التابوهات في رواية “أدركها النسيان” لسناء الشعلان

Vol. No. 1, Issue No. 3 (Special Issue) - July-September 2021, ISSN: 2582-9254

0
140
التابوهات في رواية “أدركها النسيان” لسناء الشعلان 

بقلم

أ.د. ضياء غني العبودي 
مدير قسم الشؤون العلمية، كلية التربية، جامعة ذي قار، العراق

————————————-

الملخص:

إن كل بنية سردية تعتمد الحوار في تشكيلها إلاّ أن ثمة سردا لا يعتمد الاتصال اللفظي عبر الحوار فقط، وإنما يعتمد بعضه على الوصف الحركي الذي يتنامى السرد معه، وبعض المسرودات تعتمد على حركة الجسد، ومن هنا شكل الجسد في رواية (أدركها النسيان) للروائية سناء الشعلان ثيمة بارزة في بناء النص، حاولت فيه الروائية أنْ تقدم الحلول للمعضلات التي ترافق مجتمعنا، فكان الجسد وامتداده الحب والجنس طريقها في الخلاص وإيجاد الحل المناسب. لذا حاولت ان ادرس التابوهات في هذه الرواية من خلال ابعادها الثلاثة السياسة والجنس والدين.

المقدمة:

الجسد في الثقافة العربية والاسلامية على الرغم من حيويته كموضوعة  إلا أن الحديث عنه تشوبه المخاطرة والمحاذير في ضوء مجتمع ينظر إليه على أنه مكمن الشهوة، وإن كان الجسد هو سر استمرار الحياة، فقد جعل الله في تركيب العباد الميل إلى الجنس الآخر، إلا أن الفنان استطاع بما يمتلك من خيال جامح أن يخترق الحجب ويجتاز المحظورات ليعبر عما يؤمن به من أفكار، واستخدم الجسد فيها كوسيلة للتعبير عن رؤية كانت وما زالت موضع جدال. إن الجسد وما يؤديه من وظيفة تتعلق بالجنس، استخدمها الفنان الروائي كوسيلة تعري الواقع المأساوي الذي تمر به الشعوب العربية من خداع وتسلط وصعود إلى درجات عليا من دون جهد يبذل، فكانت المرأة وما تمتلك من سحر وأنوثة تفرض نفسها على الرجل، لذا استخدمت كوسيلة للعبور إلى الجانب الآخر جانب لسلطة والثروة والتسلط على رقاب لآخرين، وإذا كان الجنس هو وظيفة بايلوجية في الظاهر، فإنها في النص تحمل أبعادا ذات دلالات سياسية واجتماعية واقتصادية. فعمد الأديب إلى اللجوء لهذه الثيمة لفضح مايمكن فضحه وتعريته أمام القارئ ليكون على بصيرة بواقعه المؤلم ومن ثمَّ تغيره. ولا أريد هنا أن أقول إن استخدام الجسد / الجنس هو موضوعة ذات أهمية كبيرة ويجب أن توظف في العمل الأدبي بشكل فاضح وممجوج وإنما استخدامها بفنية وحرفية عالية تعمل على شد انتباه القارئ وتجذبه من حيث لا يشعر، أي أن الجسد والجنس في العمل الأدبي لا يقصد منه إثارة كوامن الغريزة الجنسية وإنما تعرية الطبقات التي سيطرت على رقاب الناس. وظهرت بلباس المنقذ والواعظ ولكنها في حقيقتها ضعيفة وهشة تعاني الضياع والتشتت تحركها مجموعة من العقد النفسية والجسدية، وتحاول تعويضها من خلال السلطة والمال، فكان الجنس السلاح الذي يكشف زيف وخداع لكل النماذج السلطوية التي عاثت فسادا في المجتمع وارتدت الاقنعة المزيفة لتتحكم في مصائر الناس وتدفعهم خارج حدود الوطن بعد أن ذاقوا الحرمان والتشرد والشعور بالخوف، ولا انتماء في أوطانهم مع مايحملون من حب وتعلق لتلك الأوطان، لذا جاء البحث ليدرس الجسد في رواية “أدركها النسيان” للروائية سناء شعلان مجيبا عن التساؤل الآتي: ما قدرة الجسد على التعبير الرمزي؟ وما قدرة النص السردي على توظيف الجسد؟ هل تمكنت الروائية من كشف المستور؟

فحين نتصفح رواية أدركها النسيان نلحظ الحضور الواضح للجسد الأنثوي والذكوري بشكل ملفت للانتباه لاسيما ما يتعلق باللذة الجسدية. وهو في تمثلاته يعكس الفكر والرؤية العميقة لما يجري في مجتمعاتنا العربية، فهو يعكس زيف الواقع فضلا عن الهوية والانتماء، فتراوحت استخدامات الجسد بين السياسة والدين والحب، وكان الجنس هو الرابط لكل هذه الثيمات، لإن الجسد يخضع بشكل أو ما إلى سلطة المجتمع والدين. ولقد كانت بهاء البطلة هي الوسيلة لكشف الفلسفة التي تؤمن بها الروائية لتتحرك بين مفهومي الطهارة والرذيلة. فالكاتبة تلجأ إلى تصوير الحالة النفسية لشخصياتها والتي تتعارض في كثير من الأحيان مع الأبعاد الدينية والحياتية، كما سنلحظ ذلك في المثلية الجنسية التي تعد محرمة في مفهومنا الديني وإن كان تراثنا لا يخلو من هذه الإشارات. فقد مارست بهاء بطلة الرواية التمرد بكل أشكاله على السلطة لتخترق المسكوت عنه في مجتمع قمعي عمد إلى ارتداء الأقنعة المزيفة ليخدع الآخر.

تحديدات أولية:

تبدأ الرواية بنسيانها الأول((سبعة وستون عاماً لم تسرق من شبابه ونشاطه وابتسامته إلاّ القليل غير المأسوف عليه من ذلك كلّه، في حين أعطته هناءً وخبرةًً وتجربةََ وألمعيّةًً تفوق هذه السّنين الطّويلة المزحومة بالعمل والإنجاز والتّطواف في دنيا الله وأزمان الانتظار وسهوب الكتابة)) (1) لتحدد السنوات التي مرت بها أحداث الرواية وعاشتها شخوصها سنوات وأحداث تشير من طرف خفي إلى رموز تحتاج دقة نظر ليكشف القارئ كنهها لتستمر إلى ثلاثين فصلا. اعتمدت الرواية على مايعرف بالميتاسرد  من دون أن يكون هناك ترتيبا لأحداث الرواية بل هي مجموعة من الروايات المتدخلة مع بعضها، وهذا التداخل يحتاج إلى منتج آخر للنص ليجمع خيوطه ويعيد تشكيله بصورة أخرى كعادة الروائية سناء شعلان حين تزج قارئها في انتاج النص من جديد وتجعله يلج عالمها من غير أن يشعر بذلك بعده قارئا ضمنيا.

هذه الرواية تحكي قصة البطلة بهاء والظروف التي مرت بها في حياتها ابتداء من حياتها في المأتم وتجربتها مع مرض السرطان الذي أصاب مكامن الأنوثة فيها ـ الرحم والثدي ـ ثم ذاكرتها ليسلمها إلى النسيان. ليكون لقائها بحبيبها الذي فقدته بعد نصف قرن من الضياع، ليعود بها إلى بيته في إحدى المدن الاسكندنافية، لتدخل الرواية في عالم جديد آخر حيث يجد البطل الضحاك مع مقتنيات حبيبته – مخطوط كتبته- لحبيبها يحكي حياتهما الماضية فضلا عن الأحدث التي مرت بها في غيابه، وحياته هو في عالمه الثلجي الغريب عنه. بعيدا عن الميتم الذي عاش فيه طفولته مع بهاء، ليقرر أن يكتب هو رواية بديلة ويحقق أمنيتها في كتابة نص روائي لها ليشهره حين تعود من غيبوبتها، فنكون أمام مجموعة من الروايات الأولى الرواية التي كتبتها سناء شعلان ( أدركها النسيان ) من ثلاثين فصلا ورواية (أدركها النسيان ) التي كتبها الضحاك ليرسم حياة جديدة لبطلته تعويضا لها عن القهر والاستلاب الذي تعرضت له في حياتها من دون ذكر تفاصيل هذه الرواية سوى أنها حياة جديدة لحبيبته بهاء من أجل نسيان ما مرت به من ظروف مؤلمة. والرواية الثالثة هي المذكرات ـ المخطوطة ـ التي كتبتها بهاء لحبيبها على شكل اعترافات متوالية، وقد أخذت حيزا كبيرا من الرواية الأولى. ولعل ما يؤكد هذه الروايات المتعددة نلحظ النهايات المتعددة في النسيان الثلاثين، والذي يدخلنا في متاهة جديدة ويضع أمامنا نهايات وروايات أخرى مقتضبة وسريعة تجعل القارئ يفكر من جديد فيما توصل إليه ويعود به مرة أخرى إلى دوامة النهايات ليكون منتجا للنص، بل إن التركيب يتعقد لتقول لنا في نهاية النص إن هذه الرواية ( أدركها النسيان كتبتها مديرة منزل الضحاك (باربرا ) تحكي قصة عاشقين مشرقيين في بنية زمانية ومكانية متقطعة معتمدة على تقنيات الزمن من استرجاع واستشراف وحذف وإجمال وتذكر ووصف وحوارات وأمكنة متنوعة.

السياسة:

ما يزال المجتمع العربي لم يتخلص من القهر والعنف الذي تمارسه السلطات الحاكمة فيه، ولا بد من مواجهة لهذا العنف بطرائق مختلفة، ويعد النص الادبي / الروائي واحدة من هذه الطرائق مستخدما الرموز المختلفة ويعد الجسد واحدا من تلك الرموز للهروب من مقص الرقيب والسلطة، لذا كانت الروائية سناء شعلان متصلة بشكل دقيق بالأدوار التي تؤديها الشخصيات والأفكار التي يحملونها فكانت أقرب إلى ما يجري خلف الكواليس من ممارسات قمعية تقف خلفها شخصيات سلطوية تعاني الانشطار النفسي العميق فتعكس أمراضها الاجتماعية على من تحكمهم، وكما هو معلوم أن الجانب السياسي لا يكاد ينفصل عن الجانب الاجتماعي والاقتصادي أيضا، لأن السياسة تهيمن على الحياة، ولما كانت الرواية نقدا للواقع وكشفا للمستور فإنها تقف إلى صف المعارضة تفضح الصراع الخفي حول السلطة وتستخدم شتى الاساليب للوصول إليها والإثراء على حساب طبقات المجتمع المسحوقة ليعكس الصراع الأيديولوجي بين الشخصيات سواءً في المعتقلات أو التعسف الجسدي وسرقة ثروات الشعوب والاستبداد وانعدام الديمقراطية وتغيب الذات في غياهب السجون، فتخترق الروائية هذه التابوهات السائدة في مجتمعنا وتفضح السلطة وسياستها في الوصول إلى أهدافها على حساب القيم لتعكس (( عذاب الإنسان المستلب والمقموع في أي بقعة من بقاع العالم الثالث ـ عبر صراعه في المجتمع ـ ضد إحباطاته الذاتية وضد قمع السلطة وعدوانية الآخرين ))(2).

