القَسَمُ الثالث

Vol. No. 2, Issue No.3 - July-September 2022, ISSN: 2582-9254

0
1106
القَسَمُ الثالث

قصة مترجمة

فانيشوار ناث رينو([1]

ترجمة: د. أحمد القاضي

أستاذ الأردو، جامعة الأزهر، مصر

……………………………

 داعبتْ الهواجس والمخاوف “هيرامان”؛ سائق عربة الثيران التي يقودها منذ عشرين عاماً، حاملاً الأرز والخشب من خارج الحدود من منطقة “مورنج راج” في “نيبال”، ورغم أنَّ عمله يعتمد على تهريب البضائع المسروقة من الخارج إلى الداخل في عهد الوصايا الإنجليزية، إلا أن مثل هذه الهواجس لم تُساوره قط.

لا ينسى “هيرامان” كل ذلك، وكيف ينسى وقد قام بنقل عبوات الأسمنت أربع مرات، وكذلك بالات الثياب التي كانت تملأ العربة إلى “فرات نجر” في منطقة “بجوجباني”. ولا شكّ أن مثل هذه الأفعال زادت من جرأته، وكذلك شهرته؛ فقد كان معروفاً بين كل تجار التهريب، بل إن كبير التجار أثنى عليه، وعلى ثيرانه.

كان كبير التجار مختبئاً رابضاً على يديه وركبتيه وسط البالات، أمَّا “هيرامان” فقد كان يعرف قوة ضوء الكشَّاف الذي يستخدمه رجال الشرطة للبحث عن اللصوص، وأن أقل شعاع منه كافٍ أن يُفقده البصر في لحظة. وهنا كاد صراخ كبير التجار يَصمُّ أذنه بعدما وجه رجل الشرطة كشَّافه نحوه، وهو يقول:

ــــــــــــ توقف… يا وغد، وإلا سأطلق الرصاص عليك.

توقفتْ عشرون عربة وراء بعضها، وهنا تيقّن “هيرامان” أن الرؤيا التي رآها في نومه عن الرقم “عشرين” كانت صحيحة، وأن هذا الرقم جالبٌ للنحس. سلَّط الضابط ضوء كشَّافه على وجه كبير التجار قبل أن يعلو صوته بقهقهة خبيثة، ثم وبّخ “هيرامان”، وهو يوخز بعصاه الصغيرة بطن كبير التجار، قائلاً:

ــــــــــــ لماذا تُحَدِّقُ فيَّ أيها السائق اللعين؟ ارفع الغطاء عن هذه البالات يا وغد.

عرض كبير التجار مبلغ أربعة آلاف روبية كرشوة من فوق العربة، فعقد الضابط حاجبيه في استياء، ربما أن هناك ثأراً بينهما. لم يستجب الضابط بعدما رأى مبلغاً كبيراً مثل هذا، فوخزه الضابط بعصاه كما فعل من قبل، وهو يقول:

ــــــــــــ خمسة آلاف. ثم وخزه مجدَّداً، قائلاً:

ــــــــــــ انزل أوّلاً…اللعنة عليك.

أنزل الضابط كبير التجار من فوق العربة وسلَّط ضوء الكشَّاف في عينيه، ثم حمله بمعاونة رجليْن من الشرطة بالكاد حتى كاد بينهم وبين الشارع ما يقرب من خمس وعشرين خطوة. وبقي خمسة رجال من الشرطة حاملين مسدساتهم لحراسة العربة وصاحبها. فأيقن “هيرامان” بالسجن، ولولا ثيرانه لما خاف من السجن، لأنها حتماً ولا بُد ستحجز في قسم الشرطة بعد اعتقاله، ولن تجد هناك كلأً ولا ماءً، وفي النهاية يتم بيعهما في المزاد العلني.

ليس هذا كل ما يخشاه؛ وإنما يخشى أن تضيع سُمعته أمام أخيه الكبير وزوجته، فلا يستطيع أن يرفع رأسه أمامهما … وقد ذهب به خياله للحظة، فرنَّ صدى المزاد العلني في أذنيه؛ واحد…اثنان…ثلاثة…

يبدو أن الضابط لن يُطلق سراح كبير التجار، ولقد همس الشرطي الواقف أمام عربته إلى الشرطي الآخر الواقف على مَقربة منه:

ـــــــــــ ماذا ترى؛ هل يقبل الضابط الرشوة؟ ثم اقترب إليه ليعطيه سيجارة….

حينها قرر “هيرامان” الفرار بعدما عرف أن أحداً لن يراه من خلف تلك العربات، فأزال الرباط المُعلَّق في عنق ثيرانه، وربطهما مع بعضهما وهو جالس فوق العربة، فأدرك الثوران ما يتوجب عليهما فعله؟ ثم قفز لينزل، ويحرر العربة عن ظهريّْ الثورين، وهمس في أذنيهما:

ـــــــــــ هيا نهرب، الأهم أن نبقى أحياء، فالعربات يمكن تعويضها بأكثر من واحدة.

ثم ركض هارباً….

تكاثرت الأحراش، وارتفعت الحشائش خلف العربات في الناحية الثانية من الشارع وامتدت فروعها مترامية الأطراف، فعبرتْ ثلاث أنفس هذه الأحراش بأقدام بطيئة، وأنفاس باردة والخوف يكاد يقضي عليهم، ولكن سرعان ما انخفضت عن أفق قلوبهم غمامة الخوف السوداء فتوغل الثوران في غابات السفح، وبدآ يجريان رافعَيْن ذيلهما عابرَيْن الأنهار والجداول ومستنشقِين الطرق، أمَّا “هيرامان” فكان يتابعهما، حيث استمرا يجريان طوال الليل.

وصل “هيرامان” إلى البيت ليخرَّ مَغشيّاً عليه، فلم يثب إلى رشده إلا بعد يومين، وحينئذ تاب عن حمل البضائع المهربة توبة نصوحا، وأَقسَمَ ألَّا يحمل البضائع المهربة أبداً. ثم ذهب بمُخَيلته بعيداً:

ــــــــــــ لا أعرف ماذا حصل مع كبير التجار، تُرى ماذا حدث لعربتي؟

لم يكن يهمه من أمر عربته سوى ذلك الإطار الجلدي الذي يغطي هاتين العجلتين المصنوعتين من الحديد، وقد قام بتغيير إحداهما قبل بضعة أيام. ومن المعلوم أن عربته كانت مزخرفة بأهداب جميلة منسوجة بخيوط ملونة ومزخرفة ببراعة فائقة… لقد أقسم “هيرامان” على أمريْن؛ أحدهما ألا يحمل البضائع المهربة، وثانيهما؛ ألَّا ينقل خشب البامبو أبداً! لدرجة أنه كان يقول لكل زبائنه قبل أن يحمّل البضائع:

ـــــــــــ ليتها لا تكون مهربة، وألا يكون خشب البامبو، وبالأخص بامبو…أنا لن أحملها حتى ولو

   بأغلى الأسعار، وإن كان خشب البامبو، فلتبحث عن عربة أخرى.

عندما يقوم “هيرامان” بتحميل البامبو على العربة، تبرز أعواده بمقدار أربعة أذرع من الأمام ومن الخلف، وعندئذٍ لا يستطيع التحكم في العربة ويفقد السيطرة عليها، وهذا ما حدث معه أثناء مجيئه من مدينة “خيريا”؛ حيث فقد سيطرته على العربة، فضلًا عن بلادة صبيّه الذي كان يمسك مقدمة البامبو؛ حيث انشغل بالنظر إلى البنات أثناء خروجهن من المدرسة عندما مرت العربة أمامها، فاصطدم البامبو بعربة الحنطور القادمة من الأمام في نهاية الشارع. لم يتوان صاحب العربة في شتمه، وأمطره بالسياط وأحداً تلو الآخر. حينئذ أقسم ألا يحمل البامبو بعد ذلك أبداً، بل أقسم ألَّا يحمل أي شيء من مدينة “خيريا”. ومنذ تلك الواقعة شرع صديقنا في نقل البضائع المهربة من “فاربس جنج”، وتمت مصادرة العربة. قضى سنوات عدة في حرث المَزَارع بالمشاركة مع صاحب عربة أخرى، ولكن ما كان يحصل عليه لم يكن يكفي حتى علف ثيرانه، لذلك قام بشراء عربة جديدة منذ العام الماضي.

بارك الله لنا في نِمر السِرْك؛ فقد مات الحصانان اللذان كانا يجرَّان عربة النمر العام الماضي في مهرجان “فاربس جنج”، فقام مدير السيرك عند القدوم من “تشانبا نجر” بدعاية بين سائقي العربات بأنه سيدفع مبلغاً كبيراً لمَنْ ينقل النِمر. فتسابق البعض للقيام بذلك الأمر، إلا أن ثيرانهم فزعت من النِمر، وفرُّوا هاربين إلى أبعد ما يمكنهم الفرار. أمَّا “هيرامان” فهمس في أذني ثيرانه، وهو يربت على ظهورها قائلاً:

ــــــــــــ لا يمنح القدر مثل هذه الفرصة الذهبية مرتين، ولو ضاعت فسيضيع أملنا في شراء عربة

   جديدة إلى الأبد، ونعود إلى العمل في مزارع الآخرين بثمن بخس. لماذا تخافان نمراً حبيساً،

   رغم أنكما صارعتما نموراً شرسة في السفوح؟ اطمئنَّا لن يُصيبكما أحد بسوء طالما أنا على

   قيد الحياة.

صَفَّقَ السائقون، وعَلتْ رءوسهم مُتباهين بتقدم ثيران “هيرامان” تقدم البواسل في ساحة الصراع، ولقد قُيِّدا وأحداً تلو الآخر بعربة النِّمر، ولم يتزحزح أحدهما عن مكانه، إلا أن الثور الأيمن بال بولًا غزيرًا، فاشتمَّ “هيرامان” رائحته، فوضع الكمامة كعادة كبير التجار، ولم يرفعها عنه إلا بعد يومين، لا يطيق أحد أن يتحمل رائحة النِّمر الكريهة دون الكمامة.

لقد سبق له أن قاد عربة النِّمر، لكن الهواجس والوساوس لم تداهمه كما تداهمه الآن، كأنها كابوس يراه في صحوه. كان عبير زهرة الياسمين يفوح من عربته دائماً، حاول أن يُبعد عنه ظلال هذه الهواجس كلما أحسَّ بها، حتى خُيَّل إليه أن قدره الطيب هو الذي قاده إلى الفوز بفرصة قيادة عربة النِّمر في العام الماضي فكسب مبلغاً كبيراً، إضافة إلى الشاي والبسكويت، كما استمتع بمشاهدة القرَّاد ([2])، والدّب والمُهرج مجاناً.

والآن حمل هذه السيدة؛ التي لم يكد يُفرِّق بين ظلها، وظل زهرة الياسمين التي ظَلَّ عبيرها يفوح منذ صعدت إلى العربة.

 انزلقت العجلة اليمنى لعربته وهي تجري على طريق ترابي غير ممهد، فهوت في حُفرة صغيرة، فسمع أحداً يتأوه من خلفه، فضرب الثور الأيمن بالسوط وهو ينهره، قائلاً:

ـــــــــــــ اللعنة عليك؛ ألا ترى أنك لا تحمل أَجْولة؟

ـــــــــــــ لا. لا تضربه يا سيدي.

أثار أنين السيدة من وراء الحجاب دهشته؛ فقد كان صوتاً ناعماً عذباً كصوت الأطفال الأبرياء.

لا يوجد أحد في هذه المدينة إلا رأى أو سمع عن السيدة “هيرا بائي” التي تؤدي دور “ليلى” في المسرحية التي تعرضها الشركة سوى “هيرامان”؛ فهو يحمل بين أضلاعه قلباً خشناً، أو بمعنى أدق هو إنسان كادح لا يعرف رفاهية العيش ولا نعيمه. قد حمل بضائع المهرجان لسبع سنوات متواصلة، لكنه لم يكن يرى المسرح، ولم يكد يذهب إلى “سينما بايسكوب” حتى يعرف السيدة “هيرا بائي”، أو السيدة “ليلى”، فما بالك برؤيتهما؟

 رأى “هيرامان” السيدة المُتشحة بوشاحها الأسود في ظلام الليل قبل أن ينفضَّ المهرجان بخمسة عشر يوماً، فانتابته الهواجس، ولمَّا حاول المساومة مع الشَّيَّال الذي كان يُحمّل الأمتعة، هزَّت رأسها دلالة على منعه عنه، فسأله قبل أن يتحرك ليتأكد منه على أنها ليست بضائع مسروقة. وهنا فاض قلبه بالهواجس مجدداً. أشار الشَّيَّال بيده إلى “هيرامان” ليتحرك، واختفى في الظلام، وهنا جال بذهنه اللباس الأسود لتلك العجوز التي كانت تبيع التبغ في المهرجان. فكيف للإنسان أن يتحرك بعربته في مثل هذه الأوضاع.

