القمع السياسي في ثلاثية مؤنس الرزاز

Vol. No. 1, Issue No. 4 - October-December 2021, ISSN: 2582-9254

0
66

القمع السياسي في ثلاثية مؤنس الرزاز

بقلم

محمد شفيق عالم
 باحث في الدكتوراه  بمركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند.

————————————-

ملخص البحث:

 قضية القمع السياسي من أهم القضايا السياسية في الرواية العربية، وتناولها كثير من الروائيين كموضوع رئيس في أعمالهم الروائية، ومن أهمهم الروائي الأردني الكبير مؤنس الرزاز، إنه عرض هذه القضية في رواياته بشكل واضح وجريء ولا سيما في ثلاثيته. هذه المقالة تناقش وجوه القمع السياسي من خلال دراسة وتحليل الشخصايات الروائية في ثلاثية مؤنس الرزاز، مع ذكر الأسباب الرئيسة التي أدت إلى ظهور القمع السياسي في العالم العربي.

الكلمات المفتاحية: الحرية، حزب البعث، الديمقراطية، السجن، القمع، القومية.

إن علاقة الأدب والسياسة كانت ولاتزال جدلية، وذلك لأن الأدب في يد السلطة يلعب دورا هاما في تشكيل وعي المجتمع وأفكار أفراده تحقيقا لأغراضها وأهدافها المنشودة وحماية مصالحها في جانب، وفي جانب آخر، إذا كان الأدب خارج يد السلطة فإنه يكشف قناع الظلم والاستبداد الذي تمارسه السلطة، وستائر الممارسات السلطوية الرامية إلى إخضاع أفراد المجتمع وقواه تحت أوامر الحكومة ونواهيها، ويرصد التحولات السياسية وجدلية الصراع بين الحاكم والمحكوم عليه. ومازالت السياسة من أبرز المواضيع للفنون الأدبية ولاسيما فن الرواية، لأنها بتقنياتها المعروفة أقوى من الفنون الأدبية الأخرى على مناقشة القضايا السياسية نحو علاقة السلطة بالإنسان ومواطن الاختلاف والتشابه بينهما وغير ذلك.

وقد ناقش كثير من الروائيين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين قضية القمع السياسي، والإقامة الجبرية و قضية الحرية والديمقراطية. ولكن الرواية العربية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم ظهرت بشكل واضح لتفضح وجوه القمع السياسي والاجتماعي، وتنادي بالديمقراطية وإطلاق الحرية الكاملة كبديل للقمع السياسي والاجتماعي والكبت من مثل روايات عبد الرحمن منيف، وإبراهيم نصر الله، وعمر القاضي، وجمال الغيطاني وغيرهم[1]. ولكن روايات مؤنس الرزاز تعد من العلامات المهمة في الرواية العربية في هذا المجال حيث أن رواياته ولاسيما ثلاثيته تصور القمع السياسي والعنف والاستبداد والديكتاتورية العربية بشكل دقيق بارع. يقول الأزرعي عن روايات مؤنس الرزاز: “تتركز حول القمع السياسي تحديدا، وكان يركز على الفعل ويعري الفاعل… يناقش موضوع الديمقراطية مباشرة، ويفضح جبهات القمع التي بات جسد المعارض السياسي ميدانا لأفانينها وإذلالها ومحاربة إرادتها في الحياة”[2].

واحتلت قضية القمع السياسي مكانة كبيرة في ثلاثية مؤنس الرزاز، فهي تدور حول حزب البعث العربي، وانحراف أركانه عن مبادئ الحزب، وسيطرة  القمع والكبت والعدوان والظلم في سبيل الوصول إلى السلطة والحكم، فرواية “أحياء في البحر الميت” تتحدث عن وقائع الظلم والتعذيب والخذلان، بينما رواية ” اعترافات كاتم صوت” تدين حوادث التحرش العقلي والنفسي والتعذيب والإقامة الجبرية التي تقوم بها المؤسسة الحزبية القومية التي تتحول إلى مؤسسة قامعة مرعبة بعد أن تنحرف عن مبادئ الثورة وفكرتها.