تبدأ الروية بإهداء يعبر عن ضياع الشخصية ليتحول المتجمع كله إلى ميتم ليرمز إلى مجتمع قبيح يجد الإنسان فيه غريبا بلا مأوى يفتقد فيه الحب والدفء والأمان  “عندما تحترق الأوطان يصبح العشق محرّماً””إنّه الميتم في كلّ مكان” (3) الإهداء ومع أنه وجد ضالته في الغرب  من العيش الرغيد الا إن الذكريات ظلت محفورة في ذاكرته التي لا تحمل لوطنه سوى الضياع (( الآن يملك كلّ ما حلم بأن يملكه خلا النّساء وعشقهنّ المشتهى؛ فعنده الثّروة الماليّة والصّحة والوسامة والرّضا والشّعور بالأمن والسّلام مع النّفس، كما عنده مجده الأدبيّ العريضّ، بعد أن غدا من أشهر كتّاب وطنه الثّلجيّ البارد المرفّه الذي التصق به بإخلاص، وتعلّق به بعد أنْ لفظه وطنه الوحش منذ أن كان قطعة لحم حمراء يتيمة ملفوفة بغطاء قديم قذر، ليدفع به في دروب الضّياع والتّيه فقيراً يتيماً معدماً مضطهداً بعد أن طرده الميتم الذي كان مسجوناً فيه طوال طفولته المبكّرة))(4).

هذا الميتم الذي لا يمكن استقباله على أنه ميتم بشكله الفيزيائي، وإنما هو يحمل في طياته أبعاداً أكثر عمقا فهو عبارة عن وطن كامل يحتضن أبنائه ولكنه لم يكن رؤوفا بهم كبقية الأوطان، فقد اتهم بالسرقة من قبل مديرة الميتم العاقر ومساعدتها العانس ليكون مصيره قارعة الطريق، ويكون طريدا للشرطة (5)، لم يكن وصف العاقر والعانس لإدارة الميتم إلا إشارة واضحة على عقم الوطن الذي لم يقدم شيئا سوى الخيبات لقاطنيه، ويضعهم أمام خيارات صعبة في مواجهة الحياة لاسيما في مراحل الطفولة الأولى التي تشكل شخصية الإنسان فتكون ذكريات يصعب نسيانها، فيكون أمام مجموعة خيارات العودة إلى الميتم العفن، البقاء في قارعة الطريق، والمطاردة من السلطة الآخرى سلطة الميتم / الوطن حيث يغيب في سجونها التي تشبه المقبرة لأن من يدخلها لا يخرج منها إلا وهو ميت. في دلالة على القسوة والتسلط. هذه القسوة جعلته يترك كل شيء في وطن تخلى عنه كما تخلى عنه الميتم  ((لقد تخلّى في هذا البلد عن كلّ شيء كان يربطه بوطنه الذي سرق أبويه منه عندما خنقهما بغدر، وتركه يتيماً وحيداً معوزاً مدفوعاً عن الأبواب بعد أن سرق أعمامه وعمّاته كامل إرثه الصّغير، وتركوه يعضّ على الجوع والعوز والقهر والحرمان واليتم)) (6)

 إلا أن مثل هذه الشخصيات تحمل في داخلها الحب لوطنها وكأنها تؤمن بقول الشاعر بلادي وإن جارت علي عزيزة..  فهو يحب وطنه ويظهر ذلك من خلال عنايته بالمقتنيات الشرقية فهو يقابل وطنه الذي لفظه عاريا وحيدا باهتمام وإن بدا غير مباشر إلا أنه يعكس الانتماء الروحي ((طهو الطّعام الشّرقيّ وجمع الدّفوف والآلات الموسيقيّة الشّرقيّة والتّحف الشّرقيّة التي يعلّقها على جدران غرفة المعيشة، وفي الرّدّهات، ويزّين بها الرّفوف، ويطرح الكثير منها في زوايا البيت إلى جانب النّمارق المشغولة بالقصبّ الذّهبيّ اللامع، وفوق السّجّاد الشّرقيّ اليدويّ الصّنع، في حين يعلّق براويز لوحات الخطّ العربيّ في الجدّران الرّئيسيّة في البيت في مقابل المرايا الطّوليّة ليرى الخطّ العربيّ المبروز مرّة من اليمين إلى اليسار، ومرّة أخرى يرى انعكاسه في المرآة من اليسار إلى اليمين)) (7)   لذا اتخذ من الغربة وطنا حقيقاً كسكن يجد فيه السعادة (8)، ولعل البطلة (بهاء)  أيضا مختلفة عن وطنها لاسيما في شكلها وبشرتها  ليعكس الصراع بين الشرق والغرب  ((فقد كانت لقيطة مجهولة النّسب والتّاريخ والأهل، وحمرتها اللّذيذة الحارّة، وعيناها الخضراوان الحشائشيتان تزيدانها غربة ويتماً ووحدة؛ فهي تبدو هجيناً آسراً بين أخلاط عرقيّة متعدّدة الجمال والجاذبيّة والأصول، أمّا رائحتها العبقة التي تشبه رائحة زهور البنفسج المزروعة في أصص شرفة مديرة الميتم، فهي رائحة لا بشر في الكون يملك رائحة عبقة مثلها، وهي تزيدها غربة عن المكان المزكوم برائحة العفن والصّديد والرّطوبة. )) (9)

فالشخصيات كانت تعيش حالة من الصراع الداخلي غير المتكافئ بين أشخاص عرف عنهم الحب والسلام، الحب لوطنهم والسلام الذي يرغبون به للعيش في وطن يحترم حرية الآخر وميوله ورغباته، وبين حياة قاسية في واقعها، فكان صراعا خاسرا ((ليس المرض الذي فتك بي هو من يدفعني الآن إلى الكتابة له، بل هي رغبتي في أن أتطهّر من النّجس الذي علق بي في رحلتي المضنية في حلبة الصّراع الشّرس غير المتكافئ بين امرأة وحيدة معدمة وبين حياة متوحّشة متنمّرة.))(10) لتصرح بهاء بشكل مباشر عن حالة الصراع وبالأدوات التي تتوافر لديها الكلمة لتقول لنا إن الفعل يبدأ بالكلمة لتغير ما يمكن تغيره ((هم يسمون هذه الحلبة الدّامية الحياة، وأنّا أسميها العذاب، كما يسمون الكتابة موهبة وترفاً وأدوات للمبدعين والمتطهّرين، وأنا اسميها طريقة اعتراف واحتجاج على الحياة وظلمها وتضييعها لنا نحن معشر الضّعفاء والمنكوبين والمنكودين.)) (11)

لعل هذا الخراب والدمار الذي عاشته جعلها تسعد لنسيانها لتلك الأحداث لقسوة المجتمع في حاضره وخيباته التي تستشرفها للمستقبل  ((أيّها النّسيان لقد أدركتني في وقت ما عاد لي أيّ حاجة فيه للتّذّكر، كم أنا سعيدة الآن لأنّني امرأة أَدْرَكَهَا النّسيانُ! فأنقذها منها، ومن عذابات التّذكّر، ومن أوجاع الماضي ومن خيبات الحاضر والمستقبل. )) (12)

لإن الوطن للضحاك وبهاء هو ذلك الدفء حتى وإن كان في الغربة بعيدا عن الشرق لملتهب الذي لا يختلف عن فوضى العصور القديمة حيث الفتاك وقطاع الطرق الذين لا يخضعون لقانون سوى قانون القوة والنهب والإغارة كذلك الوطن تحول إلى غابة للصراع حول المغانم، فالوطن هو الحب والاكتفاء  (13) فالصراع يقوم هنا بين قوى قاهرة تسيطر على المال والسلطة، وبمبررات شتى تارة بستار الدين وتارة أخرى الوطنية والأخلاق على حساب المسحوقين والمستلبة حقوقهم  مما جعل الوطن غير قابل للعيش فيه. فهو يكره وطنه لأنه تركه في مواجهة حياة قاسية لا تختلف عن حياة بهاء (14) التي لم تفهم معنى الوطن الذي درست عنه في كتب التاريخ والتربية الوطنية، ((أحاول أن أركّب صورة ما مفهومة لطفولتي حول ما يجري في عوالمي وعوالم من حولي من بشر تسميهم معلّمة التّاريخ والتّربية الوطنيّة “مواطنين في دولتنا العظيمة”، ولكنّني منذ أصبحتُ لقمة سائغة مشتهاة في فم أفراح الرّمليّ لم يعد يعنيني أيّ شيء حول الأوطان أو المواطنين أو الأحداث والمصائر، بل حتى لم يعد يؤرّقني من أكون، أو إلى من أنتمي؛ فقد خذلني الجميع، وغدوت وحدي معي، ولم يعد لي منّي سوى الأنفاس الإجباريّة في حياة جئت إليها مكرهة باغضة مبغوضة، وفقدتُ الثّقة أو الأمل في الأوطان أو في أمّي وأبي أو في أن يعود الضّحّاك لينقذني من هذا الجحيم الدّنيويّ المهول، ولم أعد أملك إلاّ أن أسير وراء رغبات أفراح الرّمليّ كلّما ناداني للسّير وراءه مثل نعجة تسير ذليلة خلف القصّاب إلى المسلخ. )) (15)

فكان بعد ذلك انتقالها بجسدها بين الرجال  ومنهم كريم لوهداني الرجل الكبير الذي فقد رجولته في معتقل فكان يعوض ذلك بشيء من الزهد ((يفقد فحولته منذ أكثر من عشرين عاماً في معتقل صحراويّ جاف عندما اكتشفتْ دولته مؤامرته مع العدوّ ضدّها، فأذاقته العذاب ألواناً حتى قتلتْ ذكورته، فخرج من المعتقل متدثّراً بالصّلاح والزّهد ليخفي عنّته وخياناته)).(16) لتستمر في هذه الرحلة في الحياة لتتعرف على مجموعة من الأشخاص وكان الجسد هو الوسيلة لهذا التعارف فقد تعرفت في المستشفى على سليم المناضل  (( سليم ذو الملامح الكسيرة، وذو العينين الغائرتين في جمجمة لا تقوى رقبته على حملها، سُرقتْ رجولته وإنسانيته كاملة في لحظة، السّارق هو طلقة واحدة لا غير من عدوّ غاشم، هي طلقة اقتنصتْ سعادته، وقطعتْ حبله الشّوكيّ بإثم متعمّد، واستقرّتْ في عظام ظهره بوقاحة صفيقة.   شهور طويلة أمضاها مابين اليقظة والغيبوبة، رأى فيها قوافل شهداء تمدّ الأيدي إليه؛ لتزفّه إلى أرض الأرواح حيث تنتظره الزّغاريد والتّهليلات والتّكبيرات، حاول بكلّ قوّته أن يمدّ يديه إليها، لكنّه عجز عن ذلك؛ فقد غادرته القدرة على الحركة وللأبد، وأصبح حبيس واقعه الجديد.)) (17)