ساورت الهواجس عقله من ناحية، وراودت أنفه رائحة الياسمين التي تفوح من عربته من ناحية أخرى، فضلاً عن تأوهات السيدة وأنينها كلما ضرب ثيرانه، فكيف له أن يقود عربته في وجود مثل هذه المرأة الناضجة التي تفيض أنوثة وإثارة؟ إنها امرأة يافعة ناضجة، وليست عجوزاً تبيع التبغ كما خُيَّل إليه في أول عهده بها.

 ما لبث أن لوى عنقه لينظر إليها خلسة علَّه يرى شيئاً يَروي غُلَّته بعدما شنَّفت مسامعه بصوتها العذب، فابتلع ريقه توجساً؛ فهو لا يعرف ماذا قدَّر الله له الآن؟ وحينما أخذت العربة سَمْتَها نحو الشرق، احتضن ضوء القمر جزءاً منها، فلمعتْ أنف السيدة فيه كأنها يراعة متوهجة.

 كل الأحداث حوله تدفعه إلى أن يشعر بأن كل شيء ليس على ما يرام، وأن هناك شيئاً لا يعرفه؛ أمامه صحراء قفر ممتدة إلى قرية “سنديا” تستفزه الوحشة حتى دار في خلده هاجس يقول:

ــــــــــــــ تُرى هل هي جِنيَّة تمصُّ دماء الإنس؟

استدارت السيدة على جنبها فكسا ضوء القمر جميع وجهها، فكاد يصرخ من داخله: ــــــــــــــ ألا تكون حورية هبطت من الجنة؟

رفعتْ غطاء وجهها، فأدار “هيرامان” وجهه نحو الشارع ليحمِّس الثوريْن على المُضيّْ، ولكن جفَّ لسانه من شدة ما انتابه من دهشة، عندما سمعها تقول:

ـــــــــــــ ما اسمك يا أخي؟

غمغم معجباً دون أن يجيبها، ولسان حاله يقول:

ــــــــــــ يا لها من عذوبة.

           كاد قلبه يقفز من بين جنبيه من عذوبة صوتها، كما توجه الثوران برأسيهما إليه ليفهما ما مصدر هذه النغمة. وبعد برهة، جاوبها مُتلجلجاً:

ـــــــــــ اسمي…؟ أنا اسمي “هيرامان”.

ابتسمت ابتسامة ينبعث النسيم منها، وقالت:

ـــــــــــــ إذاً أناديك صديقي وليس أخي؛ لأن اسمي أيضاً “هيرا”.

يا للعجب، لم تصدق أذناه ما سمع، ثم ردد مُتمتماً:

ـــــــــــــ لا. كيف تتشابه أسماء الرجال بأسماء النساء؟

ـــــــــــــ صدِّقني أنا اسمي أيضاً “هيرا بائي”.

ـــــــــــــ إذاً لم يعد هناك تشابه؛ فأين “هيرامان”، من “هيرابائي”، هناك فرق شاسع.

ثم التفت إلى ثيرانه ليهددهما قائلاً:

ــــــــــــ لن تقطعا الثلاثين ميلاً الباقية أبداً، وأنتما تسمعان هذه الثرثرة، كلا.

 ثم ضرب بسوطه الثور الذي على اليسار ضرباً خفيفاً، وأضاف:

ـــــــــــــ هذا القصير شِرِّير للغاية.

ردت قائلة:

ـــــــــــ لا تضربه، أرجوك… اتركهما يمشيان على مهلهما…لمَّ العجلة؟

وهنا طَفق “هيرامان” هائماً بعدما طرق السؤال ذهنه، وراح يسأل نفسه كيف يخاطبها، بلغة منمقة أم بلغة شعبية؟ وفي فلسفته الحديث باللغة المنمقة سيكون محدوداً، أمَّا الحديث الممتد لا يكون إلا باللغة الشعبية.

لا يحب “هيرامان” ضباب الشتاء في شهري “أكتوبر”، و”سبتمبر”؛ لأنه يكسو الجو بردائه البارد المظلم، وبسببه ضلَّ عن الطريق أكثر من مرة، لكنه يمشي اليوم مرحاً دون وعي منه رغم ضباب الشتاء المظلم، حيث يجري النهر الصافي النقي بين حقول القمح الخضراء، ويهب النسيم حاملاً في جنبه نسيم القمح الأخضر، فتذكَّر قريته حيث تفوح مثل هذه الرائحة في موسم الربيع. تفتَّحت زهرة الياسمين في عربته مجدداً، فبدت منها حورية ذات جمال يفتن كل بني آدم بلا استثناء… فشكر الإله بصوت خاشع.

 ونظر إليها خلسة فوجدها تحملق فيه هي الأخرى، فكأن وَجْداً جميلاً حرّك أوتار قلبه، وبدأ يرتجف بعدما أوحت إليه عيناها ما أوحت، فسألها بنبرة هادئة:

ــــــــــــ هل يُزعجك يا سيدتي عندما أضرب الثوريْن؟

نظرت إليه فوجدته رجلاً طيباً، يبدو في عقده الرابع، ذو بشرة سوداء يسكن الريف، ولم يكن شيءٌ أحب إلى قلبه من عربته وثيرانه. له أخ كبير يعمل مزارعاً، وله منزل متواضع يعيش فيه مع أسرته الصغيرة. وزوجة أخيه أعز عليه من أخيه، إلا أنه يخاف منها حد الفزع.

تزوَّج في صباه، ولكن عروسه رحلت إلى ربها قبل أن تتزوجه، أمَّا هو فنسيها تماماً حتى لم يعد يذكر ملامح وجهها. ولم يتزوج حتى الآن، وله أسباب كثيرة؛ منها أن زوجة أخيه تُصر على تزويجه بالعذراء الحسناء؛ والعذراء في مفهومها هي تلك الفتاة التي لم تبلغ السادسة من عمرها، كما أنها ترفض أعراف البلاد تماماً، ومن ناحية أخرى لا يُزوِّج أحدٌ ابنتَه العذراءَ من رجل سبق له الزواج، إلا إذا كانت هناك ضرورة لذلك، ولكنها تُصرُّ على ذلك، ولا يُثنيها عن ذلك المبدأ شيءٌ، حتى زوجها لا يستطيع أن يفرض رأيه عليها.

 في النهاية قرَّر “هيرامان” عدم الزواج، لأن الزواج بالنسبة إليه كغابة من المصائب ما إن يدخلها الأعزب حتى تنهش وحوشُها أحلَامه، وتفترس راحته من كل جانب، لا سيَّما أن الزواج لا يُغيِّر شيئاً من حياته البائسة، ويبقى يقود عربته بعد ذلك كما هو الآن، فلا داعي للزواج إذاً، ولا سيِّما أنه يعشق قيادة العربة حتى أنه يستطيع أن يترك كل شيء إلا قيادتها. لم تقابل “هيرابائي” رجلاً بسيطاً مثله من قبل.

ــــــــــــ من أين أنتِ يا سيدتي؟ [3]

أجابته في هدوء:

ــــــــــــ من “كانبور”([4])

فانفجر بالقهقهة لدرجة أثارت انتباه ثيرانه، حتى إذا خمدتْ قهقهته سألها ساخراً:

ـــــــــــ إذاً هناك توجد “ناكبور”([5])أيضاً؟

هزت رأسها إيجاباً، وقالت:

ـــــــــــ نعم، توجد.

          فبدأ يطلق من حنجرته قهقهة تلو الأخرى، وتمادى في شأنه هذا إلى أن شاء الله، وما إن فرغ من طوفان القهقهات، قال:

ـــــــــــ ما أعجب هذه الدنيا؟ ما هذه الأسماء؛ “كانبور”، “ناكبور”؟

          ثم التفت إلى الزهرة التي تتدلى من أذنيها، والقرطِ ذي الحَجَر الأحمر الناري القابع في أنفها، فانبهر به، وقد بدا له كقطرات دماء ساخنة.

لم يسمع “هيرامان” عن “هيرابائي” من قبل، وهو لا يعتبر فتيات شركة المسرح فتيات دعارة كما يعتبرهن الناس. وقد سبق له أن قابل بعض فتيات تلك الشركة أثناء عمله بها، ولم يجد منهن إلا خيراً، حتى صاحبة الشركة كانت تزور عربة النِّمر مع ابنتيها، وتحنو عليه، وتُقدم إليه اللحم وتسقيه الماء، إضافة إلى أن ابنتها الكبرى قد قدمت إلى ثيرانه خبز “الكيزر”، و”البسكويت”.

أسدل الأستار على العربة بعدما انفضَّ ضباب الشتاء حتى لا يطَّلع أحد على ما بداخلها قبل أن يتمتم في نفسه، قائلاً:

ــــــــــــ سيصعب المشي بعد ساعتين؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يتحمل ضباب الصباح في شهر

   “أكتوبر”.

          وهنا قرر أن يُوقف عربته بعد الظهر عند “مظلة الأشجار الثلاث” على ضفة نهر”كجري”. وفي هذه الأثناء أثار انتباهه تلك العربة القادمة من الاتجاه المقابل، وتظاهر بالانشغال في قيادة عربته، حتى يتمكن من التهرب من فضول السائقين. وبعد قليل اقترب صاحب العربة المُقابلة له فسأله:

ـــــــــــ هل أوشك المهرجان على الانتهاء؟

فأجابه عابساً:

ـــــــــــ ما لي وللمهرجان؟ ثم أجابه بما جاء في خياله حينذاك، وذكر اسم قريةٍ ما، قائلاً:

ــــــــــــ أنا أنقل عروساً إلى “شتابور بتشيرا”. ولا يعرف أحدٌ عن “شتابور بتشيرا” إلا القليل.

فتابع صاحب العربة المقابلة أسئلته الفضولية:

ـــــــــــــ أين تقع “شتابور بتشيرا”؟

ـــــــــــ ماذا تفعل بها؟ هل ستذهب إلى هناك؟ ثم ضحك، وقد أُعجب بذكائه.

 نظر من خلال فتحة الستار فوجدها تشاهد أسنانها في مِرآة صغيرة، فبدت له كحبَّات من اللؤلؤ المصفوف كالذي اشتراه لثيرانه من المهرجان في “مدنبور”.

وبعد قليل، تراءت له “مظلة الأشجار الثلاث”؛ فرفع الستار قليلاً، ثم هتف:

ـــــــــــ ها هي “مظلة الأشجار الثلاث”؛ اثنان منها يُعرفان باسم “جتا ماسي”، والثالثة تُسمَّى….ما

   اسمها…ما اسمها يا إلهي؟

          راح يُحفِّز ذهنه ليتذكر الاسم، لكنه لم يستطع، إلى أن وقع بصره على قميصها المُلوَّن بالورود، فاتسعت حدقتا عينيه، وأردف:

ــــــــــــ إن زهرتها تشبه تلك الزهرة المطبوعة على قميصك يا سيدتي، يفوح عبيرها إلى أكثر من كيلو متر، ولذلك ربما يستخدمها الناس مع التبغ في الشيشة.

لم تلبث أن تسأله بعدما تراءت لها الأكواخ المتراصَّة من وراء حديقة المانجو:

ــــــــــ هل هناك ثمة قرية، أو معابد متناثرة هنا وهناك؟

لعله لم ينتبه في بداية الأمر إلى سؤالها لشدة اغتباطه حينها، فسألها:

ــــــــــــ هل تسمحين لي بتدخين التبغ؟ إن لم يكن رائحته تزعجك؟

ثم انتبه إلى سؤالها، فأردف:

ـــــــــــ ها هي أطلال قصر الملك “نام لجر”؛ الذي أطلق اسمه على المهرجان الذي نحن قادمون منه تخليداً لذكراه. سبحان الله، كم قهرته يد الزمن.

التفتت “هيرابائي” إليه في شوق بعدما سمعت كلمة “يد الزمن”، ورفعتْ الستار المسدَل وحشرته في إحدى فتحات العربة، وأمسكت ذقنها قبل أن تسأل متوجسة وأسنانها تتلألأ في ضوء النهار:

ــــــــــــ أيَ زمن تقصد؟

فأجابها في هدوء تام:

ـــــــــــــ زمن قصر الملك “نام لجر”… كيف كان، وكيف أصبح؟

إنه يُحسن الحكي، ويحب الثرثرة.

