الدكتورة سناء الشعلان مع تجربتها الجديدة في مجموعتها القصصية الموسومة بـ (تراتيل الماء): دراسة نقدية

Vol. No. 1, Issue No. 3 (Special Issue) - July-September 2021, ISSN: 2582-9254

0
66
الدكتورة سناء الشعلان مع تجربتها الجديدة في مجموعتها القصصية الموسومة بـ (تراتيل الماء): دراسة نقدية

بقلم

أ. خالص مسور

كاتب وناقد سوري

———————

تراتيل الماء، هذا العنوان الصوفي الآسر الذي جمع بين كلمتين على شاكلة عبارة طقسية مقدسة هما /تراتيل – ثم- الماء/ ليعبر عن الحقيقة ومعنى الحياة، وبما أنّ الماء هنا يرمز إلى الحقيقة والحياة أيضاً فلابد أنّنا سنقف إزاء ما يمكن أن نسميه بتراتيل الحقيقة، ممزوجة مع التنغيمية المنبعثة من العنوان الغرائبي بتراتيله الشجية النغمات الباثة للعواطف والمثيرة لكوامن النفس البشرية. به ينفتح حديث الروح وتنساب العبارات القصصية انسياب الماء في جدول رقراق، لتترك بصمات لا تمحى في وجدان القاريء الذي يأخذه الحدث ويتفاعل معه بكل جوارحه وأحاسيسه وانفعالاته..!

      نعم، بهذا العنوان الغرائبي المنساب في فضاءات البوح الصوفي، تنسج الكاتبة قصصها الإحدى عشرة التي توجت بها تجربتها الأدبية الفريدة المفعمة بالإبداع والتألق وجمالية المتخيل السردي، متوشية بعمق التعبير وثراء المعاني الدلالية الكامنة في عبارات مجموعتها القصصية والتي سمت بلغتها الأنيقة والمضامين الإيحائية الرامزة والثراءات الدلالية إلى مرتبة التراتيل الصوفية بطقوسها السّحرية ومواجداتها الإلهيّة المؤثرة بقوة في فضاءات النفس البشريّة، يزيدها ثراء جملة التعالقات التناصية من الموروث الشعبي والديني المتدفقة من المخيلة الإبداعية للأديبة والمستوحاة من التراث العربي العريق وطقوس الأخلاق الدينية الإسلامية والسماوية معاً.

     ومما يلفت النظر كذلك هو إظهار الكاتبة تفرداً في قصصها الهادفة ذات الفنية المعمارية المتقدمة لغة ومضموناً، مع العناوين الرامزة والتي تشكل نصف مضامين القصص، والتي تأتي دوماً شديدة التناسق والانسجام مع شخصية بطل القصة في التعبير عن الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبيئة العربية، ومقدرة فائقة في الغوص في أعماق النفس البشرية لتكتشف مكنوناتها وانفعالاتها وأحاسيسها بكل مهارة ودقة ووضوح. وبدون شك فنحن هنا إزاء تجربة أدبية إبداعية جديدة، تأخذنا إلى عوالم قصصية مثيرة للصدمة والإدهاش وكسر أفق توقع القارئ وتفجير الأحاسيس والانفعالات النفسية لديه في أجواء نفسية مشحونة بالإيحاء والتوتر.

ففي قصة ماء السماء (1)

    تستوقفنا الكاتبة في محراب قلب بطل فلسطيني مجاهد ينز صفاء كصفاء مزن السماء، بطل استطاع مواجهة رصاصات العدو بهذا القلب الطافح بالحياة والمحبة والخير، فراح يحمل روحه فوق راحته ويقدمها قرباناً لثرى وطنه وشعبه، ورغم أن ما أوردته الكاتبة هو حكاية جميع المناضلين والأحرار ومطالبي الحرية في العالم، إلا أنها تعني بالخصوص حكاية كل فلسطيني ذاق مرارة الفقر والتشرد والضياع في المنافي وعلى قارعات الطرق، وكل واحد منهم مستعد للتضحية والشهادة في سبيل أهدافه السامية التي نذر نفسه لها، وفي سبيل أن يعش شعبه حراً كريماً وليتحرر وطنه من هذا الظلم الأزلي في يوم لابد أنه آت، وسيضع فيه حداً لمعاناة الإنسان الفلسطيني المعذب، وليذهب بعده بطل القصة المتفاني نحو حضن أمه الأرض وقد رزقه الله بنعيم الشهادة وجنة الخلود.

    ومن الملفت هنا مرة أخرى هو براعة الاستهلال (البرولوج) الذي اعتمدته الكاتبة واللجوء إلى تقنية التكثيف اللغوي والإيجاز البلاغي الجميل، وكل عبارة لغوية وكل سطر قصصي موشى بموسيقى حالمة وإيقاع شجي رهيف، بالإضافة إلى إرداف الفعل المضارع بالمبني للمجهول والنغمة الإيقاعية القوية كسيمفونية بيتهوفن الصادرة من سكونية حرف النون في كلمة – حضن – في العبارة الشاعرية الجميلة: “لكنها ما حضنت منتظرها، ولا هو حضن”(2). كل هذا خلق حالة من التآلف والتناسق في الصياغة اللغوية في غاية الإثارة والجمال. ونقول مرة أخرى فقد كانت المرجعية الدينية أو حالة التناص مع الدين الإسلامي حاضراً بقوة في لغة سناء القصصية، بل استعانت بالكثير منها كما في- أنى شاء فعل الفرار – مكاء وتصدية، وغيرها الكثير. ولذا لا نملك إلا القول، من أن الكاتبة في مجموعتها القصصية تتعب قارئها باللهاث وراءها وهو يلتقط العبارة الرشيقة، والحبكة المتناسقة، والجمل المعبرة، والمعاني الدلالية العميقة المحتوى والمضمون.

