الخطاب الجنسي في الرواية النسوية الأردنية (أعشقني – سناء الشعلان، أنموذجًا) “دراسة في أنماط النعت للسانيات النص

Vol. No. 1, Issue No. 3 (Special Issue) - July-September 2021, ISSN: 2582-9254

0
82
الخطاب الجنسي في الرواية النسوية الأردنية 
(أعشقني – سناء الشعلان، أنموذجًا)
“دراسة في أنماط النعت للسانيات النص

بقلم

عماد علي الخطيب 
متخصص في منهجية التحليل والنقد

————————————-

ملخص البحث:

رواية الجنس النسوية هي إحدى روائع السير الإبداعية النسوية التي ترسل رسائل الحب، والسياسة، والمجتمع، وتُقدِّم حَلا لبعض المشكلات النسوية، وتشهد على صناعة واقع جديد، وفيها الشائع والنادر والغريب والمتداول، ويمكن عدها تكرارًا لصور مفضوحة وذات مغزى.

إننا إذ ندرس رواية الجنس النسوية؛ لندلل على العلاقة التي ترسمها المبدعة بين (الشخصية، وصوتها، ودالتها، ومدلولاتها، وتفسيرات كلامها، وما يحيط بلغة الجسد من حواليها) ونشهد أن المبدعة/ الساردة تبذل جُهدا في تشكيل ذلك كله؛ لأنها تكون حذرة من جهة، ولأنها تخرج لنا عمل سيناريو لروايتها بما ترسمه من أحداث ومشاهد تريد لرواياتها أن تتميز بها من جهة أخرى.

يتهم البعض رواية الجنس النسوية بأنها تتجاهل أدبيات المهنة وتقترب من الوقاحة، والأمر ليس كذلك، فيتناسى هؤلاء أنّ المبدعة/الساردة في مثل هذه الروايات هي المتهمة وهي المحامية معًا، وأن عليها أن توصل الحقيقة، وما لا يصل من خلال التعبير المباشر، فإنه قد يصل من خلال التعبير غير المباشر! إنه نمط من الكذب الفني البلاغي المحسِّن.

وتجيب رواية الجنس النسوية عن حقيقة الهوية الجندرية، وتكتب بلغة يمكن وصفها بـ (+18)، وترفض الاتهام، وترفض تعيين محامٍ لها، وتخفي وراء ألفاظها معاني يمكن فهمها من خلال قراءة ما تستدعيه من لغة تنتمي إلى التراث أو الأسطورة أو مسرح اللامعقول – تخفي حقائق مصيرية كبرى، وأخيرا تستحق أن يكون مكانها الأولى روائيًّا بجدارة.

مدخل:

تتخذ سناء الشعلان من (النعت) أداة لغوية لوصف أفكارها التي تقترب من تصوير سيرتها الفعلية من وجوه مختلفة، فتبدو مشاهدها في النعت السّيري صورة معادلة لسيرتها الواقعية كما تعرفها ولسيرة غير واقعية/ أسطورية المشهد؛ تتناسب مع أحداث الرواية المؤرخة عام 3010م.

فتعيش المبدعة السّاردة حالة من الوقوف في منتصف الطريق، بين سيرة حصلت معها وتراها تستحقها، وسيرة حصلت معها كذلك، وتراها لا تستحقها، فما حصل مع (شمس) يعادل موضوعيًّا ما قد يحصل مع أي أنثى، وصاحبتنا السّاردة واحدة منهنّ، ونتوقع أن يكون من بين المكتوب في الرواية الكثير من سيرة الكاتبة وما حصل معها على وجه الحقيقة ولكنها كتبته ممزوجًا بلغة الخيال، اقرأ مثلا صفحة 150، واقرأ سردها عن رواية (شمس) المتمردة الجميلة، وكيف تروي لنا أنها متخصصة في “أدب الخيال العلمي”/113، وأن عندها “موهبة في كتابة قصة الأطفال”/114، وتصف قرّاءها بالجيش الكبير المتنامي/115، وكل هذا يتماس مع حياة سيرة الروائية الساردة على أرض الواقع.***

ملخص الرواية:

تتحدث الرواية عن (البطل الأول) وهو ضابط اسمه (باسل)، وقد وجد نفسه فجأة بعد عملية جراحية بدماغه الذكورية/الأصلية، وجسدٍ أنثوي/بديل؛ لأن الطبيب أراد إنقاذ حياته بعد أن تعرّض إلى حادث مميت، فنقل دماغه/الذي ما زال حيًّا، إلى جسد (البطلة الثانية في الرواية) وهي امرأة اسمها (شمس) ماتت في مواجهات دامية مع حكومة المجرة الكونية، تقول السّاردة:”ولذلك عليه أن يقبل بأن يدسّ روحه ودماغه في هذا الجسد الصغير على كُرْه أو رضا حتى ينجو بحياته”/26.

وتقول الساردة: إنه كانت امرأة اسمها (شمس) حاملا، وماتت، وكان موتها سببًا في إعادة الحياة إلى (باسل المهري) الذي زرع (الطبيب الآلي) دماغه الحي في جسدها!

تجربة هي الأولى من نوعها في المجرة الكونية، وجرت عام 3010، وهو عام أحداث الرّواية، وبعد العملية، عشق (باسل) جسده/جسدها الجديد،  تقول السّاردة على لسان باسل: “وحده جسدها هو من استطاع أن يهزمني”/55، حتى صار “هو هي أو هي هو أو كلاهما هما أو كلاهما ليسا هما”/50، وتقول الساردة على لسان (باسل) بطل الرواية: “فأنا بتّ أعرف عنها كلّ شيء تقريبًا”/61، فتلك كانت فكرة تسمية الرواية بـ(أعشقني).

وعشق(باسل) جسد (شمس)/ النبيّة، وهو نعت من (خالد)/زوجها، ووالد جنينها المنتظر (ورد)، وقد روى (باسل) قصة (شمس وخالد) من خلال قراءته لمذكراتها التي دونتها في (الحزمة الضوئية) ووجدها بجانبها في المستشفى، وهي رسائل وجهها (خالد) إليها، وقيل هي كتبتها إلى نفسها على لسان (خالد) كأنه هو الذي كتبها إليها.

أما (ورد) فهو الجنين الذي ما زال في بطن (باسل/شمس)، وهو الجنين الوحيد الذي كان حصيلة لقاءٍ جنسي تقليدي أسمته الساردة “الفعل الجمالي المنقرض/179″، على غير عادة أهل المجرة الكونية التي تعيش بها (شمس) إذ كان الجنين يتكون من لقاح إلكتروني!

وجرى اللقاء بين (خالد) و(شمس) على سطح القمر! بعد أن أحبّا بعضهما، وكانا قد تعارفا عبر (شبكة التواصل الذرية)، ثم اقتنعت (شمس) بالذهاب مع (خالد) إلى القمر عبر (مركبة نقل جماعي)، ثم اختفى(خالد) عن (شمس)، قبل أن يعرف بأمر حملها لـ(ورد).

