البناء الفني في قصة “حاوية زبالة “للقاصة العراقية وفاء عبد الرزاق

Vol. No. 2, Issue No.4 - October-December 2022, ISSN: 2582-9254

0
40

البناء الفني في قصة “حاوية زبالة “للقاصة العراقية وفاء عبد الرزاق

خديجة كربوب

كاتبة وشاعرة من المغرب

—————————

نقتحم قصة “حفلة في حاوية” للكاتبة العراقية وفاء عبد الرزاق ولا نشعر أننا نهجم على عوالمها اذ توجد طبقات شعرية وجمالية تكتنف اللغة السردية، وهذا ما يجعل المشاعر والأحاسيس تنبعث بشكل طبيعي وسلس، ويتم التفاعل مع الحدث لكن لا يعني أن النص القصصي يتلاعب بالمكون الوجداني بل هناك قدرة وطاقة قوية تحرك التفكير والوعي، ولعلنا نلامس ذلك في استهلال الكاتبة قصتها بمجموعة من الأسئلة.

– هل أنا كما أنا أم صرت شخصا لا أعرفه؟ أين هم أصدقائي؟ لماذا مَن يشبهني تصدَّت له الحياة وبقي مَن لا أشبهه؟

ثمة من لا يتشابهون لماذا لا أكون واحداً منهم؟

من أين يأتي كل هؤلاء؟ هل حدث أن جاءوا بعد تكسِّر صحون وثورة واندلاع أكواب ماء من مخمور زعق بزوجته غاضباً ثم أدرك شناعة فعلته وانزوى في غرفة نومه كحيوان غوغائي؟).أي انها ترغب في إعداد القارئ وإيقاظه ليتقاسم معها الهم الانساني الذي يؤرقها وتسعى إلى تأسيس أفق آخر مغاير ونص مشاغب يرفض اليقين ويشتغل على هاجس السؤال الذي يمهد للمعرفة وتمرير الوعي والتمرد والتحفيز على التغيير وتدمير المفارقات الطبقية خاصة وأن الكاتبة راكمت بداخلها مجموعة من التجارب والمحن والأزمات بسبب ما عاشه العراق الذي تحول إلى بؤرة فساد وحلبة صراع يسود فيها الطغيان والهشاشة، وبذلك تصبح الكتابة القصصية آلية من آليات الاحتجاج والمقاومة ومناوشة القبح.
وما يستوقفنا عند وفاء عبد الرزاق هو تعدد المجالات التي تشتغل بداخلها، فهي تكتب في الرواية والشعر والقصة مع القدرة على المحافظة على خصوصيات الجنس الأدبي،،إنها مسكونة بالإنسان والحياة والوجود وتبحث عن كل الإمكانيات والمساحات لإخراج ذلك الثقل المأساوي بهدف إعادة الكرامة للإنسان وإعادة التوازن والانسجام إلى العلاقات الإنسانية ومحو كل أشكال التسلط والظلم والتمتع بكل الجماليات،،إنها لا تقتنع بجنس أدبي واحد لأنها تحولت إلى كون به تعدد وتناقضات واختلافات، وسأحاول أن أدخل إلى عالمها القصصي لأقطر بعض خباياه وآليات اشتغاله وهروبه من القيود والانتصار على الحدود الضيقة التي قد تسقط بداخلها الذات، وكل ما يحمل النص القصصي من دلالات وجماليات وكيفية تشكيل البناء الفني وطرائق السرد.
لقد اختارت الكاتبة وفاء عبد الرزاق العنوان بذكاء لأنها تعلم جيدا مدى خطورة الوقع الذي سيمارسه في نفسية المتلقي، فهو أول كيان دلالي يفشي ببعض أسرار النص القصصي، ويجعلنا نتطلع إليه لتكتمل لدينا المتعة والحقيقة، لكن ما يثير الانتباه هو نشر الضبابية والغموض والتعقيد في ثنايا العنوان، ونصبح لحظتها نبحث عن مسالك نلجها لمعرفة مصادر هذا التعتيم الذي يظهر النص في حالة غير طبيعية أي هناك شيء يربك الرؤية ويقف حاجزا أمام الوضوح، ولعلنا نستشف من خلال صيغة التنكير التي تشكل منها العنوان أن القاصة تسعى إلى جعل كل كائن حي يشارك في الحفلة التي يضفي عليها التنكير دلالة العموم والشيوع، إضافة إلى طبيعة الجملة الإسمية التي ترسخ معنى السكونية والثبوت، بمعنى أن الوضع لا يتغير فتتوقف الحركة إلا حركة لفظة حفلة التي تقودنا إلى أجواء النشاط والحيوية والرقص والفرح والدفء الإنساني والديناميكية، وتتسم بالغموض وغياب العلامات الدلالية التي قد تجرنا إلى خصوصياتها. وتأتي لفظة “في حاوية” لتعميق الأجواء الغرائبية ونصبح أمام عالم متخيل متشابك بين الممكن واللاممكن وبين المعقول واللامعقول.