وفي قصة (ماء الأرض) (3)

ترتيله مكاء وتصدية

        أشرنا سابقاً إلى أثر المرجعية الدينية الإسلامية في قصص سناء كما في العنوان الآنف المذكور(مكاء وتصدية). وهي هنا تستنكر الحيف الذي لحق بالمرأة من مجتمعها الذكوري والذي أخرجها ولايزال عن طور إنسانيتها، لدرجة وصول البعض منهن إلى حالة الموت السريري (فالبغايا بلا أرواح). مما قد يسبب في دفعها نحو الهاوية والسقوط في حمأة الرذيلة رغماً عن إرادتها، ومع هذا السقوط والحيف الذي لحق بها نراها تعود في النهاية إلى أخلاقها الأصلية تائبة من كل ذنب قد دفعه المجتمع الذكوري لارتكابه. وتؤكد الكاتبة هذا الأمر بقولها: (وهناك في حياض الكعبة المشّرفة كانت تحجل ليل نهار بثوب أبيض يجلّل جسداً تحمل روحاً طاهرة تائبة ماعادت مخلوقة من ماء الأرض والمستنقعات بل من ماء السّماء!!). نعم تحولت البغي إلى ماء السماء الطاهر بدلاً من ماء الأرض بكل عفونته وملوثاته، وما ذاك إلا لأن المرأة طاهرة بطبيعتها دوماً من كل دنس ورجس إن لم يفرض عليها ذلك من مجتمعها الأبوي (البطرياركي)، أي حينما تترك لتختار طريقتها في الحياة الآمنة الخالية من الضغط والإكراه. ولذلك وجدنا المرأة البغي هنا تبحث عن طريقة في الحياة تعيد إليها إنسانيتها وتهديها سبيل الرشاد، فلا تجد أمامها بداً من العودة إلى ما يحيي في أعماقها القيم الدينية والأخلاقية النبيلة لتعيد إليها البراءة وصفاء المرأة وطهارتها، فتنآى بنفسها عن ذلك العالم المشوه الذي أدى بها الى التردي في مهاوي السقوط وتدمير النفس والأخلاق.

     وقد نقف بإندهاش أمام هذه الصياغة الفنية الجميلة ومعمارية اللغة الإيحائية الرشيقة والجمل الابتكارية بانزياحات لغوية حداثية متآلفة مع الحدث والنسق العام للقصة، كما في العبارة التالية مثلاً – تحجل ليل نهار بثوب أبيض – وسنلمس هنا تداخلاً في المهنة التي يمارسها الإنسان مع المعايشة اليومية لمظاهر الطبيعة – ماء الأرض – والغوص إلى الأعماق النفسية للمرأة، مع سلاسة المخرج والتحول المثير للمرأة البغي نحو الخير والصلاح والتوبة والتطهير من الأدران والذنوب، حتى نعلم أن كل ما قامت به البغي كان باطلاً وقد دفعت نحوه دفعا.

وفي قصة ماء البحر(تراتيله سخط) (4)

        نعثر على تشبيه رائع ومثير بين زرقة البحر وتقلب مياهه وأمواجه من جهة، وبين زرقة عيني الجاسوسة وتقلبها بين حب من عشقت والغدر به في سبيل أمنية عرجاء من جهة أخرى. وقد عبر عن ذلك هذا المقطع من القصة: “جمالها وبطش قلبها عماد عملها، تبيع خدماتها لكلّ من يملك أن يشتري مواهبها في التجسّس، ولا تبالي بالأسباب أو الأهداف أو النتائج أو الضحايا أو الخيانة…..وأجازت لنفسها أن تغدر من تحب بحكمة البحر وبجماله وببطشه…”(5). ولكن رغم هذه الطبيعة الغادرة للجاسوسة العاشقة التي تجمع كما البحر بين الحكمة والبطش والجمال، إلا أنها  آثرت الموت إلى جانب عشيقها وعدم البقاء على قيد الحياة بعده، فتجرعت لوحدها السم وماتت بين يديه وهي تتكوم كقطة سيامية في مشهديّة فنية بارعة ولقطة فوتوغرافية ناطقة بالحسن والجمال كما في قولها: “أمّا هو فبات يمسّد صمتها بربت خفيف حنون على كتفيها، وهي تتكوّم كقطة سيامية أليفة في حضنه، وتزفر آخر أنفاسها بصعوبة وحشرجة تفوق كتمها وصرّها. ولهذا تبدو انها أخلصت لمن تحب وتحت ضغط رؤسائها أن تسممه معها، وآثرت الموت معه لمن لم تستطع الحياة له، ولهذا يعد أفضل جاسوس في بلده” (6).

     من هنا نرى كيف أكسبت اللغة القصصية في تجربة الكاتبة المتميزة نكهة خاصة، استطاعت التواصل بها مع القارئ بحسّ اجتماعي مرهف وقدرة على البذل والعطاء وتجاوز المألوف اللغوي، وتقديم الصورة الحميمية لجدلية العلاقة الأزلية بين الذكر والأنثى، وتصرفات الشخصية المحبة في لحظة الموت، لتشكل هواجس الكاتبة التي تنقل لنا روح التلاحم والتضحية بين عاشقين، في مشهدية درامية شديدة التأثير على مشاعر القارئ الذي قد يجد نفسه أمام حالة انسانية نادرة الوقوع، وذلك حين يتحول حلم الحب إلى الموت مسموماً ليترك المشهد بصمات في مخيلة الإنسان وقلبه الذي لابد وأنه سينبض معه بإيقاع شجي حزين.

في ماء البحيرة (تراتيله بكاء) (7)

      نلمس في هذه القصص الشيقة في مغزاها وعذوبة تركيبها اللغوي كما في قصتنا هذه حسن التخلص وفنية المخرج، كما في كلام الكاتبة مثلاً عن البحيرة فتقول: (وكل ما يصب فيها من ماء الثلوج والجبال والجنادل يغدو مثلها مأسوراً….) لتنتقل بعدها وبمخرج في غاية الانسيابية والسلاسة إلى معالجة الفكرة الرئيسية للقصة في قولها: “هو يشبه البحيرة أو البحيرة تشبهه…”(8)

   نرى أن بطل قصة ماء البحيرة – كما في كل القصص الأخرى – قد جاء بانسجام تام مع فكرة القصة الأساسية. ولذلك قلنا أن الكاتبة تستوقف قارئها بنوع من أسلوب الالتفات للتفكير والتأني، قبل أن يمتد به المسير ليقطع أشواطاً في القراءة والتأمل، وقبل أن يفطن من خلال السرد إلى الشخصية المقصودة بالكلام المعهود. بالإضافة إلى ما لمسناه هنا من روعة التعبير اللغوي والعبارة الرشيقة والخيال السردي المحلق بدون قيود وحدود كما في قولها:  “هذا الصّباح الماطر هو أفضل الفرص للهرب، السّماء تزمجر، وتلقي أحمالها من الماء بسخاء، والبحيرة تضطرب بالشآبيب التي تصّب بها بعشوائية، وروحه تعانق الانعتاق. ينتعل الحلم، ويركض بعيداً لا يلوي على شيء، وصوت الكلاب التي تطارده تسبق خطواته في الغابة، والبحيرة تتضامن مع ثورته، وتفيض، ويتدفق ماؤها راكضاً خلفه وخلف الكلاب في الغابات”(9). لابد وأن القاصة تشير هنا إلى حالة القمع الذي تمارسه كلاب السلطة على الثائرين والمطالبين بالحرية والتغيير والانعتاق من نير العبودية والقيود والأصفاد، ولكن ما من مهرب ومخرج، فكلاب السلطة دوماً يترصدون الأصوات الحرة فينهشون الأحرار بأنيابهم ويسدون باب الأمل والرجاء أمام شعوبهم التي تتطلع نحو الحرية والانعتاق من نير العبودية والظلام.