ولـ(شمس) زوج آخر تزوجته (في مجرّتها) على شاكلة زواج المصلحة بين عائلتيهما، واسمه (بيرق نوفل الأشقر)، وقد تقدمت (شمس) بطلب طلاق منه إلى (محكمة المجلس القضائي الكوني) في (مجرتها الكونية)، ولكنّ المحكمة لم تستجب لعدم شرعية الطلب.

بدأ الصراع الخارجي مع (شمس) حين اتُّهمت بتطويل شَعرها؛ وكان هذا الأمر ممنوعًا ومخالفًا لقوانين مجرّتها، ومن هنا بدأت رحلتها مع (التمرّد)، إلى أن دافع عنها المحامي(نوفل العاتي)، وأخرجها من السجن، مشروطًا بلمّ شعرها في الأماكن الرسمية، وفي إحدى المرّات التي رفضت فيها دفع الغرامة، قُصّ شعرُها، وألقيت في السّجن؛ الذي كان سببًا في كتابة روايتها المتمردة التي تحدثت عن (سير أصحاب الشعر القصير)، وقد ضمّنتها أجمل الأفكار التي قرأتها عبر مطالعاتها الطويلة.

وكانت تهدف من تأليف روايتها إلى تثوير الشعب ضد وجود حكّام المجرة المفرّغ من الروح والسعادة والذاتية، في العالم الإلكتروني المبرمج – الذي ابتدعوه – وفق ما تقتضيه خارطة مصالح رجالات حكومة المجرة!/113، وينتهي بذلك الصراع الخارجي مع(شمس) عند هذا الحدّ.

أما الصراع الداخلي فكان بين (باسل) و(شمس) التي كانت هي هو، وكان هو هي! إلى أن رضي بها جسدًا “فصار بعق ذكوري وجسد أنثوي”؛ ولبس ثوبًا نسائيًّا ورديًّا كبيرًا يلائم حمله، الذي نعته بـ: “الفضفاض”، وتزيّن ببعض مساحيق التجميل النسائي… إلى آخر ما تفعله النساء في مثل حالته وهو في المستشفى ينتظر المولود الجديد!/156.

ولمّا حضرت زوجة (باسل) وابناه إلى المستشفى حيث المكان الذي دارت به أحداث الرّواية، وأخبرها الطبيب بأنه خلال العام القادم يمكن أن يحصل (باسل) على جسد ذكوري مختار بعناية، قاطع (باسل) كلامهما قائلا: “أنا لن أستبدل أي جسد بجسدي… وهذا الطفل القادم هو ابني”/157.

اتهمته زوجته بالجنون، وضحك من كلامها، غير مبال بما سمع منها، ومتجاهلا إياها، وقرر أن يسافر إلى (القمر) ليلد (ورد) هناك حيث أقاربه الكُثُر! ورفع رأسه إلى السماء قائلا: “يا رب ساعدني”/198 معلنة الساردة نهاية فصول الرواية.

ولقد عنونا البحث بـ

الخطاب الجنسي في الرواية النسوية الأردنية

)أعشقني – سناء الشعلان، أنموذجًا(

“دراسة في أنماط النعت للسانيات النص”

لأنها تفضح لنا سيرة غير واقعية لامرأة واقعية! بأسلوب الجندرة الذي يضع حدا فاصلا بين (الذكر والأنثى)، فتجتمع في سيرة السّاردة المبدعة سناء الشعلان ثلاثية “الله – الحبّ – الجنس”/150، 176؛ وتارة تصبح الثلاثية بترتيب مختلف”الحب – الجنس – الموت”/180. اقرأ قول الساردة:” خالد يملك معادلة غريبة من الحب والدعم والإقدام والإحجام والخوف والرجاء والقوة والعطاء والتمني والتمنع والغيرة والتفهم والإدراك والفناء والامتداد”/134. ***

منهج البحث:

سندرس الرواية وفق المنهج اللسانيّ، وسنوزع الدراسة على جانبين: لغوي، ومضموني، وسنختار من الأساليب اللسانية (النعت)، ونربطه مع بعض أنماط لغة كتابة الرواية لسانيًّا مثل: التكرار، والاستدعاء، مع التركيز على دراستنا لمضامين الرواية وعمودها (الجنس) الذي اتخذنها عنوانًا، وربطنا به مختلف مضامين الرواية.

وسندرس في الرواية نمطين معروفين عامين من أنماط النعت هما: (النعت المفرد والنعت الجملة) وسندرسهما لسانيًّا ضمن حقلين هما (الإجبار والحشو)، ونوزع النمطين على الحقلين فينتج عندنا نمط أول هو (النعت الإجباري المفرد) ويمكن تعريفه بـ: ” النعت الذي لا يُفهم المنعوت إلا به، وتقصده السّاردة؛ لأنه يساهم في إيصال هدف روايتها”، (ولا ينسى قارئي أننا نتحدث عن رواية سناء الشعلان ذات الفضاء الزمني المكتوب لتصوير مشاهدها من عام3010م الزمن المستقبلي الذي لم نصله بعد)، اقرأ قول السّاردة: “بهذا المرض الحمل”/48، فنعت(المرض) بـ(الحمل) نعت غير تقليدي؛ لأن الحمل ليس مرضًا، ولكنه بالنسبة إلى (باسل/ الرجل الذكر) هو مرض! وهو بهذه الصورة نعت إجباري مفرد، وقد تكرر نعت الحمل غير مرة في الرواية/54، 60.

ومن أمثلة النعت الإجباري المفرد قول السّاردة: “الطبيب الآلي”/78، و”التواصل الفضائيّ”/84، و”الماسح الذّري”/86، و”عدل أوتوماتيكي”/156؛ لأننا نفهم معنى مقصودًا من خلال نعوت (الآلي)، و(الفضائي)، و(الذّري)، و(الأوتوماتيكي)، وقد ساهمت هذه النعوت في إيصال هدف الرواية ومغزاها في أكثر من مشهد.

أما النمط الثاني فهو (النعت الإجباري الجملة) ويمكن تعريفه بـ: ” النعت الذي لا يكتفي منعوته بمفردٍ كي نفهم مقصوده، بل يحتاج إلى جملة، وتكون الجملة مقصودة من السّاردة؛ لأنها تساهم في إيصال هدف روايتها”، مثل قول السّاردة: “وهو آخر ذكر يملك مثل هذه القُبَل في هذه المجرّة”/78.

وهناك نمط ثالث موزع على نعتي (المفرد والجملة) وهو (النعت الحشو) ويمكن تعريفه بـ:” النعت الذي يمكن للقارئ استبداله، حسب الحالة النفسية التي استنتجها لشخوص الرواية”، والحشو ليست صفة ذميمة، بل هي صفة دلالة، مثل قول السّاردة: “ميكانيكية متقنة”/48، وقولها: “نبيّ الإنسانيّة المُخلّص المُنتَظر”/97، وقد يتتابع النعتان المفرد والجملة ويكون أحدهما من نمط الإجباري، والآخر من نمط الحشو، مثل قول السّاردة: “بحيرة أسطورية تسكنها مخلوقات موحشة”/65؛ فنعت (الجملة: تسكنها مخلوقات موحشة) من نمط (الحشو).