وفي المستشفى تعرفت على ثابت الذي تعرض لحادث سير بسبب العدو ((كان حادثاً مدبّراً من مخابرات العدوّ لاغتياله، وشطب اسمه من مشهد المقاومة، فلا يمكن أن يحتمل العدوّ شخصيّة ثابتة في المقاومة وحقوق العودة مثل شخصيته الفذّة العنيدة. كان المخطّط يقتضي أن يموت في هذا الحادث، وأن تنتهي أسطورته النّضاليّة، ولكنّه نجا من الحادث بأعجوبة بعد أن تحطّمت عظامه، ورقد أشهراً في مستشفى المدينة التي كان يزورها لأجل المشاركة في لقاء شعبيّ عن حقّ المهجّرين في العودة إلى وطنهم.)) (18)وهو يهتم بالسرد فأطلقت عليه ثابت السرد ((إنّه باختصار رجل يحبّ النّاس، والنّاس لا تملك إلاّ أنّ تحبّه؛ فهو حاوٍ مدهش، ومن جرابه يُخرج سرداً شيقاً لا ينضب، فهو من نادر البشر الذين لا يعرف من يحادثونهم معنى الملّل أو بطء سير الزّمن؛ فالزّمن ملك حديثه بكلّ ما في الكلمة من معنى)) (19) اقتربت منه إما لجماله أو فكرة الوطن التي يؤمن بها ((ربمّا لأنّه كان وسيماً كسنبلة، ورشيقاً مثل سيف، أو ربما لأنّ بريق عينيه كان يغازل الصّمت، أو ربما لأنّ ضوء المساء المنعكس على وجهه وهبه جلال أيقونة أوغاريتيّة مقدّسة، أو ربما لأنّ فكرة النّضال عن الوطن كانت تغريني بالاقتراب منه، وأنا الغريبة في وطني، المتنكرة له، وهو المتنكّر لي)) (20)ثم استدعته المقاومة لواجبه فالتحق به واستشهد على أرض الوطن كما كان يشتهي.  (21) إذ لم يكن هدفه سوى التحرير ((هذه هي حكاية ثابت السّرديّ، وحكاية شعبه التي تتلخّص في أن لا تكون لهم حكاية سوى حكاية كابوسيّة واحدة، اسمها العذاب والرّحيل والانتظار. ولكنّه دفع عمره ثمناً ليغيّر نهاية هذه القصّة، لتصبح النّهاية هي التّحرير، ولا شيء غير التّحرير. )) (22) إن النسغ السياسي بدا واضحا في الرواية وإن كان مختفيا في ما وراء النصوص، فالروائية تختار النهايات التي تليق بأبطالها وسيرهم بين الناس، فمن كانت سيرته قبيحة كانت نهايته بهذا المستوى من القبح، ومن يكن ذات سيرة إنسانية تكن نهايته مشرفة له. لذا كان لثابت السردي النهاية التي تفضلها فهو رمز المقاومة ورمز الثبات فكان جسدها له عرفانا لهذا الثبات، وقطعا الجسد الذي تريده لا الجسد المادي المعروف بل هو جسد معنوي يمنح الآخر الديمومة والحياة.

ولعلها لم تنس الشكل الآخر من المقاومة، الشكل القبيح الذي يستغل المقاومة والسياسة لأغراضه الشخصية حتى أنها لم تجعله معرفة بل لم تصرح باسمه تنكيرا وإمعانا في فضح هذه الأشكال الوصولية، ((جاء لاجئاً سياسياً إلى مدينتي بعد أن استقوى عليه رفاقه في الثّورة، وطردوه من بلده، وجرّدوه من منصبه السّياسيّ، فتحوّل من أحد رجالات وطنه إلى قطب من أقطاب المعارضة في الخارج. لقد جاء إلى المدينة برفقة شاحنتين من المال المسروق من بلده، ثم بعد ذلك أصبح عنقاء السّياسة في المكان، وسيطر على البلد ومن فيها بحزبه السّياسيّ العابر للدّول والقارات الذي شكّله بماله المسروق حتى لُقّب بالإمبراطور.)) (23) وكانت بهاء وسيلته للوصول إلى أهدافه، وهذا ديدن في توظيف شتى الوسائل للوصول إلى أهدافهم ليكون نقيضا لثابت السردي ((بل جعلني له ولأصدقائه ولضيوفه ولمن يهوى أن يجاملهم من الرّجال، وأن يجرّهم إلى حزبه، وقد كنتُ خير رسول له في رسائله الحزبيّة، فاقتربتُ أكثر من السّاسة والسّياسيين، فاكتشفتُ أنّ الجميع يمارسون السّياسة في كلّ يوم؛ وأكبر سياسة في مدينتي أن تدبّر معاشكَ لتظلّ على قيد الحياة بعد رحلة سيزيفيّة مضنية من الصّباح حتى المساء. واكتشفتُ من جديد أنّ نساء سرّيات هنّ مَنْ يشاركن في إدارة هذا العالم العجيب، وأنّهنّ من يقسّمن الغنائم مع الكبار، وهنّ كذلك من يقسّمن الويلات على المغضوب عليهم، وأنّهنّ من يرسلن الأبرياء إلى المعتقلات أو إلى الموت. ))(24) فكانت المرأة هي المحرك الرئيس للأحداث في المجتمع التحتاني. وهي من تتحكم في مصير الشعوب بواسطة جسدها.

ثم تنتقل لعالم المخدرات مع شخصية تسمى محب وهبات ((تجارة المخدّرات والسّلاح والرّقيق الأبيض؛ وقد راق لي أن أذهب إلى عالمه؛ لأنّه الأكثر وسامة فيمن خادنتُ، والأرق طباعاً فيهم ما لم يغضب، ويقرّر الانتقام، والأكثر صدقاً في كلّ من قابلتُ من رجال مزيّفين؛ فقد كان يفتخر بأنّه تاجر سلاح ومخدرات ونساء، ويقدّم نفسه لمن يتعرّف عليه بقوله: أنا القوّاد الأكبر محبّ وهبات)) (25) لتنتقل إلى شخصية جديدة مخنثة اسمه هملان أبو الهبات ((فهو مخنّث الأعضاء والسّلوك، وعلى الرّغم ذلك يعيش في جلباب الرّجولة الذي فرضه والده عليه منذ كان صغيراً، فظلّ يعلن أنّه رجل، ويتكتّم على تكوينه الخنثى وميله نحو عالم الأنوثة، وبقيت أثوابه النسّائيّة الجميلة، وملابسه الدّاخليّة الأنثويّة الحريريّة، وأدوات زينته وعطوره حبيسة أدراج غرفته الخاصّة، إلى أن يرتدي ملابسه النّسائيّة سرّاً، ويلتقط صوراً له بها، ويخرج في جولات سريّة في شوارع المدينة في ساعات متأخّرة في اللّيل ليحظى بتحرّشات جنسيّة تلهب فيه جذوة الأنوثة التي يصمّم والده على دفنها في أعماقه لصالح حياة رجل هو لم يستطع أن يكونه في يوم من الأيام.)) (26)

((انتقل إلى الحياة في المدينة ليمثّل حزبه العشائريّ الذي كوّنه والده ليكون غطاء له يخفي خلفه عمله في تهريب السّلاح عبر قريتهم الحدوديّة، ولكنّه أصيب بلوثة ملازمة له اسمها إثبات أنّه رجل أمام النّاس كي لا يجلب العار إلى والده ورجال عشيرته)) (27) وكانت تعامله في شقتها كأنثى  مخنوقة في جسد رجل، ليكون صديقتها، وتلجأ إلى السخرية من تصريحاته للعيش بسلام مع العدو ((وأصبح من هواياتي الحميمة أن أتابع تصريحاته السّياسيّة الخطيرة حول ضرورة التّعايش السّلميّ مع العدوّ بدل طحنه؛ لأنّ السّلام الحقيقيّ يصنعه الرّجال الحقيقيون، وهو يرى نفسه رجلاً حقيقيّاً، ولذلك يطالب بسلام الرّجال الأشاوس الذي يعدّ نفسه واحداً منهم بامتياز بشهادة لائحة كبيرة من المومسات وشهادتي المجيدة. تصريحاته الطّويلة المشحونة بالأكاذيب كانت تضحّكني حتى تنسيني ذلك الوجع الذي بدأ ينبتُ في ثديي الأيسر، وتحمّسني كي أطلب منه أن ينظّف بلاط حمّامي عندما يعود إلى شقتي، ويخلع رجولته المطالبة بسلام الذّل والهوان مع العدوّ، ويلبس أنوثته الكسيحة التي ترضى بتنظيف حمام مومس في درجة الاعتزال بسبب التّقادم. )) (28) في اشارة إلى هؤلاء الذين يدعون إلى التطبيع والعيش بسلام مع العدو وهم يعيشون حالة الاستلاب الذاتي وأبعد عن الرجولة في موافقهم، لتعمل على تعرية هؤلاء بطريقة فاضحة تعكس موقفها الصلب اتجاه من يخون قضيته ويترك النضال وسيلة للتحرير.

ويكشف استشرافها مصير هذه الشخصية التي تنتقل إلى أوربا كرجل دبلوماسي ويتزوج زواجا مثليا  (29)لتصل إلى نتيجة أن العائلة بل ربما السياسيين جميعهم لا يختلفون عن الخنثي هملان ((وترك حزب أبيه الذي سرعان ما نقل أمر تمثيله إلى ابن آخر من أبناء العائلة، اسمه هملان أيضاً، وله غرام جامح بمضاجعة المومسات وإطلاق التّصريحات التي تحضّ على السّلام مع العدوّ. في حين ظللتُ أطلق اسم هملان على أيّ شيء خنثى أو جبان )) (30)

ولا تختلف وجهة بطل الرواية الضحاك عن وجهة نظر بهاء في الشرق العربي حيث الخطب الجوفاء من دون نتيجة في حين أن العدو يقضم الأرض باسم الحرية وهو في حقيقته يحمل الموت إلى كل مكان ((اليوم استفزّه ذلك المقال عن الثّورة والثّائرين في الشّرق الذي تقوّض، دون أن ترى الأوطان أو الشّعوب أيّ بصيص أمل أو حريّة أو عدالة، لا شيء سوى الموت والجعجعات والنّقيق الموصول دون فائدة أو تحسين، وذلك العدوّ الكونيّ الذي يلفّ العالم بعلمه الشّرير، ويذبح النّاس باسم الحريّة والدّيمقراطيّة والإخاء يزفّ الموت إلى كلّ مكان يذهب إليه.)) (31) ليكون مصير الشعوب الهجرة المستمرة((  اللاجئون والمهاجرون يتدفّقون على المدينة أكثر فأكثر، هم من الجنسيّات والسّحن جميعها، يجمعهم الخوف والتّهجير والرّهبة والضّياع والوجع، وتفرّقهم المآلات والمصائر والأقدار. )) (32)فالوطن بالنسبة إليه رعاية وخلافه لا يمكن العيش فيه لأنه يصبح خائنا لا يختلف عن اللصوص.(33)

وإذ كانت بهاء تبيع جسدها وتمارس غواية الجسد فانها تمارس دعارة القلم أيضا التي لا تقل تأثيرا عن الجسد فقد باعت روايتها مقابل وظيفة لشخص في دولة ((مرّة واحدة كان الأجر عن روايتي المبيعة لأحدهم أكثر ممّا تخيّلتُ أو طلبتُ، وذلك عندما قدّم لي ذلك المشتري وظيفة حكوميّة في إدارة إعلاميّة من الإدارات الإعلاميّة في دولة البغضاء والكراهيّة لقاء ما كتبتُ له من عمل إبداعيّ، لم أدرك عندها سبب هذا الكرم الغامر منه، فكلّ ما كنتُ أبغيه هو أجري المتواضع عن الرّواية التي كتبتها له، وما كنتُ أتوقّع أن يهبني وظيفة حكوميّة محترمة بأجر معقول وراتب تقاعديّ يؤمّن لي حياة كريمة في شيخوختي التي بدأت تسير نحوي. في البداية كدتُ أتعجّل الإجابة عن سؤالي الحائر، فأظنّ أنّ ذلك الرّوائيّ اللّص يملك حفنة شرف بشكل أو بآخر، ولكن سرعان ما تدخّلت التّفاصيل لتمنعني من أن أتهمه بالشّرف، لا سمح الله؛ فقد عرفتُ أنّه ضنّ علي بأجر يدفعه لي من جيبه، ولذلك قرّر أن يدفع أجري من جيب الحكومة والوطن؛ وهو كان خير من يتكلّم عن الوطن والوطنيّة، إذ كانت تعني عنده التّنفّع والاستغلال بأشكاله المتاحة له بحكم وظيفته الإداريّة الحسّاسة في المدينة.)) (34)فهؤلاء يعدون الوطن ملكا لهم يتصرفون ويهبون ما يشاؤون لمن يريدون  فالوطن لهم، والوطنيّة للفقراء والمنكودين والمستضعفين والشّرفاء وأصحاب الضّمائر الحيّة والذمّم النّظيفة التي لا تُباع ولا تشترى. (35).