اعترافات كاتم صوت:

تعد رواية “اعترافات كاتم صوت” من بواكير الأعمال الأردنية وأكثرها نجاحا ونضجا في مجال الرواية السياسية والقمع السياسي، وحكاية النزاع بين المقاومة والاستسلام، وموت الروح البطيء بفعل كواتم الصوت التي تستعملها المؤسسة القمعية الاستبدادية لضمان الخنوع. حاول مؤنس الرزاز في هذه الرواية تقديم أطروحة القمع الداخلي من خلال تحليل البنى الداخلية لواقع المؤسسة الحزبية القومية التي تحولت إلى مؤسسة قامعة مرعبة تـأكل أبناءها وتستبدل بالحزب القائد الأوحد، الأمر الذي قاد إلى تلاشي فكرة الثورة من أساسها وقطع علاقتها بالجماهير التي ادعت أنها قامت من أجلهم[3].

إن الزمان مجهول في الرواية ولكن تتبع جزئيات الأحداث في الرواية مثل اندلاع القتال بين منظمة أمل والقوى المسلحة الفلسطينية في بيروت، والزج بالمعارضين للسلطة في السجن والإقامة الجبرية في بغداد وغيرها من الوقائع والأحداث، والأدوات الحديثة المستعملة كــالفيديو والتلفزيون والهاتف، وأجهزة التصوير السرية، يشير إلى أن زمن الرواية يعود إلى ما بعد نكسة حزيران 1967م.

يبدو أن السلطة الحاكمة في بغداد في زمن الرواية، هي القيادة الحزبية البعثية التي ينتمي إليها بطل الرواية الدكتور مراد. ذهب الدكتور مراد إلى بغداد مع أسرته بعد أن تم تعيينه كأمين عام للقيادة الحزبية، ولكن رفاقه اختلفوا عنه في المبادئ البعثية الرئيسية لانتخاب رئيس السلطة، فزجوا به وكل من عارض معه في حصار الإقامة الجبرية وقمعوا جماعته السياسية وكبحوها.

وتتجاوز السلطة جميع حدود الإنسانية في قمع الرفاق والأسرة باستخدام وسائل التعذيب النفسي المتنوعة، فتارة يقطعون الكهرباء عن البيت، وتارة يعطلون الهاتف لكيلا يستطيع أفراد الأسرة الاتصال بالعالم الخارجي. ويتعاظم مشهد القمع والاستبداد السياسي في الاستباحة والإذلال حين نرى أن السلطة تقوم بتنصيب أجهزة التنصت والمراقبة في جميع جوانب البيت الذي تسكن فيه الأسرة تحت الإقامة الجبرية لكي تراقب تفاصيل الحياة اليومية عبر الأجهزة، يقول الدكتور مراد “أعتقد أنهم زرعوا أجهزة تصوير سرية في البيت. لقد صادروا “الخصوصية” من حياتنا. صادرو تماما. كأننا نعيش في عراء مسرح. المتفرجون في ظلام الصلاة يحدقون إلينا، يسمعون أنفاسنا… ونحن لا نعرفهم”[4].

وتضرب السلطة شوطا بعيدا في التفنن في القمع والتعذيب بمصادرة كتب الدكتور مراد ومخطوطاته التي كان يكتبها حول التجربة والسياسة ومشروع القومية العربية، وكل ما من شأنه معاونته على الكتابة والتأليف لكنهم أبقوا المسدس في الطاولة ورصاصاته[5]، لكي يدفعوه للانتحار بنفسه، ويتخلصوا من اتهام القتل. يقول الدكتور مراد في أحد مشاهد الرواية “سوف يأتون، أعرف، حين انتهي من الكتابة، سيسألونني عن أوراقي، وسأسلمها لهم، أعرف. لكنني سأظل أكتب”[6].

فواصل الدكتور مراد (الختيار) معركته الفردية في سبيل ترجمة حلمه القومي بالكتابة، وأصر على مواصلة العبور إلى القرن الحادي والعشرين، لأنه يدرك تماما دور المثقف في توجيه المجتمع فكريا، فنراه –مع أنه يعيش محاصرا ومقموعا سياسيا- لايزال يتوجه إلى الكتابة والإنتاج رغم تيقنه ومعرفته من أن عمله سيصادر.