لقد كنا ننتظر أن تكون الحفلة في بيت أو فندق أو ساحة عمومية، ولم نتوقع أن تجري في حاوية أي في صندوق خصص لشحن وتخزين المنتجات والمواد الخام وأيضا أعد للقمامة. نتساءل كيف سيكون الحفل داخل فضاء لا يليق بالإنسان؟ إنه فضاء مكاني لا يخلق الارتياح النفسي والفرح ويجرنا إلى البؤس والإحساس بالاختناق، ويجردنا من كينونتنا الآدمية ويقوم بتشييئنا، وفي حقيقة الأمر، أن القاصة تحاول أن تجعل من القبيح جميلا داخل العمل الإبداعي وتعيد للبؤس قيمته الإنسانية في ظل غياب الأمكنة وتقلص المساحات التي يتنفس بداخلها الهامش، و تهدم المفاهيم البرجوازية حول أمكنة الفرح ونظافتها وتضغط علينا بحرارة لكي نلتفت إلى حاوية البشر المنسي ونبحث بداخله عن شرارة الضوء، ولا نستبعد أن الكاتبة اختارت الإضافة ربما تعاطفا مع المحتفلين وإبراز قسوة المجتمع الذي تخلى عن أفراده وعمل على تشييئهم، وعندما ندقق في الأمر مليا نصل إلى أن الاضافة تخلق علاقة حميمية بين المضاف (حاوية )والمضاف إليه(زبالة) إذ لا يمكننا الفصل بينهما ما أود قوله إن القاصة لا تؤمن بالقواعد والثوابت التي أنشأها المجتمع الرأسمالي، و تؤمن بالثورة والرفض وخلخلة العلاقات الوهمية بهدف تحرير الانسان من قيود الإضافة والهامش البائس.

ويمكن القول إن تجربة وفاء عبد الرزاق تندرج ضمن حساسية جديدة تحتفي بآليات جديدة على مستوى اللغة والشكل والمضمون، ونجد أنفسنا أمام عوالم جمالية وتخييلية مكتظة بالدلالات والعمق الإنساني. ولعل قسوة الواقع وجرأة القاصة في استكناه النبض المأساوي منح للنص القصصي بعدا غرائبيا موغلا في البؤس والقهر وقدرة على انبثاق لحظة اليقظة والمساءلة والمساهمة في التحريض الثوري على التسلط بكل أشكاله.

ويشكل المكان مناخا وواقعا لما يحمله من شحنات نفسية واجتماعية وثقافية إذ يضيء عتمة ومرارة الشخصيات التي عاشت ذلك الواقع، ويمكن اعتباره النافذة التي يتنفس من خلالها النص، ولقد تمكنت القاصة من جعله معادلا حسيا ومعنويا للشخصية بكل أبعادها النفسية والثقافية. ومن الأمكنة التي ظهرت في النص القصصي (حاوية زبالة، برادهم، صفيح الزبالة، صفيحة أخرى، سكن خارج الصفيحة، حدود مساحة الصفيح، بيوت الأثرياء، مجتمع الصفيح، بيوت، مكانا، شارعا، مصنعه). ويمكن توزيعها إلى:

-أمكنة مرفوضة ومنخفضة: وتمثلها (حاوية زبالة، مجتمع الصفيح، صفيحة أخرى، حدود مساحة الصفيح). وهي في مجملها تقع في أسفل الهرم الوضيع وتتميز بالسكونية والموت النفسي وتعيش هوية مظلمة غير معترف بها، تقتات من الزبالة التي تتحول إلى ملجأ وحماية في غياب الدولة المسؤولة عن تحقيق السيادة لأفرادها بشكل متساو وديمقراطي. وأمام هذا الإقصاء والتهميش يتحول المكان إلى جغرافية جديدة لها حدودها بعيدا عن السلطة المهيمنة (حدود مساحة الصفيح)، وهذا الفعل يجسد الرفض وعدم قبول أفعال السلطة السياسية التي نهبت الوطن ولم تترك فتاتا حتى للقطط، ولعل الكاتبة أشارت إلى ذلك من خلال العبارات التالية :(عن عظمة أو قطعة لحم من فضلات ابنة وزير أو ابن مومس. حين لم تجد ما يغري حاسة الشم نطت راكضة تستدرج القط إلى صفيحة أخرى) ويصبح المكان فاقدا لمعنى الحياة والكرامة الانسانية بسبب النهب والريع السياسي والعهر وفساد القيم الأخلاقية.