وقد يتتابع النعتان (المفرد والجملة) ويكونان كلاهما من نمط (الحشو) مثل قول السّاردة:” مؤامرة حقيرة تحاك في الظلام”/21، فنعت(حقيرة) المفرد ونعت (تحاك في الظلام) الجملة كلاهما من نمط الحشو، ومن نعت الحشو ما يتعدد، مثل قول السّاردة: “المجلس القضائي الكوني الأعلى”/64، فنعت(الكوني) و(الأعلى) من نمط المتعدد ومن نمط (الحشو) أيضًا.

وهناك نمطان للنعت معروفان يمكن استثمارهما للدراسة اللسانية هما (النعت الواحد والنعت المتعدد)، وتعدُّد النّعت نمطٌ لسّانيٌّ يُدْرَس ضمن لغة الرواية، ومن النعت الواحد قول السّاردة: “الأوراق الرسمية”/80، و”عاشقًا متفردًا”/86، ومن النعت المتعدد قول السّاردة: “سماء عليلة”/81، وقد تَفْصِلُ السّاردة النعوت المتعددة بـ(واو) عطف؛ للدلالة على انفراد كل صفة بميزة مستقلة عن المنعوت، فنعتت (الأسد) بنعت واحد، ثم عطفت نعتين بواو العطف، فقالت: “مفترس ومتوحش وقوي”/80.

ومن أنماط النعت(النعت المكتمل) ويمكن تعريفه بـ” النعت الذي اكتفى بكلمته أوجملته واكتمل معناه”، مثل الأمثلة السابقة كلها التي حملت أنماط النعت (المفرد والجملة والواحد والمتعدد والإجباري والحشو)، ومنه قول السّاردة: “بهذا الجسد الصغير النحيل الأسمر”/19، فاكتفت بنعت(الصغير) وحده ولا يحتاج  نعتها لنعوت بعده كي نفهم معنى المنعوت، وإن نعوتي (النحيل) و(الأسمر) كلاهما نعتان مكتملا المعنى وحدهما، مع أهمية ورود النعوت الثلاثة على لغة (النعت – المتعدد).

وربما لايكتمل المعنى بنعت أو نعتين، فتحتاج الساردة إلى نعت ختامي يفصل في المعنى، ويلفت انتباه القارئ كثرة اعتماد الساردة على لغة النعت، لما توضحه من معنى تحتاجه الساردة وهي تصور لنا مشاهد من عام3010 المستقبلي الذي تتنبأ به مشاهد غير موجودة في واقعنا المعيش، فكانت لغة النعت لغة صادقة وذات معيارية خدمت الساردة في توجيه المعنى حيث تريدنا أن نفهم.

إقرأ كيف احتاجت الساردة إلى نعت ثالث ينهي المعنى ويوجهه بعد نعتي (الصغير+الأسمر)، والحديث عن مشهد زوجة (باسل)، حين نعتت جسده الأنثوي/ الجديد، أثناء زيارتها له في المستشفى قائلة:” هذا الجسد الأنثوي الأسمر الصغير المنفّر”/ 158؛ فجاء نعت(المنفّر) واصفًا الحالة النفسية التي تتجسد في زوجة باسل، حين أعلن أنه لن يعود إلى جسده الذكوري، وأنه يرفض حياته الماضية ويعشق حياته الجديدة.

والنمط الثاني من النعت هو (النعت الناقص) ويمكن تعريفه بـ:” النعت الذي لا يكتمل معنى منعوته إلا من خلال ما يأتي بعده”، مثل قول السّاردة: “ملامحها الغارقة في سلام عجيب”/ 19، فنعت (الغارقة) لم يكتمل إلا من خلال شبه الجملة (في سلام عجيب)، وقد تكرر النعت نفسه في الصفحة نفسها ولم يكتمل معنى منعوته إلا بما بعده، وهو قول السّاردة: “الشقرة الغارقة في حمرة شهية متوارثة في جينات أسرتي”/19، فهناك نعتان الأول(غارقة) ومعناها مع منعوتها لم يكتملا إلا من خلال شبه الجملة (في حمرة)، ونعت (متوارثة) لم يكتمل معناها مع منعوتها إلا من خلال شبه الجملة (في جينات أسرتي).***

دلالة أسماء الشخصيات:

سندرس دلالة أسماء الشّخصيّات دلالة لسانية، ونربط الدلالة مع لحظة ظهورها في زمن (الرواية السردي) وليس في زمنها المتسلسل، ثم نهتم لسانيًّا بالشكل الذي أوردت السّاردة اسم شخصيتها مكتوبًا إما (منفردًا: الاسم الأول)، أو(مزدوجًا: الاسم الأول واسم الأب)، أو(ثلاثيًا: الاسم الأول، واسم الأب، واسم العائلة).

ولأن “الزمن الروائي” مختلف عن “زمن السرد”، فيمكن دراسة ارتباط لحظة ورود اسم الشخصية مع “حدثها”، ويمكن عدّه الحدث الأهم؛ لأن السّاردة اختارته؛ ليرد اسم شخصيتها من خلاله، وغالبًا ما يبقى هذا الحدث عالقًا في ذهن القارئ.

لقد ربطنا دراسة الاسم المنعوت مع نعته، إذ شكّلا معًا (الاسم المنعوت ونعته) اسمًا لشخصية تهتم السّاردة بذكره في لحظة سردٍ مميزة، تُضمّنها دلالة ما؛ والبداية مع اسم (خالد رامي الأشهب)؛ فخالد رمى رماية الأشهب وأصاب في رمايته وصارت جنينًا فصار اسمه (خالد رامي الأشهب)، وقد استثمرت الساردة اسمه حين نعتت يده وهي تلمس (شمس) بـ “يد الخلود”/194.

أما (باسل) فقد كان ضابطًا ماهرًا وهو في الأصل باسل قويّ فصار اسمه (باسل المُهري) وهو أول اسم ظهر في الرواية نسبة لزمن الرواية/34، ثم يتكرر ذكر اسمه الأول (4) مرات، ثم يختفي ذكر اسمه لكنه يبقى حاضرًا في السّرد حيث يروي لنا في كل مشهد توسط رسائله مع (شمس) حكايته مع الحمل وتأثره بواقعه الجديد، ليعود اسمه الأول في الظهور مرة أخرى بعد حوالي 89 صفحة، وظهر (باسل القديم) مرتين قبل أن تترى الرواية بظهور (باسل الجديد)/47.