ــــــــــــ هل شاهدت هذا الزمن؟

ــــــــــــ لم أشاهده، ولكن سمعت عنه.

إن قصة زوال ملكه مهيبة وعجيبة؛ تبدأ منذ مولد الإله في قصره:

 قد ولد الإله في قصره، والإله حينما ينزل من دار البقاء إلى دار الفناء فلا يطيق أحد أن يتحمّل بريق نوره الذي يلمع دائماً في جبينه كزهرة عَبّاد الشمس. ولكن عيون البشر لا تستطيع تحمل هذا النور، ولا تدرك حقيقته. وفي يوم من الأيام هبطت إلى قصره طائرة تحمل على متنها رجلٌ إنجليزي وزوجته، فلم يستطع هو الآخر رؤيته مثلما عجز الناس من قبله، إلا أن زوجته هي الوحيدة التي استطاعت أن تنظر إلى وجهه قبل أن تعرف حقيقته، فأخبرت الملك بأنه ليس طفلاً عاديّاً، بل هو إله، لذا وجب تقديسه وعبادته.

ذهب في ضحكته بعيداً حتى أنه لم يتمالك نفسه من التساقط بعدما نقل كلام تلك السيدة بنبرتها ولهجتها تماماً، فخرّت ضاحكة هي أيضاً. وهنا سألته بعدما عادت لتغطي رأسها بوشاحها وتسوي هندامها:

ـــــــــــ وماذا بعد ذلك يا صديقي؟

قال لها في تعجب:

ـــــــــــــ لعلكِ تحبين سماع القصص حبًا جمًا، وأضاف:

ــــــــــــ الرجل ذو البشرة السوداء يبقى الأبله دائماً، حتى وإن صار ملكاً، لا يمكن أن يكون ذكيّاً

    كالإنجليز أصحاب البشرة البيضاء، فقد سخروا منها ونبذوا بِشارتها وراء ظهورهم، حتى بدأ

    الإله يُري الملكة أحلاماً: ضيّعتم فرصة خدمتي، فها أنا أرحل عنكم، وبدأ الإله في معاقبتهم

    فماتت الفيلة ذات الأنياب، وتبعتها الخيول، وحُرموا النعم واحدة تلو الأخرى. فعاد الإله

    أدراجه من حيث أتى.

ذهب “هيرامان” بخياله مذهبًا بعيداً؛ حيث رأى أن السيدة التي تصحبه في عربته ذات صفات ربانية، فانتابته جميع ألوان الغبطة والبهجة طيلة الوقت. أمَّا “هيرا بائي” فقد تنفست الصُعداء بعدما رأت منارة المعبد تغرب عن عينيها. ثم أردف قائلاً:

ــــــــــــ دعا الإله عليهم قبل أن يغادر؛ ألَّا تلد امرأة قط في هذ البلد أكثر من ولدٍ، وأن يسودهم الفقر من ورائي، إلا أنهم يتقنون الفنون.

       وقد حدث كما قال؛ فلم يلبث أن رحلت جميعُ الآلهة من بعده، ولم يبق سوى إلهة الفنون والموسيقى. وهذا المعبد القابع أمامك قد شُيّد لعبادة تلك الإلهة وتقديسها، ونصبت فيها صنمها.

أسدل ستائر العربة بعدما لاحظ أن العطّارين قد يقتربون منه رويداً رويداً حاملين البضائع على أحصنتهم البلدية…ثم حمَّس ثيرانه قبل أن يبدأ يُغني غناء دينياً بلغة شعبية:

ـــــــــــ يا إلهي نستغيثك، قد اجتاحتنا الكآبة، أرجوك النصر يا رب.

 ثم خاطبهم والحماسة تندفع من لهجته سائلاً:

ــــــــــ بكم تشتري خيوط الكتان يا سيدي التاجر؟

فرده عطارٌ يُجرُّ حصاناً أعرجَ رداً مخفياً:

ــــــــــ ليس أقل من ثمان وعشرين، وعلى الأكثر ثلاثين، هذا وفق جودتها.

ثم سأله شاب منهم توجساً:

ـــــــــ ما أخبار المهرجان يا أخي؟ وما الشركة التي تقدم عروضها؛ هل شركة “روتا”، أم شركة “متهورا موهن”؟

فأجاب:

ــــــــــ مالي وللمهرجان؟ هل أنا الذي أقوم بتنظيمه؟ ثم هتف أمامهم بقرية “تشتابور بتشيرا”.

 التفت إلى ثيرانه بعدما ارتفعت الشمس على الرؤوس ليحمِّسهما هاتفاً:

أمامكما مسافة أكثر من كيلو متر، أرجوكما أن تسرعا الخطى ركضاً كي لا يمسنا العطش…لعلكما تتذكران صراعاً قد وقع بين مهرج السِيرك والقرَّاد. لقد كان المهرج يصدر الصوت من حنجرته كخنخنة القرود، ثم أطال في إبداء التقزز منهما وظل يلعنهما، ولا نعرف من أي البلاد سيأتي المشاهدين.

تطلَّع “هيرامان” إلى الداخل عبر فتحة الستارة مجدداً ليجدها منزوية في إحدى زواياها تحملق في قطعة من الورق، فاتسعت حدقتاه وبدأت ألوان الطيف على خياله، و أوحى هذا المنظر إلى ذاكرته أغانٍ متنوعة؛ نغمات أجنبية، ونغمات شعبية، ونغمات ريفية، وطارت به ذكرياته إلى قريته في عهد شبابه، حيث يشدو شباب فريق الرقص على أنغام أغاني الغزل، فيخطفون قلوب مَنْ يُصغي إليهم…ولما عاد أدراجه من رحلة ذكرياته، بدأ ينتقد أغاني العصر الحاضر، قائلاً:

ــــــــــــ الآن لا يعرفون شئيًا عن أغاني فن الغزل، ولا عن إلقائه أمام الجمهور. لقد صار الغناء الآن

   مجرد أبواق تصدر منها صرخات تقرع المسامع، وتعصف بالقلوب وكفى. وهنا صرفه عن

   ذكرياته نغمةٌ يُغنيها الشباب وهم يرقصون، فبدأ يلحنها:

يا لفراق حبيبي.

يا ليتني أكون يمامة لأطير إليه.

يا ويل حظي، ويا أسفاه على قدري.

ثم انتهى بغنائه بعدما ضرب ضرباً أخيراً على رباط خشبي من العربة كأنه كان طبلاً يضربه العازفون خلال عزفهم، ثم خطر بباله وجها الراقصتيْن؛ “منوا”، و”نتوا” من فريق “الشباب الراقص”، وتصور أنهما تشبهان السيدة “هيرابائي”، وا أسفاه أين هذا الزمن الجميل؛ حيث كان الراقصون يأتون نهاية كل شهر في قريته يعرضون رقصهم على الشباب والفتيات، كم كانت زوجة أخيه قاسية، حتى أن أخاه هدده بطرده من المنزل إن ذهب إلى عروض الرقص هذه.

وهنا، قاطعت “هيرابائي” خياله، قائلة:

ـــــــــــــ ما أعذب صوتك، وما أجمل ألحانك! لعل الإلهة “سرسوتي”([6]) تمُن عليك اليوم.

فاحمرَّ وجهه خجلاً، وانحنى برأسه تواضعاً، وبدأ يبتسم.

كما أن القدر ساعده اليوم ليستظل وحيداً تحت “مظلة الأشجار الثلاث”؛ التي لا تخلو من عربة، أو خيل، أو ركاب، حيث لم يكن إلا فتى نحيلاً معه دراجة هوائية مسترخياً على ظهره.

قدم الشكر لله قبل أن يوقف عربته، كما رفعت “هيرابائي” ستارتها إلى النصف، فالتقت عيناهما لأول مرة وجهًا لوجه، بينما كان الفتى صاحب الدراجة الهوائية يحدق إليهما غير مبالٍ بهما.

أسند العربة إلى عمود خشبي قبل أن يحرر الثوريْن منها، ثم التفت إلى الفتى بنظرات يتطاير منها الشرر ليطلق إليه الأسئلة في نَفَسٍ واحد:

ــــــــــــ إلى أين تقصد؟ هل تقصد المهرجان؟ ومن أين أتيت؟ هل مِنْ “بسون بور”؟ استلقيت

   على الأرض بعدما قطعت هذه المسافة القصيرة، وأنت شاب يافع، يا للخجل.

أحرج الفتى بتوبيخه إياه قبل أن يقوم من مكانه مُغمغمًا، فما كان منه إلا أن أشعل سيجارته، ليذهب إلى سبيله.

ودَّ لو يأخذها إلى مكان لا تتطلع إليها عيون البشر، وراح يدور ببصره في كل جانب فلم يجد أحداً.

 يمر نهر “كجري” “بمظلة الأشجار الثلاث”، ثم يتجه إلى المشرق. أرسلت “هيرابائي” نظرتها إلى الجواميس التي على ظهرها طائر “أبو مَنْجَل”.

  طلب منها “هيرامان” أن تذهب إلى ضفة النهر لتغتسل.

فوثبت من العربة فتسارعت أنفاسه، وظنَّها حورية، تمشي على رجليها، ولكن لماذا خضَّبت خُفيِّها بالحناء؟ واصلت “هيرابائي” طريقها نحو ضفة النهر، يكسوها حياء العذارى، لا أحد يصدق أنها امرأة ترقص في المسرح.

جلس “هيرامان” على العربة، ونظر عبر فتحة الستارة، وأدار نظره في كل جانب، ووضع يده على وسادتها المطرزة بالأزهار، ثم اتكأ عليها ففاح عطرها الذي لامس جسده كله، ثم مَرَّ بيديه على غلاف الوسادة المملوء بالورود المطرزة، حاول أن يستنشق عبيره، وتعجب من كثافته، فانتفض بعد أن أخذ بضعة أنفاس من نارجيلته، ونظر في مرآتها الصغيرة على وجهه، ففزع لماذا عيناه حمراوان؟

عادت “هيرابائي” إلى العربة، فقال لها مبتسمًا:

ــــــــــ عليكِ أن تلاحظي العربة، سأعود حالًا.

أخرج “هاريمان” غيار ملابسه من حقيبته ووضعه على كتفه، وأمسك بجردل الماء، وما إن تحرك حتى بدأت ثيرانه تخور، فالتفت إليهما قائلاً:

ـــــــــــ كلنا نشتكي الظمأ، سأعطيكم الكلأ بعد أن أعود بشرط عدم إزعاج هذه السيدة “هيرابائي”. فحرك الثوران أذنيهما، ولسان حالهما يقول: سمعاً وطاعة يا سيدي.

أمَّا ” هيرابائي” فلم تشعر بقدوم “هيرامان” فأثقلها سهر الليل، فخلدت إلى النوم، جاء ومعه الماء والطعام من إحدى القرى المجاورة، فهتف بها ليوقظها من نومها:

ـــــــــ استيقظي يا سيدتي لتناول الطعام.

فاندهشت لما لاحظته بعدما فتحت أجفانها؛ فثمة طعام وفاكهة يمسكها بيمينه، وجردل به ماء عذب يمسكه بيساره، ويفيض الأمل والرجاء من عينيه، فضلاً عن الإصرار والإلحاح. وهنا بادرته قائلة:

ــــــــــ من أين جئت بكل هذا؟

ــــــــــ زبادي هذه القرية مشهور جداً، وأمَّا الشاي فسوف نشربه في “فاربس جنج”.

  ومن هنا ذهب الخجل والخوف الذي كان يعتريه في أول عهده بها. استدعته ليتناول الطعام معها، وهي تقول:

ـــــــــــ وإذا لم تشاركني فضعه في حقيبتك…لن أتناوله.

فقال في استحياء:

ــــــــــ تمام، إذاً ابدئي أنتِ أوّلاً، وأنا من بعدك.

ــــــــــ لا أول، ولا آخر لا بُدَّ أن نبدأ معاً.

فعادت إليه روحه، ثم وضعتْ الطعام بأيديها أمامه، وصبتْ الماء، فخُيَّل إليه أنها إلهة الحظ الطيب…تُقدم الطعام، يتلألأ الطعام على شفتيها الحمراويْن كقطرات الندى على الزهور، أو كالببغاء الجبلي.

لقد غطى قتامة الظلام بياض النهار…

استيقظتْ “هيرابائي” التي استلقتْ بين جوانب العربة، واستيقظ “هيرامان” معها، ونهض من على حصيره الذي فرشه على الأرض إثر صرخات الأطفال، وضجيج الصبيان الذين هبطوا من العربات القادمة إلى المهرجان، وتوقفت عند “مظلة الأشجار الثلاث” للاستراحة. فقام من فراشه ليركض إلى العربة ليخبرها:

ـــــــــــ لقد حلَّ الظلام، وغلبهم النوم.

