دراسة فنّية لـــرواية “شقة الحرية”

Vol. No. 1, Issue No. 1 - January-March 2021, ISSN: 2582-9254

0
853

دراسة فنّية لـــرواية “شقة الحرية”

د. محمد ميكائيل
باحث هندي، متحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند

—————————————————

ملخص البحث:

إنّ رواية “شقة الحرية” من أروع ما كتب لا في الأدب السعودي فحسب بل في الأدب العربي كله، إذ تعالج قضايا هامة وتحمل في طيّاتها أفكارا متضاربة وآراء متباينة عن السياسية والدين والمجتمع وتضم عددا من الأفكار والقضايا والهموم والآراء عن المجتمع العربي تتغاير تماما عن الآخر وكلها تؤثر في ذهن القارئ تأثيرا كبيرا، ولأهمية هذه الرواية ومكانتها العالية ترجمت إلى اللغات العالمية الحيّة المختلفة. وسيتناول هذا البحث إبراز بعض النواحي الفنّية واللمسات البلاغية الكامنة التي وجدت في عروق “شقة الحرية” النابضة بالجمال والحسن والإبداع. 

ترك الأديب السعودي الروائي الشاعر الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي وراءه تراثا أدبيا باهرا وزاخرا وكتب في فنون أدبية مختلفة وأضاء اسم الأدب السعودي في العالم كله.

كان شاعرا موهوبا كما كان روائيا قديرا، ورواياته من أحسن ما كتبت في الأدب السعودي، وله دواوين شعرية كما له مقالات عديدة في الفكر والسياسية.

كلمات مفتاحية: شقة الحرية، رواية، أفكار متضاربة، أراء متباينة، المنهج الفني، النواحي الفنية، الأسلوب البلاغي.

 مدخل البحث: إن المنهج الفني هو منهج من مناهج التحليل الأدبي للنصوص الشعرية والنثرية وهو يقوم على أسس فنية بحتة، وتحليل أي نص أدبي من خلال المنهج الفني، هو منهج متكامل وشامل لجميع القواعد والأصول الفنية، فهذه محاولة متواضعة لإبراز بعض النواحي الفنية واللمسات البلاغية الكامنة التي وجدت في عروق “شقة الحرية” النابضة بالجمـال والحسن والإبداع.

نبذة عن الرواية: 

إنّ رواية “شقة الحرية” – من تأليف الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي، – رواية تحتوي على أربع مائة وثلاث وستين (463) صفحة، ومعنى ذلك أنها رواية طويلة وإن لم تكن من أطولها حجما. نشرت هذه الرواية في اللغة العربية من رياض الريس للكتب والنشر، لندن وبيروت، الطبعة الخامسة، عام 1994م. ومطلب هذه الرواية وخلاصتها ومحورها هي دعوة صارخة إلى  الحرية من التقاليد البالية، والتزمت العنيف، والأحكام والأعراف القديمة التي كانت الأمة العربية مشدودة ومكبولة بها من حقبة تاريخية ممتدة، والحرية التي دعا إليها الدكتور غازي القصيبي عبر هذه الرواية الشهيرة هي حرية الرأي والفكر والحرية الفردية والاجتماعية، والاستقلال الحكومي ودمقرطة النظام البيروقراطي، وحرية المؤسسات المختلفة التي تدعم الديموقراطية وتعمل لأجلها، والجدير بالذكر أن الحرية المنشودة في الرواية هي الحرية الغربية والأوربية وليست الحرية الإسلامية.

المنهج الفني للرواية:

إنّ الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي عربي أصيل نهل من منهل العروبة الصافي، ورتع في مراتع العرب الزاهية باللغة الفصحى منذ الصغر ونشأ نشأة عربية خالصة، فاللغة العربية كانت جارية في شرايين دمه على طبيعتها وسلاستها الموروثة، بالإضافة إلى ذلك أنه هذب طبعه العربي وصقل مواهبه الأدبية عن طريق الدراسة والمخالطة بالعرب الأقحاح وعايش الجو العربي، وبالتالي تدفق لسانه باللغة العربية الفصحى وجرى قلمه بلسان عربي مبين، قد اجتمع فيه النقد والأصالة والرصانة والوضوح والإبانة. واتصفت كتاباته ومؤلفاته بالعبارات الحسنة والجمل الرصينة والتراكيب المتينة والأسلوب التشويقي الأمثل ونقاوة الألفاظ وروعة البيان. إنّ أسلوبه فريد من نوعه يشد القراء بسحر عباراته وتسلسل أحداثه ومضامين كتابته وطريقة عرضه المنفردة، وكتابه “شقة الحرية” لايخلو من هذه المميزات والخصائص بل هو على قمة ربيع أسلوبه، وهو الكتاب الذي ظهر فيه جودة أسلوبه وتمكنه بآليات الرواية العربية الحديثة من القص والحوار والسرد المتقن وما إلى ذلك من قوّة ووضوح، ولذا تتابعت تعليقات القراء عليه وتناولته الأوساط الأدبية بحفاوة بالغة ودهشوا من أسلوبه وعرضه الفاتنين، وتداولوه بالإعجاب والتقدير، فقال الكاتب القدير جهاد فاضل في إحدى مضامينه في مجلة “الحوادث” الصادرة من لندن: “حبكة متقنة وسرد مشوق وسلاسة في الأداء ونضرة في القالب وإشراق في التركيب وبساطة التعبير كأنه خبير قديم في الصناعة الروائية الخالصة،[1]“.

وقال محمد علي فرحات: “شقة الحرية” رواية كتبها شاعر لكن قارئها لايلمح غموض الشعر وعاطفيته وإيجازه الخاطب، وإذا امتلك غازي القصيبي بمهارة ملحوظة ليونة في السرد وخولته في تصوير شخصيات وأمكنة ومواقف من دون أن نلمح ذاتية السرد.[2]

وهذان القولان غيض من فيض الأقوال التي قيلت في إشادة هذه الرواية وتقريظها. رغم أن هناك بعض الجوانب السلبية التي تحتويها الرواية، ومع ذلك كله هي من أعظم الروايات شأنا وأدقها شكلا وبيانا وأشهرها اسما للرواية العربية الحديثة يظهر لنا أنها تحتوي تلك المقومات في طيّاتها احتواء وبالتالي لو ناقشنا هذه الرواية في شخصياتها التي تعد بمثابة العمود الفقري للرواية فنجد أن الكاتب نجح في خلق شخصيات مقنعة ومتفردة ذات ملامح فنية خاصة، وشخصياته نامية مركبة رئيسية وهي تتحرك في عالمها القصصي ويرى أن كائنة حيّوية تطورية متعددة الملامح مركبة الأبعاد، وكل صفحة من صفحاتها تخبرنا عن شئ جديد في شخصيات الرواية.

تبدأ الرواية بشخصية واحدة وهي تشكّل البطل الرئيسي في الرواية، اسمها فؤاد الذي يتجه نحو مصر لدراسة الحقوق ويتكوّن له هنا أصدقاء وأسماؤهم عبد الكريم ويعقوب وقاسم وعلي نشأت وعبد الرؤوف، هؤلاء هم الذين يمثلون دور الشخصيات الرئيسية، وهناك شخصيات أخرى من مستويات مختلفة من الأعمار والجنس والبلدان، وقد سمى الكاتب كلا من هذه الشخصيات ووصفهم من خلال الحدث والحوار حسب اقتضاء دورهم، ولم يتخذ الطريقة التقليدية الفجة في وصف الشخصية وصفا سرديا كاملا في بداية الرواية، الشخصية عنده تنمو بنمو الحدث مثيرة وساخنة ومشوقة، تجبر القراء على مواصلة الدراسة، فتبدأ الرواية بهذا التمهيد المثير:

“كانت الأسئلة في ذهنه لا تنتهي. ولا يعرف جواب أي منها. والآن يشغله قائد الطائرة بسؤال جديد. لعل هذا هو هدف المسابقة: أبعاد الأسئلة الكثيرة المزعجة عن أذهان المسافرين ليركزوا على سؤال واحد غير مزعج، وإن بدأ غريبا بعض الشئ: “كم تحمل هذه الطائرة من الوقود؟”. كان هذا هو السؤال الذي طرح على المسافرين. وقيل لهم إن المسافر الذي يتوصل إلى الرقم الصحيح أو إلى رقم قريب منه، سيحصل على جائزة ثمينة. مر المضيف يوزع الاستمارات. وأخذ كل راكب استمارته. وانهمك في التفكير، وانهمك فؤاد بدوره في التفكير. “كم جالونا تحمل هذه الطائرة؟”. سؤال لم يطف بباله من قبل، لا من قريب ولا من بعيد. هل يمكن القياس على السيارة؟ يعرف أن السيارة يمكن أن تبتلع بسهولة عشرين جالونا. ولكن الطائرة أكبر من السيارة بكثير، بكثير جدا.[3]