ويمكن دراسة الأثر اللساني المصاحب لـ (تداخل الأصوات)/82؛ إذ على القارئ أن يتنبه إلى كلام السّاردة عن المشهد، وتمييزه عن كلام (باسل) ثم عودة المشهد إلى رسالة (خالد) فتعليق (شمس) المكتوب في يومياتها على كلام(خالد)، ثم توقف المشهد وعودة السّاردة لتتحدث عن حاضر (باسل) وعلاقته بـ (الحمل)، فنشهد زمنًا روائيًا حاضرًا تمثله مشاهد الحمل/148،98، 156، وزمنًا ماضيًّا تمثله رسائل (خالد)، ويوميات سيرة(شمس) التي في معظمها هي خطاب يقرأه (باسل)، وموجه إلى (ورد) الجنين المنتظر، و”زمن كتابته الروائي”، هو نهاية أشهر سنة 3008م، وبداية أشهر سنة 3009م، ويمكن دراسة نعوتات السّاردة لتلك الأشهر مع دلالاتها في الترسيمة التالية/ 124-132:

السنة 3008م 3009م
أسماء أشهُر الرّسائل مسقط القمر الشّمس الرّعد الكوكب المسرّات الأولى المسرّات الثّانية
عدد الرسائل 2 3 2 5 3 4
أول تاريخ لرسالة قرأها لنا باسل/77

وآخر رسالة/196

شهر النّور 3010م، في “أربعة” أيام متتالية 3-6 سبقت رسائل(3008+3009)، ثم قرأ “سبع رسائل” 7-14 تبعت رسائل (3008+3009)، وبها ختمت الرواية.
أطول رسالة/91-95 الرسالة الثالثة من الرسائل الأربعة المتتالية في شهر النّور عام 3010م
دلالات فنيّة

في

الرّسالة الأطول

تحضر فيها الأسئلة أكثر من غيرها، وبحضورها تغيب من لغة السرد: لغتين لغة النعت، ولغة الحوار القليل وجودها في الرواية، ولم نجد الحوار فيها بلغة الـ “قيل والقال” إلا في الصفحات45-48، التي حوت حوارًا بين مندوب المجلس القضائي الكوني الأعلى، وكبير الأطباء، والطبيب المساعد الآلي، والممرضة، وباسل بخصوص (أمر نقل دماغه إلى جسد (شمس) وإبقائه على قيد الحياة)، وفي الرسالة إشارة إلى صورة فنية ترسل مضمونًا في قوله: لعب (خالد) بالكلمات، وتلك صورة متكررة؛ إذ نسب (خالد) إلى (شمس) النعت نفسه فقال عنها:”نبية الكلمة”/100.

واجتمعت في تلك الرسالة عدة مضامين، مثل المضمون السياسي “ترسم الخط الفاصل بين الضفتين”/92، ومضمون التمرّد المختلط مع الجنس “إنتاج طفلها بطريقتها الخاصة”/94، ومضمون أعراض الحمل “يبلغ تسعة أشهر”/94، ومضمون العلاقة مع الله تعالى “أتعرفين من هو الله يا ورد؟”/95، ويتكرر هذا المضمون “وأنت يا ورد من ستكتبين على الراية(لا إله إلا الله)”/101، “نطق باسل (لا إله إلا الله)”/149.

وتنوعت في تلك الرسالة الأنماط اللغوية اللسانية السردية، منها لغة التصوّف “يا لحلولك فيّ”/93، وقد وردت في إحدى مقاطع رسائلها – التي لم يظهر لها تاريخ!- في خاتمة مشاهد الرواية لفظًا صريحًا، حين قالت على لسان(شمس): “إشارتي الصوفية”/159، كما تحضر لغة الحداثة” كروموسومات”/ 93، ولغة الأسطورة “تضرعت الأم للآلهة”/95، وأنماط من لغة النعت المباشر “دواري اللذيذ”/95، وغير المباشر “نظرة العشق في العيون”/95، والنعت المفرد “الإقناع السهل”/94، والنعت المتعدد “المهزلة الإنسانية المبكية”/95، وتعددت في لغة الرواية اللسانية أنماط من استخدامات لغة الضمير المتصلة مع لغة النعت، منها لغة ضمير المتكلم المتصل في نعت الجملة “زمن امتلأني”/96، وضمير المتكلم المنفصل في النعت المفرد “أنا الحائر الذاهب الآتي العائد القادم المذبوح اليقظ”/92،  وأنماط أخرى من نعت الجملة (الغرائبي) “شتاء يأتي قبل الخريف”/92

الدّلالة العامة

في رسائل الرواية

زمن الرواية 3010م، ورسائلها توزعت على زمن السرد، وأحداث الرواية، أما رسائل(3008+3009) فهي رسائل حب مباشر، وترتيبها بين السنتين جعلنا نحدد أنها كانت في فصل الشتاء.

تنوعت في تلك الرسائل الأنماط اللغوية اللسانية السردية، وبرز منها اللغة التي قدمت فيها السّاردة مضامين روايتها وهي لغة النّعت والمنعوت، التي امتزجت بمشاهد جندرية، وقصص من حديث الجنس المباشر من خلال حضور نعوتات لألفاظ لا تحتمل أكثر من تأويل مثل [التّقبيل، والعناق، والخجل، والتعرّي، والاشتهاء،. .] لتصبّ كلها في النعت الرئيس الذي جعلته السّاردة على رأس نعوتاتها وهو في قولها عن (البعد الخامس) في غير موضع، إذ قصدت به السّاردة البعد المخلص من الأفكار التي لا فائدة منها، وإن استولت على عقولنا فترة زمنية متقدمة، وهذا ما أرادت السّاردة إيصاله من خلال [لسانيات عبارات الجنس المنعوتة جندريًّا] في الرواية.

أما اسم (شمس) فقد نُعتَت به تلك الميتة/الحية التي نَعَتَها (خالد) بـ (النبيّة)/183؛ لأنها ضحّت في سبيل مبادئ آمنت بها وماتت من أجل الدفاع عنها تمامًا كما يفعل الأنبياء، وسبق ظهور اسم (خالد) اسم (شمس) بـ 26 صفحة، أثناء سرد السّاردة للرسائل التي كانت تكتبها في يومياتها باسمه لها! ولم يظهر لنا معنى اسمها من قبل السّاردة إلا بعد ذكرها إياه بـ 25 صفحة، تنقل السّاردة قول خالد لشمس ”  كان يحزنني اليوم الذي لا تشرق فيه الشمس”/124.

و(ورد) اسم الجنين القادم؛ ليُغيّر مفاهيم خاطئة آن لها أن تتغير في الألفية الرابعة! والتصق نعته بضمير المتكلم كثيرًا مع لفظة (وردي) وهو نعت (لونيّ)، ودلالته تشير إلى [الأمل في المستقبل القادم]، وبقي اسم (هدى الفاتح) صديقة (شمس) التي سمتها “فخر النساء”، وفي قصتها غرابة روتها شمس لابنتها ورد، إذ خُلِقَتْ من (ماء شفّاف) وليس من (الطين)، وقد عشقت من غير جنسها وعلى خلاف مادة خلقها، عشقت شخصًا مصنوعًا من (الصّوان)، وتضافرت الأشياء الشريرة كلها على هزيمتها، فزوجوها لغير من تهوى، وبقيت تبكي من ألمها حتى غرقت وماتت في ماء دموعها، وسمّي مصرعها بـ: “الطوفان”/167.