ثم بدأ يربط الثوريْن بالعربة، بينما يقتل الفضول زملاءه من أصحاب العربات الأخرى حول ما يحمل في عربته، فلم يجبهم، إلا بعد أن تحرك بعربته بقوله:

ــــــــــــ إنها طبيبة تعمل في مستشفى “سوق سِرْ بور” قادمة لتداوي مريضاً بالقرب من قرية

   “كورْما جام”.

نسيت “هيرابائي” اسم “تشيتابور بتشيرا”، وما إن بعُدت العربة قليلاً حتى ابتسمت، وتذكرت الاسم معكوساً “بتشيرا تشيتابور”. ثم بادرته سائلة:

ــــــــــ لماذا لم تخبرهم بالحقيقة؟

قهقه “هيرامان” لدرجة أن أنفاسه توقفت بعد أن سمع اسم القرية معكوساً على لسانها، وقال هم أصلاً من “تشيتابور بتشيرا”، وواصل الضحك. فابتسمت قبل أن تلتفت نحو القريةَ. لقد بلغا الطريق الذي يمر بقرية “مظلة الأشجار الثلاث”. هتف أطفال هذه القرية فرحاً برؤية عربته التي بها مظلة كالحنطور، وبدءوا يرددون ما ورثوه عن آبائهم:

العروسة ذات الرداء الأحمر…

تمضغ اللبان…

وهي جالسة في عربة حمراء.

أصغى “هيرامان” إلى هذه النغمة الطفولية مُبتسماً، ثم ردد في نفسه كلماتهم: العروسة…الحمراء…العربة الحمراء… ثم نظر إليها خلسة، وهو يقول في نفسه:

العروسة تأكل اللبان الأحمر…وتمسح حُمرة شفتيها بعمامة عريسها…أيتها العروس؛ أرجوك لا تنسي هؤلاء الأطفال، واشترِ لهم الحلوى في طريق العودة إليهم، فليحيا عريسكِ ألف عام.

كم رواده من قبل حُلم أن يعود بعروسه من بيتها، وسط ضجيج الطريق بأنغام الأطفال عندما يرونه، وكم تخيل خروج النساء من شرفاتهن، ليسألن المارة عن العروس، ومِنْ أين أتت، وإلى أين ستذهب؟ وعروسه تسحب الستار لتشاهد ماذا يجري حولها. لقد شرد به خياله إلى كل هذا.

نظر إلى داخل العربة خلسة بعدما خرج من القرية ليجدها تمعن التفكير في شيءٍ ما، فشرد هو الآخر بفكره، وبدأ يدندن:

لا تكذب يا حبيبي….

 ستعود إلى الرب في نهاية المطاف….

لا راكباً على الفيل، ولا على الحصان، ولا على العربة….

بل ماشياً على قدميك….

سألته حينما انتهى من دندنته:

ــــــــــــ صديقي؛ هل تتذكر أي غناء بلهجتك الشعبية؟

قد تغير وضعه الذي كان عليه في أول عهده بها؛ فهو يتحدث إليها وجهاً لوجهٍ، ودون قلقٍ وخوفٍ. سأل نفسه بعدما رآها ترغب في الغناء الشعبي:

ـــــــــــــ هل يمكن أن تكون من النساء اللواتي يعملن في المسرح؟ حتى صاحبة السيرك التي حملت

    نمرها كانت مثلهن، ثم سألها مبتسماً:

ـــــــــــــ هل تفهمين اللهجة الشعبية؟

فهزت رأسها إيجاباً…فتمايل قرطاها اللذان كانا يتدليان من أذنيها. لقد واصل السير بعربته في صمت بعدما شجع ثيرانه على المضي قدماً:

ـــــــــــ هل لا بد من سماع الغناء الشعبي؟ ألا ترغبين في غيره؟

فهزت رأسها رفضًا. فتعجب من إلحاحها:

ــــــــــــ سبحان الله، إلى هذه الدرجة؟

          ثم أردف:

ــــــــــــــ إذًا لا بد من تغيير الطريق، وإلا لا يمكن الغناء في طريق مزدحم مثل هذا..

سحب لجام الثور الأيسر، وأنزل الثور الأيمن على طريق يؤدي إلى “نَنَنْفور” ثم هتف:

ــــــــــــ لا أرى فائدة من الذهاب عبر “هيريبور” إذًا…

لم يلبث أن صاح به السائق الذي كان خلفه بعدما رآه ينزل بعربته على طريق غير معتاد، ليسأله:

ـــــــــــ أيها السائق؛ لماذا تترك هذا الطريق؟

فصاح به هو الآخر، وهو يشير بسوطه محركاً به في الهواء:

ــــــــــ لا. ليس كذلك…وكيف أمشي في طريقك رغم أنها لا يؤدي إلى “نَنَنْفور”…ثم همهم:

ــــــــــ لا تعجبني عادة أهل القرى، وفضولهم؛ فهم أجلاف.

أطلق لجام ثوريْه بعدما أنزلهما على طريق “نَنَنْفور”، فأسرعا في سيرهما بعدما كانا يمشيان بأقدام بطيئة.

بدت تعابير الفزع على وجهها بعدما وجدت شوارع “نَنَنْبور” خالية من البشر فعلاً…فقال وهو يُهدّئ من روعتها:

ـــــــــ لا داعي للقلق؛ فهذا الطريق يؤدي أيضاً إلى “فاربس جنج”…الناس على هذا الطريق طيبون

   في الغاية…سنُمسي في”نَنَنْبور” قبل مضي الغسق.

لا يتعلق الأمر بعدم ثقتها به، ولا أنها تستعجل الوصول إلى “فاربس جنج”، فقد وثقت به لدرجة أنها لا تخاف من أي شيء.

ثم ابتسم، وبدأ يفكر في أفضل الأغاني لديه، فهي تحب الغناء والحكي معاً، وقال في نفسه؛ أسمعها أغنية (“مهوا” صاحبة الضفة)؛ فهي أغنية وقصة معاً.

قد استجاب الإله لدعائه هذا ولو بعد حين، فالحمد لك ستتحقق اليوم أمنيتي أخيرًا…وظل يحدق في الابتسامة التي ارتسمت على شفاه “هيرابائي”..

ــــــــــ فلتصغي سيدتي:

المناهل التي كانت تنزل عليها “مهوا” لملأ جَرتها بالماء ما زالت موجودة على ضفتي “نهر برمار”. كانت عفيفة وبريئة. والدها كان مُدمِناً على المخدِّرات، وزوجة أبيها كانت سيئة هي الأخرى، كانت تتعامل مع المجرمين من اللصوص وبائعي المخدّرات وغيرهم، وكانت تقوم بأسوأ الأعمال بمساعدتهم. لقد كانت “مهوا” عذراء، إلى أن أصبحت عظاماً بالية من سوء معاملة زوجة أبيها، ولم تكن تفكّر في تزويجها إلى أن جاءت تلك الليلة السوداء.

 تنحنح “هيرامان” لينظف حنجرته للغناء:

حبيبتي يا ماما! يفيض النهر من أمطار يوليو…

والليل داجن…والقارعة تكاد تخطف بصري…

وأنا فتاة بريئة عذراء…ها أنا أسمع دقات قلبي…

كيف يمكن لي الذهاب إلى ضفة النهر وحيدة؟

توقف ثم واصل الحكي:

فاستمعت السماء لشكواها، ثم بدأت ترسل وابلاً من المطر إلى الأرض التي لم تجد الفتاة مخدعاً فيها، وضاقت عليها بما رحبت.. ثم أخذها الخيال إلى أمها التي حملتها تسعة أشهر في أحشائها الدافئة…ترى إن كانت هي معي في هذه الليلة المُمطرة فتخبئني بين أضلاعها! يا حبيبتي ماما؛ هل حملتني في رحمك تسعة أشهر لأكابد كل هذه الوحشة والكآبة؟ ثم هتفت بها لتغبطها: لماذا متِ وحيدة وتركتني فريسة لأيادي الزمن؟

 التفت “هيرامان” إلى “هيرابائي” ليراها تحدق إليه واضعة مرفقيها على الوسادة، وقد ذهبت إلى أفق بعيد من الخيال أثناء إصغائها للقصة، فتبادر إلى ذهنه كم يبدو الوقار والبهاء عليها وهي في شأنها هذا.

تنحنح “هيرامان”:

ـــــــــــ يا ماما كيف أنتِ قاسية إلى هذا الحد؟ لماذا وأدتِني في قبر لا يَخرج منه أنين، ولا يُسمع منه نشيج. قذفتني في جُب حالك لأكون لقمته الطرية يبتلعها من غير اكتراث، تُرى لو جعلتني عروساً، وتنقش صاحباتي على أيدي بالحناء.

سألها “هيرامان” هل تفهمين ما أقول أم تستمتعين للحن فقط؟ ثم واصل كلامه:

فلم يكن يغني عنها بكاؤها وعويلها بعدما دفع التاجر ثمن “مهوا”… فلم يلبث إلا أن أمسك بشعرها، وراح يجرُّها بكل قسوة إلى القارب، وأمر قائد القارب بالتحرك. قضت “مهوا” ليلها تحت رُكام العويل والدموع، وظل خُدَّامه يهددونها هم الآخرون بقذفها في البحر. ففكّرت “مهوا” في أن ترمي نفسها في البحر، فلم تتوان في أن تقذف بجسدها النحيل في البحر بعدما طلع رسول الصباح من وراء أستار الغيوم ثم اختفى، وتركتْ خلفها صدى سقوطها في البحر.

 كان أحد خُدَّام التاجر الكبير قد وقع في حبها منذ أن رآها، فوثب خلفها، لكن السباحة في الاتجاه عكس التيار أمر ليس هيناً على أحد، ولا سيَّما عند هطول المطر. أمَّا “مهوا” فهي بنت “صاحب الضفة”، حياتها كلها في النهر، فبدأت تسبح كأنها سمكة من غير تعب ولا كُلفة، وظل الفتى يهتف من خلفها:

ـــــــــــــ حبيبتي “مهوا”؛ توقفي لم أقفز للقبض عليك، بل إني أريد أن أكون معك إلى الأبد،

    ولكن…..

لقد كان غناء “صاحب الضفة” من أحب الأغاني إلى قلب “هيرامان”؛ حيث يطير به خياله حينما يتغنَّى به، حيث تتحرك على مسرحه مناظر وصور يجري فيها النهر ملء ثغره، وتلمع السماء في ليلة البدر فيعثر الفتى على كيان “مهوا” الذي كان يصارع الأمواج الصاخبة، فلم تلبث أن تسرع في سباحتها كي لا تصل إليها يداه؛ لأنها ما زالت تعتبره خادم التاجر، فلم تصغِ إليه، ولم تلتفت إلى ما أقحم نفسه فيه فداء لذاتها حتى اجتاحه النَصَب ولم يعد يطيق السباحة أكثر من هذا.

وأخيراً اقتنعت “مهوا” فسلَّمتْ نفسَها بين يديه، فاحتضنها ليقيها من أيدي الدهر، فاطمأنت روحها، واستقر جسدها واستراح من عناء عيشتها البائسة، وتراءت لها أخيراً معالم الشاطئ بعدما ظلت تصارع الأمواجَ، فاقدة بريق الأمل في حياة سعيدة كريمة، واغرورقت عيناها فرحًا.

حاول “هيرامان” إخفاء دموعه عن “هيرابائي” التي كانت هي الأخرى تتابعه بكل عناية، وهدأ صوته المهتز قبل أن يحمِّس ثوريْه:

ـــــــــــ لا أرى سبباً في تثاقلكما بعدما تسمعان هذا الغناء كأنما تحملان حملاً ثقيلاً يفوق طاقتكما.

تنهدت “هيرابائي” طويلًا، فعصفت داخله بأحاسيس غريبة لم يشعر بها قبل عهده بها، وأخذت تُثني عليه:

ـــــــــــ أنت فنان يا سيدي “هيرامان”.

         ثم أردفت قائلة:

ــــــــــ وبما أن الشمس تغرب في شهر “سبتمبر”، و”أكتوبر” مبكرًا بالنسبة إلى الشهور الأخرى،

   فلابد أن نصل إلى “نَنَنْبور” قبل غروبها.