وفي ماء النهر(تراتيله رقص) (10)

      نلمس مهارة سردية واضحة من القاصة في تجسيد معاناة الإنسان الفلسطيني المعذب التي ذاق مرارة القتل والنفي والتشرد على أيدي العصابات الصهيونية على مدى عقود من السنين وهو ينتظر العودة إلى أهله ودياره التي سلبت منه بشكل مأ ساوي مرير. وبطل القصة الفلسطيني هو شخص مقذوف به خارج المكان والزمان بنوع من القدرية والقهر إلى حالة إنسانية بائسة لا رأي له فيها ولا إرادة، فهو لم يختر تشرده ومنفاه عن طيب خاطر ولم يهجر أهله ودياره إلا تحت القتل والتهديد والوعيد في وضح النهار. لكن وفي لحظة حاسمة يصاب بطل القصة باليأس ويمل من الانتظار الطويل فيخوض ماء النهر للعودة إلى الضفة الفلسطينية من النهر دون أن يلم بالسباحة، وهو ما يدل على مرحلة الكفاح المسلح للشعب الفلسطيني الذي أجبر على رفع السلاح دفاعا عن أرضه وشرفه وكرامته المهدورة.

    كما يلاحظ هنا ورود ذكر اسم شخصية القصة الشعبية مثل (حسين الحلاق) وهو الاسم الوحيد الذي ذكر في كلّ التراتيل، ورغم أنّ ذكر المكان جاء نصف معرفاً /القرية/ ولكنها لم تذكر بالاسم كما هي التقنية السائدة في هذه القصص، وذلك حتى يأخذ الطابع الاسم العام وينطبق  على سائر قرى فلسطين وليست قرية فلسطينية بعينها. وأعتقد – كما سنرى – أن عدم ذكر اسم الشخوص القصصية، بالإضافة إلى التوليد أي توليد القصص من العنوان الأم تراتيل الماء والكلمة المشتركة الماء المتكرر في عنوان كل ترتيلة أو كلمة الهندسة وغيرها، ثم استخدام الموروث الديني، والغرائبية والإدهاش، والأسطورة، والرمز، وحسن التخلص أو المخرج الفني، والحلم والإيحاء، والنهاية المنسجمة مع المضمون…الخ.   هو جزء من تقنية التجرية الإبداعية للكاتبة المميزة سناء الشعلان.

وفي (ماء الينبوع) تراتيله حكايا (11)

     تبين الكاتبة بأسلوب سلس وشيق الخرافة والجهل السائدين لدى أهل القرية، فيقدمون النذور لينبوعها لكي يمدهم باليمن والبركة، حتى اختنق الينبوع من الخرق البالية التي ألقوها في منابعه فتوقف ماؤه عن التدفق أو كاد بسبب جهلهم. لكن النبع يتمرد على خرافاتهم ويلقي بالخرق خارجا ليتدفق من جديد ويعود إليه حيويته ونشاطه وتوازنه، فيعود أهل القرية إلى تقديسه وخنقه من جديد. وبذلك برهنت القاصة على امتلاكها خبرة ووعياً كبيرين بما يعشعش في المجتمعات العربية من جهل وتخلف والقدرة على معالجتها بكثير من العقلانية والمنطق، كما استطاعت بهذه الرمزية المبتكرة أن تفجر بنية الصورة الاجتماعية وحملها أبعاداً فكرية ونفسية وفق تجربتها القصصية بكل أبعادها الجمالية والفنية. كما يشتم من القصة الثورة والتحريض ضد الجهل والتخلف والتحرر من الأفكار البالية في المجتمعات العربية والعالمثالثية عموماً، حتى يأخذ عقل الإنسان حريته في السير بخطى سريعة نحو العلم والإبداعات والتقدم والتنوير.

في قصة (ماؤهما) تراتيله نسل (12)

    تدافع الكاتبة هنا عن الأنثى في مجتمعها الذكوري الذي يفضل دوماً الذكر عليها بعبارات شديدة الإيحائية والتعبير، مبرزة التناقض بين الحقيقة والتصنع في الحياة الاجتماعية في مجتمعاتنا الشرقية والعربية خصوصاً، فتنعت الزوجين رغم تقدميتهما العريضة بأنهما رجعيان ومتخلفان في فراش الزوجية لأنهما يتخليان عن تقدميتهما في لحظة من اللحظات ويفضلان إنجاب الذكر على الأنثى، ولسان حالهما يقول وليس الذكر كالأنثى: “….على الرّغم من تقدّميتهما العريضة إلاّ أنّهما في الفراش رجعيّان يفضّلان إنجاب ذكر على أيّ أنثى” (13). وهذا نقد لاذع لمن كان رجعياً في أفكاره ويتصنع المدنية والتقدمية أمام الناس ولازال يفضل الذكر على الأنثى. ولهذا يرى قارئ سناء نفسه على الدوام متواجداً في كل تراتيلها المائية وأحزانها الهندسية. كما نلاحظ من الناحية الفنية زهو النسيج القصصي وشآبيب من العذوبة والإتقان، بالإضافة إلى الحبكة الفنية المحكمة وسلاسة النهايات المعبرة والمنسجمة مع المتون القصصية، والإجادة في التعامل مع المتخيل السردي، وقيادة اللغة إلى الحقول الخضراء الخصبة لتعيد الحياة إلى الينابيع المتدفقة عذوبة كما يفعل بستاني ماهر.