وقد ينمو الحدث بعد لحظة البدء من نقطة إلى أخرى نموا فنيا، وقد وزع الكاتب الرواية على حلقات كما فعل عبقري الرواية العربية الطيب صالح في روايته الشهيرة العالمية “موسم الهجرة إلى الشمال”، وبدأ كل حلقة من نقطة وختمها بنقطة غير مكتملة ينهج في النفس سؤالا ماذا بعد؟ ثم يبدأ الحلقة الثانية ويزوّد معلومات عن الحدث الجاري وهكذا تتواصل الحلقات ويبلغ عددها إلى إحدى وعشرين (21) حلقة، وتنتهى الرواية ولكن نهايتها نهاية مفتوحة وليست نهاية مريحة تقليدية، فالكاتب ختم روايته قائلا:

“أواه! يا قاهرتي! يا قاهرة الرأسماليين والاشتراكيين (والماركسين أحيانا). يا قاهرة الظالمين والمظلومين، الحارمين والمحرومين، الحاكمين والمحكومين. يا أم الدنيا! هل أراك مرة أخرى؟ وماذا لو رأيتك “تلاقينا لقاء الغرباء؟”! أعرف الجواب. أصبحت من الغرباء بالفعل بعد غياب أربعة شهور فقط. كتبت على جبهتي في المطار بحبر غير مرئي “سائح!”. ظلت الكلمة مطبوعة على جبهتي يراها كل أبناء القاهرة. أهلا بسيادة السائح! الأستاذ فؤاد بيه الطارف، المحامي، لا! لا! أنا فؤاد وبس! صاحبكم القديم. الطالب أيه؟! ودي تيجي برضه؟! الطلاب طلاب والسواح سواح. ولكني لست سائحا أقسم لكم بالله. لم أجيء لأهتف لجمال عبد الناصر في النهار وأقضي الليل من البنيات. كما يفعل الكثير من إخواننا الناصريين. أتيت فقط للوداع. لإلقاء نظرة أخيرة على حياتي هنا، على القاهرة وعلى شقة الحرية. الحرية؟! رحم الله الحرية. والوحدة! والثأر! والاشتراكية معهم!

نهزه قاسم بعنف:

– فؤاد! فؤاد! هل نمت؟

ينظر فؤاد من شباك الطائرة إلى القاهرة التي بدأت تختفي وراء الأفق، وتنهمر دموع صغيرة كثيرة من عينيه.

– فؤاد! لماذا تبكي؟

بصمت، يخرج فؤاد من جيبه الورقة التي تحتوي على أسماء القوميين العرب في أمريكا ويمزقها، ويضع البقايا في منفضة السجائر.

– فؤاد! ماذا تفعل؟ لماذا تبكي؟

ينظر فؤاد إلى المدينة التي اختفت تماما الآن، ولا يرد.[4]

وإذا درسنا الرواية من أولها إلى آخرها ظهر لنا أن الكاتب السعودي الفاضل قد اخترع من الأساليب والحيل الفنية التي جعلت الحدث ساخنا ومثيرا لفضول القارئ وملأ روايته بوسائل التشويق المختلفة التي يغري القراء على مواصلة الدراسة.

عناصر الرواية:

وبالنسبة إلى زمان الرواية فإن الكاتب قد اختار الزمان التاريخي المتسلسل وحافظ على المسار الطبيعي للزمان، وبدأ كل حلقة من زمان مخصوص، واهتم بذكر السنة والشهر في كل حلقة، وعلى سبيل المثال سأذكر بعض الحلقات مع ذكر زمنها على الترتيب:

الحلقات                      زمنها

الحلقة الأولى               أغسطس عام 1956م.

الحلقة الثانية               نوفمبر عام 1956م.