 فأخذ يحمِّس ثيرانه ليسرعا في ركضهما لا سيَّما أكبرهما. وظلَّ يحمسهما ليذكرَّهما بمهمتهما السابقة:

ـــــــــــ ألا تتذكران فرح ابنة عمدة القرية؟ وكان لكما السبق على كل العربات، هيَّا! اركضا، كما أن “فاربس جنج” ليست ببعيدة جداً عن “نننبور”. إنها مسافة ساعتين فحسب.

وما إن وصلوا إلى “نَنَنْبور”، حتى اشترى لها الشاي في إبريقه من المقهى الذي أُنشئ منذ وقت قريب هناك، ظناً منه أنّ مَنْ يعمل بالمسرح يحتسي الشاي باستمرار…فقدمه إليها:

ــــــــــــ من قال لك لا ينبغي للأعزب أن يحتسي الشاي؟

فلم تتمالك نفسها من الضحك.

احمرَّ وجهه خجلاً من كونه أعزبَ، واستدعت ذاكرتُه على الفور معاناته من شدة ما قدمت إليه الشاي صاحبة الشركة العام الماضي وما ترك عليه من أثر حار. وهنا ابتسمت، وقالت:

ــــــــــــ فلتتفضل يا أستاذي.

أضاءت المصابيح في مقهى “نننبور”، فقام هو الآخر بإضاءة مصباح كيروسيني ليعلقه في مؤخرة عربته، حتى لا يفرض عليه رجال الشرطة الغرامة المقررة، ثم تمتم موبخاً:

ـــــــــــــ حتى الذين يعيشون بعيداً عن المدن جعلوا أنفسهم مثل سكان الحضر؛ لا يتحملون رؤية عربة مظلمة، يا للوقاحة. ثم جاوبها قائلاً:

ـــــــــــ لا تناديني أستاذاً… أرجوك يا سيدتي.

فقالت هي الأخرى وكل معاني الاحترام تتدفق من نبرتها:

ــــــــــــ لا. أنت أستاذي فعلاً…لأن كُتُبنا المقدسة تقول: من علَّمك حرفاً فهو أستاذك، وأنت علمتني أشياء كثيرة، فلم لا أدعوك أستاذاً؟

         فقال في نفسه: يا للهول؛ إن لها معرفةً بالكتب المقدسة كذلك، ثم خاطبها قائلاً:

ــــــــــــ ماذا عَلَّمتُك مثلاً يا سيدتي؟

فبدأت تغني أغنية “مهوا صاحبة الضفة”:

حبيبتي يا ماما…. يفيض النهر بحلول يوليو….

اندهش من قوة ذاكرتها، كما لو كانت “مهوا” من قبل.

هبطتْ العربة من أخدود كان يمر بـ”سيتا دهار” لتهتز كالأرجوحة يميناً ويساراً، فتملَّكها الخوف والقلق، فأمسكت كتفه بيدها، وظلت أناملها على كتفه لفترة طويلة، إلى أن استدار بنظره، وكادت ترفع يدها عن كتفه، لكن عاودها الخوف مجدداً حينما تسلَّقت بهما العربة إلى مكان يُشبه التل، فباتت أصابعها في لحم كتفه مجدداً.

 بدت في الأفق أشعة مصابيح مدينة “فاربس جنج”، كما تراءت أضواء المهرجان بعيدة عن المدينة. كلما تأرجح المصباح الكيروسيني المُعلَّق بالعربة، تحرك ظله خلفه، ولو ينظر الناظر إلى تلك الأضواء بعيون ممتلئة بالدموع لَيحسبها زهرة  عَبّاد الشمس.

 لقد اعتاد “هيرامان” مدينة “فاربس جنج”؛ فقد زارها مرات عديدة، ولكنه لم يسبق أن حمل نساءً من قبل إلا مرة واحدة؛ حين حمل زوجة أخيه يوم زفافها، وقبل أن يحيط العربة بهذه الأستار.

أحاط “هيرامان” عربته بالأستار مجدَّداً بعدما وصل إلى موقف العربات لئلا يختلس أحد من رفقاء دربه المنتشرين هنا وهناك النظر إليها. إنها ستلحق بشركتها بعد بزوغ الشمس، أمَّا المهرجان فربما ينتهي بعد الغد على الأكثر، ولن تمكث في عربتي إلا هذه الليلة. أمَّا زملاؤه فما زالوا يمطرونه بالعديد من الأسئلة مثل:

ـــــــــ مِنْ أين تأتي هذه العربة؟

ـــــــــ مَنْ يقودها؟

ــــــــ “هيرامان”؟

ــــــــ ومِنْ أيّ مهرجان؟

ــــــــ ومَنْ يمتطيها؟

ازداد خوفهم من أن يتوجهوا بأبصارهم إلى ما وراء الأستار  المنسدلة. أمَّا هو فقد اتسعت حدقتا عينيه وابتلع ريقه بعدما تراءت له وجوه زملائه المنتمين إلى قريته مثل “لال موهر”، و”دَهُوني رام”، و”بلت داس”، الواقفون في مكان واحد ليحدقوا إليه. حاول “بلت داس” التطلع إلى ما وراء الستارة، فانتفض كأنه رأى نمراً، فأومأ “هيرامان” إليهم لينصتوا جميعاً، واستدار بنظراته، ثم همس:

ـــــــــــ فتاة من شركة المسرح…

ــــــــــــ إيه.. إيه.. إيه؟

اندهش الجميع، وراح بعضهم ينظر إلى بعض. حينها أدرك “هيرامان” أنَّ اسم الشركة له قيمة، أومأ “لال موهر” بيده إليه ليخلو به لبعض الأمور، فاستدار “هيرامان” بوجهه إلى العربة ليهتف:

ــــــــــ لن يكون هناك مطعمٌ مفتوحٌ الآن… سآتي لك بالحلوى بالتأكيد.

ــــــــــ لا حاجة لي إلى الطعام الآن.

وأضاف:

ــــــــــ خذ هذا لتأكل شيئاً أنت.

ــــــــــ ما هذا؟ نقود؟ بعدما رآها تقدم إليه هذا. لم يدفع “هيرامان” أيَ مبلغ قط في “فاربس

   جنج” ليأكل الحلوى. بل كان أهل قريته يستضيفونه دائماً، فلا يستطيع أن يأخذ النقود من

   يدها الآن، فلم يلبث أن هزَّ رأسه نفياً:

ــــــــــــ لا تجادل هنا حتى لا ينظر الناس إلينا.

 اغتنم “لال موهر” الفرصة ليدنو من العربة، وألقى عليها التحية، قائلاً:

ــــــــــــ الطعام كاف لأربعتنا…والطعام على النار، ونحن أبناء قرية واحدة فمن العيب أن يأكل

   “هيرامان” في المطعم ونحن متواجدون معه. وهنا وخزه “هيرامان” بيده، قائلاً:

ــــــــــ توقف عن ثرثرتك هذه.

لم يبتعد “دهُوني رام” أربع خطوات عن العربة، إلا ونطق بما يجول في خاطره:

ـــــــــــ أنت محظوظ جداً يا صديقي؛ قد حملت نمر الشركة العام الماضي، وأمَّا الآن فتحمل فتاة

   الشركة.

همس إليه “هيرامان”:

ــــــــــــ هذه المرأة لا تنتمي إلينا حتى تتحمل كل هذه الثرثرة يا أحمق، إنها من بلاد الغرب وهي

    موظفة في الشركة.  وهنا سأله “دَهُوني رام” مُتجسِّساً:

ـــــــــ الشركة محل الدعارة؟

فأمطره باللعنات:

ــــــــــ ما هذه القذارة يا “دَهوني رام”؟ مستحيل أن تكون الشركة محل دعارة. معذرة أصدقائي،

   كنتُ سمعتُ هذا، ولكني لم أر بعينيي. وفي هذه اللحظة تجلت لـ “بلت داس” حيلة

   شيطانية، فقال:

ــــــــــــ يا أخي هل يعقل أن تمكث المرأة في العربة وحيدة؟ مهما يكن، هي أنثى في النهاية، وربما

   تحتاج إلى شيء.

نال حديثه إعجابهم جميعاً، ووافقه “هيرامان” قائلاً:

ــــــــــ كلامك صحيح؛ تُرى لو تعود إلى العربة كي تمكث هناك، ولا تنس أنها امرأة وأنت تتحدث

   معها.

أثارت رائحة بدن “هيرامان” اشمئزازهم، وتعجبوا من هذا الرجل الكسول الذي يخاف من الاستحمام إلى حد مفزع، ويبقى هكذا شهراً كاملاً حتى تفوح من بدنه رائحة تُشبه رائحة بول الثور. وفي العام الماضي لم يلبث “لال موهر” أن يستنشق ملابسه هاي… هاي…. واه واه. ولقد انطلقوا جميعاً حتى توقف “هيرامان”، وسأل “لال موهر”:

ــــــــــــ ما رأيك يا أخي؛ إنها تُلح عليَّ إلى أقصى درجة لأشاهد المسرحية؟

ــــــــــــ مجاناً؟ وماذا لو وصل الخبر إلى قريتنا؟

أجابه “هيرامان”:

ـــــــــــ إنها ليلة واحدة، فمَنْ سيسمع عنها؟ في “روما” افعل ما يفعله الرومان..

سأله “دَهُوني رام”:

ــــــــــــ هل زوجة أخيك ستغضب منك حتى لو شاهدت المسرحية مجاناً؟

               يقع موقف عربات الحوانيت الخشبية بالقرب من موقف “لال موهر”، فالتفت إليهم صاحب الموقف الشيخ “مِيا جان”، وهو يدخن النارجيلة، وسألهم:

ــــــــــــ مَنْ منكم حمل الراكبة من “سوق مينا”؟

اتسعت حدقتا “لال موهر” بعدما سمع اسم “سوق مينا” لأنه مكان دعارة، وصدَّق بدن “هيرامان” ظنونه الذي كان يفوح منه الروائح الزكية، فهمس في أذنيه متوجساً:

ــــــــــــ هل صحيح ما يقوله هذا الشيخ؟

فحرك رأسه نفيًا.

يُنادي الناس على خادم “لال موهر” بـ”لهسنوا”؛ وهو أصغرهم سناً. ولقد أتى إلى السوق معهم أول مرة إلا أن لديه خبرة طويلة؛ حيث كان يعمل منذ نعومة أظفاره عند الأثرياء، فبدأ يشم في الفضاء شيئاً يضايق أنفه، فلاحظ “هيرامان” أن وجهه توهّج:

ـــــــــــــ مَنْ يأتي بهذه السرعة؟ هل هناك “بلت داس”؟  ماذا أصابه؟

إلى أن وصل “بلت داس” فوقف صامتاً، وقد احمرَّ وجهه خجلًا، فسأله “هيرامان”: ـ

ـــــــــــ ماذا وراءك؟ لماذا لا تتكلم؟

لقد سبق أن نبهه “هيرامان” ألَّا يثرثر معها في كلام لا معنى له. وبالفعل ذهب وجلس في مكان “هيرامان” على مقدمة العربة دون أن يتكلم بشيء، فسألتْه “هيرابائي”:

ــــــــــ هل أنت أيضاً صاحب “هيرامان”؟ فهزَّ رأسه إيجاباً.

          وبعد وقت ليس بالقصير، غرقت “هيرابائي” في النوم، فهَاله جمالها المُفزع وهدؤها الناعم، وبدأ يخفق قلبه جزعاً من غير وعي منه… خُيل إليه كأنها الملكة “سيتا” في قصة “رام ليلا”…فحمد الآلهة كلها. هذا، وقد رغب في أن يلمس قدميّْ الملكة “سيتا” ــــــــــ التي أنهكها التعب ـــــــــ بأصابعه، فزحفت أصابعه عليها كما تزحف أصابع العازف على آلة البيانو، فوبَّخته:

ــــــــــ هل جننتَ يا رجل؟ اغرب عن وجهي.

بدا له وكأن الشرر يتطاير من عينيها فهرب راكضاً حتى توقّف عند “هيرامان”. لم يكن لديه رد على السؤال، وندم لدرجة قرر أن يغادر المهرجان في أسرع وقت ممكن، ولم يجب شيئاً حينما سأله “هيرامان” متوجساً:

ـــــــــــ إلى أين تقصد؟

ـــــــــــ طلب مني تاجر أن أحمل بضائعه …فعليَّ الخروج الآن، ثم هتف به وهو يركض:

ـــــــــــ الطعام لم ينضج بعد، سأكون قد عدت فنأكل سويّاً.

ظل “دَهُوني رام”، و”لهسنوا” يسبَّانه أثناء تناول الطعام:

ـــــــــــ رجل خسيس وسافل، يلهث خلف النقود ولا نهاية لطموحاته.

