الأسطورة في إبداع الأنثى عوالم الحب والحرية: دراسة في قصة “عينا خضر” لسناء شعلان

Vol. No. 1, Issue No. 3 (Special Issue) - July-September 2021, ISSN: 2582-9254

0
84
الأسطورة في إبداع الأنثى عوالم الحب والحرية: دراسة في قصة “عينا خضر” لسناء شعلان

بقلم

وناسه كحيلي

جامعة عنابة، الجزائر

————————————-

من بين المسائل التي خاضت فيها المرأة مع الرجل مسألة توظيف التراث بمختلف أشكاله: التوظيف الشكلي التعبيري، والتوظيف الرمزي ولا سيما الأسطورة التي انتشر توظيفها انتشارا واسعا بين الكاتبات اللاتي غرفن من معينها واستعن بها في مختلف كتاباتهن شعرا ونثرا، بنوعيها المقدسة والأدبية.

 وتعد سناء شعلان من الوجوه النسوية البارزة التي وظفت الأسطورة، إذ عمدت إلى الاستفادة منها كليا وجزئيا بمختلف عناصرها؛ الحدث الأسطوري، المكان الأسطوري، الشخصية الأسطورية، الموجودات الأسطورية، الكائنات الأسطورية، والرمز الأسطوري، محاولة بذلك محاربة الفساد والسلطة المستبدة، وخصوصا السلطة الذكورية التي لا ترى في المرأة إلا جسدا بلا روح أو قطعة من أثاث يمتلكها، كما سعت إلى إيجاد الحلول التي تخرج بها بنات جنسها من الوأد الحديث، فضلاً عن مساندة القضايا العادلة ومحاربة الاستعمار.

لقد بات توظيف التراث عادة تبنّاها الكثير من المبدعين المعاصرين لاسيما توظيف الأسطورة بنوعيها الأسطورة المقدسة، والأسطورة الأدبية.

لكن ما يظهر جليا من خلال الدراسات النقدية، هو حظ الأسطورة من الكتابة الذكورية التي طالت العديد من الأجناس الأدبية، مثل الرواية، والمسرح، والشعر، والقصة، في حين نجد حظّها من الكتابة النسوية لا يتجاوز عدد أصابع اليد، وما وجد منها محصور أغلبه في جنسي الرواية والشعر!

 وهنا يلح السؤال في طرح نفسه بقوة إلى ما ردّ هذا التضاؤل في توظيف الأسطورة عند المبدعات رغم اقتحامهن عالم الكتابة بقوة وبجرأة لا نظير لها؟ أهي قلة الدراسات النقدية لما يسمى بالكتابة النسوية ومن ثمة احتمال وجود إبداعات مدفونة ضمن ركام الأعمال المغطاة بغبار الإهمال؟ أم أن المبدعة لاتملك الكفاءة والقدرة الإبداعية والتخيلية للإبحار في عالم الأساطير وتطويعها للتدليل على ما يخالجها نحو عالمها كأنثى ونحو راهنها كما هو الشأن بالنسبة إلى المبدع ؟

تثبت الدراسات القليلة حول توظيف الأسطورة في الكتابات النسوية أن الأسطورة الأكثر سريانا ورواجا بين الكاتبات في معظم كتاباتهن، شعرا كانت أم رواية هي الأسطورة الأدبية الأنثوية شهرزاد ويظهر أثرها عند كل من:

 الكاتبة ليلى صبّار في أعمالها الثلاثة: شهرزاد في Shéhérazade 1982، دفاتر شهرزاد les carnets de Shéhérazade في 1985، ومجنون شهرزادShéhérazade le fou de، مستعيرة في ذلك أجواء الشرق للتعبير عن الإنسان المغاربي المهاجر. فعبرت في الرواية الأولى عن صورة الحريم الشرقي عند الغربيين، وخصوصا النساء الجزائريات، وواصلت في الرواية الثانية الموضوع نفسه بالحديث عن شهرزاد الشرقية التي ترافق سائق شاحنة فرنسي في سفرها1.