وفي (سيرة مولانا الماء) (14)

سيرة التكوين

   تؤكد الكاتبة على قدسية الماء المكرم من الله كما جاء في قولها: “تكريماً لمولانا الماء فقد جعل الله الجبار عرشه العظيم فوق صفحات مائه” (15). والماء هو هنا الحياة بكل تناقضاتها بأفراحها ومآسيها وبأحزانها وأتراحها، فتشبهه بقلب إنسان الذي هو أيضاً مكمن كل المتناقضات البشرية في هذا الكون، وقد اعتمدت في إظهار ذلك على الثنائيات اللغوية والتضاد الدلالي بين كلمات: الموت والحياة – الدفء والبرد – الخوف والأمن …الخ. ونشير بدورنا إلى التعالقات النصية من الديانات السماوية والإسلام بشكل خاص ” وجعلنا من الماء كل شيء حيا” (16). وفي التوراة “وإذ كانت الأرض مشوشة ومقفرة، وتكتنف الظلمة وجه المياه، وإذ كان روح الله يرفرف على سطح المياه” (17).

      وورد وصف الماء لدى الكاتبة بعبارات حداثية وانزياحية في غاية الإتقان والجمال كما في: طاهراً كدمعة، حنوناً كخفقة، سهلاً كحزن. وفي القصة صور اجتماعية جديدة متآلفة مع متخيلها السردي ومبتكرة تماماً، وفيها ما يوحي بأن البشر فريقان فريق ينكر نعم الله وآخر يشكر النعمة ويقدرها حق قدرها، مع شيء من روح الدعابة المسبوكة في صياغات تعبيرية خارجة عن المألوف اللغوي، تتجلى في عبارة – مهاجمة الناس مولانا الماء بالخناجر والسكاكين – وهذه العبارة وأمثالها توحي بأن في قصص سناء الظاهر والباطن والتلميح دون التصريح، وفيها إشارات واضحة إلى الإنسان الذي يعيش حالة من الاغتراب النفسي وقتل البراءة ونشر الشر واختلاط المعايير واختلال موازين الإنسانية وبتقنيات قصصية جديدة، وعلى القارئ الحصيف أن يشاركها في إنتاج النصوص القصصية المفتوحة فينتج ويستنتج بنفسه، أي أن يكون منتجاً للنص لامستهلكاً له فقط.

   وتثبت الكاتبة نفسها في هذه النصوص بأنها سفيرة المعذبين والبسطاء في الأرض، تقاسمهم همومهم وآلامهم وآمالهم، وتغني معهم نشيد الحرية والحياة، تدغدغ أحاسيس القارئ وتخلق لديه جواً من التوتر والقلق والانفعال، معتمدة في هذا على البعد الدلالي الإيحائي في الكلمات القصصية، باستخدام ألوان متباينة ومتعددة من الأدوات التعبيرية، منها الموروث الديني الإسلامي والسماوي على العموم، والقصص الشعبية، والجملة المموسقة، والتكثيف اللغوي، والإيحائية، والخيال السردي المحلق، في مشهدية قصصية موحية عن الحالة الاجتماعية والتي تدل – مرة أخرى – على ثراء التجربة  الذاتية للكاتبة القائمة على الإبداعية والتميز وإلى خبرتها الأدبية والاجتماعية وتفاعلها مع الحياة الإنسانية.

 وفي قصة (عروس مولانا الماء) (18)

      استطاعت الكاتبة هنا تحريك المشهدية القصصية عن طريق الأفعال المضارعة القوية الصوت والصدى مثل: يغضب – ويرعد – ويزبد – ويغور- ويفور – بالإضافة الى اللقطة السمعية الموسيقية السجعية الرهيفة في كلمتي /يغور ويفور/.  ولكن مرة أخرى تذكرنا سناء بتضحيات المرأة بحياتها على مر التاريخ من أجل مبادئ سامية في الحياة، كالفتاة التي ضحت بجسدها وروحها ودماءها من أجل إنقاذ والدها الصياد والذي يرمز إلى الشعب ككل، مع مؤشرات واضحة في القصة إلى التناص التاريخي والميثولوجي، أي تعود بنا القصة القهقرى إلى الوقت الذي كان فيه الناس يهدون فتاة حسناء لروح إله النهر حتى يكف عن الفيضان وليعود الخصب إلى أراضيهم الزراعية ويعم الخير في البلاد، أولتنبت من دمائها أزهاراً بيضاء حزينة كما تقول الكاتبة، كناية على أن الحياة مجبولة على الحزن والمآسي والتضحيات والمآثر وبدونها لن تزهر الحياة أبداً. وفي عبارة لافتة في معناها الدلالي تورد الكاتبة: “فعروض النّساء الجميلات لا تُرفض” (19) وهو انتقاد لاذع للمجتمع الذكوري الشهواني المتهافت على الجنس والنساء، والذي قد يضحي البعض فيه حتى بمبادئه في سبيل الظفر بمجرد لفتة من امرأة.

وفي قصة حوريات الماء (20)

    نرى أنّ الصورة تستمد عناصرها التشكيلية من الحياة الاجتماعية في استغلال لكل العناصر الكرنفالية في القصة، والتركيز على تنشيط فعاليات النص القصصي والاشتغال على العناصر الاستعارية في مستوى الصياغات اللغوية والشخصية. فنحن هنا بالفعل أمام خطاب واقع ثقافي ومتخيل في صورة العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة في مجتمعها الأبوي، والتحرك نحو ترسيم  الصورة الممكنة التشخيص على أرض الواقع في خطاب المرأة كإنسانة معبرة عن موقفها الوجودي والإنساني، من خلال نصوص قصصية ذات صيغة فنية عالية المستوى تمتزج فيها الأسطورة (الميوثولوجيا) بالواقعية والتاريخية، وبعبارات مكثفة مشحونة بدلالات معينة ومحددة، مع قاموس من تشكيل لغوي شجي المشاعر “فنزلوا على رغبة مولانا الماء، وزفّوا له عاماً إثر عام – بعد أن أصبح غضبه موسميّاً دوريّاً – أجمل نسائهم في أثوابٍ قشيبة، واحتفالاتٍ بهيجة، كان على النّساء فيها أن يبكين ويضحين، وعلى الرّجال أن يرقصوا ويترنمّوا ويتغنوا بالتّراتيل المقدّسة” (21). كما نرى في القصة جرأة في الطرح وسخرية مرة من تضخم الذات لدى غالبية الذكور ممن يتباهون كالطواويس برجوليتهم المزعومة والمزيفة: “فانتفخت أردانه فخراً برجولته المائيّة المزعومة، وفكّر كثيراً بصنع أعضاء جنسيّة رجوليّة ضخمة له، لتلبّي أطماعه، وتتناسب مع حسد الرّجال له” (22).