ولعل هذا الكرم بأموال الوطن كان ديدن هؤلاء المزيفين والمنافقين، فقد كتبت مقالة نفاق لمرأة تعمل في الدولة، امرأة حصلت على شهادات عديدة تلك الشهادات التي ما عاد الحصول عليها صعبا في ضوء الأموال التي يحصلون عليها من غير جهد، لتعمد إلى مفارقة طابعها السخرية حيث يكون بيع الوطن من أجل ابنته الخاملة ((ولذلك قرّرتُ أن أردّ لها كرمها عليّ بكرم مماثل له، فكتبتُ لها مقالة نفاق رفيعة المستوى لتماري بها مسؤولاً من مسؤولي الدّولة كي تحصل على امتيازات وظيفيّة جديدة إلى جانب الكثير من الوظائف التي تعمل فيها بأجور عملاقة؛ لأنّها تحمل الكثير من الشّهادات الأكاديميّة العليا الرّفيعة التي اشترتها جميعاً بأموال والداها الموظّف الشّهير في وظيفة حسّاسة في جهاز القضاء في الدّولة لمدّة ربع قرن؛ لقد سرق أموال الشّعب كي يشتري لابنته عدّة شهادات أكاديميّة ومناصب اعتباريّة كي ترثه في سرقة الشّعب الذي يزعم أنّه يتفانى في خدمته. وحُقّ له أن يفعل ذلك ما دام هدفه شريف صادر من صميم أبوّته الحانية، وهو بيع الوطن لشراء مستلزمات ابنته خاملة الموهبة والضّمير!)) (36)

إن مجتمع الرواية مسحوق سياسيا واجتماعيا من قبل قوة خفية تتحكم بالأحداث، وهذه القوة في حقيقتها منهزمة داخليا يقف خلفها قوة أخرى متحكمة فيها غالبا ما تكون المرأة وجسدها هو الأداة لهذا التحكم. وبهذا يكون المجتمع تحت سلطة صغيرة فاسدة متحكمة في المجتمع. وهذ المجتمع الذي يقاسي القسوة والتسلط الخارجي يقاسي التسلط الداخلي  ((فقد حضر فيه شرارة انطلاق إحدى الاعتصامات الكبيرة في المدينة احتجاجاً على الغلاء والفقر وارتفاع الضّرائب والفساد وخنق الحريّات، وسرعان ما تحوّلت تلك الاعتصامات السّلميّة إلى مواجهات دامية مع جنود مكافحة الشّغب الذين داسوا على المعتصمين دون رحمة، وسحقوا رفضهم ومطالبهم وآمالهم في التّحرّر ممّا هم فيه من ظلم ومعاناة.)) (37)

 فيستذكر الميتم الذي تحول إلى رمز إلى وطن مستلب لا يختلف في صوره وما يجري فيه عن الوطن حيث استلاب الحريات والخراب والتحكم بمصائر قاطنيه ((حتى أنّه ذهب إلى الشّارع البائس حيث يقبع الميتم، فوجده قد تهدّم كما تهدّم الوطن كلّه، ولم يسأل أحداً عن سبب ما آل إليه هذا البناء من تحطّم)) (38) وهو ذاته رأي بهاء ((لستُ أكثر من لقيطة ربيبة ميتم سرعان ما أدركتْ أنّ أوطان الشّرق جميعها مياتم كبرى، لا كرامة فيها ولا حنان ولا أمل.)) (39)

فهذا الاستلاب طال العلماء الذين وقفوا ضد المجتمع فكانت تصفية الجسد باعتبار أن الجسد هو ذات علاقات متعددة تدخل في التوافق والتضاد ((واكتفى بأن يسمع قصتّها في ذلك المساء عن عالم الذّرّة العربيّ الشّهير الهارب من بلده الذي تمّ اغتياله في شقّته دون أن يُعرف الفاعل كما ذكرت محاضر تحقيق الشّرطة، في حين يعلم الجميع مَنْ قتله ولماذا؛ وهو من جاهر بمعارضته لنظام شرقيّ فاسد، وكتب أكثر من مقالة عن ذلك، فآل إلى ما آل إليه أمثاله من الذين دفعوا حياتهم ثمناً لآرائهم ومداد أقلامهم.))(40) ليعقد مقارنة بين الوطن والعاهرات وتكون نتيجة صادمة ((في طريق عودته راودته الكثير من بنات اللّيل عن نفسه، فأغدق عليهنّ بما يحمل من مال في جيبه، دون أن يحصل منهنّ على شيء سوى استغرابهنّ من منحته المجانيّة لهنّ، وجهلهنّ لمعنى قوله لهنّ: أنتنّ الأطهر في هذه المدينة العاهرة.)) (41)فالمدينة لم تحمل في ذاكرته الا الألم والحزن ((عبر أرضها الجافّة وسمائها الكئيبة، ودروبها التي لا تلتقي، وذاكرتها التي لا تحمل لهما إلاّ الألم والضّنى)) (42) فالجسد هو المنظومة الرمزية العامة. (43) لقد حاولت الرواية أن تربط بين الجنس والظروف المحيطة بين ماهو اجتماعي واقتصادي، وبين قلة متسلطة على رقاب المجتمع وأكثرية مسحوقة، فكان الجنس نتيجة لكل هذا التدهور والانحطاط.

ولعل هذا الانحطاط في المجتمع جعل بطلة الرواية تدخل هذا العالم بشكل مباشر وتمارس السرقة والوصول للأهداف بكل الوسائل، وهي لا تقصد من ذلك إلا كشف حقائق غابت عن المجتمع لكنها تحصل في كل مرة ، كما في حصولها على رحلة علاجية كانت مخصصة لامرأة فقيرة ليس لشيء إلا أنها مارست دعارة القلم وكتبت نصوصا لأدبية مزورة((وقد سرقتْ لي منحة العلاج هذه من امرأة أخرى منكودة أفقر منّي، وليس عندها ما تقدّمه لتلك السّارقة كي تقنعها برحمتها. وقد قبلتُ هذه المنحة المسروقة من امرأة طحنها الفقر والمرض انتصاراً لنفسي، وانحيازاً إلى منطق اللّصوص الذي يسود كلّ شيء حولي؛ فلا فائدة لنزاهتي المتأخّرة في عالم الأوغاد اللّصوص الذين سرقوا كل شيء بما في ذلك الأوطان المسكينة والأقوات المنشودة.)) (44) في وطن فيه كل شيء ينهار (45) لمن يكن المحيط الكبير بكل خيباته المتنوعة، وبكل انكساراته المختلفة، وكذلك المحيط الصغير العائلة والأصدقاء والعادات والتقاليد، إلا بيئة أوجدت أسبابها لتصرفات الأبطال. (46) في وطن (( تستعر بالنّار والفتن والابتلاءات والمصائب، ويجوبها اللّصوص والقتلة آمنين فرحين، ويموت فيها الأبرياء والأبطال والصّالحين والعلماء والمبدعون، في حين تسمن الكلاب والأبقار والخنازير والفئران الآدميّة حتى تختنق بسمنتها. )) (47) في هذه الاجواء المعقدة نشأ كل من بهاء والضحاك شخصيات تعرضت لانتكاسات متعددة، وفيها نقلات عنيفة أدت إلى انكسار النفس، وحدوث شرخ كبير لا يمكن رأبه، في هذه الظروف جاءت بهاء وجاء الضحاك يرافقهما هزائم متعددة على جوانب كافة فلم يكن أمامهم إلا الصمود بواسطة  الحب ((    لقد بات العالم كلّه يعرف قصّة العاشقين: الضّحاك وبهاء اللّذين انتصرا على الموت والنّسيان والفراق بقوّة حبّهما الخالد. )).(48)

الجنس:

 كان الجسد وسيلة للتعبير عن حالة الضياع والانكسار السياسي والاجتماعي والديني، فكلما مرت بهاء أو مرّ الضحاك بأزمة معينة كان الجسد وسيلة للهروب من التوتر النفسي، ولكن هيهات أن يكون ذلك، فمن غير الحب البعد الخامس الذي حددته الروائية في روايتها الأولى ( أعشقني ) لن تحقق هذه المحاولات المطلوب منها فتكون الانتكاسة أكثر عمقا ووجعا. وكما نلاحظ في الجانب السياسي ان المجتمع يساهم في دفع الشخصية على الانحدار فكان الجسد وسيلة للعيش، فالجسد في رواية “أدركها النسيان” يطرح أبعادا أيدولوجية. ((إنّها باختصار عاشت انكساراتها الطّويلة وإحباطاتها المستمرّة في بحثها عن تأمين لقمة عيش شريفة تقتنصها بصعوبة في عالم لا يرضى بأن تعطيه عملها الدّؤوب مقابل أجوره الزّهيدة، ما لم تهبه جسدها اللّذيذ الشّهيّ الأحمر.))(49) في هذه الأجواء المعقدة والمتشابكة نمت بهاء وحيدةًً لا تجد من يقف إلى جوارها، وبما تمتلك من مقومات الجمال المغاير للجمال العربي ذات السحنة السمراء، فهي حمراء فاتنة، كل هذا جعلها محط انظار الكل، وكان جسدها مطمعهم، وقد استغلت هذا الأمر لتحقيق مآربها المختلفة. ومن ثم تعرية الواقع الاجتماعي والسياسي والديني (( حاولتْ بإخلاص أن تحظى بأيّ فرصة للقمة الحلال، ولكنّ الرّجال الطّامعين بها سدّوا الدّروب عليها مرّة تلو أخرى حتى ساقوها إلى الرّذيلة بأشكالها جميعها. ظلّت لسنوات أسيرة الرّوح والجسد للشّياطين البشريين، إلى أن نفد شبابها الأحمر المثير، فاكتفتْ عندها بالعزلة التّامة إلاّ من صديقتها هدى المقرّبة إلى نفسها، وبعض زبائنها الذين يشترون كلماتها الذّهبيّة، وينشرونها في الصّحف والمجلات بأسمائهم)) (50) فالرواية تعمد إلى وصف جسد المرأة الداخلي والخارجي لتعطيه أبعادا أخرى وتجعله محط انظار الآخر المختلف فاللون الحمر واللقب الذي لقبت به الحميراء جعل منها مطمعا للآخر المغاير له في بشرته.