 وقد حملت شهرزاد خطاب سليمة غزالي الجريء في روايتها عشاق شهرزاد amants de Shéhérazade. Les فكانت شهرزاد امرأة جزائرية كغيرها من الجزائريات، عانت الحرب وحلمت بالاستقلال، وطمحت لما بعده، مثل حلم العروبة الذي تجسد من خلال تشبعها بالثقافة الإسلامية 2.

 وها هي آسيا جبّار تسلط الأضواء هي الأخرى على الليالي، وتلبس عباءة شهرزاد مجموعةً من النسوة الجزائريات، عشن قهر الرجل، فأبت إلا أن تنتشلهن وغيرهن من النساء من سجن الصمت، والتحرر من بوتقة المفعولية إلى الفاعلية، ثم إن الكاتبة التونسية لم تتخلف هي الأخرى عن زيارة قصر شهرزاد، وها هي فوزية زواري ترتدي من ملابسها، بل وتتقلد دورها، لكن بطريقة جديدة مخالفة لما اعتادت شهرزاد أن تحكيه في الليالي؛ إذ تصرح الكاتبة قائلة: “سأروي حكاية لم تحكها شهرزاد، إنها قصتي الجديدة النقية “.

 وعلى غرار الكاتبات السابقات يعلو صوت حفصة بكري العمراني من المغرب الأقصى في نصها جلابيات، باعتماد تقنية القص وبعض الخصائص الجمالية لكتاب الليالي. وكذلك فاطمة المرنيسي التي حمّلت شهرزادا خطابا متنوعا مابين الثقافي والاجتماعي والسياسي في سلسلة من الكتابات حول المرأة منها ” نساء على أجنحة الحلم، والعابرة المكسورة الجناح (شهرزاد ترحل إلى المغرب) وشهر زاد ليست غربية3.

 وتظهر شهرزاد في أسئلة ديمقراطية في زمن غير ديمقراطي للكويتية سعاد الصبّاح على وجه واحد وهو تسلية السلطان، مصورة بذلك ما تعانيه المرأة الشرقية من كبت، وإرهاب مفروض عليها من قبل الرجل الشرقي، وهي بذلك لا تنتظر أجوبة لأسئلتها لأنها تدرك تماما الجواب، فهي لا تستطيع المواجهة أو اختراق السلطة البطريكية من أب، وأخ و…، و.. كذلك سلطة الأهل والعشيرة، والتاريخ، والتقاليد. فبكل بساطة ليس لها ما تجابه به السلطة التي تحكمها لتحرير نفسها سوى قلمها والكلمة 4. وقد حملت أسطورة شهرزاد في قصيدة سعاد الصبّاح في متيف الثورة، إذ تتعجب الكاتبة من خضوع المرأة الشرقية لسلطة الرجل دون إبداء أي رفض، كما تجلت في موتيف الخلاص من خلال تساؤل الشاعرة عن إمكانية خروج المرأة وتخطيها الحدود المرسومة لها 5.

 وقد شاركت الكاتبة والروائية الفلسطينية سحر خليفة في تحميل شهرزاد خطابا أنثويا جريئا في قصيدتها (لم نعد جواري لكم) معلنة عن معاناة المرأة لما تلقاه من سلطة الرجل وتفضيلها لعبودية الفن الذي ترى فيه التحرر على أن تخضع لعبودية الرجل الذي لايرى فيها إلا متاعا من متاع بيته 6. ولم تكن الكاتبة الأردنية سناء شعلان بمنأى عن هؤلاء الكاتبات، وإنّما تجاوزت توظيف شهرزاد إلى أساطير أخرى في الكثير من نصوصها مثل روايتها السقوط في الشمس. وكذلك مجموعاتها القصصية التي تحوي قصصا تعج بالأساطير مثل: الأساطير الفرعونية (عروس النيل)، أساطير الرؤيا (زرقاء اليمامة) أساطير الطوفان (العملاق عوج بن عناق)، الأسطورة الأنثوية (شهرزاد)، أساطير البحث عن الخلود (قصة ذي القرنين مع الخضر وعين الحياة)، أسطورة التحول (أطلنطا)، الأساطير اليونانية الهوميرية (الأوديسة)…، والكثير من الأساطير التي تعمل فيها الكاتبة على تعرية الواقع العربي وما يعانيه المواطن العربي من حرمان؛ حرمانه من الحب، من ذاته، من هويته، ومن أبسط حقوقه كإنسان.