     وهو ما ساعد على إعطاء النصوص نكهتها الاجتماعية الانتقادية الهادفة والأسلوبية المتميزة، تعبر عما في الذات البشرية من خوف وقلق وتوتركما في قولها: “وطالب من جديد بعروسٍ بشريّة تزفّ إليه، وإلاّ فسيغرق البشر أجمعين والأرضين، فخاف البّشر أيّما غضب، وسكنتهم ذلّة، وأرهقتهم مسكنة” (23). أي نحن هنا مرة أخرى أمام نقد مرير ممن يرضون بالذلة والمسكنة أمام المصائب والنوائب، وأمام نتاجات إبداعية في التعامل مع النص القصصي في محراب الإستيحاء لنص يتوفر على معمارية فنية محكمة مع تنشيط الفعاليات النصية، وتوجيه الدلالات في فضاءاتها السلسة، والايحاءات الذكية التي تدفع بالقارئ نحو التماهي مع النص المبدع في عوالم الارتقاء بالنص القصصي الذي يقدم مساحات مفتوحة لأفق القارئ، أي مع القراءات ذات الألوان المتعددة في عالم القراءة والتلقي.

وفي سفر البرزخ (24)

أو قصة (الخلاص الأولى) من صفر إلى…..

    يبدو أنّ الكاتبة تروي قصة الخلق الأولى دينياً في لقطات تراجيدية مثيرة يتآزر فيها المحتوى والمضمون معاً، في إشارة واضحة إلى قصة آدم وزوجته الأثيرة حواء التي أضحت أماً أثيرة لجميع البشر. وبها بدأ تاريخ الإنسان وخاصة الأنثى بكل اجتراحاته ومآسيه، الأنثى التي حملت وزر الخطيئة البشرية الأولى الأزلية دون الرجل، والتي تبدو نتائجها واستمراريتها قدراً إنسانياً لا يمكن إنهاءه.

    فاستشرى بين أبناء آدم وحواء التفاوت والمفارقات الاجتماعية الحادة، فمنهم من استحوذ على المال والجاه والرجال ونعموا بحياتهم الرخية وتسيدوا الآخرين الذين بقوا فقراء تلسعهم سياط الفقر والقهر والعذاب، فيستغل الكبير منهم الصغير ويسود القوي على الضعيف، إلى أن قيض الله للناس الأنبياء والرسل لهدايتهم إلى طريق الخير والنور والأخوة والتسامح والمساواة والعدل، وتلك طريقة الله في التعامل مع عباده لتسود الأرض العدل والسلام ولتترنم السماء والأرض بالحرية ونبذ الظلم: “وردّدت السّماء: “إنّ الله  قد جعل الظلم محرّمًا على نفسه، فرّددت الأرض : “الحرّية طريق العباد إلى الله ” (25). قد تكون هذه لوحة منسوخة بتكثيف كبير من مسرح الميثولوجيا والعقائد الدينية المفتوحة واستدعاء الغائب الى المشهود، وفيها تلتقي الفكرة العميقة مع شحن عاطفي متدفق في استهلال القارئ للنص القصصي مع رمزية المؤثرات التي تنتابه في لحظة تماهيه مع النص، واستلهامه لجمالياته وفيوضاته المتألقة في لغته التعبيرية الثرية الدلالة. ومثلها نجد نصوص المجموعة القصصية وهي تختال بسحر جذاب من حيث التعبير والمضمون معا، وتزيين النهايات القصصية ببصمة إبداعية مؤثرة لتخلف أثرها السحري في مخيلة قارئ مرهف المشاعر والأحاسيس.

وفي (ابن زريق لم يمت) (26)

     في قصة ابن زريق البغدادي هذه تهكم مر من عالم المبادئ والمفاهيم المقلوبة في هذا العصر رأساً على عقب، من خلال تجربة قصصية ماتعة ومتميزة تكمن في الجملة الحداثية الرشيقة المتوفرة على عمق الثراء الدلالي وجمالية التشكل الفني كما في: “وأنّ زوجته اللئيمة بدأت تخيط من خوص دجلة والفرات غيومًا متلبّدة” (27). والتمييز يأتي أيضاً من التضاد المعرفي الذي ورد كمعادل موضوعي للعبارة التاريخية الاجتماعية، حتى يتسنى للكاتبة إعطاء قارئها فسحة من التأمل واسترجاع الماضي،  باستخدام تقنية كسر النمطية وقلب دلالة المأثور والاشتغال على تحوير أفق الخزين المعرفي التاريخي للقارئ، وإسقاط الحدث التاريخي القديم على ما هو آني وحاضر. حيث نرى ابن زريق الشاعر البغدادي المتيم بحب زوجته والذي مات في الغربة كمداً على فراقها، يتحول إلى لص مخادع ويستغل الأمريكيين الطيبين فهو لم يمت بل يمثل دور الميت.

   وفي مشهدية شديدة السخرية من الأمريكيين الطيبين وبلغة إيحائية رامزة، يتم إحضار ابن زريق البغدادي إلى عصرنا ليتفوق على هؤلاء الأمريكيين، يخدعهم ويستولي على أموالهم وتجارتهم، ويذيقهم الويلات والمصائب. بينما في قصص ألف ليلة وليلة تتحكم شهرزاد بزوجها الملك شهريار الذي يخضع لمشيئتها ويصبح طوع بنانها. كما ينقلب مسرور السياف على ملكه ويحل ملكاً محله. ويستعد معروف الإسكافي ليصبح ملكاً ويسمي نفسه باللقب الغريب (الإسكافي الحافي). ويكتشف السندباد العباسي أمريكا بدلاً من كولومبس، وسندريلا تذهب جمالها الآسر لتوشيها الدمامة والقبح. فهذا هو زماننا وهذه هي مفاهيمه وكاريزماته المقلوبة على الرأس بدلاً من الرجلين.

    كما استخدمت الكاتبة الدرامية في مشاهد من نصوصها القصصية كما في قول الراوي:

    “سأل المدير وهو يراود غضبًا يكاد يسحقه. “ومن هو ابن زريق البغدادي هذا ؟ أهو عميل عندنا أم موظّف ؟ تكلّم سريعًا لا وقت عندي أبدّده عليك وعليه “.

قهقه الموظّف قهقهة مصنوعة بدقة، وقال: ” بل هو لص كبير، أراد أن يخدعنا، بل ويخدع كلّ النّاس والتّاريخ والشّعر الجميل وآلاف العصافير، وجعل من القصيدة التي أسمعتكَ مطلعها طريقه إلى ذلك” (28) هذه الدّرامية أعطت حركية كبيرة للنص ونوع من التفاعلية الحميمية مع القارئ الذي لابد وأنه سينجذب بزخم أكبر نحو حقول المجموعة القصصية الخصبة والوارفة الظلال. وفي (لعبة الأقدام) أفرغت الكاتبة الكثير من إبداعاتها في نسيج النص القصصي، واستعانت بالعرجاء لتكمل اللعبة بكل إتقان واقتدار بين ثلاثي لا يستغنى عن أي منهما في اللعبة.