لهذا كانت بهاء تؤكد دائما أن الخيانة لا تكون في الجسد فقط كم يظن بعضهم، بل إن الكلمة لا تقل خطرا في الخيانة عن الجسد وهي تحمل الشرف كما أن الجسد يحمل الشرف معه، لذا هي تعرف تماما أنها تمارس دعارة القلم وهذا ما أشرنا اليه في الجانب السياسي ((فأخذتْ تتاجر بكلماتها، وتمارس دعارة القلم بدل دعارة الجسد، إلى أن حظيتْ بوظيفة حكوميّة درّت عليها راتباً تقاعديّاً ضئيلاً جعلها تهجر زنا القلم والجسد، وتركن إلى صمت بيتها مهمومة بالوحدة والمرض والعوز)) (51) لتعري أولئك الأدباء الذين يعمدون إلى تسلق الشهرة من غير حق، ومن ثم يكون القلم مزيفا لا يدافع عن قضايا الأمة وينشغل بما هو دون ذلك، لتبرر ذلك بحاجتها للمال (52). لتقارن بين بيع الجسد والقلم فتكون الخسارة واحدة متشابهة((وما استطعتُ أن أقضي على هذا الهاجس المتنامي في أعماقي بأنّ كلماتي جزء من عرضي وشرفي، وأنّ من يشترونها منّي هم عابرون جدد في جسدي، وأنّني لا أزال أتاجر بي مع اختلاف شكل الاتجار، إلاّ أنّ الأجر في المرّات جميعها هو أقلّ ما يمكن أن يكون البيع به.)) (53)

ولعل هذا العوز  هو الذي دفع بربارا سكرتيرة الضحاك بان يكون جسدها هو الوسيلة الوحيدة لسد عوزها المادي، فاصبح الارتباط الجسدي عبارة عن عقد عمل ((وقد ساعدته سكرتيرته باربرا على انتقاء تلك الملابس على مضّض وكره منها، وهي من كانت تؤمّل نفسها بالزّواج به، والاستحواذ على سحره وشهرته وماله ولطفه العرمرم وقلبه الحنون المبدع في كلّ شيء بعد تاريخ مضاجعات بينهما لا يُستهان بعددها، حتى وإن كانت عابرة دون وعود زواج أو حبّ أو حتى مساكنة.)) (54) فالفقر دفع بربارا للعمل مع الضحاك وإدارة شؤونه في المنزل ولكنه كان يستغلها  جسديا لإشباع رغباته الجنسية من دون أدنى شعور بالحب، وكأنه يستغل حاجتها إلى الإيواء والعمل، فالعمل ظاهر الموضوع ولكن يقف خلفه الاستغلال الجسدي. فكان لجنس  منفذا للتعبير عن ضغوط الحياة وهمومها.

ولعل الانتكاسة الأكثر مرارة حين يتحول المعلم  أفراح الرملي بما ارتبط من قدسية الرسالة التي يحملها إلى زير نساء، وهي التي كانت تطمح أن يساعدها في دروب الادب والمعلم ((كما لم تكن تعلم هي أنّ هذا الاجتهاد سوف يقودها إلى درب المعلم أفراح الرّمليّ الذي كان يجيد اصطياد كلّ ما يشتهي أن يصطاده، ولو كان يتيمة حمراء تجيد صنع الكلمات. )) (55) لتقدم وصفا تفضيلا لشخصية الرملي وتشبهه بالصياد لتبين عمق الافتراس ولعل الرمز الذي تحمله شخصية المعلم هي رمز لهؤلاء المتحكمين بالشعب /إناث الميتم  وما سكوت المشرفات على ذلك الا سكوت السلطة عن تصرفات هؤلاء ((كان عندها في نهاية العقد الخامس من عمره، ولكنّه كان يملك شهوة صيّاد في عنفوان قوته، شهوته هذه كانت تدفعه إلى اصطياد إناث الميتم واحدة تلو الأخرى، لم يخرج من الميتم عندما تقاعد عن العمل في سنّ السّتين إلاّ وقد اصطاد نساء الميتم جميعهنّ، لقد طوّف على أجساد اليتيمات الواحدة تلو الأخرى، وضمن تستّر المشرفات على جرائمه بأن أعطاهنّ أنصبة مشبعة ومرضية من الجنس الذي يتحرّقن للحصول عليه، حتى عاملة النّظافة المسنّة التي كانت رائحة القمامة تفوح منها قد غزاها في غرفتها المنزوية في مطبخ الميتم، وأشبعها جنساً حتى غدتْ حيوانه الأليف الذي يلهث خلفه أعمى عن كلّ شيء سواه. )) (56)ليحول الميتم إلى مبغى يشبه المجتمع إلى حد كبير في إشارة إلى الفساد الذي يحتاج إلى سلطة قوية لتواجه هذا الوحش ((أفراح الرّمليّ حوّل الميتم إلى مبغى خاصّ به، وفرض شهرياريته عليه، وما كان من السّهل عليّ أن أقول له لا؛ فماذا تستطيع طفلة يتيمة وحيدة أن تقول لوحش يلتهم الجميع؟)) (57)

ونلحظ أن كل  الشخصيات التي تعرفها كانت تقدم لها ما يبرر أفعالها، لكنها في حقيقتها تكون بالضد من ذلك، فالمعلم الرملي كان في نظرها ((أفراح الرّمليّ هو إنسان رائع وطيّب وملهم، مهما حيكتْ حوله من قصص الفسق والفجور والإجرام؛ فهو يشجّعني على الإبداع والكتابة، ويملك قلماً بديعاً ينقط كلمات سحريّة، ولا يمكن لمن يملك قلماً كقلمه أن يكون مغتصباً مجرماً.)) (58) حتى مديرة الميتم كان يمارس الجنس معها(( لكنّني لم أحدس أنّ هدى ستقودني إلى حمّام مديرة الميتم الذي يطلّ من كوّة صغيرة مخصّصة للتّهوية الدّاخليّة على حجرة نومها، لأرى منها أفراح الرّمليّ عارياً مثل خنزير بريّ بنيّ اللّون، وهو يسافد مديرة الميتم النّحيلة مثل قشّة، ويعبّ القبل من جسدها الهزيل مثلما ينقر غراب قطرات الماء من داخل قصبة ملقاة على الطّريق. )) (59)فهو لا يهتم للشكل الذي يستبيحه ((لا يتوّقّف كثيراً عند إشكاليّات الجمال وتفاصيل الأنوثة والسّن وأدبيات العمل وأخلاقيّات المعلّم وضمير المهنة، بل يفكّر في شيء واحد، وهو رحلة ذكره في أرحام الإناث أيّاً كنّ، ومتى أُتيح له أن يقفز عليهنّ، واصفاً نفسه بحصان أصيل جموح متى اشتهى قفز على أنثاه، وسافدها، أشاءتْ ذلك أم أبتْ، حتى ولو كانت طفلة يتيمة ليس لها في الدّنيا من يدافع عنها، ويحمي شرفها من الاستباحة.)) (60)لقد عاشت بهاء حالة من الضياع والتردد والحيرة بين ما تريد وتطمح وما هي عليه هذه اللحظة.((لم أعد أفرق كثيراً بين سخرية أفراح الرّمليّ منّي وبين مديحه لي، ولكنّني أدركتُ تماماً أنّني أتقدّم كثيراً في الكتابة بفضل توجيهاته ورعايته لي، وتصحيحه المستمرّ لمساري في الكتابة، فأراه عالياً سامقاً في عالم القلم، حتى ولو كان أسفل سافلين في مدارج الأخلاق، وخائناً رعديداً لأخلاقيّات التّعليم والعلم والإنسانيّة؛ فهو ليس أكثر من ثعلب خائن يسطو مرّة تلو الأخرى على أجساد فتيات يتيمات ضعيفات، فيأكل لحومهنّ، ويشلع عظامهنّ في البعيد. )) (61)فتتعاون الشخصيات في هذه الممارسة ويكون الإذعان من قبل الأطراف لممارسة الفحش من خلال فلسفة يصدقانها معا، فتكون الممارسة برضى الطرفين. وإن كان الضعف باديا في الطرف الضعيف المسحوق بهاء / الشعب في صورة  تشبيهيه تعكس الانسحاق والضعف ((ما استطعتُ أن أقاومه، أو أرفضه، أو أصرخ في وجهه، وهو يجرّني كعنزة صغيرة إلى غرفته المجاورة لغرفة مديرة الميتم، ويشرع يعرّيني، ويتعرّى في آن، ويفتضّ عذريتي وطفولتي وأحلامي الصّغيرة، وأنا صامتة مثل غراب مفجّع خائف ربطوا قدميه إلى سكّة حديد يعبرها قطار في القريب كي يفرمه تحت عجلاته الحديديّة الملتهبة. )) (62)

لتنتقل إلى شخصيات أخرى وهي الشخصيات الأدبية التي تجعلها في مواجهة النقد، ومنها شخصية وفاء ذيب كاتب وناشر عن علم فلسفة الجمال وجدت فيه الانسان الحق ((ورأيتُ نفسي لأوّل مرّة في حياتي أمام كائن شبه منقرض اسمه إنسان بحقّ. )) (63) لكنه مات بالذبحة القلبية بعد أن منحته جسدها لانها أحبته ((، لكن الموت سرقه إلى عالمه الأسود القاتم عندما أصابته ذبحة قلبيّة، وهو في حضني، لقد قتله الفرح، وخنقته المتعة، فانسحق جسده الرّائق الحنون تحت وطأة جسدي الشّبق المتنمّر عليه. )) (64)ثم تعرفت على فنان اسمه يراع طرب أحببته لأغانيه واعتقدت أنها تشدها إلى عالم الدهشة من جديد، ولكنه كان يعشق النساء وهو ينتقل من واحدة لأخرى كعشقه لأغانيه ((اكتشفتُ أنّه يعشق النّساء بطريقة عشقه للموسيقى والألحان والكلمات؛ أيّ يعشق أن يجرّب الواحدة منها تلو الأخرى، وأن يجد نفسه في متناقضات النّساء، ولذلك عندما عزف نغمي، ابتعد عني، وذبل حبّه لي.)) (65)إلا أنه تحول إلى الشذوذ الجنسي وترك أغانيه الوطنية ((لكن ثريّاً مشرقيّاً لوطيّاً سبق المقطوعات النّسائيّة الأخرى إليه، واتّخذه له، وأعلى كعبه في إمبراطوريّة ثروته، وأستحدث له مشاريع إعلاميّة وفنيّة لأجل أن يبقيه إلى جانبه؛ فما كان يستطيع أن يفارقه، أو يستغني عن فنونه في الشّذوذ الجنسيّ، بعد أن هجر الأغاني الوطنيّة والدّينيّة والإنسانيّة التي كان يتكسّب منها، ويزعم أنّه سفيرها لما تحمله له من شهرة وجماهيريّة ودخل عريض، وتخلّى عنها جميعاً لصالح شذوذه الذي فتح له كنز علي بابا والألف شاذّ)) (66) فلم يكن ملتزما بالدفاع عن ما يؤمن به من قضية دينية ووطنية.