الحلقة الثالثة               نوفمبر و ديسمبر عام 1957م.

وهكذا تنتهي الحادية والعشرون في شهر سبتمبر وأكتوبر عام 1961م، والجدير بالذكر أن الكاتب لم يسم هذه المراحل الزمنية بالحلقات وإنما اقتصر فقط على وضع الأرقام من مثل 1، 2، 3 إلى آخرها.

وأما مكان هذه الرواية فهو القاهرة عاصمة مصر، وبما أن أبطال هذه الرواية كانوا من البحرين ولذا نجد وصف البحرين أيضا في بعض المواضع، وقد صور الأديب والكاتب المبدع غازي القصيبي المكان وصفا بديعا. وصور النيل وأهله  وسياحه وأنماطا بشرية مختلفة توجد في المدينة بكل دقة، وأضفى على الرواية مسحة من الحسن والجمال، وقد وصف القاهرة أحسن الوصف قائلا:

“القاهرة عاصمة العرب، حاضرة الإسلام، كنانة الله في أرضه وأم الدنيا، كما يسميها المصريون (الذين يسمونها أيضا مصرا) قاهرة جمال عبد الناصر وصوت العرب والنضال ضد الاستعمار، قاهرة الأمل، قاهرة تأميم القناة.[5]

حقا إنه لأبلغ وصفا ولو تدبرنا في كل ما أضيف إلى القاهرة ليتجلى أمامنا صفحات عريضة للتاريخ والحقبة الزمنية التاريخية الممتدة ………. ولو نوقش كل منه بالتفصيل لاسودت آلاف من الصفحات البيضاء.

أما سرد هذه الرواية فهو جميل ومتسلسل وتشويقي يشدّ القراء إلى نياطه، وفي غالب الأحيان اتخذ الأسلوب الوصفي طريقة سرده، ولكنه اعتمد أيضا على طريقة الرسائل ليكتسب بها جزءا من السرد الروائي، وهذه الطريقة متداولة ورائجة لدى الروائيين الكبار واتخذها أيضا الروائي العظيم محمد حسين هيكل في روايته الشهيرة “هكذا خلقت” والكاتب العبقري يوسف السباعي “إني راحلة”.

هذا وعنصر الحوار الذي يشكل في الرواية جزءا فنيا هاما في رواية “شقة الحرية” حسب طريقته الفنية والحوار فيها كثير، وهو ممتع وشيق وهو مزيج من اللغة الفصحى واللغة العامية، ها أنا أنقل نموذجا من حوار هذه الرواية وهو يتعلق بموضوع يخالف فيه الطالب رأي أستاذه، وكان الموضوع حول المجتمعات البدائية وأديانها، قد أكد الأستاذ في الصف على أن المجتمعات البدائية لم تعرف ديانة فقاطعه التلميذ قائلا:

“ولكن يا أستاذ ماذا عن آدم؟

 ماذا عن آدم؟

ألم يكن أول إنسان؟ الم يكن نبيّا؟ كيف وجدت، إذن، مجتمعات بدائية بلا أديان؟

بهدوء، سأله الأستاذ صبحي:

 اسم الأخ إيه؟

 يعقوب الحدّي. من البحرين.

أهلا وسهلا. إحنا هنا يا يعقوب بندرس اجتماع، مش شريعة. عاوز تدرس شريعة روح الأزهر.

 ولكن الحقائق يا أستاذ لا تتغير بتغيّر الكليات. كان هناك آدم!

 اسمح لي أكمّل الدرس الآن. وأراك بعدين. ونتفاهم.

تكرّرت اللقاءات “بعدين”. وفي كل مرة، كان هناك حوار طويل وساخن ومعقد. بدأ الحوار الأول بآدم:

 “يا يعقوب، لقد كنت تحاول استفزازي. أشك أنك تؤمن بآدم.

أعوذ بالله يا أستاذ. كيف لا أؤمن بآدم؟!في كل ديانة بدائية كانت أو غير بدائية، هناك أسطورة عن أبي البشر. في كل مكان في العالم، في كل قارة، في كل قبيلة.

 اسمح لي يا أستاذ. أنت تناقض نفسك. كنت تقول في الفصل أن معظم المجتمعات البدائية لم تعرف الأديان. وأنت الآن تقول إنها آمنت بآدم.