يتجلى من الحوار المذكور أن الدكتور مراد شخصية إيجابية وصاحب عزيمة قوية متفائلة بأن الشعب –على الرغم من ظروف القمع والظلم والتسلط والعدوان- سينتصر وتعم الحرية والعدالة الاجتماعية عندما يستهل القرن الحادي والعشرون، يمكن لنا أن نلمس مدى تفاؤله في الرسالة التي كتبها إلى ابنه ويخبر بأنه توقف عن التدخين وجعل يلعب الرياضة لكي يعيش حياة ناشطة وينظر نصر الشعوب على الظلم والقمع، كما يتجلى تفاؤله وإيجابيته وإصراره على الحياة النضالية بهذه الحادثة بأنه بعد أن علم باختفاء أحمد، وكان حلقة وصل وحيدة لعائلته مع العالم الخارجي، لم يترك الكتابة بل واصلها في أصعب ظروف الحياة “جلس إلى المكتب وراح يكتب بخط عريض عنوان كتابه الجديد: (الانحياز إلى الحياة). ثم مال على الدرج ففتحه، واستخرج المسدس، تناوله وسحب مخزنه، ثم مضى إلى الحمام، وقذف بالرصاصات إلى المرحاض، وفكر في أنهم سيصادرون مخطوطته الجديدة هذه أيضا. ابتسم”[7].

ومن الإشكاليات التي تضيق خناق أزمة الدكتور مراد، هي تسييس وسائل الإعلام، إذ يؤذن بنشر الأخبار الموافِقة للحكومة وسياستها وتُحجب ما لا تناسب قرارها ومصالحها، ويظهر ذلك من خلال حواره وزوجته “لا تنسي أن الصحف لم تشر إلى زجنا في الإقامة الجبرية. قلت: تجاهلتنا كأننا غير موجودين. لعلنا غير موجودين. لعلنا أشباح تطوف منام حالم”[8]. ويظهر ذلك أيضا في قول يوسف “زجوه في الإقامة الجبرية عندما كنت في إجازة. لم يذيعوا النبأ في المذياع”[9].

ويتعاظم الشعور بالقمع والقهر لدى الضحية عندما لا تعرف الضحية سبب اعتقاله، وطبيعة جريمته، هذا ما يتجلى في الحوار الداخلي بين الدكتور مراد وزوجته حيث لا يستطيع مراد تقديم إجابة واضحة عن سبب اعتقاله، “أبشع ما في المأساة هو أن يعاقب المرء على ذنب لا يعرفه. على خطيئة لا يدري كنهها. فيقضي حياته كلها وهو يتساءل، ويخمن ويحلل، لم يكتشف أنه يتمنى أن تكون التهمة الرسمية صحيحة حتى يتوقف عن هذا التساؤل المتصل حتى يجد مبررا معقولا للثمن الذي يدفعه… زوجتي أعدت الشاي في صمت. ناولتني فنجانا وجلست مقابلي. عيناها مسلطتان على عيني، تسألان عن مبرر، عن معنى. وكان لابد لي أن أجد مبررا يقنعها بأننا ندفع ثمنا مقابل موقف محسوس يستحق هذا الشقاء. ولكن أي موقف هذا الذي يستحق أن يسحقك رفاقك من أجله؟ لن تفهم. قالت: لوكان النظام البائد هو الذي اعتقلك لفهمنا. لوكان أعداؤك هم الذين انتقموا منك لقلنا لا حول ولا… ولكن رفاقك؟ كيف؟ لماذا؟[10].

ويصور مؤنس الرزاز القمع السياسي، وعدوان السلطة أيضا من خلال شخصية يوسف الطويل، فنراه يمارس القتل وأعمال التصفية بأصدقائه ورفاقه، ومنذ بداية الرواية نلمح بعض سمات هذه الشخصية، فنراه دكتاتوريا في فكره ورأيه، ويواصل يوسف انتقامه من الختيار فيقتل ابنه أحمد في بيروت بمسدس كاتم للصوت وذلك لإلحاق مزيد من الأذى بالأسرة المقيمة جبريا تحت رحمة الحكم الاستبدادي، جاء في أحد المشاهد في الرواية.

“ينبغي أن نغتال أحمد.

  • -أحمد؟
  • أحمد
  • أحمد ابن الدكتور مراد إبراهيم؟
  • أحمد ابن الدكتور مراد إبراهيم.
  • لكنه لا يشكل أي خطر عليكم. إنه لا يؤذي حشرة
  • صحيح
  • صحيح؟
  • نعم صحيح.
  • إذن؟
  • نريد أن يعتقد الناس. أن الذين زجوا أسرته في الإقامة الجبرية، هم الذين اغتالوه”[11].