ومن نعوت الألوان المفارقة التي صنعتها الساردة بين لون بشرة زوجة(باسل) القديمة وهو اللون الأشقر ولون بشرته بجسده الجديد الذي أخذه من (شمس) وهو اللون الأسمر، كما صنعت الساردة مفارقة بين اللون الذي تلبسه زوجة (باسل) حين قدومها إليه في المستشفى وهو اللون الأبيض، حين نعتته على لسان باسل بأنه ملطخ وسخ!/156، مستذكرة على لسان(باسل) رسالة (خالد) إلى (شمس) التي كانت تعشق اللون الأبيض وتزداد به جمالا وبهاء/156.

وتكرر نعت (وردي) غير مرة ملتصقًا بمنعوت (رجلي + ثوب + وجه)، فتقول الساردة على لسان (باسل) بعد أن رضي بحاله الجديدة [الأنوثة المذكرة والذكورة المؤنثة]!: “اخترتُ ثوبًا نسائيًّا ورديًّا يلائم حملي الفضفاض”/156، ومنه قول الساردة على لسان(شمس) ناعتة (خالد) “يا رجلي الوردي”/138،159 كما التصق نعت الجنين بنعت متعدد “الجميل”، و”المشاكس” حين قالت الساردة على لسان البطل(باسل) وهو يقرأ من رسائل (شمس) في مذكراتها:”يا جنيني الجميل المشاكس”/135، وتقول الساردة على لسان (شمس) ناعتة وجه جنينها القادم في زمن الحروب بأنه وجه وردي/158؛ كأنها تبشر به بمستقبل سيغيّر العالم!

إنه نعت جندري يُفضي عن العلاقات بين الذكر والأنثى، وأبعادها قريبة المرمى، وتلك الأبعاد بعيدة المرمى، وتتطور أحداث الرواية لتأخذ مسارًا يُحمّل المجتمع سوء مخرجات تلك العلاقة؛ لأن المجتمع يُحمّلها فوق طاقتها ويُحرّفها عن مسارها، ولأن مجتمعنا لا يعتمد على أسس تبني تلك العلاقة وتزيد من متانتها، وإن هذا النمط من العلاقات يعيش في مجتمعاتنا على حرف إن مَال مِلْنَا. والترسيمة التالية تقرر أنماط النعوت المدروسة لسانيًّا في الرواية:

وفي اللسانيات تظهر النعوت السّاردة مختلفة التركيب عما هي في لغة النحو، فتختلف عما هو معروف في النحو، كون النعت يتبع المنعوت؛ إذ يتبادل طرفا النعت مواقعهما، فيظهر نعت جديد يسمى (النّعت الرّوائي)، مثل قول السّاردة [شمس النبية، والجنين النبيّ]؛ فالخبر(النبية)، و(النبي) يصلح أن يكون نعتًا لـ (شمس)، و(الجنين)..

وهكذا عرفنا أن الرواية تتحدث عن مضامينها في لغة مشاهد مستقبلية من زمن قادم هو سنة 3010م، ويمكن حصرها في مضمونين رئيسين هما [الحب والتواصل] ومضامين تتعلق بهما من قريب أو من بعيد.

وسنقف الآن عند بواعث النعوت في الرواية التي تستقي منها مادة لغتها المكتوبة، وهي: (الحداثة) و(الأسطورة)، و(الأدب)، و(الدّين)، ويمكن دراستها لسانيًّا من خلال تقنيتين هما (التكرار والاستدعاء).

              والتكرار أحد تقنيات لغة الرواية وواحد من ضروراتها التي يمكن دراسته لسانيًّا، فنربط معه استدعاء لغة الحداثة؛ ونبقي الثلاثة لندرسها في لغة الاستدعاء، إذ تحضر لغة الحداثة بقوة وهو أمر طبيعي لأن الرواية تتحدث عن زمن 3010م وتفترض أنه زمن حداثي بامتياز! كما إن فضاء الرواية فضاء خيالي مستقبلي يخترق المستحيل واللامعقول! ومن لغة الحداثة تحضر نعوت الـ(برمجة والحوسبة والأرشفة/85).

وأكثر النعوت تكرارًا هي تلك التي تنتمي إلى حقل (الحداثة)، وأكثرها تواجدًا لفظة (إلكترونيّ)، مثل قول السّاردة: “الرّقع الإلكترونية/87″، و”توقيع إلكتروني/97”.

وللتكرار في الرواية التي ندرس [نمطيات لغة لسانيتها النعتية] أنماط ثلاثة، الأول تكرار النعت المفرد نفسه لمنعوتين مختلفين، ومنه قولها” رقم جهنمي” /85، و”تسلية جهنمية” /95، والثاني تكرار جملة النعت، التي تُضمِّن السّاردة خلفها مغزى ما، مثل قولها: ” لا أهمية للحياة دون الجنس”/87، 195، والثالث تكرار مشهد لحدث مهم له مغزى في الرواية، ومنه نعت(قرمزية) وتكرر ثلاث مرات/26،38،89، ومنه قول السّاردة: “ابتسامتها القرمزية”/38،89، تقصد ابتسامة تلك الجثة(شمس) التي نقل دماغ الضابط الميّت(باسل) إليها ليعيش بدماغ رجل وجسد أنثى وتحافظ المجرّة على حياته ولم يجدوا غير جسدها كي يتلاءم مع عقله! فتبتسم الجثة (شمس) ردًّا على من اغتال جسدها كأنها انتصرت عليهم وقد اختاروا جسدها ليزرعوا فيه دماغ أحد ضبّاطهم، والقرمزية نسبة إلى شدة الاحمرار كأنها لم تمت ولم يجف دمها بعد! وتنسب عادة القرمزية إلى شفتيّ الفتاة دلالة على الحيوية والجمال، تسرد السّاردة: “الآن فهم معنى ابتسامتها، لقد هزمته وهزمت دولته كاملة، وبقيت على قيد الحياة على الرغم من أنوف الجميع…”/38.