ب. مرجعيات وبواعث التوظيف الأسطوري:

إذا كان الإنسان قديما يلجأ إلى الأسطورة بحثا عن أسئلة لم يركن إلى إجابة لها تشفي تحيّره ويحتمي بها من قوى الطبيعة التي أذهلت فكره، فما الداعي اليوم إلى اللجوء إليها من طرف المبدع المثقف رغم بلوغ العالم اليوم اليقين الذي كان يبحث عنه الإنسان-قديما- من خلالها؟ وما القوى التي دفعت بهم إلى اللجوء إليها مرة أخرى؟

تعمل الأسطورة على إظهار العلاقة بيننا وبين مجتمعنا وطقوسنا من جهة وعلاقتنا بمعتقد الآخر وطقوسه من جهة أخرى، فهي وثيقة الصلة بنا لأنّها أول فكر جمعي قد خطر ببال الإنسان، لذا فإن عودة الأدباء والمبدعين إليها في القرن العشرين هو تعبير غير مباشر عن الإحساس بالماضي الذي يفسر أزمة الإنسان.

الحديث في ظل العولمة وبحثه عن ذاته المفقودة، وموقف هذه الذات تجاه القيم المفقودة، وبحثه المستمر عن البديل، أو محاولة تصور البديل الذي يمكن أن نعتنقه ونسكن إليه كل ذلك دفع إلى أن يلجأ المبدعون على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأشكالهم أن يعرفوا من معين الأساطير من الرواية إلى الشعر إلى المسرح إلى القصة…… يرى الدكتور غالي شكري أن توظيف الأسطورة من قبل الشعراء مثلا في الشعر الحديث، إنّما هو تعبير حضاري شامل عن الاحتياج الروحي والجمالي العميق المتجذر في النفس العربية المعاصرة، وقد تأثروا في ذلك بجهود شعراء الغرب، مبرزا أن المكون التاريخي العربي أكثر استعداد لإعادة الخوض في ثراته الأسطوري، وهو ما سبقنا الغرب إليه والإفادة منه7.

 وقد ساعدت الكثير من المؤثرات على توظيف واستلهام الأساطير منها مؤثرات وافدة وأخرى عربية لم تختلف ما بين جنس وآخر ولا بين مبدع ومبدعة.

أ- المؤثرات الثقافية الأجنبية:

 تعرض مجمل الإبداع العربي شعرا ونثرا إلى تأثره بالمؤثرات الثقافية الأجنبية لأسباب كثيرة (كالرحلة، والغزو، والترجمة)، التي كان لها الدور الكبير في إثراء الأدب العربي، ودفعه إلى البحث في ثرائه وتاريخه، وخوضه أشكال التجريب الحديث. ويمكن حصر هذه المؤثرات في:

1– الاتجاهات الفنية وقدرة الأسطورة على الترميز:

 رغم تعدد الاتجاهات الفنية الغربية من القديم إلى يومنا هذا مابين الكلاسيكية، والرومنسية، والرمزية والواقعية السحرية، إلا أنها جميعها تغرف من بحر واحد، وهو بحر الأساطير، إذ دعت الكلاسيكية إلى تمجيد الآداب الخالدة لاسيما اليونانية التي تزخر بالأساطير والملاحم، كما دعت الرومنسية إلى تمجيد الخيال والتعبير عن التناقض بينه وبين الواقع، في حين دعى الرمزيون إلى استعمال الرمز في الأدب وهو الأمر الذي تحققه الأسطورة. أما السريالية فقد دعت بدورها إلى إبراز التناقض بين ما هو واقعي وما هو فوق واقعي، في حين دعت الواقعية السحرية إلى التحررمن قوانين الواقع الموضوعي، وارتياد ما فوق الواقعي، وذلك بعودة الإنسان إلى الينابيع الأولى (الاسطورة)8.

ولعل اختيار الأسطورة من طرف الكثير من المبدعين جاء من كونها أصبحت قناعا يبتعد بالأديب المعاصر عن تحمل تبعات أفكاره، والتعبير عن المضامين بصورة غيرية لا تثير السلطة السياسية والاجتماعية؛ إذ أصبحت قناعا ورمزا لمرموزات حديثة وقضايا طارئة، فبات الأديب يتلاعب بشخوصها ولغتها التي تعبّر بالماضي عن الحاضر محققا بذلك الإحساس بوحدة الوجود الإنساني. ويقول الدكتور محمد فتوح أحمد بعدم اقتصار وظيفة الموروث (الأساطير) على الإصلاح وحسب – من حيث هو مادة للمعرفة أو مصدر للاحتذاء – وإنّما أصبحت ضربا من ضروب الرؤيا الفنية كذلك 9.

2-الترجمة والإطلاع على ثقافة الآخر:

طلبا للإصلاح السياسي والاجتماعي الذي يمكّن العرب من بعث أمجاد الماضي، نشطت حركة الترجمة على يد الكثير من المتنورين العرب في مختلف الأجناس الأدبية التي نحت نحو أشكال التجريب، وكان أبرز شكل تعبيري حظي بالاهتمام هو (الأسطورة)؛ إذ نجد لها صدى في ترجمة رفاعة الطهطاوي لأعمال فرانسوا فنيلون (وقائع الأفلاك في مغامرات تليماك)، كذلك ترجمة سليم البستاني للإلياذة، وترجمة الروسي أنطوان تشيخوف.

 كما يمكن ذكر الأعمال الروائية من أمريكا اللاتينية، كأعمال الكولومبي غبريال غرسيا ماركيز والغواتيمالي ميغيل آنجل أستورياس، والأرجنتيني جورج أمادوا التي جمعت بين عنصرين مهمين هما الواقع والفانتازيا10، وتأتي في مقدمة الأعمال سابقة الذكر أعمال الروسي ت. س اليوت الذي دعى إلى إيجاد معادل موضوعي للمشاعر والأفكار، فنهل العرب من أعماله الكثير، فقرؤا له وترجموا إبداعاته ونذكر من بينهم رواد الشعر الحديث أمثال إبليا الحاوي، وبدرشاكر السياب، وخليل حاوي، ويوسف الخال وصلاح عبد الصبور، ولم يكن إليوت وحده معنياً بالإحتداء بل هناك شعراء غربين محدثين كانوا قدوة لشعرائنا العرب فنازك الملائكة مثلا تقول إنّها قلدت ألان إدغاربو وهي تصنع قصيدتها (الجرح الغاضب) وأشار صلاح عبد الصبور إلى توماس إليوت وهو يقدم مأساة الحلاّج وصرّح السياب بأنه اقتبس من أديث سيتويل، وترجم البياتي لناظم حكمت وتفحّص نتاج الوار وأراغون11. كما تعلن غادة السمان إعجابها بالكتّاب الغربيين بوضوح من مثل وولف، وتحاول المقاومة في مواجهة الواقع المتأزم على طريقة اليوت، إذ تشير إليه بكثرة في كتاباتها 12.