ثم اسست دارا للبغاء لا تختلف عن الميتم بل هي أفضل من الميتم في أحيان أخرى، وهذه إشارة إلى المجتمع وقسوته والفوضى التي تعمه ليكون بعد ذلك المبغى بكل ما يحمل من خرق للمألوف الاجتماعي والديني افضل منه، فقررت بهاء أن تلغي الحب من حياتها ليكون الجنس بديله وما يدر عليها من أموال، فتكون العلاقة أشبه بعلاقة تجارية توفرها الظروف، ومثل هذا المنطق المخاتل، ولي عنق الحقيقة، التي لم تكن تؤمن به، جعلها تجري خلف السلطة والمال، مما أتعبها أكثر، لأنها مدركة بصورة جيدة أن الحب الحقيقي هو الذي يعطيها الأمان والمتمثل بالضحاك. (67)((لطالما شعرتُ أنّ هذه الدّار صورة طبق الأصل عن الميتم الذي فقدت إنسانيتي وبراءتي فيه؛ فكلا المكانين يبيعان أعراض الفتيات العاجزات عن الدّفاع عن أنفسهنّ، إلاّ أنّ للميتم إثم السّبق في تلويث الفتيات، وسبّة تعهيرهنّ وهنّ من وُلدنَ نقيّات طاهرات مثل حبّات مطر السّماء، في حين هي أفخر أنّ داري لم تجرّ أيّ منكوبة إلى هذا الدّرب الجهنّميّ، وأنّها لم تأكل في يوم عرق عاملة فيها، ولم تعبّد أيّ واحدة بالسّخرة، فكلّ واحدة منهنّ تأخذ أجرها موفوراً كما تطلب دون نقصان أو غبن، وتعمل وفق قدرتها وطاقتها ورغبتها.)) (68) إن الدار التي أسستها بهاء لم تكن إلا ردا قاسيا على مجتمع تخلى عن مهامه في توفير حياة كريمة لمواطنيه، بل العهر الذي يمارسه المبغى أشرف من العهر المقنع الذي يمارسه المجتمع لكثير من الشخصيات التي تدعي الوطنية والدين، وهم أبعد ما يكونون عنها بل إن المبغى كان يعطي مريديه جوراً مقابل أعمالهم، فكان جسد المرأة هو الشاهد الأكبر على زيف وظلم البشرية التي لم ترق إلى مستوى إنسانيتها حتى الآن، فمتى ما انعتق جسد المرأة من الدنس نقول إن الانسانية والحرية والعدالة قد تحققت. (69) ((  قرّرتُ أن آخذ قراراً جريئاً، وأن أهجر دار البغاء التي أسّستها على أرقى طراز لأجل الطّبقة المخمليّة في المجتمع، واستقطبتُ لها جميلات المومسات، وسيّدات الأشراف المزوّرات ليمارسن فيها هوايتهنّ في التّردّي والسّقوط والتّعهّر، وقدّمتُ فيها مغريات كبيرة كي أجذب إليها أهل القلم والصّحافة والكتابة والفكر تقديراً مني للقلم والكتابة اللّذين أعشقهما على الرّغم من انشغالي عنهما بعوالمي الحمراء التي تشبه لوني المحزون)) (70)

   إنَّ تجربة الجسد ألتي جاءت بها المبدعة سناء شعلان لم تكن ولن تكون مجانية زخرفية، وإنما حاولت من خلالها الروائية أن تخترق المألوف بجرأة شفافة، موجهة أصابع الاتهام إلى قسوة المجتمع وتحجره. فكانت سناء المبدعة تقف على مسافات مختلفة، تارة تبتعد لتترك الفضاء لشخصياتها، وتارة تتخذ من بهاء قناعا لها، لتعبر بشيء من الجرأة عن موضوعات تدخل في المحرم في المجتمع العربي، ولا سيما الحديث عن الجنس ووصف الممارسة بلغة شفافة لا تخدش الحياء،إنَّ هذا العري يهدف إلى التدمير تمهيدا إلى التكوين، عن طريق ” تجاوز الطبقات الرسوبية الزائفة وبلوغ الجوهر العميق  وتسكينه في الوعي تمهيدا لتفجيره والخلاص منه )).(71)

ليصل هذا  الجنس في العالم الافتراضي((سرعان ما صدفتُ حالم الورديّ وجنان الطّويل في العوالم الافتراضيّة عبر المراسلات الإلكترونيّة في الشّبكة العنكبوتيّة، لا أعرف من منهما صدفته أوّلاً، ولكن كليهما عاش معي التّجربة ذاتها في الوقت نفسه؛ فكلاهما كان عشيقي الافتراضي في آن، إلاّ أنّ التّفاصيل كانت مختلفة تماماً)) (72)على درجة من الفكر والثقافة ويكتب الشعر والمقالات الفلسغية ولكنه بذيء الكلام ويرسم لوحاته الجنسية. وكان يرسل الكتب الجنسية التي يزخر فيها التراث العربي(73) وقد أطلق عليها لقب البغي المقدس تكريما لدورها في الحياة. ختفى بشكل مفاجيء. ثم تعرفت على جنان لطويل وتركته أيضا(74)

لتعلل ذلك الانحراف بسبب لون بشرتها المغاير ووحدتها في مجتمع قاس ((لأنّها امرأة حمراء مثيرة يتيمة لا معين لها، أو نصير في مجتمع داعر لا يعرف من الفضيلة إلاّ التّشدّق بها. )) (75)((لقد حاولتْ مرّة تلو الأخرى أن تنزع إلى درب الفضيلة، ولكن المجتمع المتوّحش كان يجذبها بقوة إلى الرّذيلة والضّياع. والآن هي وحدها معلّقة في عالم النّسيان والمرض كي تهرب من العذاب وسوق النّخاسة الذي ما استطاعت أن تنجو من غوائله)) (76)

لتحدد اسباب ممارستها الجنس  وكأنها تشخص ما يمر به المجتمع من مبررات تدفع إلى الانحراف ((  لسنين طويلة دفعتُ جسدي مقابل كلّ شيء أكان طعاماً أم مالاً أم شهرة أم امتيازات أم مصالح أم متعة عابرة أم تفريغ غضب أم حزن أم انتقام من الوحدة أم نظير حماية أم تحقيق مصلحة أم نكاية بالسّماء والأرض وما بينهما لقاء وحدتي وحرماني المهلك من راحة بالي وضميري. )) (77)

ولعل السرطان الذي ضرب مكامن الأنوثة يشعر بوصولها إلى العدم ((هل تحبّ الرّجال الرّمال العابرين في السّراب أيّها السّرطان؟ لا بدّ أنّك تشتهي أن تلتهم كلّ ما يمرّ في طريقكَ، وطالما أنّكَ قد وصلتَ إلى ثديي ورحمي، فأنتَ قد وصلتَ تماماً إلى المكان الذي عبروا جميعاً منه، وعليك أن تقف معي على شواهد قبورهم لأحكي لكَ بعض قصصهم، لعلّكَ تقتنع بأنّ لا جدوى من أن تجرّني معكَ إلى العدم؛ فأنا عدم كامل منذ دهور دامية)) (78) لأن إزالة الرحم والثدي للبطلة بهاء هو إزالة الحاجة إلى الآخر، (( بل يكون هناك سعي صوب الأصل العميق داخل الأنا ذاته، ويكون ثم انقطاع عن العالم، لتقفل الدائرة )) (79).

لقد تحولت بهاء إلى جسد الاشتهاء تتنقل بين الرجال من دون حدود اجتماعية ودينية، فتكون مهووسة في الجنس إلى درجة أطلقت على بعض هؤلاء لفظ العابرين في إشارة إلى ممارسة اللذة في لحظة ما ولهدف ما يبدو غريبا وغير مقنع للقارئ. وكأنها تعيش حالة الاكتشاف أو مدى قدرتها التي تمتلكها للتحكم بالآخر، منهم البسيط المسخ، وشاعر أقدم على الانتحار بعد ذلك، ومناضل عوضته عن فقدانه لساقيه كجزء من العمل الوطني السري، وذلك الوسيم صاحب السحنة السمراء الذي يمارس الشعر بطريقة ممجوجة،وشاب بعمر ابنها تصدقت عليه بجسدها لأنها عاش اليتم، وسائق يعمل لرجل كانت تمارس الجنس مع سيده، وشخص يخدع البشر، وشاعر صعلوك، وشخص مبتذل من قبل الشعب، وشخص أمه تمارس سحاق بعد أن هجره والده. (80) ليتحول العالم إلى ميتم كبير ((كنتُ أظنّ أنّ الميتم ينحصر داخل أسواره الخانقة فقط، وأنّ المعلّم أفراح الرّمليّ نسيج وحده من أنسجة الظّلام في ذلك المكان الرّهيب، ولكنّني اكتشفتُ سريعاً أنّ العالم كلّه ميتم كبير، وأنّ نسخ أفراح الرّمليّ من البشر لا حدود لها، وأنّ من الطّبيعيّ في هذا الميتم أن يغتصب أفراح الرّمليّ وأشباهه مَنْ يشاءون ومتى يشاءون من الطّفلات المستضعفات اليتيمات.)) (81)

ولعل هذا الدمار الذي أصاب المجتمع وصل إلى أدق المهن الإنسانية وتمثل ذلك في الطبيب تيم الله الذي أجرى لها عملية قلع الرحم ((تَيْم الله الجزيريّ لم يكن مجرّد طبيب حاذق ومشهور في علاج سرطان الثّدي والرّحم حسب، بل كان دائرة معارف إنسانيّة متنقّلة، ومجرّة شعوريّة مذهلة، فيسهل عليّ وعلى غيري أن يصدّق أنّه قد عاش ست حيوات سابقة كي يحصّل هذه المعارف كلّها، ويملك هذه الثّروة من المشاعر المتأجّجة المتراكمة، وكأنّها طبقات من نور إحداها ينير فضاءات الأخرى.)) (82)

كان يمارس الجنس مع كل الأعراق ويحترم العاهرات ((كان يزعم تواضعاً أنّه ضحل في كلّ شيء، إلاّ في الجنس والعشق، فقد كان يفتخر بصوته الخفيض الهادئ بأنّه إمبراطور من أباطرته المجرّبين المقتدرين عليه، وكان يستثمر أسفاره وعلاقاته المتشعّبة لأجل أن يسجّل أعلى رقم كونيّ في المضاجعات وافتراع البكارى ومساجلة الخبيرات الحصيفات فيه، وكان التّنويع بين الأعراق أكثر ما يثيره، ويستجلب رغبته للجماع، فما ترك أنثى من أيّ عرق إلاّ وضاجعها، حتى أنّه كان يجمع في سريره الاثنتين والثّلاثة من النّساء في اللّيلة؛ كي لا يدركه أزوف سفر أو عمل، فيمنعه من تجاربه الجنسيّة العابرة للقارّات والأزمان والأعراق، لكنّه كان يأبى أن يشتري أجساد المومسات لأنّه يراهنّ طاهرات مظلومات قد دنسهنّ البشر، فينحني لهنّ في مروره بهنّ، وكأنّهنّ آلهات مقدّسات تعالتْ على كلّ دنس أو رجس.)) (83)ولكن في حقيقة تيم الله انه تعرض لانتكاسات سرقة ورث أهله وزواجه من طالبه سطت على أمواله وجردته من كل شيء (84) وهو قد مارس الاغتصاب منذ طفولته لطفلة مع ابناء القرية ثم تركوها للموت، من دون خوف من العقاب لأنهم أبناء الأثرياء وهي ابنة الفقراء.(85) في إشارة إلى طبقية المجتمع وضياع الفقراء تحت سطوة الأغنياء والسلطة. واختلال توازن العدالة في المجتمع(( وتزايد الألم في ثديي عندما قفزتْ إلى ذهني قصّة روتها لي شقيقة تَيْم الله الجزيريّ عن فتاة فقيرة قطع الأغنياء أصابع يديها بالسّاطور؛ لأنّها تجرّأتْ، ولمست ببراءة يد طفلة من أبنائهم.)) (86) إن الجسد غالبا ما يرتبط بعالم اللذة، وهذه اللذة مرتبطة بقدرة الجسد على العطاء، واي تغيرات فيه تنعكس سلبا على تلك اللذة، فجسد بطلة الرواية بهاء تعرض لتغيرات بسبب إصابتها بمرض السرطان لذي ضرب مكامن الخصب والنماء والأنوثة، الرحم والسرطان، وبمجرد استئصال أعضاء من جسدها تغيرت علاقته مع ذاته، ولكن هذا التغيير لم يستمر طويلا، فقد عادت إلى ممارسة للذة مع تيم الله الطبيب لتشعر بأنوثتها مرة أخرى.