نستنتج أن الرواية تهدف إلى التنويه إلى مضامين مذكرات جنسية ممغنطة أي لها قدرة الجذب وتدور في خلد كل أنثى وهي: أنماط الزواج والغرض منه وقد جاء في الرواية نمطان(الزواج لغاية الإنجاب/79 ومثّله حكاية (شمس وخالد) و(باسل و………… و(الزواج المُسمّى بزواج الصفقة/117 ومثّله حكاية(شمس وبيرق)، وقضايا نسوية مرافقة للزواج والحمل بدأت من ص 98 مع أعراض الحمل، وأعراض الوحام، والرغبة في الإجهاض، والخوف من الولادة وآلام المخاض/139، والتغيرات المرافقة للمرأة الحامل، والقضية العمود من كل تلك القضايا هي رسائل الحُبّ بين(خالد وشمس) التي كتبت في أشهر مختلفة، وكان(باسل) ينتقي بعضها ليقرأها إلى (نفسه) وإلى (جنينه ورد) أثناء تواجده في المستشفى! حتى نعتها بـ”الدوار”، تقول الساردة على لسان (باسل) وقد قرأ رسائل خالد لشمس من مذكراتها/سيرتها:”مصاب أنا بدوار اسمه كلمات خالد وعشق شمس.. ولا بد أنك يا جنيني الحبيب تتوق إلى أن أقرأ لك المزيد من يوميات أمك”/132.

وامتلأت تلك الرسائل بفلسفة من كلام العشق والعلاقات بين الرجل والمرأة/122، 147، والحِكَم التي يستفيد منها كل رجل تحبّه امرأة وما يقابلها من الحكم التي تقال لكل امرأة يحبها رجل/133، 144، 152، وخليط من حكي السياسة والإبداع والتنبؤات التي قد نصل إليها في يوم من الأيام/21، خصوصًا وأننا نعيش في ظل الثورة السادسة ثورة الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات، وأخيرًا الغلاف الفضائي الكبير الذي غلّفت به السّاردة سردها حين صنعت واقعها الجديد ممزوجًا بخيال علميّ يميل إلى صفّها بدءا من صفحة 22 وانتهاء بآخر صفحات الرواية.

إن تلك المضامين الجنسية الممغنطة تلبي رغبات القارئ في تصويرها لمشاهد نادرة من ممارسات العارفين بالحكايات الجنسية الطويلة مع الإنسانية، وقد تعددت مضامين الرّواية التي يمكن رصدها وتتبعها من خلال رصد نماذج لسانية لغوية ستعتمد عليها السّاردة في سردها، ومن أهمها (التكرار) بنمطيه (اللفظي والمعنوي).

وسندرس مضامين الرواية المتكررة والمرتبطة بلغة النعوت وبتقنية الاستدعاء لسانيًّا بعدّها إحدى تقنيات الرواية التي اعتمدت عليها سناء الشعلان في تجلية هدفها من الرواية، وللمضامين المتكررة بواعث تصنع مادتها اللغوية بتكرار النعت لفظًا، وباستجلاء مصدرها وباعثها المستدعى يتجلى للقارئ معناها.

الباعث الأول من بواعث مادة لغة الرواية المنعوتة المتكررة والمستدعاة (الباعث الأسطوري) وقد ظهر في عدة وجوه منها الوجه المتداول في الحديث عن (الآلهة)، والعبادة /178، وتكرّر حديث السّاردة عن غرض الآلهة من وجود بعض ما يمكن تسميته بـ”المهزلة الإنسانية”/95، إشارة إلى ما حصل في عملة تحويل (باسل) إلى شخص جديد/47، وأسطورة حكاية حبّ (خالد)/79[الذي قرأ لنا حكاية حبه، الضابط (باسل)/34،43) من رسائل حوتها مذكرات (شمس) في حزمة ضوئية، وقيل إنها رسائل كانت تكتبها (شمس) إلى نفسها وتمهرها بتوقيع(خالد)، وقد حصل عليها من ملفّات المخابرات، ووصفت السّاردة الحب الأسطوري بين (خالد وشمس) بأنه “حبّ عبادة”!]/96، ووصفه بالحب التأليهي على طريقة الأساطير/134.. وتكرر تلاصق الحب بالأسطورة غير مرة في الرواية؛ فقد جاء في مشهد سجن(شمس) أنها ألفت روايتها موظفة “أساطير الحب والجمال”/113.

أما الشكل الثاني لاستدعاء الأسطورة في الرواية فجاء من خلال صناعة السّاردة لأسطورتها وهو عمل تقني معروف في روايات اللامعقول، وجاء ذلك من خلال استدعاء السّاردة لأسطورة حكاية النوم/89، 95، وأسطورة تمرّد الأنثى التي تريد إنتاج طفلها بطريقتها الخاصة، وتعاين الحياة بصورتها الخاصة/94، وقد ارتبطت هذه الأسطورة بأسطورة (البعد الخامس) الذي نعتته بـ: “بعد الحب والسعادة وجنة الله على الأرض”/78، وأوصلته إلينا من خلال النعت المفرد الواحد أو النعت المتعدد أو نعت الجملة، وجعلت له نظرية اسمها “الطاقة” وجعلت لها “معادلة”، وحديث الساردة عن هذا البعد امتد مع امتداد فصول الرواية، وظهر من خلال عنونة الفصول غالبًا أو من خلال مضمونها، وعدّته الساردة أمرًا سريًّا، لا يمكن الإفصاح عنه وجاء ذلك خلال رسالة (شمس) لابنتها قائلة: ” لا أستطيع أن أكتب لك معادلة طاقة البعد الخامس؛ كي لا تقع في يد أي شرير”/169، وتعني بذلك ما حصل بينها وبين(خالد) في القمر!

ويظهر الاستدعاء الأسطوري بعدًا فضائيًّا متشكلا لعلاقات تربط (البشر بالآلات)، وأكثر نعت متكرر تشكيلا لغويًّا أسطوريًّا لصورة جديدة لم تكن موجودة في عالمنا هو قولها: (الشيطان الآدمي)/106، وجاءت الأسطورة نعتًا لحيوان في إحدى حكايات النوم التي ترويها (شمس) للجنين (ورد)، وهو قولها عن أقوى الحيوانات الذي لايهزمه جيش من المصارعين بأنه “حيوان أسطوري”/117، كما نعتت الساردة على لسان (باسل) حكايات (شمس) التي يرويها لنا (باسل) نقلا عن مذكراتها/سيرتها بقولها :”حكايات أسطورية مقدسة”/119، ومثله حين نعتت (شمس) العشق بينها و(خالد) بـ “العشق الموميائي”/137، وحضر نعت (المقدس) غير مرة في الرواية منها حين نعت (باسل) جسده الجديد به وحضرت صورة قوله عن نفسه “المصالحة التاريخية مع جسدي المقدس”/156.

والنمط الثاني من أنماط الاستدعاء في الرواية هو استدعاء الباعث الدّيني، فنقرأ صورة لفكرة قتل (خالد) لـ (ورد الجنين) التي تتماثل مع صورة مشهد (قتل اليهود لأنبيائهم)/79، وفكرة (التضحية بالجنين حماية له من الموت)/98، ومقاربتها مع المسؤولية التي تقع على عاتق (الأم) في حالتي (الإجهاض)/98، و(المخاض)/105.