وفي (الحكاية الأم) (29)

    نرى هذه الحكاية الاجتماعية المثيرة تعالج قضية قتل المرأة وتعرضها للذبح على يدي أهلها بشكل مأساوي مرير بدافع الدفاع عن العرض والشرف، كنتيجة لسيطرة الذكر الفحل على العائلة في المجتمعات العربية البطرياركية الذكورية بامتياز، حيث للذكر الكلمة الأولى والأخيرة وهو سيد الموقف والآمر الناهي ولا وجود للأنثى ولا بصيص أمل لها في حضرته، فهي مخصصة للإنجاب وقضاء شهوة الرجل ليس إلا مهما تكن المرأة مفيدة لعائلتها ومجتمعها، ومهما تكن أكثر ثقافة ونبلاً ورفعة من الذكر الشقيق، رغم هذا تبقى تحت إمرته وفي حماه وخدمته مهما كان الأخ الذكر ضعيف الشخصية وفي سحنته سوء المنظر والمخبر، ولا يجيد من أمور الدنيا إلا الكسل والتراخي.

وفي (الحكاية المأساة) (30)

    جاء العنوان في هذه الحكاية معرفاً ليعبر عن الحكاية المعروفة في الوطن العربي ولدى شعوب الشرق عموماً، وهي الحكاية التي تذهب ضحيتها كل عام الآلاف من النساء ذبحاً على أيدي ذويهن تحت هذا المسمى المجلجل ذكورياً وهي – كما قلنا – الحفاظ على الشرف وغسل العار. وبسبب عذابات المرأة والمعاناة التي تلاقيها تحت التهديد الدائم للسيف المسلط على نحرها في جرائم ما يسمى بغسل العار، توجه الكاتبة انتقاداً لاذعاً للمجتمع الأبوي والسلطة التي تسهل دوماً على الجاني فعلته فتخفف عنه أحكام السجون بكل بساطة وأريحية وبغرامة مقدارها قرش لا غير فتقول: “تتشابه تفاصيل كلّ الحكايات المأساة، إذ تعلّقت بشرف زُعم أنّه هدر على يدي امرأة خاطئة، إذ تقول الحكاية دائماً…وهكذا خسرتْ شرفها… والشرف المهدور لا يعوّضه إلا الدم المسفوك… فتسلّلّ ذكَرٌ، ما اسمه… في ليلة معتمة… وقتلها… فغسل بدمائها شرفه المطلّخ بالعار. وسلّم نفسه للقضاء، الذي كان به رحيماً، ولموقفه متفهّماً، فحكم عليه بشهرٍ من العمل الشاق، وبغرامة مقدارها قرشٌ لا غير… فأرواح المخطئات لا تساوي الكثير…” (31)

   هكذا نرى أن الأخ ينهش لحم أخته ولا يريدها أن تكون أعلى منه مقاماً وأكثر منه مكانة في مجتمعه ولدى أهله وأقرانه، فيبادر إلى قتلها بعرف طقوس الدم المتوارث وإلصاق تهمة الخيانة بها: “فهي قد أهدرتْ شرفها وِفْق زعمه، فاستحقّتِ الموت بعرف طقوس الدم المتوارثة”(32). أما من حيث الجانب الفني في هذه الحكاية وفي غيرها فنجد النص المحبوك بإتقان وسلاسة وعذوبة، والدربة المتميزة، وأسلوب السرد القصصي المتناسق العبارات، وجمالية التركيب بلقطات تلفزيونية في غاية الإثارة والإتقان، مع تشكيل الصياغة الأدبية في طقوس ولادة النص ضمن خزين المصادر المستوحى من فيوضات الواقع الاجتماعي – التاريخي، وفي ضوء ابداعات الكاتبة الأدبية وخطوط بصماتها الخبيرة على النص المفتوح دوماً، بما يعكس معطيات ثقافة المجتمع في فضاءات شيفرات رمزية متباينة المحتوى، والتحليق في لانهائية اللغة الإيحائية لتأتي القصص كسفر مليء بالحركة والديناميات المتواترة، ومؤثرات نفسية عالية الأحاسيس ضمن سيادة اللغة الاستبدادية للمجتمع الذكوري وقوانينه المعادية دوماً للمرأة.

في حكاية (قاموس الشيطان) الباء: بدا(33)

     هذه المجموعة من الحكايات المندرجة تحت هذا العنوان الغرائبي المثير(قاموس الشيطان) تدفع القارئ نحو الريبة والشك وتعمل على كسر أفق توقعه، بينما الحكايات المتولدة عن قاموس الشيطان تبدو كمجموعة من الحكايات القصيرة جداً (ق.ق.ج)، تتخذ كل حكاية من أحد الحروف الأبجدية عنواناً فرعياً لها، وكلها جاءت بأسلوب في غاية الطرافة والإيحائية والتشويق بعيداً عن التقريرية والمباشرة، وهو ما يمثل في جملة معطيات التجربة المتميزة لسناء الشعلان، ولذلك قلنا أن سناء تتعب قارئها اللاهث وراءها ليلتقط أي شيء ينسكب من إبداعاتها الشفيفة ليتوصل إلى حزمة من المعاني الإيحائية في مضامين قصصها الثرية الدلالة ودقة التعبير. ويبدو أن الكاتبة تعالج في هذه القصة إشكاليات العولمة والحداثة أوالغزو الثقافي لمجتمعاتنا العربية وأثره على الأفراد والمجتمعات والشعوب النامية عموماً وعلى التراث العربي خصوصاً، وكنتيجة لكل هذا الحدث الذي اجتاح العالم العربي كمرض وبائي فتاك تقول سناء: “بَدا المرض غريبًا فتّاكًا، يهاجم الأجساد بشراسة مخيفة، ويلعن الماضي” (34). وسرعان ما ينسى المرء الذي يصيبه هذا المرض العضال ماضيه وقيمه ومبادئه التي تربى عليها، ويفقد الإنسان إنسانيته على دروب العولمة المتوحشة، بحيث يتحول المرضى المصابين إلى قطيع من الأغنام تماماً، والذين سوف لن يشعروا تحت تأثيره بإنسانيتهم وأصالتهم والاعتزاز بتاريخهم المجيد وبصمتهم الثقافية وحضارتهم وتراثهم الزاهر العريق، ولن يعاد إليهم إنسانيتهم ومآثرهم على مر العصور والدهور إلا بنشر الوعي بين هؤلاء المرضى وإعادتهم إلى رشدهم والعودة إلى تراثهم وإنسانيتهم كما أرادت الكاتبة القول: “حيث تتبنّى دول كوكب الأرض برامج توعية لكلّ المرضى، لتقنعهم بأنّهم أغنام، في غياب ذاكرة تسعفهم بحقيقة أنّهم مِنْ بني الإنسان” (35). نعم ذاكرة تسعفهم على أنهم من بني الإنسان، لأنهم خرجوا عن أطوارهم إنسانيتهم بعدما نسوا تاريخهم، وأمجادهم، ومآثرهم.