ثم تفرقوا بعد فراغهم من الطعام. فك “دَهُوني”، و”لهسنوا” رباط العربة قبل أن يذهبا إلى مكان وقوف “هيرامان”، وهنا التفت “هيرامان” إلى “لال موهر” بعدما توقف، واستدعاه ليشم كتفه، فأغمض “لال موهر” عينيه بعدما استنشق كتفه، وخُيَّل إليه كأنه وضع أنفه في قارورة الطِيب. وهنا أردف “هيرامان” قائلاً وهو يتباهى بحظه:

ــــــــــ وضعتْ كفها على كتفي فحسب، فترى ما ترى.

 قاطعه “لال موهر” مستفسراً بعدما أمسك يده بيده ليتأكد منه:

ـــــــــــ هل وضعتْ كفها على كتفك حقّاً؟ وأضاف:

ــــــــــ اسمع يا “هيرامان”؛ انتهز هذه الفرصة لتشاهد المسرحية، وإلا لن تسنح لك هذه الفرصة

   بعد ذلك.

سأله “هيرامان”:

ــــــــــــ هل ترغب أنت أيضاً في مشاهدة المسرحية؟

فتلألأ بياض أسنانه فرحاً أمام ضوء المصباح الذي كان في مفترق الطرق. ولقد لاحظ “هيرامان” بعدما وصل إلى مكان وقوفه أن أحداً يتكلم مع “هيرابائي” عند عربته، فهتف به “دَهُوني”، و”لهسنوا” من بعيد:

ــــــــــــ أين كنت؟  أسرع؛ رجال الشركة ينتظرونك منذ وقت طويل.

تقدمَ ليتفاجأ بموظف الشركة قد أخذ “هيرابائي” في عربته في “شنبا نجر” من قبل، ثم دلف في ظلام حالك.

قالت له حينما شعرت به:

ــــــــــ هل وصلتْ يا “هيرامان”؟ طيب؛ تعال عندي، خذ أجرتك، وأيضاً هذه هديتك. عدِّ النقود

    كلها نصفها أجرتك، والنصف الآخر هدية لك.

حينها شعر كأن أحداً قد دفعه إلى الثَرى بعدما اعتلى الثُريا…وهذا الشخص، ما هو إلا ذاك الموظف. وهنا تنفَّس طويلاً:

ــــــــــ ليته لم يأتِ هذا الشقي.

 ولم يستطع أن يبوح بما كان في قلبه، وظلَّ واقفاً مغموماً. فجاءت كلمات “لال موهر” التي قيلت بنبرة سخيفة:

ـــــــــ تقدم، فلتأخذ هدية السيدة “هيراباي”، فأنت محظوظ بهديتها.

فنظر إليه بامتعاض، وهو يقول:

ــــــــــ قليل العقل، لا يعرف طريقة الكلام حتى.

لفت ترحيب “دهوني رام” أنظارَ الجميع، وراحوا يتساءلون:

ـــــــــــ هل من المعقول أن يترك سائقٌ عمله ليشاهد المسرحية؟

غَمْغَمَ وهو يأخذ الهدية منها:

ــــــــــ لا اختيار لي فيه، ثم ود لو يبتسم، لكنه لم يقدر.

           سيذهب الجميع من حيث أتى، وهي ستعود إلى الشركة. ثم تقدم موظف الشركة ليهديها إلى الطريق وهي من خلفه، لكنها توقفت للحظة كأنها تذكرت شئياً مهماً، فالتفتت إلى ثيرانه، وقالت:

ـــــــــــ عليَّ الذهاب الآن يا أصدقائي ورفاق طريقي.

 فحركا أذنيهما عند كلمة أصدقائي ليودعاها.

ضجت شوارع “فاربس جنج” بالدعاية، حيث يقول المنادي:

“سيسركم مساء اليوم عرض ملكة الحسن الفنانة “هيرابائي” على خشبة مسرح شركة “دي روتا”، وليعلم الجميع أن أداءها وجمالها يذهب العقول. لا تنسوا مساء اليوم أن تستمتعوا مع ملكة الجمال….. هيرابائي.”

 قد ساد هذا الخبر أجواء “فاربس جنج” كلها، “هيرابائي”… السيدة “هيرا ديفي”… “ليلى”… ملكة الجمال… لا تضاهيها في الجمال بطلات الأفلام… لم يعد أحد يتمالك نفسه إلا تعلق قلبه بها شوقًا وحسرة.

أقبل “لال موهر” إلى مكان وقوف “هيرامان” في عجل، ثم قال وقلبه كان يطرق:

ـــــــــــ لماذا تقبع هنا يا “هيرامان”؟ اخرج لتنظر لم تعد مجرد امرأة؛ بل أصبحت شعاراً مفضلاً لدى الجميع، الكل يشتاق إلى رؤيتها.

فقام من مكانه وذهب إلى الخارج مسرعاً، فطلب “لَهسنوا” من “دَهُوني رام” مراقبة مكان وقوف العربة. ولكنه لم يصغ إليه، ثم خرج ثلاثتهم خلف رجال الدعاية الذين يقرعون الطبول في مفترق الطرق، ثم تتوقف الطبول للإعلان عن اسمها، وجمالها، وعذوبة صوتها. وكان “هيرامان” يقفز من مكانه فرحاً كلما سمع اسمها، حتى ربت مرة على ظهر “لال موهر”، ثم قال له وهو يتباهى باسمها:

ـــــــــــ كم هي محظوظة.

  سأله “لال موهر”:

ــــــــــ هل ما زلت تُصرُّ على ألَّا تذهب إلى المسرح لتشاهدها؟

            كان “دَهُوني رام” هو الآخر يحاول إقناعه منذ الصباح، ليحقّق ما طلبته وقت رحيلها منه، لكنه ظلّ يتمادى في رفضه قائلاً:

ــــــــــ كلا. إنما هي كانت امرأة تنتمي إلى الشركة فذهبت بها، ولا شأن لنا بها، ولا شأن لها بنا،

   فستتجاهلنا إن تقابلنا معها.

بدأ ينتابه الغضب من الداخل فقال لـ”لال موهر” بعدما سمع دوي رجال الدعاية:

ـــــــــ ما رأيك؛ هل نذهب لنشاهد المسرحية؟

توجها معاً بعدما توافقا على الذهاب إلى “شركة روتا”، ثم أومأ إلى “لال موهر” بعدما وصلا عند خيمة الشركة كي يتولى مسئولية الاستفسار لأنه أجدر بذلك، فالتفت “لال موهر” إلى رجل يرتدي حُلَّة سوداء، قائلاً:

ــــــــــ يا سيدي…

فأجابه باستهزاء:

ــــــــــ ماذا تريدون؟ لماذا أنتم هنا؟

فَقَدَ “لال موهر” ثقته التي اعتمد عليها وتلعثم:

ـــــــــــ أريد…أتمنى…أرجو…

فسانده “هيرامان”:

ــــــــــ أين توجد “هيرا بائي” أقصد “هيرا ديفي”؟

انفجرت عينا الرجل غضباً بعدما سمع سؤاله، ثم التفت إلى حارس كان يحمل الجنسية النيبالية والغضب يعلوه فهدده مشمئزاً:

ــــــــــ لماذا سمحتم لأمثال هؤلاء بالدخول؟

وهنا نما إلى مسامعهم صوت عذب، يقول:

ـــــــــــ “هيرامان”؟

فالتفتوا نحوه جميعاً، فوجدوها واقفة على فوهة الخيمة وهي ترفع الأستار المُسدَلة عليها:

ـــــــــــ ادخل.

ثم التفتت إلى الحارس ونبهته:

ـــــــــــ ركز جيداً… إنه صديقي “هيرامان”…

نظر الحارس إلى “هيرابائي” فابتسم ابتسامة خفيفة، ثم ركض إلى صاحب البدلة السوداء ليخبره أنه قريب “هيرا بائي” فلا نوقفه أبداً.

قدَّم “لال موهر السيجارة” إلى الحارث شاكراً، وهو يقول:

ــــــــــــ انظر؛ هذه خمسة تصاريح أعطتني إياها السيدة “هيرابائي”، وطلبت مني أن أزورها كل يوم في المسرح ما دمتُ موجوداً في المهرجان، وحتى هي لم تنساكم، سلَّمتْني تصاريحكم أيضاً.

          توقف عن الحديث برهة، ثم واصل حديثه مُتعجباً:

 ـــــــــــ نساء الشركة لهن قصة مختلفة، أليس كذلك؟

أمسك “لال موهر” بأصابعه التصاريح الحمراء، فقفز مرحاً وأثنى عليه:

ــــــــــــ لماذا خمسة تصاريح؟ ونحن أربعة… “بلت داس” لم يعد بعد.

أجابه “هيرامان”:

ـــــــــ اترك ذاك الشقي، لم يُقدَّر له هذا. ثم أضاف:

ــــــــــ ولكن لا بُدَّ أن يحلف كل منا على ألَّا يبوح بهذا لأحد في قريتنا.

وهنا أردف “لال موهر” بحماس بالغ:

ــــــــــ مَنْ هذا الشقي الذي يبوح بشيءٍ في القرية؟ ماذا لو تجرأ على هذا “بلت داس” فلن أصحبه معي بعد الآن.

أمَّا “هيرامان” فقد أعطى محفظة نقوده لـ”هيرابائي”؛ خوفاً من اللصوص في المهرجان، كما أنه لا يثق في أحداً من أصدقائه. فوافقته فأمسكت محفظته السوداء لتحفظها تحت كساء حريري متلألئ في صندوقها الجلدي التي ألبسته غلافا قطنياً، وهكذا ذهب الخوف عنه، واطمأن قلبه.

أخذ “لال موهر”، و”دَهُوني رام” يمدحان رجاحة عقل “هيرامان”، وحسن حظه قبل أن يوبخا أخاه وزوجته قائلَين بصوت خافت:

ــــــــــ من حسن حظهما أنهما حظيا بأخ ك”هيرامان”. تُرى إن كانا وجدا أخاً غيره؟

 نهر “لال موهر” “لهسنوا” على غيابه الطويل منذ أن قرعت مسامعُه الدعايةَ، وأمطره بالشتائم:

ــــــــــ وغد…شيطان…قذر… حتى لا يغيب عن دماغه أنه يعمل لديه، وأنه سيده.

صرخ “دَهُوني رام” وهو يضع حَلَّة الطعام على الموقد:

ـــــــــ اتفقوا أوّلاً على مَنْ سيراقب العربة حتى نعود؟

أجابه “لال موهر”:

ــــــــــ إنه “لهسنوا”!

فبدأ “لهسنوا” يتوسل، وكاد ينفجر بالبكاء:

ــــــــــ لا يا سيدي. أرجوك، لا تقل هذا، أعطني فرصة المشاهدة حتى ولو لمرة واحدة.

رقَّ له قلب “هيرامان” فطمأنه قائلا:

ـــــــــ لماذا نظرة فحسب، بل استمتع لمدة ساعة ولكن بعد عودتي.

بدأت الطبول تدق قبل العرض ساعتين على المسرح، فجرى الناس مهرولين إليه كالجراد. ضحك “هيرامان” عندما لاحظ الناس يتزاحمون أمام شباك التذاكر، فأومأ إلى “لال موهر” بطرفيه مغتبطاً ليلاحظ هو الآخر كيف يرتطم الناس ليرى بأم عينيه هذا الزحام. وهنا نما إلى مسامعه دوي يقول:

ــــــــــ أخي “هيرامان”؟

ــــــــــ مَنْ؟ فعرف أنه “بلت داس”، ثم سأله بنبرة باردة كأنه أجنبي لا شأن له به:

ـــــــــ تُرى أين ذهبت بالبضائع؟

 فاعتذر له نادماً:

ــــــــــ أنا أخطأت، وأقبل أي حكم تصدرونه جراء ما فعلت، ولكن اسمعوا مني الحقيقة؛ هي بدت

   لي كأنها الإلهة “سيتا” فأردت أن أمسح قدميها وأقبِّلهما.

اغتبط “هيرامان” بصخب الطبول، ولم يُلقِ بالاً، فسامحه:

ــــــــــ انظر يا “بلت”؛ لا تحسبها امرأة عادية كبقية نساء قريتنا، فلقد أعطتني تصريحاً لك أيضاً،

 تفضل خذه لتشرُف بزيارتها أنت الآخر.

قاطع كلامه “لال موهر”:

ــــــــــ لن تأخذ التصريح إلا بشرط أن تتبادله مع “لهسنوا”. لا تقل له شيئاً، فقد اتفق مع “لهسنوا” على هذا…

وهنا أردف “لال موهر”:

ـــــــــــ والشرط الثاني لو بُحت بهذا لأحد في القرية فستدفع ثمنه غالياً.