 أين التناقض؟ بإمكانك أن تؤمن بآدم من غير أن تؤمن بأي دين. وبامكانك أن تؤمن بدين غير أن تؤمن بآدم.

 يا أستاذ صبحي! هل تسخر مني؟

 لا. أتحدث بمنتهى الجديّة. هناك مجتمعات بدائية اعتقدت أن لها أباً هو أبو الناس جميعا ومع ذلك لم تؤمن بأي دين.

 ولكن كيف تفرّق بين الدين والإيمان؟ أليس الدين مرادفا للإيمان؟

 أحياناّ. ولكن ليس بالضرورة.

 كيف؟

 سوف أعطيك مثلا. أنا شخصياّ لا أؤمن بأي دين، ولكني أؤمن بنظرية ماركس ونظرية فرويد.

 أنت يا أستاذ تعبد ماركس وفرويد.[6]

هذا الحوار كله باللغة الفصحى وأما الحوار الثاني فأغلبه باللغة العامية:

“بمجرد أن تدخل شوشو الغرفة مع يعقوب يقع بصرها على صورة كارل ماركس صورة فرويد:

 مين الجدع ده؟ اللي عامل زيّ الفقي؟

 كارل ماركس.

 مين؟

 كارل ماركس.

 يطلع مين بسلامته؟ ممثل من بلاد برّه؟

 لا. ده اقتصادي مشهور.

 اقتصادي؟ يعني يملك شيكوريل؟

 لا. لا. يعني له نظريات اقتصادية. تدرس في الجامعات.

 آه. يعني بيعلم العيال؟

 تقريبا.

 والجدع التاني ده مين؟

 سيجموند فرويد.

 مين؟

 الدكتور فرويد.

 وده مين راخر؟

 ده عالم عظيم. اكتشف علم النفس؟

 النفس؟ وهي النفس علم؟

 شويه.

 طب ما تقولي عن نفسي. إنسانة مظلومة مقهورة مسحوقة.

 مظلومة مقهورة صحيح إنما مسحوقة فشر.

 مسحوقة يعني مظلومة.

 مش تقول كده من الصبح؟! وازاي عرفت إني مظلومة؟

 لو ما كنتيش مظلومة كنتي اشتغلتي الشغلانة دي؟

 مالها الشغلانة دي؟ كلها يومين وأبقى سينما هما ممثلات السينما أحلى منى؟

 فشرا

 أيوه كده.

 مين اللي ظلمك يا شوشو؟

 يوه! ناس كتير. يا اسمك إيه؟

 يعقوب.

 اسم صعب. ما لكش اسم تاني؟

 لا.

 طبّ أنا حا سميك “يوبي”.

 ربنا يسامحك. هو أنا كلب؟

 إلى لا يعفو بس بأدلعك.[7]

ظهر لنا فيما مضى أن الحوار الأول كان باللغة الفصحى تماماً والآخر في اللغة العامية، ولو حاولنا فهم أسرارها فيظهر لنا أن الحوار هو مرآة صافية للمحاورين، وبما أن الحوار الأول كان بين الأستاذ والطالب والحوار الثاني كان بين الطالب والعاهرة قليلة الثقافة التي تبيع عرضها مقابل الأجور القليلة، طبعا أن اختلاف السيرة الشخصية للمحاورين يؤدي إلى اختلاف طريقة الحوار، وهذا من الأمور التي لابد من الاعتناء بها في الرواية.

وأشار إلى هذا الناقد الكبير محمد مندور: “ينبغي أن يتوافق منطق كل شخصية مع ما تنطق به من عبارات لأن العبارات تعبير عما نفكر فيه. لهذا يقول بعض الفلاسفة: حدثني حتى أراك، وعلى هذا فإن الكاتب حين يصوّر مجموعة من الشخصيات في رواية ينبغي عليه أن يجعل حوار أو حديث كل منهم مختلفا اختلافا واضحا، يظهر الفروق الفردية الدقيقة بينهم في طريقة التفكير وأسلوب التعبير.[8]

وهذا ما راعاه الدكتور غازي القصيبي في روايته في الحوار وهناك نوعان من الحوار: الأول منهما الحوار مع الغير فهو كثير في هذه الرواية والثاني الحوار مع النفس (Monologue) هو قليل.