-أمكنة مرغوب فيها: وترمز إليها الكلمات التالية :(بيوت الأثرياء، المنازل، سكن خارج الصفيح) وفي الحقيقة أنها أمكنة السلطة التي تجسد مشروعا تربويا وأصولا نبيلة، وتعيش على امتصاص دماء المقهورين والمسحوقين، ولا تستحق تلك المكانة لأن فضاءاتها الداخلية بها مزيج من العدوانية وحب الذات والنفاق والقسوة وتدمير الآخر وتحويل حياته إلى جحيم وزبالة. وأمام هذه الأنساق الثقافية المتصارعة فيما بينها لا تستسلم أمكنة البؤس والجوع، ولا تتعطل لديها المعرفة بل تنخرط في فعل الثورة (أعاند الريح) والبحث عن أمكنة خارج القمامة (لأتخذ مكاناً أو شارعاً لا تتسيد فئرانه.) مفعمة بالجرأة والانسانية والروح النضالية التي تختلف جوهريا عن الفئران التي تتسيد بسبب سيطرتها على الاقتصاد. ومن هنا تصبح أمكنة الصفيح أكثر نبلا وأخلاقا من أمكنة الثراء والجبن، وبالتالي تسعى الكاتبة إلى ايصال خطاب ثائر يدعو إلى الانقلاب على المجتمع الاستهلاكي الذي لا يعير الاهتمام للإنسان ويسعى إلى تدميره ليستمر في استغلال خيرات الأرض. وإلى جانب ذلك نلاحظ أن القاصة لم تعمل على تسمية أمكنتها بل اكتفت بالنعت كمجتمع الصفيح وحاوية زبالة، وهذا في حد ذاته يمكن اعتباره بمثابة علامات دالة على المكان وخصوصياته من حيث الشكل والتأثير، إذ يفتح أمامنا باب التأويل المتعدد وبالتالي فحاوية الزبالة هي جزء من مجتمع القصدير والتي تعكس لنا أجواء العفونة والاختناق والجوع وترمز إلى الذات المقهورة التي تفتقد الحرية والحقوق والاعتراف بكينونتها الانسانية، وتتحول الحاوية إلى طاقة داخلية لمقاومة مجتمع الثراء.

وإلى جانب المكان يحضر الزمن ليكتمل الكيان السردي والوجود المتخيل، إذ لا يمكن أن نتصور العمل القصصي بدون ذلك المكون الذي يسدي مجموعة من الخدمات. فهو من يكسب الحيوية والتدفق والحياة لفعل السرد ويولد بداخلنا الرغبة في سبر أغوار الشخصيات والأمكنة، إضافة إلى قدرته على خلق الانسجام والاتساق داخل القصة. وتمتلك القاصة وفاء عبد الرزاق قدرة فائقة على خلق الحركة الزمنية وتوليد الإيقاعات التي تعكس النبضات النفسية والفكرية للشخصيات، ولا تتوقف عن ضخ الحياة في روح النص القصصي. وهذا ما يجعله قريبا من الصورة السينمائية. ولعل طبيعة النص القائمة على التوتر والاضطراب جعلت القاصة لا تخضع لوتيرة زمنية منظمة فهي تمزج بين الجمل الإسمية والفعلية فنكون أمام إيقاعين هما:

– إيقاع البطء الذي تخلقه الجمل الإسمية وتجرنا إلى وضع سكوني لا يدعو إلى التفاؤل والانفراج، فكل طبقة اجتماعية تحافظ على وضعها، فمجتمع الصفيح يركن في العفونة والجوع والقهر في حين يظل الأغنياء يعيشون الاستقرار ويمتلكون كل مقومات الحياة ولهم ثوابت وقناعات تتمثل في انحدارهم من الأصول النبيلة.