وقصص (أحزان هندسية)  (36)

   هذه العناوين المؤلفة من كلمتي/ أحزان + شكل هندسي/ جاءت بصياغة لغوية غرائبية وانزياحات تجمع بين ما هو حسي وما هو مادي، واستخدام الأنسنة والتشخيص في السرد القصصي وفي الرؤية والتعبير، حيث نجد أن جميع القصص المتوالدة عن العنوان الرئيسي مقترناً بأحد الأشكال الهندسية ومترافقاً بعبارة الأحزان – كأحزان نقطة المركز – أحزان خطين متوازيين –أحزان المثلث – وأحزان مربع – وأحزان دائرة وهلم جراً. وفي مكان آخر وسمت الكاتبة إحدى قصصها بعنوان شيق وجميل مستخدمة مرة أخرى المرجعية الدينية كما في (النفس الأمارة بالعشق)، فهنا تحوير واضح لموروث الدين الإسلامي (النفس الأمارة بالسوء) لتصبح النفس لدى سناء أمارة بالعشق وليست بالسوء، وهي عبارة انزياحية وصورة نفسية مفعمة بالرشاقة والجمالية الفنية وسلاسة التعبير، ومن هنا نكرر بأننا نرى أنفسنا على الدوام أمام انعطافة فنية حقيقية وجديدة في تجربة القاصة سناء الشعلان، سواء على مستوى المضمون القصصي، أو الخيال المحلق، واللغة الرامزة، أو الحلم، والإدهاش، والميثيولوجيا التي تروي قصة الإنسان في هذه الحياة بكل مسراتها وأحزانها وتناقضاتها المدهشة.

وفي أقاصيص (خرافات أمي) (37)

    تحت هذا العنوان توجد خمس قصص قصيرة جداً أسمتها الكاتبة بالخرافة الأولى، الثانية، الثالثة…الخ. وهي حتى وإن جاءت تحت اسم الخرافات، فهي خرافات هادفة بطريقة الغمز واللمز والإيحاء والرمز، وتبدأ الخرافات بعبارة: قالت أمي نقلاً عن الخرافة. للإيحاء بأنها ليست من نتاجات الأم بل أنها خرافات شائعة بين الناس. وكل خرافة مذيلة بلوحة هامشية مثيرة للعواطف وتحريك المشاعر تجاه الأنثى وبشكل يدعو إلى الرثاء والأسى معاً، وفيها تظهر الكاتبة ببراعتها المعهودة في القص الحيف الذي يلحق بالأنثى في مجتمعها الأبوي الضاغط من خلال لوحات فنية غنية بمضمونها وبصياغاتها اللغوية المتدفقة حركية وحيوية. وسنتناول منها الخرافة الأولى والخامسة حتى لايطول بنا الدرس والتحليل.

تبدأ الخرافة الأولى بجملة: “قال يخضور”(37)، وهو بطل الخرافة الأولى والخضرة دوماً هو دليل البراءة والخصب والنماء، لقد كان يخضور مثال البراءة والطهارة وطيب القلب، فأهدته الغابات من خشبها مزماراً يعزف عليه إمعاناً في حسن الخلق وطيب المعشر والمخبر، لكن الشر يكسر له مزماره حسداً منه، وكرد فعل لدى يخضور تحول بدوره إلى شرير. إنها الصراع بين الخير والشر إذاً وفساد البيئات الاجتماعية التي تخرج الإنسان عن طوره وتدفع به نحو الجرائم والمعاصي. ولكن اللوحات الهامشية لكل خرافة هي التي تثير العاطفة والحزن والأسى على الأنثى واضطهادها العنيف من جانب مجتمعها الذكوري، وخاصة إذا كانت المضطهدة هي الأم بكل حرمتها وجلالة قدرها لدى أبنائها ومجتمعها، ففي هامش الخرافة يرد وصف آسر ومحزن في آن عن حال الأنثى وحظها في الحياة على أيدي الرجل، أو أهلها وأقربائها في صياغة مسبوكة في عبارات في منتهى الإثارة والإدهاش كما في هامش الخرافة الأولى:

    “لكن أميّ سمحتْ لنفسها بأن تحلم بسنٍّ ذهبيّة، يفترُّ عنها فمها القرمزيّ الدّائريّ كخاتم سحريّ، وقلما يسمح لها أخوها الثاني بالتّرتيب أن تبتسم، إذ ابتسامتها تذكره قهراً بضحكات العاهرات اللواتي يسافدهن بالسّر في ملهى المدينة” (38). وهو نقد لاذع ومرير لثقافة المجتمع الذكوري الذي يحرم المرأة حتى من أحلامها الوردية ومن ابتساماتها الشفيفة البريئة، تلك الابتسامات التي هي نبع الحنان من فم قرمزي دائري كخاتم سحري عجيب.

    وفي الخرافة الخامسة، نرى الكاتبة تبدو فيها مولعة بالخير والحق والعدل في هذا العالم المليء بالظلم والعسف والجور، ففيها تمجيد للحق في صورة فتاة تنقذ أوطانها وشعبها من الأعداء وتعمل على جلب الخير والبركة لهم، فالخير دائماً هو العدل واليمن والبركة، ونقيضه غزوات وحروب وسبي للذراري والنساء وقتل للرجال ونهب للأموال…. لهذا على الساهرين على الحق ألا يناموا ويغفلوا عن هذه المكرمة الالهية للبشرية “إذ لا يجوز لكلمة الحقّ أن تنام”(39).