أحياء في البحر الميت:

لو تتبعنا جزئيات الأحداث ومصائر الأبطال الممثلين للاتجاهات الأيدولوجية السياسية لرواية “أحياء في البحر الميت” لوجدنا أن الموضوع الرئيسي للرواية يتمحور حول قضية القمع السياسي. فنرى من بداية الرواية أن السلطة تمارس كل أنواع القمع والتعذيب على كل من يعارضها، وهذا ما يعارضه مؤنس الرزاز ويدين به سواء صدر ذلك عن ممثلي الفكر القومي أو الماركسي أم عن ممثلي الأفكار السياسية الأخرى.

فالشخصية الأولى التي تعرضت للقمع السياسي والرقابة السلطوية هي شخصية عناد الشاهد، وهو  الشاعر المثقف القومي الذي غادر مسقط رأسه هاربا من قمع السطلة إلى مدينة الحلم (بغداد) حاملا فكرته الثورية، ولكن الحزب الحاكم (حزب البعث) لم يأل جهدا جهيدا لتدجينه في السلطة لأغراضها الفاسدة حتى استغلت السطلة علاقته مع حبيبته مريم من خلال توجيه التهمة الأخلاقية[12]، في البداية عارض تدجينه معارضة شديدة، كما يثبت ذلك من خلال قول سوزي له “السلطة لم تدجنك بعد” وقولها “أنت شاعر أصيل… لم تدجنك السلطة… أهرب وإلا قتلوك أو رضوك”[13].

وحدث ما تخاف منه سوزي، نجح الرائد (أحد ممثل الحزب الحاكم في مدينة الحلم) في تجنيد عناد في بوتقة السلطة كعضو في قيادة لجنة الإعلام والتثقيف، وذلك من خلال القيام بضغوط نفسية وأخلاقية، فجعل يبرر ويدافع عن السلطة وسياستها، وبه تخلى عناد الشاهد عن الحرية الشخصية، والتعبير عن الرأي الشخصي حول السياسة، وابتعد عن الناس وعن مبادئه الثورية، وهذا ما كان يخاف منه مثقال (ممثل الفكر الماركسي في الرواية)، “أخشى ما أخشاه أن تكون قد ابتعدت عن الشارع فما عدت ترى الأمور إلا من زاوية السلطة”[14].

ولما أدى عناد الشاهد دوره المطلوب منه من قبل السلطة كممثل لها، قامت السلطة بفصله من منصبه وسجنته، فتبددت أحلامه وآماله بالنسبة عن الحرية والعدالة الاجتماعية، وانهار معه مشروع الوحدة العربية، كما يقول عناد بنفسه: “دمروا الحلم يا غزاوي، إنه الانفصال… عن الحياة. لا وحدة بعد اليوم.. عدت أتجزأ.. وكانوا فصلوني بعد ما ذاب محجوب مثل قرص من الملح في موج البحر الميت.. ما عاد لي حلم ولا مبرر”[15].

وبعد ذلك، شددت الحكومة الخناق على عناد ومنعته من المشاركة في الاجتماعات السياسية والثقافية وإبداء الرأي والفكر وزرعت أجهزة التنصت والتجسس، ويكشف ذلك قول عناد “اعترتني نفضة فارتعشت أصابعي. دارت عيناي حذرة في جدران البيت، تحت المقاعد، فوق المنضدة. أخشى أن يكون الرائد قد زرع آلات تصوير وأجهزة إنصات سرية في جدران البيت”[16]، ووصل الأمر بها إلى أن منعته من التفوه ولو بكلمة واحدة، فبقي ملتزما الصمت، لا يستطيع التعبير والكلام، كما يظهر ذلك في قول عناد الشاهد حين رجع إلى مسقط رأسه “ماكنت أحسب، كنت أفقياً حاملا معي زمن بيروت المضطرب القلق والبواب قال “هش” والبقال قال “هش” أما سائق التاكسي فقال “هش” وكلهم يقول: اصمت أنت الآن “هنا” لا “هناك”، ومع الأيام و “الهش” أدركت أنني غادرت بيروت فصححت ساعتي الداخلية، والتزمت الصمت، والضجر، أية بحار وسماوات تفصل بين زمني ومنطقي “هناك وهنا”[17].