-إيقاع السرعة: لتكسير الإيقاع البطيء عملت القاصة على تشغيل الجمل الفعلية التي تنشر الحركية والحيوية والتدفق والاستمرارية وتعكس الإيقاع النفسي للشخصيات، و عندما نتأمل الأفعال التي حضرت في سياق مجتمع الزبالة (سمعت / جاهدوا/ لتتصلب /ورموا/ /نطّت قطة واختبأت /قررتُ / أفاتح / لا يزعج الجيران ولا يغيّر لا يجرؤون، أن نحتفل/لنرقص أ/ احتضنوا/ ارقصوا /دوروا، مجـِّدوا لستم )، نجدها تقوض حركة السكون وتمثل حالة من عدم التوازن والاستقرار، وتحيلنا إلى الكينونة المهمشة والمتلاشية والتي تصطرع بالشعور المأزوم صوب ماهية الانتماء، وتسعى عبر الرقص تمرير التراكمات النفسية الموجوعة بداخلها أملا في العثور على الاحساس بالخفة والحرية في تحريك الجسد المثقل بالبؤس .ومن هنا نستشف أن القاصة لها طاقات فائقة في الترسيم الشعوري الدقيق للمشاهد والعوالم الإنسانية، إضافة إلى ذلك لم تتبع النسق الزمني المتتابع، إذ عملت على استحضار المفارقات الزمنية التي لازمت السرد، واختارت الاستباق الذي يقودنا إلى استشراف المستقبل، ووضعته في بداية النص القصصي وكأنها تعد القارئ إلى الحدث وتجعله مشدودا لما سيأتي، دون أن تكشف عن تفاصيل العوالم القصصية، وتكون تلك الاستباقات التساؤلية رغبة في إيقاظ المتلقي وتشريبه هم التوتر والتفكير بهدف إدماجه في العملية السردية والإنسانية . ولا تقف عند تلك الحدود بل تنوع آليات التقطيع الزمني وتلجأ إلى الوصف كمحطة استراحة وتجديد الأنفاس خاصة وأن النص يشتغل على الهامش الذي فقد ملامح هويته الآدمية والوطنية واختلط بعالم القطط المشردة الجائعة .أي أن وفاء عبد الرزاق تحدث نوعا من الثقوب لكي نتحمل الوجع الانساني ونلتقط ملامحه ومعالمه كوصفها للشخصيات (نطّت قطة شاردة من مطاردة قط واختبأت بين علب كوكاكولا وسفن آب، تعثرت بزجاجات النبيذ ………/.أنا فارغ شربوا مائي ورموني والباقون لهم رائحة الجثث، ).ومن ثمة فهي توجه القارئ إلى التركيز على الموصوفات ورسم بعض الملامح النفسية والاجتماعية وتبطيء الزمن للتعرف أكثر على المفارقات العميقة التي تتحكم في المجتمع الانساني.

ويمكن القول إن الملمح الأبرز في النص القصصي هو قدرة القاصة على وضع حواجز جمالية بين الواقع والحقيقة وتمكنها من خرق الواقع وخلق شخصياتها التي تحرك مجرى الأحداث وتتسق مع رؤية الروح القصصية وأهدافها. وما يلفت الانتباه هو ضمير المتكلم الذي تطل من خلاله الشخصية المحورية التي ترفض محو وجودها وتسعى بكل الوسائل إعادتنا إلى عالم الإنسان المهترئ والمتآكل والمستبعد من الحياة والأرض، وتستحضر ذاتها التي تعيش خارج حدود هيمنة الثقافة الضدية. ورغم التشويه الذي تتعرض إليه من طرف طبقة الأغنياء أصرت على استبطان عوالمها النفسية القائمة على البراءة والقهر والاغتراب والرغبة الجامحة في الحياة، واعتمدت على الرقص والسكر وتمجيد الذات المهمشة كآليات لخلق المتعة والإحساس بكينونتها الزاخرة بالألم، إنها تحاول أن تضع مفارقات بين الهامش والمركز لإسقاط تلك الانطباعات السيئة التي يحملها الانسان عن مجتمع الصفيح. فيصبح الأول يفيض ويزخر بالصفاء الروحي ووحدة السجية والفطرة والبؤس والإصرار على عدم قبول الفكر الاستغلالي واختيار الهامش كمساحة إنسانية يمارس فيها ثورته ورفض الانصياع لسلطة النسق الثقافي الذي يمتلك المال والمعرفة المغشوشة. أما الثاني فيستحوذ على وسائل الإنتاج والمتعة ويستمد وجوده من النهب وإهانة مجتمع القصدير.