   كما يرد في هامش الخرافة الخامسة للقصة المحزنة التي ترافق الأنثى أينما حل ورحل في هذا المجتمع الأبوي المغلق على نفسه ما يلي: “أميّ أُجبرتْ على هجر كتبها وصفّها ومدرستها بعد موت أمّها لتعتني بالأخوة والبيت، وترعى الأحزان، ولكنّها لم تهجر قلمها قطّ ، وبقيت تكتب في دفترها المهترئ القديم آلاف القصص، وتحلم بأن تدبّ فيها الحياة، وتصبح حقيقة، لكنّها لم تفعل، وماتت محروقة في موقد البيت على يديّ الأخوة الذين رأوا في احتراف أختهم الكتابة عاراً لا يُمحى” (40).

وفي قصتها الأخيرة من المجموعة الموسومة بـ (مليون قصة للحزن)(41)

    ترى الكاتبة بأنه علينا ألا ننسى بأن لكل منا قصة محزنة في هذه الحياة، وأن من يتقن عمله ويفنى في عمل الخير للناس ويشارك في حمل همومهم وأحزانهم وأتراحهم لاشك سيصل إلى قمة مبتغاه من فعله الخير حتى دون أن يدرك أنه أدركه، فالجد في العمل والتفاني من أجل الآخرين بكل تجرد وإخلاص هو السبيل الوحيد للوصول إلى ذروة الحق والحياة الإنسانية المنشودة. فبطل القصة الذي حاول تدوين مليون قصة عن أحزان الناس وآلامهم ولكنه مات حائراً مهموماً، لأنه لم يحصل على القصة الأخيرة والتي بها يكتمل العدد مليون دون أن يفطن أن سيرة حياته هي قصة المليون: “قبل رحيله الأبدي الأخير كان مايزال يجهل أنّ قصة حياته المختزلة في جمع أحزان النّاس، وتدوينها هي القصة المليون لرحلته المثقلة بالهمّ والضّنك والحرمان الذي  تمثّل في أن لا يعرف أنّه قد أدرك غايته ورهانه حتى وإن جهل ذلك!!”(42). وهي لفتة ذكية عادت بالقارئ إلى كسر أفق توقعه أو ماذا سيحدث للبطل وكيف سيكمل قصته المليون.

     هكذا، استطاعت الكاتبة سناء الشعلان بمجموعتها القصصية (تراتيل الماء) أن تتحفنا بالعبارة الرشيقة، والصياغة الفنية الجميلة، والتناسق في المبنى والمعنى، والانسجام بين الشخصية والحدث الذي تمثله، وتجاوز النمطية القصصية، واختراق المألوف اللغوي. وبهذا أثبتت نفسها بجدارة واستحقاق كصاحبة تجربة قصصية جديدة ومبتكرة تتميز بالكثير من البراعة والجمال، ملبية طموحها في الصعود نحو عوالم التجديد والتغير، واعتماد الإيحائية في القص وكشف المسكوت عنه بأسلوب فيه الكثير من الانسيابية والسلاسة والعذوبة. وقد لمسنا كذلك لدى الكاتبة ثقافة موسوعية تتوفر على التاريخ والميثيولوجيا والتراث واللغة والأدب. كما تكشف لنا الأديبة سناء عن طريق متخيلها السردي مآسي الإنسان وعذاباته، وطموحاته، والزوايا المعتمة في سيرة حياته  التي هي الحلم الإنساني الذي لم يتحقق والجهاد الذي لم يثمر بعد، مسبوكة في لوحات نابضة بالمشاعر والجمال في رحلة باطنية عميقة الغور في عوالم اللغة الرامزة والتعبير الانيق.

ومن هنا يمكن إعطاء بعض سمات التجربة القصصية للدكتورة سناء الشعلان متمثلة بالآتي: عدم تسمية بطل القصة والاكتفاء بـ (هو أو هي أو كان…الخ). أي أنّ أبطالها غير موسومين كجنود مجهولين وأنها تعتمد في تعريفهم بقرائها غالباً بالعبارات التالية: كان دون أقربائه – هي ليست مخلوقة من ماء الأرض – تعلمت من البحر – هو يشبه البحيرة – لايجيد السباحة – كان يخضور…. وهذه تقنية جديدة لتجربة مبتكرة مفعمة بالإبداعية، مما يعطي القارئ فسحة للتفكير والتفاعل مجريات السرد القصصي والتلذّذ به. وهناك التوليد القصصي والعنوان المشترك وهذا بحد ذاته نوعية إبداعية مميزة في تقنية السرد القصصي، ثم الهوامش المعبرة، والسرد بتقنية التبئير الخارجي أي الرواية بضمير الغائب،  واعتماد الموسيقى والإيقاع الشجي المنبعث مما بين العبارات والسطور، والتكثيف وعمق الثراءات الدلالية، ثم الدرامية والرمز والإيحاء.. ولهذا فكل قارئة أو قارئ بإمكانه أن يعتبر نفسه أحد أبطال قصص تراتيل الماء لسناء الشعلان بدون تحفظ.

_______________________________________

 الهوامش:

  1. سناء شعلان:تراتيل الماء،ط1،دار الوراق للنشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة الأردنية،عمان،2010،ص11-12.
  2. نفسه:ص11.
  3. نفسه:ص13-14.
  4. نفسه:ص14-16.
  5. نفسه:ص14.
  6. نفسه:ص16.
  7. نفسه:ص16-17.
  8. نفسه:ص16..
  9. نفسه:ص17.
  10. نفسه:ص18.
  11. نفسه:ص19.
  12. نفسه:ص21.
  13. نفسه:ص21.
  14. نفسه:ص25.
  15. نفسه:ص25.
  16. الأنبياء- 30.
  17. التكوين: الإصحاح الأول.
  18. سناء شعلان:تراتيل الماء،ص27.
  19. نفسه:ص27.
  20. نفسه:ص28.
  21. نفسه:ص28.
  22. نفسه:ص29.
  23. نفسه:ص30.
  24. نفسه:ص 47-49.
  25. نفسه:ص48.
  26. نفسه:ص53-56.
  27. نفسه:ص55.
  28. نفسه:ص54.
  29. نفسه:ص75.
  30. نفسه:ص78.
  31. نفسه:ص78.
  32. نفسه:ص73.
  33. نفسه:ص81.
  34. نفسه:ص81.
  35. نفسه:ص82.
  36. نفسه:ص103.
  37. نفسه:ص113.
  38. نفسه:ص113.
  39. نفسه:ص117.
  40. نفسه:ص117.
  41. نفسه:ص129.
  42. نفسه:ص131.

……………….. *****……………….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here