فمع ما يتصف به تيم الله الجزري من ثقافة وعفوية وطيبة إلا أن جذورها كانت مغايرة، فهو من عائلة مارست سلطتها على الغير، وهو في طفولته لم يكن سويا، فقد اغتصب فتاة صغيرة مع رفاقه، كان نتيجتها الموت لها، ولكن من دون رقيب وسلطة للمحاسبة لأنها من عائلة فقيرة، ليس هناك من يطالب بحقها، هذه الحادثة فضلا عن اغتصاب أعمامه لثروته التي ورثها عن والده، جعل الاغتصاب يظهر بشكل غير مباشر في تصرفاته وإن كان يمتلك كل مقومات التقدير من الآخر، إلا انه نظر إلى المرأة تجربة يخوضها، ويحاول أن يتكشف ذلك كلما سنحت له فرصة التجريب، وكأنه في سياحة جنسية لدول العالم. لتعكس مفارقة هذه الشخصية وتنقل لنا صورة(( تَيْم الله الجزيريّ، وهو يعتلي كرسي عربة يجرّها إنسان حافٍ شبه عار في دروب مدينة قديمة، وهو يتقافز من تحرّق قدميه اللّتين تلحسهما الأرض بحرارتها الكاوية، في حين يتبرّد تَيْم الله بهوّاية قشّيّة يدويّة يحملها في يمناه، ويهشّ بها على وجهه المتعرّق عرقاً مطيراً، ويستحثّ الرّجل التّعس الذي يجرّ العربّة التي تحمله كي يسرع أكثر ليصل إلى محاضرته حول حقوق الإنسان في أسرع وقت ممكن)) (87)

إن انكسارات الجسد ظهرت منذ الطفولة فقد تعرضت شخصيات الرواية إلى الانتهاك الجسدي كبهاء وصديقتها هدى وحبيبها الضحاك وهي انكسارات أخذت معها ليس الجسد فقط بل الروح، مما يجعلها تعيش الارباك، لانها جاءت من اشخاص اصحاب سلطة ـ المعلم ورجال الامن والعم ـ فهي سلطة تفرض وجودها على الشخصيات فتجعلها تعيش حالة الغربة النفسية والضياع. ((لكنّه اللّيلة يتذكّر تماماً وجع الاغتصاب وذلّه وحرقته وذلك العسكريّ الوغد يملص بنطاله وملابسه الدّاخليّة، ويغتصبه مقنّعاً على مرأى من المعتقلين المعذّبين والجنود وقائدهم الضّابط؛ كانوا يريدون أن ينتزعوا منه أسماء لا يعرفها، وتفاصيل أحداث لم يشارك بها، وأفكاراً لم يزرعها ثائر أو مصلح في رأسه؛ لم يكن أكثر من صبيّ بريء اتهّمته مديرة الميتم العانس بسرقة أموال من الخزنة كي تتخلّص منه، وسرعان ما وجد نفسه في السّجن مع زمرة من المعتقلين السّياسيين الذين لم يفهم من كلامهم يومها سوى أنّ الحريّة أغلى من الحياة. )) (88)لأن والده كان فدائيا ولزم الصمت في التعذيب كما لزمه في الماتم وكان الصمت هو ديدن تلك الشعوب ولا سبيل للحديث عن أي شي ومن ثم ضياع الحقوق (89). بل نجد صور زنا المحارم فصديقتها هدى القريبة منها قد تعرضت للاغتصاب من قبل عمها ((اغتصبها عمّها في طفولته مستغلّاً أنّ لا أبّاً لها يدافع عنها بعد أن ابتلعه التّراب، ولا أمّاً تطالب بحقّها بعد أن هجرتها لتتزوّج من أحد أقاربها الأرامل، وسافرتْ معه حيث يعمل في جزيرة بتروليّة نائيّة. وظلّ عمّها الشّاب يغتصبها حتى تعلّقت به، وعشقته، وطاب لهما زنا المحارم إلى أن اكتشف بعض الأقارب هذه العلاقة الآثمة التي تجمعهما، فأبلغوا الشّرطة عنهما، فافتضحتْ حقيقة الأمر، فأسلمتها الشّرطة إلى الميتم ليتولّوا رعايتها، في حين زجّت بعمّها في السّجن، ومنذ ذلك الوقت لم تسمع شيئاً عن عمّها العشيق، وغدت عندها عقدة من كلمة عمّ التي تنتفض كلّما سمعتها، وتجهش ببكاء محروق حتى تتشنّج أوصالها)) (90)

لقد تعرض أبطال الرواية بهاء والضحاك إلى انتكاسات سياسية مستمرة، وخيبة أمل في وطن فقد الانسانية بكل معانيها، فما كن منهما إلا تعويض ذلك، تعويض غير مجد، عن طريق الجسد ولكن من دون جدوى. على الرغم من أن هذه الشخصيات لا ذنب لها سوى أنهم وجدوا في عوائل مفككة، وفي مجتمع يعاني الانهيار في منظومته بشكل كامل.

الدين:

لقد شكل الجسد سلطة استثنائية في تحريك الأحداث والوصول إلى الذروة لبيان مايقبع تحتها من شذوذ مجتمعي أصبح مخيفا في مجتمعنا العربي بشكل عام. كانت الشخصيات تختفي خلف الدين لتمارس عهرها، فشخصية كريم وهداني الذي تلقف بهاء عندما غادرت الميتم لانها بلغت سن الثامنة عشرة (( ذلك العجوز كان قد رآها في إحدى زياراته إلى الميتم، عندما كان يتردّد عليه وعلى غيره من دور الأيتام والمستشفيات ودور رعاية المسنّين متبرّعاً لهم ببعض ماله الذي كان ينفقه بسخاء كي يداري خلفه مصادره المحرّمة في جني المال وكنزه )) (91) وكان له ابن وحيد يحاول ان يصدره للمجتمع مع عوقه بسبب المال الحرام(92) باعت جسدها له على الرغم من شيخوخته مقابل أن يوفر لها حياة كريمة ((لم ترفض ذلك إلاّ لبعض الوقت، لكنّها عندما أيقنتْ أنّها ستعود من جديد إلى الشّارع وحيدة معدمة باعتْ جسدها له؛ لعلّه تحصّل بثمنه بعضاً من الأمن والرّاحة والرّعاية والأمل في المستقبل)) (93) وإمعانا في ذلال هذه الشخصيات وتعريتها فقد سلبت منه ذكوريته التي يتبجح بها، فكان في حقيقته أشبه بالسيد الخصي لا يمكن له أن يمارس فحولته  (94). فالمرأة في موضوعة الجسد ترصد أدق الاحاسيس والمشاعر من دون خجل ومواربة، معها يشتبك نبض النص في لغة مبدعة خلاقة نلمس فيها فعالية الجسد.(95). وتعرفت على رجل دين آخر عن طريق امرأة طبيبة لينقذها من افلاسها ((تعرّفتُ عليه عن طريق امرأة خمسينيّة قابلتها في فضاء مؤسسّات العمل الخيريّ، هي امرأة تحبّ أن تساعد الآخرين في قضاء حوائجهم، وللأمانة والصّدق هي طيّبة القلب، وحنون، وكريمة الاستضافة، وجميلة المعشر على الرّغم من قبح سحنتها، إلاّ أنّها تعشق السّرقة من الفقراء والمعدمين والمساكين)) (96) لقد استخدمت الجسد بكل حيثياته لأن العلاقة بين الجسد والعالم هي علاقة احتواء وامتلاك فضلا عن علاقة الحوار والتناغم والتوحد (97) وكان  هذه الشخصية تلقب بالحاج مع ابنه البكر، لبيان زيف هذه الألقاب التي أصبحت في كثير من الأمكنة جواز سفر للممارسة السرقة من دون شبهات وكأن مثل هذه التسميات تضفي على صاحبها غطاء الشرعية ليمارس ما يحلو له ((عيسى الإقباليّ قبل بتوظيفي بمجرّد أن وقعت عيناه على حمرتي التي تشبه حمرته المشبعة بصّحة واضحة والمهندمة بملابس دينيّة حريريّة مقصّبة، بعد أن كرّر أكثر من مرّة قول “ما شاء الله، تبارك الله فيما خلق”؛ فهو كان يجيد ذكر الله، إلاّ أنّه لا يخشى غضبه عليه، ولا يستحضره في أيّ عمل يقوم به. البقعة السّوداء في جبينه إمارته على كثرة السّجود والصّلاة هي أوّل ما لفتت نظري وأنا أطالع وجهه الذي يتدارى جزء منه خلف صورّة كبيرة في إطار ذهبيّ مزخرف يضعه على مكتبه بشكل استعراضيّ فجّ في مواجهة الرّائي، كانت الصّورة لأسرته حيث زوجته المحجّبة المتلفّحة بالسّواد تقف إلى جانبه، وتحمل أصغر أطفالها، وهو يحمل طفلاً آخر يبدو في الرّابعة من عمره، ويقف أمامهما طفل سمين مثل عجل، وطفلة أقل سمنة منه، وفتاة نحيفة سمراء مثل أمّها، وعلى رأسها حجاب أبيض مائل إلى الصّفرة. )) (98) فأبناء عيسى الإقبالي لا يختلفون عن أبيهم يحملون طابعا إسلاميا (99) والمفارقة أن كل هذه الصفات التي يحملها فهو لص سارق، فقد سرق نسبه الشريف وهو هجين مشكوك في نسبه، وثروته كانت عبارة عن سرقات، وشهادته سرقات متكررة، وأمواله كانت قائمة على شركات الآخرين بعد أن أفلسهم جميعا، بل إنه تحول على مال ((الأيتام والأرامل والأوقاف والمساجد والمبرّات والجمعيّات الخيريّة يسرق منها بشتى الطّرق والحيل تحت ستار التّدين والصّلاح والخير)) (100) هذه الحياة انسحبت على بهاء في زواج سري بعد أن أطلق عليها لقب الحاجة وطلب منها أن ترتدي الحجاب شكليا ((  لكن حجابه المفروض عليّ قسراً لم يستر سوى شَعْري، ولكنّه فضح عرضي، ونهش لحمي؛ فسرعان ما غدوت خليلة شرعيّة له بورقة زواج سريّ أسماها زواج شرعيّ على طريقة الأسلاف، وما دريتُ كيف كان الأسلاف يتزوّجون، وما عناني دربهم في ذلك، كلّ ما عناني في الأمر أن أحصل على مال وبيت يسترني بعد أن أصبحت الزّوجة السّريّة للحاجّ النّبيل الأصيل وفق زعمه، وربما أحصل على طفل منه يدخلني إلى نعيم الأمومة وعظمتها، ويجعلني حرّة بالتّسرّي، ولكنّه كان يأبى الإنجاب منّي، ويصمّم على أن تكون خلواته بي للمتعة فقط. )) (101) لذا تنتقد هذه الثوابت الدينية وانحطاط المجتمع الذي يقدس التقاليد والشرف، ومن ناحية أخرى  يسحق الأفراد بكل قوة من غير رحمة وشفقة ليلقي بهم في غياهب الظلام لمواجهة مصيرهم المجهول، ومن ثمَّ الوصول إلى المرأة هو وصول بكل أحواله وإن اختلفت الطريقة، إلا إنه يحقق ممارسة الجنس، وبعدها تنكشف الحقيقة المختبئة وراء ذلك.((قبلت بالزّواج المغشوش الذي عرضه عليّ على ما فيه من شذوذ وكذب وافتراء على الشّرائع والحقائق على أمل أن أكون ملكاً لرجل واحد، وإن كان لا يزال يؤمن بأنّ نساء الدّنيا هنّ مِلكٌ ليمنه بشريعة ما صنعها بنفسه، وله أن يغير على جسد من بغى منهنّ بمنطق قطّاع الطّرق والشّطار والعيارين، ولكنّه عندما أراد أن يتاجر بي، ويعرضني على أسياده من الأشراف المزوّرين والصّالحين الملفّقين، قرّرتُ أن أعمل لحسابي الشّخصيّ، وأن أربّي زبائني الخاصّين من أصدقائه الذين يملكون جميعاً علامات سجود سوداء في جباههم العريضة،كما يملك هو علامة مثلها.)) (102)