وهذه المفارقات الفكرية والنفسية خلقت صراعا داخل المجتمع ونسفت مشاعر الطمأنينة والسعادة الحقيقية. وتنضاف شخصية الفئران المتسيدة لتمارس بدورها فعل الإزعاج ومضايقة الإنسان المقهور والمساهمة في رسم وتوسيع مساحة القبح والقرف. وفي حقيقة الأمر هي ترمز إلى النماذج الإنسانية المسكونة بالخوف والتي لا تستطيع مواجهة السلطة المهيمنة فتفضل إفراغ شحنتها النفسية في عالم المنسيين وخداع نفسها لنفسها بالبطولة المزعومة وتحقيق السيادة،

وبالتالي تضعنا القاصة أمام ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: تضم الشخصية المحورية ومجتمع القصدير والسكارى.

المجموعة الثانية: تحتوي على الأغنياء.

المجموعة الثالثة: تشمل الفئران.

ما يستوقفنا في المجموعة الأولى هو غياب أسماء الشخصيات وهذا يضعها في دائرة المجهول وفقدان الهوية ولا نعرف عنها شيئا إلا من خلال الشخصية المحورية التي تقدم لنا بعض الأمارات والمخبرات التي تضئ العوالم النفسية للشخصيات المقهورة وتجسد لنا عمقها الانساني المنسي.

وتتسم المجموعة الثانية بكل الصفات السلبية والمتمثلة في الشر والقبح والخواء الخلقي والإنساني وتجاسرها على الوجود الإنساني والعمل على إقصائه.

أما المجموعة الثالثة فتتفرد بكينونتها النفسية والفكرية، وتتمكن من إيجاد حيز لها داخل الحياة، ولعل الخوف هو من يدفعها إلى الاحتياط، وأخذ الحذر والتمسك أكثر بالحياة والاشتغال في الخفاء والسرية.

وتتحكم في هذه المجموعات علاقة التعارض والصراع وتحتفظ الشخصية المحورية بعلاقتها المبنية على التطابق والتكامل مع مجتمع القصير انطلاقا من الانتماء الطبقي لكن تتفرد بوعيها وسلوكياتها ورغباتها وتطمح إلى الخروج من العالم المقهور. ولعلنا نلامس ذلك من خلال ملفوظاتها:” منذ هروبي من صفيح الزبالة …./أنهض وأقع متخيلا ….:/.

ما أتمناه أن صانع شبيهتي بُطلة لا تكون امرأة شاذة حيث هنا لا عذر. “بمعنى أنها تحمل بداخلها بذرة التغيير والانقلاب على القواعد الذكورية التي لا تنتج إلا الشذوذ والمسافات بين البشر، ويبدو أن القاصة تمكنت من بلورة رؤية العالم عن الطبقة المسحوقة وصياغتها بطريقة كاشفة وجريئة تحفز القارئ على الانقلاب على السلطة المهيمنة والدخول في عالم التحدي والعطاء.