فمن خلال هذه الحادثة نلحظ أن عناد بعد أن عاد إلى مسقط رأسه وجد أن السلطة قد فرضت قمعا على أبناء الشعب: على البقال وسائق التاكسي والبواب وهذا ما يعزز شدة كبح السلطة لحرية الرأي، وقوتها المطلقة على أبناء الشعب، فنراها استطاعت أن تحول عناد المناضل إلى قامع يعمل في صف السلطة ويلاحق المناضلين، ويقوم بعمليات التصفية فتحول إلى ذئب كالرائد الذي كان يمثل الأداة العظمى في يد السلطة ويرتكب عمليات القمع والظلم.

ويمكن لنا القول من خلال متابعة الأحداث التي وقعت مع عناد الشاهد، أن مؤنس الرزاز حاول كشف الجانب السلبي – من خلال شخصية عناد – في حزب البعث وانكسار الوحدة العربية وانكسار القيم والمبادئ معه. وهذا ما يقول منيف الرزاز في كتابه “الأعمال الفكرية والسياسية”.

“أعداء الحزب متعددون وكثيرون وأقوياء، لكن أهم هؤلاء الأعداء ليسوا أولئك الذين يواجهون الحزب بعدائهم مواجهة، إن بعض ألد أعداء الحزب موجود داخل صفوف الحزب، حين يعجزون عن الارتفاع فوق مستوى القوى التي تشدهم إلى الخلف ويعجزون أن يحققوا الثورة في نفوسهم يستكينون لضغط المغريات من حولهم”[18].

ونصل إلى قمة المفارقة في مصير عناد الشاهد عند ما نراه متعرضا للتآمر بين النقيب القامع في مسقط رأسه والرائد القامع في مدينة الحلم، حيث يتحالف النقيب مع الرائد للقيام بأعمال القتل والتعذيب وتصفية المناضلين وملاحقة الخوارج والقضاء عليهم، كما جاء في أحد المشاهد على لسان عناد.

“لكن النقيب ضابط مباحث في الدولة الشقيقة المعادية، هز الرائد كتفيه وقلب شفتيه واهتز كرش النقيب ضحكا، وقال الرائد بفتور: أترى أنك لا تزال بنظرتك الحولاء، تبصر أولويات الثورة ولا ترى أولويات الدولة، النقيب بات صاحبي وهذه العلاقة من أولويات الدولة. أذهب واعتذر له أعف عنك… أوما الرائد برأسه وقرع كأسه بكأس النقيب ثم وقعا اتفاقية أمن مشترك… تقضي بملاحقة الخوارج”[19] ، وعناد كان من الخوارج.

والشخصية الثانية التي تعرضت لتسلط السلطة هي مثقال، وهو المثقف البدوي يحمل الفكرة الماركسية في الرواية ويقرأ الكتب الماركسية بغاية من النهم، كما يدرس الكتب المتعلقة بأحدث التكنولوجيا والأفكار الإنسانية العالية ويريد تنفيذها في المجتمع، ولكنه يعجز عنها لأن المجتمع يضيق عليه ويرفض فكره، والحكومة لا تسمح له بإقامة نقابة لعمال المصنع، كما تمنعه السلطة من السفر أو الحصول على وظيفة بسبب انتمائه إلى الحزب الماركسي ليس غير،[20] وأن التسلط الذي عاناه مثقال يتجاوز حدود تسلط السلطة السياسية إلى سلطة المجتمع المحيط به لإجباره على إنكار انتمائه للحزب واستنكار أهداف هذا الحزب[21].

متاهة الأعراب في ناطحات السراب:

عرض مؤنس الرزاز مقولة القمع من جديد في روايته “متاهة الأعراب في ناطحات السراب”، ويتمثل ذلك في “حكاية حياتي السابعة” في الرواية، فهي عبارة عن كشف حالة واضحة من القمع الداخلي الذي يمارسه سيد العصبة أو الحزب لكبت الأصوات المعارضة له، فالسيد لايحب التدخلات في أمره وكلامه، وإذا عارضه أحد يقتله أو يلقيه في الإقامة الجبرية، وهذا ما حدث في الحكاية حيث يقتل حسن الثاني رفيقه استجابة لرغبة السيد المطاع. يقول حسن الثاني في الحكاية.

“أعلم يا عزيزي أننا قلنا لسيد:

-فض علينا من علمك وأوقفنا على سر الحياة.

قال دون أن يلتفت إلينا:

-إنكم لن تستطيعوا معي صبرا.

… سنسلتزم أمرك ونهيك.

