العربية أيضا تطوير برامج تعلم اللغة العربية ليتم تدريسها عن بُعد من خلال القنوات الفضائية، ومراقبة الأداء الإعلامي للمذيعين العرب من حيث سلامة اللغة التي ينطقونها؛ فخطورة الأداء الخاطئ لا يقتصر أثره فقط على المُتلقي العربي، بل يتعداه إلى غيره ممن يتعلم اللغة العربية كلغة ثانية.

       كما يجب أيضًا إتاحة الفرصة لعدد أكبر من الدارسين لزيارة الدول العربية؛ فإتاحة المناخ اللغوي ينمِّي لدى المتلقي مهارات اللغة، على أساس أن التواصل مع الآخرين هو هدف اللغة وغايتها. ليس هذا فحسب، بل على الهيئات العربية العمل على إعادة النظر في أن يكون تعلّم اللغة العربية للناطقين بغيرها عملية إبداعية وليست آلية بحتة، وضرورة إعداد برامج متنوعة لتعليم مهارات الاتصال اللغوي.

       كما يشكو الدارس الهندي للغة العربية من الازدواج اللغوي بين العامية، وبين الفصحى في البلاد العربية، رغم أن هذا لا تنفرد به اللغة العربية فقط، بل تعرف كل اللغات ــ تقريبًا ــ مثل هذا التعدد في اللهجات، ولكنهم يتعلمون الفصحى في مدارسهم وجامعاتهم، وبالتالي يبحثون عنها في الدول العربية، ولا يجدونها إلا في أروقة المؤسسات الدينية كالأزهر، والجامعات والكليات التي تدرس اللغة العربية والمواد الشرعية، هذا الازدواج يخلق مشكلة لهم في التواصل مع أهل اللغة، وكثيراً ما قالوا إن الفصحى في البلاد العربية تكاد تنحصر في الخطاب الرسمي ونشرات الأخبار والمسلسلات الدينية.

        كما أنهم يشكون أيضاً من قلَّة المراكز المتخصصة في تعليم اللغة العربية في بلادهم على غرار مراكز اللغة الإنجليزية، وغيرها من اللغات التي يمكن أن تعمل على تأهيل القائمين على التدريس في المدارس والجامعات الهندية. لذلك أراهم على حقٍ فيما يُطالبون به، ولكن هناك شيء آخر يجب الاهتمام به من جانبهم؛ حيث يجب أن تشمل مناهجهم بعض الإبداعات العصرية مثل:” المقالة”، و”القصة القصيرة”، و”الرواية”، و”المسرح”، و”الخبر”، وغيرها مما يُنشر ويُكتب، ويُسمع ويُتداول.

       كذلك عليهم أيضاً التخلص من ذلك المنهج الذي يعتمد على البدء بدراسة الأدب القديم، والبدء بتدريس الأدب المعاصر، والانتهاء بالقديم؛ فلن يَجد متلقي اللغة العربية ألفاظ “امرؤ القيس”، و”طرفة بن العبد”، و”مقامات الحريري” في مفردات اللغة المعاصرة، ومن هنا فالبداية بالمعلوم للدارس أسهل له من المجهول باعتبار أن ذلك مدخلا للغة المعاصرة، كل هذا يمكن معالجته من خلال استخدام وسائل التواصل الحديثة مسموعة كانت، أم مقروءة، أو مرئية.

      ما زال المخلصون من أبناء الهند يعملون على نشر الثقافة العربية ليس فقط لكسب المال أو الشهرة، وإنما تقديراً للغة العربية وعاء القرآن الكريم، ويبذلون في سبيل ذلك كل غالٍ ونفيس، هؤلاء يعملون دون ضجيج أو صخب تمتلئ بهم المدارس والجامعات سواء كانت حكومية أو أهلية. كما أن هناك هيئات ومؤسسات تعمل على نشر الثقافة العربية، كما أن منشوراتها موضع ثقة واحترام، ولا يستغني عنها باحث في مجال الدراسات العربية مثل: “دائرة المعارف”، و” دار المصنفين”، وقد زار الأولى الشيخ “إبراهيم الجبالي” رئيس بعثة الأزهر عام 1937م واعترف بجهودها، وهناك آلاف المخطوطات العربية التي تزخر بها المكتبات الهندية تحتاج إلى جهد مؤسسات كبيرة لتحقيقها والوقوف على ما بها من مآثر العلماء والمحدثين.

      لقد بدأت عملية تطوير المدارس الدينية في الهند في عام 2007م، رغم معارضة المُعارضين وسط مخاوف من سعي الحكومة إلى حرمان تلك المدارس من استقلاليتها بدعوى تحديثها وتطويرها. لذلك نهيب بالمؤسسات والهيئات العربية دعم هذه المدارس ومساعدتها على تحديث المناهج التعليمية وتطويرها مما يزيد من فرص دارسيها للحصول على الوظائف التي يرغبونها، وكذلك الاندماج في التطور التي تشهده الهند، خاصة وأن المدارس الدينية تقدم بديلًا مثاليًا للأسر الفقيرة، حيث تقوم الجماعات الدينية بتمويلها والإشراف عليها. وهناك دول غير عربية سواء كانت سنية أو شيعية تعمل على الترويج لأفكارها بين صفوف المجتمعات الإسلامية في الهند من خلال تقديم الدعم المادي والتربوي لقادة هذه المجموعات.

         ولقد شهدت الساحة الهندية بعض القلق والاضطراب بعد تولي الحكومة الجديدة عام 2014م حول مصير هذه المدارس الدينية بين مَنْ يُنادي بضرورة إغلاقها واستبدال المدارس الحكومية بها، وبين مَنْ يرى دمجها في نظام التعليم العام بحيث تكون الدروس الدينية اختيارية، وبين من يرى تحديثها وإعادة تنظيمها؛ لكي يتسنى لأبناء المسلمين التسلح بالعلوم الإسلامية وكذلك الإلمام بالعلوم الحديثة في آن واحد.

       وجملة القول؛ فإن المدارس الدينية في الهند ما تزال تؤدي دوراًً مهماًً في توجيه المجتمع المسلم، حيث تساعد على تربية النشء من البنين والبنات، وتساعدهم على الحفاظ على هويتهم والتمسك بها حتى لا تذوب في ثقافة الأكثرية وتتلاشى، كما أن مساهمة هذه المدارس في ترويج اللغة العربية، والثقافة الإسلامية أمرٌ لا ينكره إلا جاحد،  ومن هنا لا بُدَّ من مناصرتهم وتأييدهم ومساعدتهم، والتواصل معهم من أجل الحفاظ على هويتهم الإسلامية.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here