فعضَّ لسانه بأسنانه وأمسك أذنيه بأصابعه ثم حلف ألَّا يبوح به أبداً.

أومأ “بلت داس” بيده:

ـــــــــ باب الدخول من هناك.

 ركضوا جميعاً إلى ذاك الباب إلى أن أوقفهم الحارس، فقدموا إليه تصاريحهم، وأخذ يحدق فيهم وأحداً تلو الآخر، مِنْ أين أتيتم بها؟

أجابه “لال موهر” بلغة راقية، وهو يحرك فكيه بشكل دائري:

ـــــــــ من أين أتينا بها؟ اسأل شركتك، ستعرف كل شيء، مَنْ نحن، ومِنْ أين أتينا بها. وهذه ليست

   أربعة، بل هناك تصريح خامس أيضاً، ثم أخرجه من جيبه.

 كان الحارس النيبالي يقف على هذا المدخل، فهتف به “هيرامان” صارخاً:

ـــــــــــ ألم تعرّفنا “هيرابائي” عليك صباحاً، هل نسيتنا مساء…. بهذه السرعة؟

فصرخ الحارس قائلاً:

ــــــــــ هؤلاء أقرباء “هيرابائي”، اتركهم لسبيلهم.

ثم دلفوا إلى الخيمة، ولم يسبق أن رأوا خيمة المسرح من الداخل، فداروا بأبصارهم فيها ليروا كل ما فيها؛ كان الصف الأول مخصصاً للأثرياء وأصحاب الجاه المرموقين، وعلى المسرح  لوحات بها صور الآلهة “رام”، و”لكهن”، و”سيتا”، وهنا لم يلبث “بلت داس” أن انحنى احتراماً لهم وتقديساً، ففاضت عيناه بالدموع .

 التفت “هيرامان” إلى “لال موهر”، قائلاً:

ـــــــــــ هل هذه الصورة مرسومة أم متحركة؟

تعرَّف “لال موهر” على الذين يجلسون جانبه، وقال:

ـــــــــــ المسرحية لم تبدأ بعد، ما نراه الآن على المسرح تمهيد فقط ليجتمع الناس.

يعرف “بلت داس” إيقاع الطبول، لأجل هذا يهز رأسه على إيقاعها ويحرك ذراعيه على تمايل فتيلة الشمعة. وتعارف “هيرامان” هو الآخر على البعض من خلال تبادل التحية بالسجائر، فقال أحد ممن تعارف عليه “لال موهر” قبل أن يضع عباءته على بدنه:

ــــــــــــ ما زال هناك وقت لبدء الرقص، دعني أنام قليلاً.

          ثم أضاف:

ــــــــــ الدرجة الثالثة عامة مريحة؛ فهي تأتي في النهاية، وأكثر ارتفاعاً.. كما أن مقاعدها مريحة،

   فهي مملوءة بأعشاب القمح اليابسة. أمَّا أصحاب الدرجة الأولى لا يبرحون أمام هذا

   الموسم البارد إلا أن يهرولوا بعد قليل إلى المقاهي ليحتسوا الشاي.

ثم التفت إلى صديقه:

ــــــــــ أرجوك أيقظني عندما تبدأ المسرحية.

          ثم فكر هنيهة، وقال:

ــــــــــ لا. لا. بل عندما تنزل “هيرابائي” إلى خشبة المسرح.

اتسعت حدقتا “هيرامان” وتضايقت عيناه بعدما رآه يلهث لمشاهدتها، فأومأ إلى “لال موهر”، قائلاً:

ـــــــــ ابتعد عنه، لا داعي للثرثرة معه.

قد رُفع الستار مع قرع الطبول، ونزلت “هيرابائي” إلى المسرح، واكتظّ المسرح بالمشاهدين، فاندهش “هيرامان”، أمَّا “لال موهر” فانفجر ضاحكاً دون وعي منه على كل شعر تقوله وتغنيه “هيرابائي”.

كانت “هيرابائي” تؤدي دور ملكة الجمال؛ التي تتكئ على عرشها الملكي في قصرها، ويتحلق حولها خدَمها، وجواريها، ووزراؤها ورعاياها… فتعرض عليهم عرضاً:

ـــــــــــ مَنْ يأتي منكم بعرش مذهَّب ومرصع بالجواهر والريحان والزمرد، فله ما طلب وكيفما

   طلب، ولن أرده خائباً.

تعالت الأصوات معجبة بها:

ـــــــــ كم تجيد الرقص! ما أحسن صوتَها!

ونما إلى الأسماع صوت من الأصوات، يقول:

ــــــــــ اسمع هذا الرجل؛ يقول إنها لا تدخِّن ولا تتعاطى أي مخدر من المخدرات.

فأجابه “هيرامان” متحمساً:

ــــــــــ نعم هو على حق!

ثم يأتي صوت آخر:

ــــــــــ إنها عاهرة مشتهاة.

فاشتاط “هيرامان” غضباً، وصاح:

ــــــــــــ مَنْ هذا الوغد؟ أين يقبع؟ كلا. مَنْ هذا الحيوان الذي يصف امرأة الشركة العفيفة البريئة

    بأنها داعرة؟ لماذا أنت أخرق؟ ما علاقتك بها؟ بل أنت ابن الداعرة أيها السافل.

            ثم ارتفعت الأصوات:

 ــــــــــ اضربوا هذا السافل! اركلوه

يصرخ “هيرامان”:

ـــــــــ مَنْ يتجرأ فليأتِ عندي، سأقطع عنقه عن بدنه.

كما أمطر “لال موهر” اللكمات على مَنْ أمامه، وقد طرح “بلت داس” وأحداً منهم على الأرض وامتطاه ليلكزه صارخاً:

ــــــــــ اللعنة عليك. تشتم السيدة “سيتا” وأنت مسلم.

أمَّا “دَهُوني رام” فظل قابعاً في مكانه منذ البداية، ففر هارباً إلى الخارج عندما بدأت المشاجرة. وبعد قليل، أقبل صاحب المسرح يرتدي بدلة سوداء مع الحارس النيبالي جرياً وفزعاً بما جرى هناك. وتبعتهما الشرطة تضربهم بالسياط، فأصبح “لال موهر” يصيح ويتأوه قبل أن يتفوه بلغة راقية:

ــــــــــ يا سيدي الضابط؛ إنه لا مانع من أن تفعل بنا ما تشاء، ولكن أرجوك انظر إلى هذه

   التصاريح قبل أن تعاقبنا، وتصريحٌ آخر كذلك في جيبي…هذه ليست تذاكر كما ترى، بل

   تصاريح يا سيدي الضابط…. لو تعرض أحد لامرأة الشركة البريئة تُرى نتركه؟

وهنا أدرك صاحب الشركة الأمر، فحاول إقناع الشرطي:

ــــــــــ يا سيدي الضابط الآن حصحص الحق، إنما دبَّر هذه المؤامرةَ رجالُ “شركة متورا موهن”

   ليسيئوا إلى سُمعة شركتنا. اتركهم سيدي إنهم أبرياء، فهم أقرباء “هيرابائي”، وإن حياتها

   مُهددة بالخطر، وقد يُخشى عليها القتل كما أخبرتك من قبل.

ما لبث أن تركهم بعدما سمع اسمها، وقد نزع عنهم عِصيهم قبل أن يأمرهم بالدخول

إلى الدرجة الأولى، فراحوا وجلسوا على الكراسي ثم انسحب الضابط من الخيمة بعدما قال:

 ــــــــــــ استريحوا هنا…سأرسل لكم الشاي.

         ثم عاد الهدوء إلى المسرح، وعادت “هيرابائي” هي الأخرى مجدَّداً. وبدأت الطبول تُقرع من جديد. وبعد قليل لاح خيال “دهُوني رام” في مخيلتهم، فلاحظوا غيابه، فتساءلوا:

ــــــــــ أين ذهب “دَهُوني رام”؟

هتف “لهسنوا” من خارج المسرح قائلاً:

ــــــــــــ سيدي…. سيدي “لال موهر”، أدخلني أيضاً لو سمحت.

فأجابه مسرعًا:

ــــــــــ تعال من هنا .لا. لا. من هناك، من بوابة الدرجة الأولى.

         فالتفت الجميع إليه، قد أخذ الحارس النيبالي بـ”لهسنوا” إليه، فأراه التصريح بعدما أخرجه من جيبه، لم يتأن “لهسنوا” إلا أن سأله وهو ينفخ أوداجه:

ـــــــــــ من كان يهذي أمامك يا سيدي؟ أريني شكله فقط. أنا لن أبقيه حيّاً على وجه الأرض.

سادت الهمسات والغمغمات أجواء المسرح بعدما رأوا عضلاته المنفوخة في الشتاء:

ـــــــــ انظروا؛ إن معهم مَنْ يساندهم.

 هدأه “لال موهر”، قائلاً:

ــــــــــــ لا يكاد ثلاثتهم أو أربعتهم يعرفون شيئاً عن القصة التي عرضت، كل واحد منهم كان يتخيل

   شيئاً ما؛ فمثلا كان “هيرامان” يعتقد أن “هيرابائي” تنظر إليه فقط أثناء عرضها، و”لال

   موهر” كان يعتقد هو الآخر أنها تنظر إليه دون غيره؛ لأنه أكثر قوة وسلطة من “هيرامان”،

   وأمَّا “بلت داس” فيفهم القصة، ولكنه يعتبرها مجرد أدوار لا تتجاوز عنها. السيد “رام”،

   والسيدة “سيتا”، والسيد “لَكَهنْلال”، والعدو “راوَن”؛ حيث يتحول الأخير إلى أشكال عدة

   ليخطف السيدة “سيتا” من السيد “رام” على غفلة منه، فيتحول السيد “رام”، والسيدة

   “سيتا” هما الآخران إلى أشكال كثيره. والذي يصنع العرش الملكي هو ابن البستاني ذاته،

   وملكة الجمال هي السيدة “سيتا”، والذي يمثل “لكَهنْلال” هو صديق ابن البستاني،

   والسلطان يمثل “راوَن”.

وعلى الجانب الآخر أنهكت الحمى الشديدة “دَهُوني رام”. أمَّا “لهسنوا” فأعجبه دور المهرج، حتى أنه حفظ نص ما يقوله على المسرح:

 لا آخذ بك يا عصفوري إلى السوق “نَرْهَت”.

 ويود لو تصادقا، فسأله:

يا أيها المهرج ماذا لو تصادقنا؟

يكرر “هيرامان” في ذهنه جزءاً من الأغنية التي ترددها “هيرابائي”:

قُتل العاشق “جُلفام”.

 مَنْ كان هذا العاشق “جُلفام” الذي جعل “هيرابائي” تبكي؟

هددهم الضابط في استياء وهو يُعيد إليهم عِصيَهم:

ــــــــــ هل رأيتم أحداً يأتي إلى المسرح بالعصيِّ؟

شاع في المهرجان بأسره في اليوم التالي خبر أن “هيرابائي” هربت من شركة “متورا موهن”، لأجل هذا لم تأتِ الشركة هذه المرة، بل أرسلت مشاغبيها، ولكن “هيرابائي” ليست لقمة سائغة، بل هي امرأة شديدة البأس، تستأجر ثلاثة عشر قروياً ذوي بأس، مستحيل أن يتعرض لها أحد.

استمرّ عرض المسرحية لمدة عشرة أيام. “هيرامان” كان يعمل على العربة طيلة النهار، وفي المساء عندما يمتلأ الجو بدقات الطبول وصداها يطير قلبه طرباً، ويدوّي في أذنه: أخي…صديقي…”هيرامان”…أستاذي! فيذهب بفكره إلى عالم آخر؛ عالم الموسيقى الذي يصغي فيه إلى الأنغام بين الحين والآخر، كما كان يصغى إلى قرع الطبول أحياناً، وأحياناً أخرى يتسمَّع إيقاع خلخالها. انشغل عن العالم وعمَّا فيه بهذا العزف والنغمات في ذهابه وإيابه وقيامه وقعوده؛ حتى عرفه الجميع في شركة المسرح من مديرها، وحتى أصغر عامل فيه بأنه صديق “هيرابائي”.