… سنسير في ظلك.

… ستجدنا صابرين.

… لن نسأل ولن نتسائل. سنمشي وراءك طائعين”[22].

وإذا نتقدم في الرواية نرى أن الرحلة ما إن بدأت حتى جعل السيد يقوم بالتسلط والقمع والتقتيل وتزوير التاريخ والنقوش والرسومات. وكان مصير كل واحد من العصبة، هو القتل على يد رفاقه بأمر من السيد بسبب تساؤله أو استنكاره لأفعال السيد أو الشك وعدم الثقة ببعضها، حتى أتى بعضهم على بعضهم الآخر وأتى السيد على آخرهم[23].

ويتجلى من الحكاية أن مؤنس الرزاز يريد الكشف عن القمع والاستبداد الذي تقوم به الأحزاب والسلطات والجماعات في العالم العربي، فالقيادة قائمة على الدكتاتورية تأتي بما تشاء وتترك ما تشاء ولا ترضى المناقشة على أفعالها وعلى بشاعتها ومعقوليتها وقمعيتها.

ومن مظاهر قمع العصبة والرفاق في الرواية مشهد بلقيس التي تعرضت للاغتراب النفسي عن الذات والمجتمع وأصبحت مدمنة الخمرة بعد أن قام رفاق العصبة بقتل زوجها الذي كان يعمل في السفارة. تقول بلقيس وهي تشرب الخمرة:

“مش عارفة. مش عارفة اتصالح من حالي ومع العالم. أحاول أتصوف مش قادرة. لما قتل زوجي على أيدي رفاقه في الغرب. لما كان سفير وأنا ضايعة. بعيش كوابيس. بعيش برعب. أعصابي تعبانة. يمكن أدمنت المشروب. تصور رفاقه. تصور… بتصدق إني أنا كمان كنت عضو في العصبة. هو أقنعني[24].

ومن مظاهر القمع السياسي أيضا النزعة العصبية في السلطة التي عرضتها مؤنس الرزاز من خلال الشخصية الرئيسة الفنتازية حسن الثاني في صورة “ذياب” الذي ينقسم إلى ألف ذيب وذيب كما تنقسم السلطة إلى ألف وجه ووجه، كما يظهر في الحوار الآتي عن الذيب:

 “إذا استوى فسكين، وإن اعوج فمنجل” وأضاف قائلا: “إذا دهمته الطحمة راغ كما يروغ ثعلب، وإذا ماده القوم صبر صبر الدهر. شعاره، من تكلم قتلناه ومن سكت مات بدائه غما.

هنا تولتني الدهشة. وقلت:

  • لكن هذه عبارة من عبارات الحجاج.

ضيق حسن الثاني ما بين عينيه، وقال هامسا:

  • وما أدراك أن الحجاج ليس سوى ذيب من ذؤبان ذياب؟ لا بل وموظف المكتبة أيضا.

وهنا خطر لي خاطر مفاجئ. ماذا لو كان حسن الثاني نفسه ذيبا. لعله ذيب الثاني، لعله يتقمص جسد حسن الثاني وقناع وجهي”[25].

وفي مشهد يقول حسن الثاني بنفسه عن هويته:

“هذا ليس حسنين يا أستاذ. ولا هو حسن الثاني أو الأول. هذا الرجل الذي يقف أمامك الآن هو ذيب السابع –أحد انشطارات ذياب وتجلياته- هذا الرجل المهيب الرهيب الذي ارتفعت قامته في السماء، وامتد جسمه في الفضاء هو ذياب بعينه. إنه يدعي أنه حسنين. يحسب أنه اثنين، لكنه ألف ذيب وذيب واحد يا أستاذ”[26].

ويعرض مؤنس الرزاز مقولة القتل وانهيار المشروع القومي في مشهد آخر في الرواية. “تفاقم هذا الشجار واحتدم الصراع في نفس ذياب، وتضخمت بذرة الشك في نفسه. فبسط يده إلى ابنه حسنين وقتله، ثم أعلن أنه اغتيل غيلة، كأن درب هذا المبارك إلى البطولة لا تنبسط إلا وهي معمدة بدماء ضحاياه… ثم أدعى أنه سيشيد دولة علمانية ديمقراطية ذات جيش عقائدي مهيب ومجلس شورى أو برلمان ذي صلاحيات واسعة. وأنه سيؤسس المؤسسات …. وأنه لن يكون سوى بيرق من بيارق أبناء العصبة، ورمح بين رماحهم، يأكل ما يأكلون، ويشاروهم فيما يعملون… ولكن ما أن أقبل عام الهول الثاني، أقبل معه الأجانب حتى ثبت لنا أن الجيش ديكور، والدولة من ورق، والمؤسسات وهم، والعصبة سراب في ذلك العام انفصم ذياب نهائيا إلى ألف ذيب وذيب”[27].