والنمط الثالث من أنماط الاستدعاء هو استدعاء الباعث الأدبي، المتمثل في استدعاء أقوال مقتبسة تصور العلاقة المتوترة بين (خالد) قبل العملية وبعدها في) فهل تغضب؟)/107: إنها صورة لجنس العشق في الرواية النسوية، تقول السّاردة: “سأبحث عن الوجه الآخر لحكمة هذا الجسد الأنثوي الذي أكتشف به ذكورتي وأنوثة نساء الكون من جديد”، والحكمة ترد بلفظ صريح كما هي هنا، وترد مضمونًا تتحدث عنه الساردة بين خبايا سطور سردها. تقول الساردة على لسان خالد: “يا لجمال قدر يقودني إلى أن أعشقها!! أقصد أن أعشق جسدها، بل أعشق روحها.. ولكن الحقيقة أنني رجل يعشق امرأة في ظروف عجيبة، إذ هو ماديًا مفقود، وهي روحانيًّا مفقودة، ولكن كلانا في هذه اللحظة ذات واحدة، هي إيّاها وإيّاي، إذن أنا أعشقني، ولذلك فأنا أعشقها”/106-107.

ويمكن دراسة مضامين الرواية من خلال سردها، أو وصفها نعتًا لسانيًّا، ومن أكثر مضامين الرواية تكرارًا [الجنس]، وقد ظهر بلغة (صريحة وباطنة)، ومن الأولى وصف السّاردة: “الانكماش والاسترسال”/37، ومن الثانية قولها: “كرر من جديد مداعبته لشعره”/49، وتختم الساردة لغة الجنس بسؤال (خالد) لـ (ورد) عبر رسائله إلى (شمس): “أتعرفين ما هو الجنس يا ورد؟، فيجيبها في أكثر من صفحة بجمل تصف الجنس حالة بين الصمت والعجز والاشتهاء والاستسلام والقوة والضعف والأسطرة والتقديس والسحر والغضب والطلاسم وغير ذلك/168-178.

ويتعلق بهذا المضمون الرئيس مضامين فرعية تنطلق منه هي [الحُب، وماء الحياة، والاستنساخ، والحمل، والولادة، الإجهاض، والموت، والحكمة………..] وتسرد السّاردة علينا مضامينها من خلال حكايات تلتصق كلها بفكرة (الجنين الذي يحمله (باسل) مكرهًا)! وتطور العلاقة التي وصل إليها مع جسده الجديد، حتى قال لفظًا صريحًا عن حالته: “أعشقني” غير مرة، اقرأ سرد الروائية على لسان (باسل) بعد أن قرأ جزءًا من سيرتها وبطولاتها:” ولكنني أعشقني، أعني أعشقها، كيف تصبح المرأة التي أعشقها وهمًا لم يكن؟ كيف يصبح جسدها غريبًا عنها؟ وكيف يصبح جنينها نباتًا شيطانيًّا يلهو في أحشائي دون هوية؟… شمس أنا أعشقك، أنا أعشقني؛ لأنك إياي، أو أنا إياك، فهل تعشقينني؟ / 120، وتكرر نعتها للجنين بأنه ابن للشيطان غير مرة/157.

ومن الحكايات التي ترتبط بظهور تلك المضامين سردًا لغويًّا لسانيًّا متكررًا، حكاية (الاستنساخ)، فيظهر السرد السبب الذي دعا البشر الآليون إلى الاستنساخ في تلك الفترة 3010 وهو تدمير الإنسان لكل ما حوله، من نبات أو حيوان او إنسانٍ حتى؛ مما اضطرهم لاستنساخ الإنسان بصورة آلية، ومن ذلك حكاية استنساخ (الغطاء النباتي) بعد أن دمره الإنسان كاملا/67.

ومن تلك الحكايات المتكررة نعتًا وظيفيًّا لسانيًّا في الرّواية حكاية (الماء)، ونعتت بأسلوب معكوس ومنه قول السّاردة في صفحة واحدة: “(ماء حياتي)، و(ماء عينيك)، و(الماء الزبد)، و(ماء المدى)”/104، وقد ظهر نعت (الماء) ملتصقًا مع (جنين – باسل + شمس) وركّزت الساردة عدستها على فكرة المقارنة بين (الحمل التقليدي)، و(الحمل عام 3010)، وجاءت صورة المقارنة واضحة في حوار المشهد الختامي بين (باسل)، و(زوجته):

  • هذا الطفل القادم هو ابني.
  • هذا الطفل الجنين هو ابن الشيطان. هذان هما ابناك، هل نسيتهما؟
  • هذان هما ابن الطبيعة المشوهة وابنا المجرة وابنا التلقيح، ولا ماء لنا فيهما.
  • الأبناء جميعهم ليسوا من أمواه والديهم.
  • إنهما ليسا ابني. الجنين هو ابني الوحيد في هذه الحياة.
  • إذن؟
  • لن أعود إليكِ يا سيدتي.
  • يبدو أن العملية قد أثرت على قواكَ العقلية.

وفي الرواية مضامين لم تتكرر منها (الإرهاب، والحزبيّة، والتنبّؤ، وصورة نظام المخابرات، و[العلاقة بين الآليين والبشر]، و[العلاقة بين الماضي التراثي والحاضر الآلي الإلكترونيّ وهو جزء من تنبؤ السّاردة بما يمكن له أن يكون في مستقبل الألفية القادمة]، وفي الرواية مضمون الدعوة إلى الكتابة والقراءة………..،  وجاءت من خلال إحدى أنماط لغة النعت السردي لسانيًّا، مثل قول السّاردة:” الفخ الإرهابيّ”/21، وصفًا لسبب مقتل (شمس)، وظهرت الحزبية كون (شمس) زعيمة وطنية مرموقة في حزب الحياة الممنوع والمعراض/20، ومن التنبؤ صورة كثيرة لما تعقده السّاردة من المقارنات بين(الآليين والبشر) وبين(الماضي والحاضر).

وبتتبع كلام السّاردة عن المخابرات نجده مرتبطًا بحديث (باسل) عنها؛ إذ هي التي عرّفت (باسل) عن تفاصيل كاملة عن صاحبة جسده الجديد، وساهمت علاقات أخرى له، إضافة إلى مساهمة مصالح مشتركة في تلبية طلبه، مع كثير من فضائح وتجاوزات مسكوت عنها، وكثير من إدارات بشرية فاسدة في إزاء إدارات آلية صعبة المراس وصعبة الانقياد للانحراف”/61.

ويلفت انتباه حديث السّاردة عن الآلة بوصفها لحكاية الآلة التي ارتبطت سردا ووصفا بـ (الطبيب المساعد الآلي) وظهر هذا الطبيب في وقت مبكر من (زمن الرواية) وهو الذي قرّر إجراء العملية لـ (باسل) ونقد دماغه إلى جسد (شمس) والبقاء على حياته، وإعادة الحياة إليها، وساهم في إقناعه بذلك بمنطق ما يجري في مجرة الكوكب الذي يعيش فوقه شخوص الرواية عام 3010م.