أما لغة هذه الرواية فهي لغة شاعرية تدخل القلب بدون إذن ولا يمكن أن نمر بصفحة دون التوقف والتمعن في اللغة المتفجرة وقد أظهر الكاتب تفوّقه اللغوي من تماسك النص الروائي وتلاحم أحداثه وتناسق وقائعه ونصرة قالبه وإشراق تركيبه وبساطته في التعبير وإليكم نموذجا واحدا.

“القطار مليء بالضجيج، ضجيج من الداخل وضجيج من الخارج. في الداخل مزيج غريب من الأصوات البشرية الباكية، الضاحكة المشفقة من الفراق، والمتطلعة إلى اللقاء. وفي الخارج مزيج أكثر غرابة من الأصوات. الباعة المفتشون الشيالون والصافرة واصطدام العجلات الحديدية الثقيلة بالشريط الحديد. غير أن هذا الضجيج كله لا يستطيع أن يطفي على الخواطر التي تصطخب في عقل الدكتور محمد. الدكتور؟! تعوّد على هذا اللقب حتى أصبح جزءا من اسمه، رغم أنه ليس دكتوراّ بعد.[9]

وهناك نماذج كثيرة في هذه الرواية ويعثر القارئ على تعابير عربية فنية وأصيلة في كل صفحة من صفحاتها، مع أن الألفاظ سهلة ولكن طريقة استخدامها مثيرة للغاية.

خلاصة القول:

وعلى هذا يمكن القول بأن المنهج الفني في هذه الرواية هو منهج حديث سار عليه الأدباء والروائيون الكبار المعاصرون، وأن الدكتور غازي القصيبي أيضا من الروائيين الذين ساهموا في إكمال النضج الفني في الرواية العربية كما يظهر من روايته وإن كانت روايته لا تبلغ إلى الدرجة العالية من الإكتمال مثل روايات نجيب محفوظ ويوسف إدريس وجمال الغيطاني ولكنها تشكّل علامة بارزة في تاريخ الرواية العربية الحديثة.

الهوامش:

 [1] . مجلة “الحوادث” الصادرة من لندن نقلا عن “شقة الحرية”.

[2] . جريدة “الحياة” الصادرة من لندن نقلا عن “شقة الحرية”.

[3] . القصيبي، غازي عبد الرحمن: شقة الحرية، ص 17.

[4] . المصدر السابق- ص 463.

[5] . المصدر السابق- ص18.

[6] . المصدر السابق- ص 94-95.

[7] . القصيبي، غازي عبد الرحمن: شقة الحرية، ص 118-120.

[8] . مندور، محمد: في النقد والأدب، ص 45.

[9] . القصيبي، غازي عبد الرحمن: شقة الحرية، ص 69.

المراجع والمصادر:

1 – إبراهيم، مصطفي عبد الرحمن: في النقد الأدبي القديم عند العرب، كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة، عام 1998.

2- الحازمي، الدكتور حسن بن حجاب: البناء الفني في الرواية السعودية: دراسة نقدية تطبيقية، مكتبة الملك فهد الوطنية- السعودية، الطبعة الأولى، عام 2006م.

3- السدحان، عبد الرحمن بن محمد: غازي القصيبي الحاضر الغائب في ذاكرة القلم، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى، عام 2011م.

4- سيدو، الدكتور أمين سليمان، و القعمي، الأستاذ محمد بن عبد الرزاق: موسوعة الأدب العربي الحديث، دار المفردات للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى عام 2001م. 

5- الصفراني، محمد بن سالم بن سعيد: شعر غازي القصيبي: دراسة فنية، الجامعة الأردنية، عام 1995م.

6- القصيبي، الدكتور غازي عبد الرحمن: حياة في الإدارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

7- القصيبي، الدكتور غازي عبد الرحمن: شقة الحرية، رياض الريس للكتب والنشر، لندن و بيروت، الطبعة الخامسة، عام 1994م.

8- المدينة، صحيفة يومية الصادرة عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر- يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر أغسطس عام 2010م.

9- مندور، الدكتور محمد: في النقد والأدب، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع الفجالة، القاهرة، عام 1988م.

 

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here