       أحنى “بلت داس” ظهره أمام إطار على أحد جدران المسرح، وأطبق كفيه ليجعلهما أمامه، ثم ألقى التحية منحنيًا على مَنْ في الصورة، ولم يمض يوم إلا ويفعل هذا قبل أن تبدأ المسرحية. أمَّا “لال موهر”، فقد ذهب مرة إلى “هيرابائي” ليُسمعها لغته المنمقة، إلا أنها لم تُلقِ إليه بالًا. تُرى مَنْ هو؟ فرجع مِنْ عندها منقبض الفؤاد، وفاقد الأمل… خادمه “لهسنوا” قد خرج من سلطته ليلحق بالشركة موظفًا بعد أن صار صديقًا للمهرج… يقضي يومه في ملء الآنية والأوعية بالماء، وغسل الثياب…هل هناك شغل في القرية للعودة إليها؟

   اغتم “لال موهر”، وعاد “دَهُوني رام” إلى بيته بعد أن أصابه المرض. أمَّا “هيرامان”؛ فقد ذهب اليوم إلى المحطة ثلاث مرات حاملًا الركاب. راودته الهواجس في أن يكون “دَهُوني رام” قد باح بسره إلى أخيه وزوجته بعد أن أصيب بالحمى، وهذا ليس بعيد عنه بما أنه كان يثرثر هنا: ملكة الجمال! عرش ملكي.

أمَّا “لهسنوا”؛ فقد كان يعيش في رغد من العيش، ويستمتع برؤية “هيرابائي” كل يوم. وفي يوم من الأيام كان يتحدث مع “هيرامان”، فقال:

ـــــــــ سيدي “هيرامان”؛ أنا أعيش عيشة لم أرها من قبل، وهذا كله بفضلك. يتحول الماء إلى

   عود وعنبر بعد أن أغسل فيه ملابس “هيرابائي”. فأنقع فيه ملابسي، هل تشم عبيره؟

 تتقاذف الأصوات والتعليقات بكل شراستها على مسامعه كل يوم:

ـــــــــــ “هيرابائي” داعرة…هي امرأة قذرة… هي نجسة.

ليس بإمكانه أن يُلجم كل فك، ويعقد كل لسان، كيف يتجرَّأ الناس ليحكموا على أحد بذنب ولم يروا منه بأعينهم؟ ثم يهدأ لحاله متمتماً:

ــــــــــ يرسل الناس لعناتهم حتى إلى الملوك عن ظهر غيب، فما بالها وهي امرأة بسيطة؟

عزم أن يقابلها اليوم ليخبرها بما يقوله عنها الناس، ويطلب منها أن تترك هذه الشركة لتلحق بشركة السيرك. إنه يحترق بنار الغيرة عليها عندما ترقص على مرأ ى من الناس، فيتمنى أن يقتلعْ كلَ حدقة تحدق إليها عن مقلتها. تُرى إن دخلتْ في شركة السيرك؛ هل يتجرأ أحد أن يقترب منها والنِّمر جانبها؟، وهكذا تكون “هيرابائي” في مأمن مِنْ كل تلك الأيدي القذرة. وهنا سمع صوتاً من خلفه، يقول:

ـــــــــــ مِنْ أين أتت العربة؟ “هيرامان”……. يا أخي “هيرامان”؟

 أدار رقبته، وسأل “لال موهر”:

ـــــــــــ ماذا تحمل؟

أجابه:

ـــــــــــ إن “هيرابائي” تبحث عنك، تذهب إلى المحطة… تعزم المغادرة. أنا الذي أوصلتها من

   المهرجان إلى المحطة.

 ـــــــــــ تغادر؟ إلى أين…؟ هل ستذهب بالقطار؟

               فلم يلبث أن اندفع إليها ركضًا بعدما التفت إلى حارس المخزن ليطلب منه

 أن يراعي العربة والثوريْن حتى يعود.

كانت “هيرابائي” تقف في المكان المخصص للسيدات بالمحطة، وقد غطت وجهها بالوشاح، وعندما رأته صرخت:

ـــــــــــ الأستاذ. ومدت يدها لتعطيه محفظته، وتنفست الصُعداء بعدها، وقالت:

ـــــــــــ الحمد لله أنك وصلت رغم يأسي من هذا، وها أنا أغادر يا أستاذي.

كان مندوب الشركة الذي كان يحمل الأمتعة يرتدي بدلة سوداء، فبدا كأنه من أصحاب الجاه، وراح يأمر الحمَّالين:

ـــــــــــ أركبوها عربة السيدات.

أمسك “هيرامان” المحفظة التي أخرجتها من جيب قميصها، فوجدها تفيض بدفء جسدها.

صرخ مندوب الشركة في “هيرا بائي” غاضباً:

ــــــــــ القطار على الرصيف.

ــــــــــ لماذا هذا الوغد قاسٍ إلى هذا الحد!؟

          استدعت “هيرابائي” “هيرامان” إلى داخل مكان الانتظار، وقالت له:

 ــــــــ سألتحق بشركة “متورا موهن” مجدَّداً يا “هيرامان”؛ هي شركة بلدي. عِدني أن تأتي

   إلى مهرجان “وَنيلي” لتقابلني هناك.

ثم ربتت على كتفه الأيسر، وأخرجت النقود من محفظتها، وهي تقول:

ــــــــــ خذها لتشتري كساءً دافئاً لك.

وهنا انفجر قائلاً والغم يكسوه:

ــــــــ لماذا تتحدثين دائماً عن النقود يا سيدتي؟ احتفظي بها، ماذا أفعل بالكساء بعدك؟

فتوقَّفت يدها حيثما كانت، وبدأت تحملق في وجهه، ثم قالت:

ــــــــــ أنا أعرف روحك جريحة لذهابي، ولكن “مهوا صاحبة الضفة” قد تم بيعها على يد التاجر يا

   أستاذي.

 واختنق حلقها حزناً، وهنا وقع على مسامعها نداء مندوب الشركة:

ــــــــــ قد وصل القطار.

 فانسحب “هيرامان” من الاستراحة قبل أن يوبِّخه مندوب الشركة، ولقد بدا حينئذ مثل مهرج السيرك، وقد صاح فيه:

ــــــــــــ ابتعد عن الرصيف، وإلا ستعتقل لثلاثة أشهر إن أمسكت بك الشرطة دون تذكرة.

خرج “هيرامان” صامتاً من هناك، ثم قال:

ـــــــــــ لو لا أنني في المحطَّة وسلطة شرطة القطار لسحقت مندوب الشركة هذا.

ركضت “هيرابائي” نحو عربة كانت أمامها ثم صعدتها، وهنا سمع “هيرامان” تهكم “لال موهر” يأتيه من الخلف:

ـــــــــ ما هذا الحب والشوق؟!

        ظلت “هيرابائي” تنظر إلى “هيرامان” وهي جالسة في العربة، وقد تحرك القطار وما زالت تنظر إليه حتى غاب عن نظرها. تحركت لواعج الغيظ في داخله بعدما وجد “لال موهر” يراقبه، ثم تمتم قائلاً:

ـــــــــــ اللعنة عليه. يطمح دائما إلى أن يساويني.

امتلأ الفضاء بصفير القطار استعداداً للمغادرة، فأحس “هيرامان” وكأن الصفير بكاء قلبه من الداخل.

  بدأ القطار يتحرك، ولم يتمالك نفسه، فداس إبهام القدم الأيسر بكعب القدم الأيمن، فسكن فؤاده وسكنت دقات قلبه. أمَّا “هيرابائي”، فقد مسحت وجهها بمنديلها الأرجواني قبل أن تشير إليه بيدها فيتحرك معها منديلها:

ــــــــــ لتعد الآن من حيث جئت.

حتى مضت آخر عربة ومعها مضى كل شيء؛ حيث خلت المحطة من المسافرين، فاستوحشت الدنيا كلها، ثم عاد إلى عربته مثقل الخطى. وهنا سأل “هيرامان” “لال موهر” من فوق عربته:

ـــــــــــ متى تعود إلى القرية؟

فأجابه:

ـــــــــــ أنا ماذا أفعل هناك؟ قد سنحت الفرصة لنا لنكسب المال، وقد غادرت “هيرابائي”، فسيعود الناس بعدها. هل تحب أن ترسل شيئاً إلى أسرتك ؟

حاول “لال موهر” أن يقنع “هيرامان” بتغيير رأيه، لكنه اتجه بعربته نحو قريته، وهو يُغمغم:

ـــــــــــ ماذا أفعل بالمهرجان بعدها، فقد كانت بهجته، لم يعد هناك قيمة لأي شيء.

 يتحرك “هيرامان” بعربته في شارع غير ممهد يقع على جانب السكك الحديدية ويمتد حتى مرمى البصر. إنه لم يركب القطار قط، فراودته فكرة أمل قديم، وقال في نفسه:

ــــــــــ ليتني أركب القطار عازفاً بالنغمات لأحج إلى مقام “جاغاناته دهام”.

 فشل في أن ينظر إلى الخلف نحو عربته الفارغة، وبدأت تداعبه الهواجس اليوم مجدَّداً، حيث كانت تفوح رائحة الياسمين كذلك، وتضجّ بالطبول والألحان مع “هيرابائي”.

وأخيراً اتَّجه ببصره إلى العربة، فلم يجد شيئاً من كل هذا؛ لم يجد بالات الملابس، ولا خشب البامبو، ولا النِّمر، ولا الحورية، ولا الإلهة، ولا الصديقة، ولا “هيرا ديفي”، ولا “مهوا صاحبة الضفة”…. لم يكن هناك أحد. أصوات الأموات الخرساء تريد الهراء والثرثرة، فتتحرك شفتاه. لعله يُقسِم القَسَمَ الثالث: لن أقلَّ امرأة الشركة أبداً.

ثم ضرب ثيرانه بالسوط بكل قوته قبل أن يوبِّخهما:

ـــــــــــ لماذا تلوحان بأعناقكما مراراً نحو السكك الحديدية؟

          أسرعت الثيران الخطى، وبدأ “هيرامان” يدندن:

ــــــــــ قُتل العاشق “جُلفام”…يا للأسف.

[1] – Phanishwar Nath Mandal ‘Renu : من مواليد 1921م في إقليم “بهار” شرق “الهند”. تلقى تعليمه الأوَّليّْ في دولة “نيبال” الحالية قبل تقسيم شبه القارة الهندية 1947م. تخرج من الجامعة الهندوكية “كاشي” التي تعرف الآن بجامعة “بنارس” الهندوكية. كان “رينو” من الزعماء الوطنيين الذين ناهضوا الاستعمار الإنجليزي عام 1942م.

له العديد من الأعمال الأدبية، أهمها؛ رواية: “ميلا انشل” ـــــــ ” الوشاح المُدنَّس”، وقد تم ترجمتها إلى اللغة العربية، ونشرت في دولة “الإمارات العربية”، وروايتي “جلوس”، و”كريشنا كى كهاني”؛ بالإضافة إلى مجموعة قصصية، أهمها قصة “القسم الثالث” التي أنتجتها السينما الهندية بنفس الاسم عام 1966م، وقد نال هذا الفيلم جائزة الدولة كأحسن فيلم روائي عام 1967م. ومن المعروف أن الممثل المعروف “راج كبور” قام بدور البطولة في هذا الفيلم مشاركةً مع الممثلة الشهيرة “وحيدة رحمان”. ولم تكن هذه القصة الوحيدة التي اقتبستها السينما الهندية، وإنما كان هناك العديد من الأعمال التي قدمتها السينما الهندية إلى جانب بعض الأفلام التلفزيونية.

لقد كان “رينو” أيضاً زعيماً وطنيّاً مستقلاً ينأى بنفسه عن الانتماءات الحزبية، وقد منحته الحكومة الهندية 1970م وسام “بدم شري” رفيع المستوى، إلا أنه أعاد هذا الوسام 1975م عندما فرضت “إنديرا غاندي” رئيسة وزراء “الهند “آنذاك الطوارئ في البلاد.  توفي 1977م.

القصة تدافع عن الفن وأهل الفن، وأن ما يعتقده البعض أمر مبني على ما يقدمونه من مشاهد عن سلبيات المجتمع، وليس بالضرورة أن يكون جزءاً من شخصيتهم، بل بالعكس فهم جزء من المجتمع منهم الشريف، وصاحب القيم والمبادئ، كما ظهر من شخصية “هيرابائي”، ومنهم غير ذلك.

[2] ــ سائس القرود.

[4] ــ مدينة الأذن، هذا لا يعني أن هذا هو المعنى الحقيقي للبلدة، وإنما على سبيل المداعبة واللعب بالألفاظ.

[5] ــ مدينة الأنف، الأصل ناگپور، ولا علاقة لها بالأنف، وإنما على سبيل المداعبة واللعب بالألفاظ.

[6] ـ ربة الغناء والموسيقى.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here