هذا ما نراه من حال فكرة القومية العربية في الوطن العربي في النصف الثاني من القرن العشرين بقيادة حزب البعث ثم جمال عبد الناصر ضد العشيرة والقبلية والعصبة، والاستعمار الغربي والدولة الملكية، ولكن سرعان ما ماتت هذه الفكرة أيضا بنكسة حزيران 1967م وتبددت الأحلام لدولة عربية موحدة، وانحرفت القيادة الثورية البعثية عن مبادئها وأصولها الفارغة، وتحولت إلى قيادة ظالمة بعد أن استولت على السلطة، فأعدمت بعض أبنائها وحكمت على الآخرين بالإقامة الجبرية، وانتشر الظلم والقمع باسم الثورة. وبعد مدة من مكوثها بالسلطة ظهر أن كل ما كانت تدعو إليه ما هو إلا وهم وسراب.

خاتمة البحث:

قد نجح مؤنس الرزاز في الكشف عن وجوه القمع السايسي المتفشي في العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين في ثلاثيته، وذلك من خلال الدكتور مراد، بطل الرواية في “اعترافات كاتم صوت”، وعناد الشاهد في رواية “أحياء في البحر الميت”، و حسن الثاني، الشخصية الرئيسة في “متاهة الأعراب في ناطحات السراب”. ومن خلال هذه الشخصيات الرئيسة في ثلاثيته، يطرح مؤنس الرزاز أسئلة عن الصدمة التي جعلت الواقع العربي يعيش حالة انفصامية. فمتى وكيف تعرض الفرد العربي أو الواقع العربي لهذه الصدمة؟ هل تعرض لها في موقعتي الجمل وصفين؟ أم أثناء اجتياح المغول بغداد؟ أم لدى الصدمة الحضارية التي خلفها غزو نابليون لمصر؟ أم بعد نكبة عام 1948م؟ أم نكسة حزيران 1967م، أم ثمة سلسلة من الصدمات المتوالية الموجعة التي خلفت إنسانا أو واقعا عصيبا مأزوما منفصما حتى النهاية.

الهوامش:

[1] حمداوي، جميل، (الرواية السياسية والتخيل السياسي)، ص 40.

[2] الأزرعي، سليمان، مؤنس وتجربة البحث عن الضائع، ص 34.

[3] صالح، فخري، عن تجربة مؤنس الرزاز الروائية وأطروحة الانهيار، (كتاب عام على الرحيل: سنوية مؤنس الرزاز)، ص 53.

[4] الرزاز، مؤنس، اعترافات كاتم صوت، ص 13.

[5] المرجع السابق، ص 14 .

[6] نفس المصدر، ص 10، وانظر أيضا ص 15 .

[7]  نفس المصدر، ص 98

[8]  نفس المصدر، ص 12

[9]  نفس المصدر، ص 58

[10]  نفس المصدر، ص 11.

[11]  نفس المصدر ص 131.

[12] الرزاز، مؤنس، أحياء في البحر الميت، ص 84

[13]  نفس المصدر، ص 70-71

[14] نفس المصدر، ص 96

[15] نفس المصدر، ص 49

[16] نفس المصدر، ص 20-21.

[17]  نفس المصدر، ص 11

[18] الرزاز، منيف، الأعمال الفكرية والسياسية، ص 28

[19]  نفس المصدر، ص 17.

[20]  نفس المصدر ص 46 ص 93

[21] نفس المصدر، ص 118 إلى 121، ص 124- 125

[22] الرزاز، مؤنس، الأعمال الكاملة، ج 1، ص 594.

[23] نفس المصدر، ص 594-604.

[24] نفس المصدر، ص 566.