لقد أحست الكاتبة وفاء عبد الرزاق ببؤس العوالم السردية مما دفعها إلى إعادة إنتاج علاقة الوعي بالعالم والتي تنبني على الدهشة والانغماس الكلي في المضمر الانساني الخفي، وهذه عملية ليست سهلة بل تتطلب العديد من المكونات الجمالية والفنية وتأتي في مقدمتها خلق لغة شعرية قادرة على سبر تفاصيل الهامش والسلطة المضادة لأن اللغة المباشرة التقريرية عاجزة عن التقاط التناقض، والصراع والفوضى والقلق والاغتراب الذي يتحكم في العالم البشري. ومن هنا حضرت اللغة الشعرية لتقطر الغموض والقبح والبراءة التي تعتري الظاهرة الإنسانية المعقدة وتمتص نثرية السرد وتمنحه الحيوية والحركية خاصة وأن القاصة غيبت تقنية الحوار الذي قد يشحن النص القصصي بالروح التصاعدية والكاشفة للخبايا الإنسانية والمساهمة في نمو الحدث وتسريعه، لكن عندما ندقق في الأمر نجد فعل تغييب الحوار ينسجم مع غياب التواصل بين الهامش والمركز وأيضا غياب الحوار بين الكائنات المهمشة لحظة السكر، أي ان الخمرة تخلق بداخلها الارتخاء والهدوء وتلك هي اللحظة التي تتوق الوصول إليها بعيدا عن ضجيج وصخب الحياة البائسة. ولا غناء النص السردي عملت القاصة على تنويع الضمائر التي تعد مكونا جوهريا في صياغة المنظور النفسي والتعبيري، وحضر بقوة ضمير المتكلم المفرد الذي لم ينسحب رغم الضغوطات الاجتماعية والنفسية بل أثبت ذاته وعبر عن همومها وتطلعاتها، ولعله من أقرب الضمائر إلى النفس البشرية ويضفي سمة الواقعية والصدق على ملفوظاته ويجعل المتلقي أكثر انجذابا وتعاطفا مع محنة الأنا المقهورة وعنف ونعثر على المتكلم أيضا بصيغة الجمع التي تمحو الفوارق بين المهمشين وتذيبهم في الأنا الجماعية بهدف خلق القوة والكثافة والوحدة للتمكن من مواجهة الآخر العائق. ويصبح السارد المفرد هو صاحب الفاعلية في التأثير وتحريك الضمائر الأخرى حسب حاجيات السياق الدلالي، ولقد خصص حيزا لضمير الغائب الجمعي رغبة في استبعاد جماعة الأغنياء باعتبارها مصدر معاناة الانسان، واختار نفس الضمير للحديث عن السكارى وهو ضمير يكتسي بعدا مغايرا ويجسد به بعد تلك الفئة عن الحياة واليقظة والارتماء في عالم السكر بهدف التخلص من الواقع المسكون بالقسوة والعنف. ومازال السارد مطمئنا لضمير الغائب الذي ينسجم مع غياب الدفء الانساني، ويمكنه من خلق التشويق ومتابعة الحدث، فنراه ينتقي ضمير الغائب المؤنث في سياق القطة والفئران فنكون أمام مؤنث خارج دائرة الإنسان ورغم ذلك تتقاسم الصيغة القمامة والمكان مع المهمشين، وتضفي لمسة سريالية على الأجواء .ونشير إلى أن السارد لا يسير على وتيرة واحدة، إذ يعدل عن صيغة الغياب ليضعنا أمام ضمير المخاطب الجمعي .وهنا تتمتع الشخصية المحورية بالفاعلية والنفوذ والسلطة المجردة من نبرة الاستعلاء والأوامر التي تستعبد الإنسان، وتروم إلى تحفيز المهمشين إلى التغيير وتحريك الجسد الخامل والبحث عن الفرح والتمرد على السلطة التي نهبت حقوقهم وعملت على تشييئهم. ومن ثمة كانت للضمائر سمة فنية في النص السردي واستطاعت مكاشفة المخبوءات النفسية والفكرية واحالتنا على التعدد والصراع وابراز الخلل الذي يفقد المجتمع الانساني توازنه.

وختاما فالتجربة القصصية عند وفاء عبد الرزاق أضافت للإبداع رافدا جديدا ووضعتنا أمام كتابة مشاغبة ومستفزة وحركت بداخلنا هاجس السؤال، فنحن لا نخرج فقط بالمتعة بل تولد بداخلنا الإحساس بالذنب وتمزق شرنقة الصمت عبر المفارقات التي تفضح الواقع وما يزخر به من اعوجاج واختلالات، والهدف هو إعادة الانسجام والتناغم للعلاقات الإنسانية بدل الفوضى والصراع وخدش المشاعر الانسانية والحكم على الإنسان بالموت البطيء. وإلى جانب ذلك خلقت القاصة تقنياتها الخاصة عبر استهلال القصة بالأسئلة التي تحفر في خبايا الانسان وتنشر نوعا من الحيوية والتشويق واستثمار بعض المكونات السينمائية التي تجعلنا نحول القصة إلى مجموعة من المشاهد واللوحات الصادمة والقريبة من الغرائبية وقسوة آرثو، ونعيد النظر في مفهوم القبح والجمال وننفض الغبار عن الهامش الذي قد يتراءى لنا من خلال المظهر الخارجي قبيحا ومقززا وهو في حقيقة الأمر يزخر بالجمال الإنساني في حين تتجرد الطبقة الغنية من اللاإنساني .وما يميز وفاء عبد الرزاق أنها اشتغلت على الهامش بلغة شاعرية ومفردات ترتفع عن السوقية وقاع الشارع على خلاف بعض الكتاب الذين تناولوا الهامش بمعجم لغوي يقتات من العهر، بمعنى كانت تشتغل بحدة على العوالم النفسية للمقهورين وتسعى إلى تقديم صورة نفسية واجتماعية وثقافية عن المسكوت عنه الذي تحاول السلطة المهيمنة تشويهه وتلطيخه .

……………….. ***** ………………

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here