وتقوم الرواية على عقد مقارنة بين (الآليين والبشر)، وتكرر السّاردة القول بأن الآليين بعيدين عن (الانحراف)، و(الفساد)، وأن مزاجهم (صعب المراس) و”من شبه المستحيل زحزحتهم عن مواقفهم وقراراتهم”/61، وفي لفتة لهذه المقارنة، تقول السّادرة على لسان بطل روايتها (باسل) إنه لولا ارتباطه بالبشر الفاسدين كثيري الفضائح والتجاوزات ما كان له أن يعرف كثيرًا من المعلومات عن (شمس) وأن الأمر لو كان متعلقًا بالآليين لكان أكثر صعوبة/61، وتذكر السّاردة نعت (الآلي) وما يتولد عنها من اشتقاقات، مثل(الآلات وآلية وآلات) غير مرة، ونعنى الآن بنعت (الآلي)؛ لأنه شخصية تظهر أول الأمر مع منعوت (الطبيب المساعد)، حين قالت السّاردة: “تدخل الطبيب المساعد الآلي”/44، وذلك لدى استغراب (باسل) مما جرى له، ثم تكرر ظهورها مع شخصية أخرى هي (صديق – باسل – الآلي) الذي ساعده وبحث له عن (مرض الحمل – كما كان يسميه باسل) بين الحزم المعلوماتية السرية والمنتديات التراثية الإشعاعيّة والمتحف الكونيّ ووجد أنه “حالة منقرضة للشكل التقليدي السائد في الألفيات الماضية للتّناسل البشريّ”/63، ونلخصه في الترسيمة التالية:

نعوت البشر نعوت الآليين
أصحاب فضائح صعبو المراس
أصحاب تجاوزات لا يتزحزحون عن مواقفهم وقراراتهم
إداراتهم فاسدة إداراتهم صعبة الانقياد للانحراف

              أما مشاهد التنبؤ في الرواية فعلى نوعين هما (التنبؤ المباشر والتنبؤ غير المباشر)، أما التنبؤ المباشر فهو حدث وحيد تنبأت به (شمس) لحياتها، وهو قولها: “أنا لا أموت بسهولة”/170، وهذا ما حصل معها فعلا حين بقي جسدها حيًّا وإن كان بدماغ (باسل).

أما التنبؤ غير المباشر فجاء في تصوير الساردة لأحداث مستقبلية تتناسب مع التطور التقني الذي نعيش تسارعه كلّ يوم، مثل اختراع (بنك التخصيب الكوني)/64، وعمليات(تعديل جنس الجنين)/65 ومن مظاهر سرد السّاردة للتنبؤ ما تغلفه بغلاف لغة (المقارنات)، ويمكن أن ندرسها لسانيًّا من خلال تتبع نعوت واصفة إما وهي تقارن بين طرفين كما صنعت في المقارنة بين البشر والآليين، وإما وهي تقدم نعوتًا واصفة لماضٍ ذهب، ونعوتًا أخرى تصف حاضرًا آليًّا جديدًا تتنبأ به السّاردة، كما تظهره الترسيمة التالية:

الماضي زمن 3010م
لا شيء موجود مما في قائمة 3010م شوارع عمومية ضوئية سريعة
مكتبات إلكترونية
متحف كوني متحرك
قوائم تراثية ممغنطة
حزم معلوماتية سرية
منتديات تراثية إشعاعية

ونقرأ مضمون الدعوة إلى الكتابة والقراءة من خلال كشف (باسل) لمذكرات (شمس) من خلال ملفات المخابرات السرية، ورغبته في الاكتشاف أكثر ففتحها وقرأها، فتركز السّاردة على أهمية القراءة في قولها على لسان (باسل) ويشير إلى (شمس): “هذا ملخص ما قرأته عن شخصيتها”/65، ثم تتكلم السّاردة بلغتها واصفة فعل (باسل) تجاه مذكرات (شمس) بأسلوب نعتيّ مفرد حشو: ” يقرأ بنفس عميق”/65، وتتابع السّاردة دعوتها إلى الكتابة، رغم تساؤلها عمن يقرأ تلك السير! قائلة: ” أما زال هناك بشر يفكرون في كتابة سيرهم الشخصية ويومياتهم؟! ولمن يكتبونها؟ ولماذا؟”/70، وتكررت إشارة الساردة إلى السيرة ونعتتها بـ”المتمردة”/112، وقالت عن بطلتها(شمس) إنها “تكتب رواية متمردة”/113، في غير موضع، ونسبت تمردها إلى تطويل شعرها و” الاحتفاظ به مسترسلا، يتحرك كما يهوى، ويطير أنى شاء”/112، وكثيرًا ما يرتبط حديث الساردة عن سيرتها بـ”المجتمع، والحكومة، والمخابرات، والعمل والأصدقاء، ووالديها، ونفسها”/112.

ومن المضامين المختفية وراء كلمات الساردة مضمون(الموت)، وجاء ذلك في سرد كون (شمس) أصبحَتْ “تاريخًا منسيًّا”/120؛ بعد أن تمّ نقل دماغ (باسل) إليها، ولكن العملية التي أجارها الطبيب الآلي أعادها إلى الحياة، وكأنها تحدت الموت وغلبته فحياتها لم ترتبط بزوال دماغها، وكأن فناء جسد (باسل) وبقاء دماغه حيًّا، جاء لينقذ جسد(شمس) في زرع دماغه بها، الأمر الذي أعاده وأعادها إلى الحياة وأبقى على حياة جنينها(ورد)، وكانت (شمس) “تهزأ من الموت وتستخف بسلطانه”، وتسمي نفسها “امرأة الحياة لا الموت”/169.

وهذا صراع (الموت والحياة) الصراع الأزلي منذ خلق الإنسان. اقرأ قول الساردة على لسان البطل (باسل) وهو يقنع نفسه بأن لا مشكلة من زرع دماغه في جسد أنثى: “الأطباء أكدوا له أن هذا الجسد الأنثوي المنسرح في أحضان الموت بابتسامة قرمزية مترعة بالسلام والرضا وبشيء آخر لا يعرف له اسمًا أو لونًا أو صفة هو الجسد الوحيد الملائم جينيًّا وأنسجة وخلايا لجسده..”/26.

ومن مضامين رواية أعشقني (الحكمة) وهي عمود من أعمدة الرواية بشكل عام، ولكننا نعني تلك الحكمة المذكورة نصًّا وموجودة بين خبايا ألفاظ الساردة، وأكثرها ترد على لسان البطل (باسل) فتارة وقد غار من كلمات العشق التي كتبتها (شمس) عن (خالد)، فقال حكمتين الأولى: “فالرجل لا يسعده أن يعترف بسحر رجل غيره”/133، والثانية: “لا قيمة لرجل لم تكتب امرأة عظيمة رسالة عشق له”/135.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here