[25] نفس المصدر، ص 631

[26] نفس المصدر، ص 632-633

[27] نفس المصدر، ص 780

المصادر والمراجع:

  1. الكركي، خالد، الرواية في الأردن، الجامعة الأردنية، الطبعة الأولى، عمان، 1986.
  2. السعافين، إبراهيم، الرواية الأردنية، منشورات لجنة تاريخ الأردن، الطبعة الأولى، عمان، 1995.
  3. أبو نضال، نزيه، علامات على طريق الرواية في الأردن، دار الفارس، الطبعة الأولى، عمان، 2000.
  4. رضوان عبد الله، أسئلة الرواية الأردنية، منشورات وزارة الثقافة، المملكة الأردنية الهاشمية، الطبعة الأولى، عمان، 1991.
  5. الرزاز، مؤنس، أحياء في البحر الميت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 1982.
  6. الرزاز، مؤنس، اعترافات كاتم صوت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، بيروت، 1992.
  7. الرزاز، مؤنس، متاهة الأعراب في ناطحات السراب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، بيروت، 1986.
  8. الرزاز، مؤنس، الأعمال الكاملة، ج 1، منشورات وزارة الثقافة، المملكة الأردنية الهاشمية، الطبعة الثانية، عمان، 2000.
  9. محيلان، منى، التجريب في الرواية الأردنية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، عمان، الأردن، 2000.
  10. يوسف ظاهر، آلاء، أزمة المثقف في روايات مؤنس الرزاز، الأهلية للتوزيع والنشر، الطبعة الأولى، عمان، 2012.
  11. العبادي، عيسى، مضامين الرواية الأردنية (1967-1990)، دار جرير للنشر، الطبعة الأولى، عمان، 2006.
  12. الناعوري، د. صبحي عوني، أثر السياسة في الرواية الأردنية، دار أزمنة للنشر، الطبعة الأولى، عمان، 1999.
  13. الرزاز، منيف، الأعمال الفكرية والسياسية، مؤسسة منيف الرزاز للدراسات القومية، الطبعة الأولى، عمان، 1986.
  14. منيف، عبد الرحمان، وآخرون، هاملت عربي: مؤنس الرزاز (شهادات وحوارات ودراسات)، مركز الرأي للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى،عمان، 2003.
  15. صالح، فخري، عن تجربة مؤنس الرزاز الروائية وأطروحة الانهيار، (كتاب عام على الرحيل: سنوية مؤنس الرزاز)، منشورات وزارة الثقافة، عمان، 2004.
  16. الأزرعي، سليمان، مؤنس وتجربة البحث عن الضائع، وزارة الثقافة، عمان، 2005.

الرسائل الجامعية

  1. الذنيبات، رانيا أحمد حسين، بناء السرد في الرواية الأردنية، رسالة الماجستير، جامة المؤتة، 2002.
  2. القضاة، ميسون كريم، مؤنس الرزاز في الدراسات النقدية، رسالة الدكتوراة، جامعة مؤتة، 2013.
  3. أحمد محسن، شرحبيل إبراهيم، بنية الشخصية في أعمال مؤنس الرزاز الروائية، دراسة في ضوء المناهج الحديثة، رسالة الدكتوراة، جامعة مؤتة، 2007.
  4. الحباشنة، عبد الله، الروائي سياسيا: مؤنس الرزاز نموذجا، رسالة الدكتورة، الجامعة الأردنية، 2006.

المجلات والدوريات

  1. شاطع عبد الله، المصاورة، ثامر إبراهيم، (الفنتازيا في الرواية العربية، رواية متاهات الأعراب في ناطحات السراب، أنموذجا)، دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 43، ملحق 2، 2016.
  2. حمداوي، جميل، (الرواية السياسية والتخيل السياسي)، ديوان العرب، مارس، 2007
  3. عليان، حسن، (الاغتراب في الرواية العربية في الأردن، مؤنس الرزاز وإبراهيم نصر الله)، مجلة أبحاث اليرموك، مج 17، ع 1، 1999.
  4. البرماوي، فاطمة عزت، (مؤنس الرزاز في زمن أسماه زمن التنبلة)، مجلة الرافد، ع 56، 2002.
  5. الطراونة، صالح مفلح، (قراءة في الروائي الكبير والمبدع المتميز (مؤنس الرزاز)، مجلة ثقافية الكترونية، عمان، 2009. shatharat.net
  6. نصار، أياد، (مؤنس الرزاز: اعترافات “مكتوم” الصوت (1951-2002)، موقع أوراق ثقافية. inassar.blogspot.com

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  *****. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here