وما يؤكد صحة وجهة نظرها أنه أخذ يعمل في كل اتجاه بعيدا عن فعل الخير((فتوسّعت تجارته، وزادت ثروته، ودخل شريكاً في مشاريع مريبة فيها قتل ودعارة وسلاح ومخدرات وأنواع الشّطارة جميعها، وليس فيها سهم واحد من سهام الخير والنّماء والصّلاح. )) (103) وقد سايرت هذه الأوضاع لتكون ((المرأة المتنفّذة في حياة شبكات المتاجرة بالدّين والمساكين والأبرياء واليتامى والأرامل والمستضعفين.)) (104) وكانت المرأة هي المحرك الرئيس لهذه الأحداث ((وربطتني علاقات مهمّة مع كثير من النّساء الأسرار في حيوات رجالات المنطقة المستشيخين، بعد أن اكتشفتُ أنّ تلكم المومسات الشّرعيّات هنّ الأرقام الصّعبة في المعادلات جميعها، كما أنّهنّ الآمرات الحقيقيّات)). (105)

 لتعرض لنا بعد ذلك  شخصية أخرى تكون بالضد من الأولى في محاولة الابتعاد عن التعميم عن تلك الشخصيات الدينية  وهي شخصية صلاح خير النوراني ((وخلتُ أنّه عضو جديد في عالم التّجارة بالدّين، ولكن عندما تحدّثتُ إليه، على الرّغم من حيائه الشّديد، اكتشفتُ أنّه رجل طاهر من حفظة القرآن الكريم، وإنّما أتى إلى هذا المكان متطوّعاً لأجل خدمة الأيتام والأرامل والمساكين؛ فهو يتحرّق شوقاً لعون النّاس، ونور وجهه يصدّق كلّ كلمة يقولها.)) (106) لتبين سبب رغبته بالارتباط بها ((عندما عرض عليّ أن أتزوّج به كان يبغي من ذلك أن يستر امرأة جميلة سيئة السّمعة والتّاريخ والحظّ، لكنّها تريد أن تصبح امرأة صالحة طاهرة، وتحظى ببنات وبنين)) (107)لتعود مرة أخرى  فتنقل تجربة أحد الذين يدعون الدين، والتناقض في حياتهم بين فعل وفعل آخر((أذكر تلك اللّيلة التي حدّثني فيه أحد زبائني الأفّاقين عن غضبه على ابنه، وطرده له من البيت؛ لأنّه يريد أن يحلق لحيته التي هي رمز جليل من رموز الدّين. كان الزّبون الغاضب عندها يتقطّع غضباً وهو يقصّ عليّ جناية ابنه ولحيته تقطر من شراب الويسكي الذي أسقطه عليها، وهو يعبّه عبّاً بانفعال، ويحفّز جسده الخائر ليستيقظ لدقائق كي يقطف لذة من جسدي ثمن ما دفعه نظير هذه اللّيلة الحمراء، ولكن جسده خانه، وآثر أن يسلمه لنوم هانئ طويل قضاه على سجّادة غرفة نومي، وهو يشخر مثل خنزير بريّ مختنق بما أكل من الزّبالة.)) (108)وهو لا يختلف عن المعلم الرملي الذي كان يضرب الأولاد بعصا حديدية على أصابعهم لأنهم لا يستفتحون صفحة التعبير بالبسملة في حين كان يمارس الرذيلة بأبشع صورها.(109) ـ فهي تعيش الماضي بكل أحزانه في الميتم حين كانت تبحث عن ذاتها ولكنها انسحقت تحت جسد معلمها الأول الرملي.

لقد كانت الذكورية واضحة في المجتمع العربي حيث تفرض حضورها عند بعض الشخصيات الروائية، وهي ذكورية فارغة من محتواها يظهر زيفها بمجرد أن تكون خلف الكواليس بعيدا عن الرقابة، وهو كشف للمستور السياسي او الديني، إذ أن من يتحكم بأمور الدولة لا يختلف عن ذلك فهو يمارس الذكورية والسلطة القمعية على أبناء جلدته في العلن وفي السر يكون مخنثا مخصيا.

الخاتمة:

إن شخصيات الرواية المختلفة لا تكاد تفارق شخصيات المجتمعات العربية فهي تكاد تكون واحدة في جوهرها وان اختلفت في مظهرها الخارجي أو المكانة الوظيفية التي تحتلها، فكلها جمعها خيط واحد وهو السقوط في الرذيلة وان اختلفت المبررات لذلك.

لقد كانت كل ممارسة جنسية في الرواية هي كشف لمستور سواءً أكان ذلك المستور سياسيا ام اجتماعيا أم دينيا، واحيانا تتداخل مع بعضها لأن الرابط لها هو الجسد بما يحمل من طاقة مؤثرة في المجتمع أكثر من غيره على المتلقي.

الهوامش:

1ـ أدركها النسيان، سناء شعلان، دار مواج للنشر والتوزيع، الأردن 2018:9.

2ـ الرواية السياسية والتخييل لسياسي، جميل حمداوي، 3007 موقع ديوان العرب www.diwanalariab.com

3ـ الرواية:5

4ـ الرواية:10

5ـ ينظر:الرواية:11

6ـ الرواية:13

7ـ الرواية:14

8ـ الرواية:37

9ـ الرواية:15

10ـ الرواية:54

11ـ الرواية:54

12ـ الرواية:59

13ـ ينظر:الرواية:86

14ـ ينظر:الرواية:89

15ـ الرواية:109

16ـ الرواية:117

17ـ الرواية:136

18ـ الرواية:138

19ـ الرواية:139

20ـ الرواية:140

21ـ ينظرالرواية:144

22ـ الرواية:146

23ـ الرواية:160

24ـ الرواية:161

25ـ الرواية:161

26ـ الرواية:164

27ـ الرواية:165

28ـ الرواية:166

29ـ الرواية:167

30ـ الرواية:167

31ـ الرواية:194

32ـ  الرواية:200

33ـ ينظر:الرواية:201

34ـ الرواية:212

35ـ ينظر الرواية:213

36ـ الرواية:214ـ215

37ـ الرواية:233

38ـ الرواية:243

39ـ الرواية:291

40ـ الرواية:236

41ـ الرواية:236

42ـ ينظر تقاطع وتعالق الرواية النسائية والتجربة الذاتية عن المرأة الكاتبة نوال السعداوي أنموذجا،حنان بشارة، 2013 ص4

43ـ ينظر الرواية:245

44ـ الرواية:296

45ـ  ينظر:الرواية:291

46ـ ينظر الجنس في الرواية العراقية: :31

47ـ الرواية:300

48ـ الرواية:342

49ـ الرواية:70

50ـ الرواية:71

51ـ الرواية:72

52ـ ينظر:الرواية:211

53ـ الرواية:212

54ـ الرواية:77

55ـ الرواية:96

56ـ الرواية:98

57ـ الرواية:99

58ـ الرواية:101

59ـ الرواية:102ـ103

60ـ الرواية:104

61ـ الرواية:105

62ـ الرواية:108

63ـ  الرواية:124

64ـ الرواية:127

65ـ الرواية:149

66ـ الرواية:150

67ـ ينظر: الجنس في الرواية العراقية، داود سلمان لشويلي، دار المتن للطباعة والنشر، 2018:105

68ـ الرواية:160

69ـ يظر: كشف أسرار لخلق في رواية كش وطن، حميد الحريزي، صحية الوطن الالكترونية،22/2/2015www.azzaman.com

70ـ الرواية:159

71ـ هكذا تكلم النص، د. محمد عبد المطلب، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1997:19

72ـ الرواية:168

73ـ ينظر:الرواية:169

74ـ الرواية:173

75ـ الرواية:181

76ـ الرواية:182

77ـ  الرواية:210

78ـ الرواية:219

79ـ الجسد في الرواية المعاصرة، سعد الوكيل، الهيئة العامة لقصور الثقافة،2004:59

80ـ ينظر:الرواية:219ـ 228

81ـ الرواية:228

82ـ الرواية:280

83ـ الرواية:248

84ـ ينظر الرواية:295

85ـ  ينظر: الرواية:296

86ـ الرواية:299

87ـ الرواية:303

88ـ الرواية:329

89ـ الرواية:330ـ331

90ـ الرواية:104

91ـ الرواية:114

92ـ ينظر:الرواية:114

93ـ الرواية:116

94ـ  بنظر: الرواية:117

95ـ تيمة الجسد وانتاج المعنى، الاخضر بن السائح، http://lakhdarbensayah.blogspot.com/2015/03/blog-post_16.html

96ـ الرواية:105

97ـينظر: تيمة الجسد وانتاج المعنى، الأخضر بن السائح، موقع الكتروني، سابق.

98ـ الرواية:151

99ـ بنظر: الرواية:151

100ـ الرواية:153

101ـ الرواية:153

102ـ الرواية:154

103ـ الرواية:154

104ـ الرواية:155

105ـ الرواية:155

106ـ الرواية:156

107ـ الرواية:156

108ـ الرواية:157

109ـ ينظر: الرواية: 157

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here