3- سناء شعلان، الأسطورة، الأدب العربي، والأدب الآخر:

 وقعت الأسطورة من قلب المبدعة سناء شعلان موقعا كبيرا؛ إذ دأبت على قراءتها منذ الطفولة وعدت نفسها الوحيدة القيّمة عليها، فطاردت من هم دونها معرفة بها لتحكي لهم أساطيرها، وكيف لا وقد أصبحت شهرزادا في عالمها؟ نهلت من الكثير من الكتب وبالتحديد قرأت أكثر من ألفي كتاب، وقد ساعدتها في ذلك معلمتها بأن جعلتها القيّمة على مكتبة المدرسة رغم حداثة سنها، فقرأت لماركيز، وفيكتور هيغو وارنست هيمنغواي، وحنامينا، وتوفيق الحكيم، وجمال الغيطاني، وغسان كنفاني، وغادة السمان، وجرجي زيدان، وعبد الرحمان منيف، كما قرأت كل أعمال نجيب محفوظ الذي توج ثمرة حبها للأساطير ببحث علمي درست فيه الأسطورة في رواياته، مما دفعها إلى الإطلاع على الكثير من الكتب المتعلقة بالأسطورة وتقديمها لكتاب نقدي بعنوان *الأسطورة في روايات نجيب محفوظ*، كما كان للكاتبة كتاب نقدي سابق بعنوان*السرد الغرائبي والعجائبي في القصة الأردنية*، و هو مازاد من سعة الإطلاع لديها وتمكنها من الأسطورة13.

ب. المؤثرات العربية:

  1. المرجعية السياسية:

لايخفى على أحد أنّ الوطن العربي عرف تدهورا كبيرا في الوضع السياسي لاسيما بعد العديد من الانكسارات وخيبات الأمل التي حظي بها المواطن العربي سواء داخل وطنه أو في كافة القطر العربي مثلما حدث في فلسطين والعراق إذ جعلت من المبدعين يلجأوون إلى الأسطورة عبر نصوص إبداعية ضمنوها مواقفهم من السلطة الإستبدادية، مثل ما نجده في رواية رفاعة الطهطاوي: وقائع الأفلاك في مغامرات تلماك التي استهدفت الكشف عن الاستبداد السياسي رغبة في نقد الاوضاع السياسية14.

 كما نجدها في إبداع شعراء التفعيلة من أمثال البياتي، وبدرشاكر السياب، وإيليا الحاوي، وإبراهيم أبوسنة وغيرهم ليس تقليدا للآخر وحسب وإنّما هو بحث عن الذات القومية الضائعة والهوية المفقودة. كانت لعوامل السياسية دافع قوي للكثير من المبدعات إلى اقتحام عالم الأساطير في كتاباتهن أمثال أحلام مستغانمي، سحر خليفة، سعاد الصباح، سليمة غزالي وغيرهن، كما كانت الظروف السياسية التي عرفتها الأرض المحتلة الدافع الأول لولوج سناء شعلان عالم السياسة- وهي لم تخرج من عالم الطفولة بعد – حين عمّ الحزن منزلهم وهو يرافق جثمان عمها الفدائي الذي أحضرمن الجولان، حين قتله اليهود بوحشية، مما دفعها إلى قراءة أول كتاب سياسي عن الشعب الفلسطيني.

 2- المرجعية الاجتماعية:

 الأدب مرآة المجتمع، ورغم أن الإبداع إنتاج فردي، إلا أن غولدمان يرى أن هناك فاعلا جمعيا يسهم في تشكيل رؤية المبدع للواقع حوله 15. والأسطورة بوصفها نتاج الفكر الجمعي الأول فهي أول من غيرها لحمل حكايا، وقصص، وتطورات المجتمع.

 لقد مر المجتمع العربي بالكثير من المتناقضات وتفككك البنى الاجتماعية على المستوي الفردي والجمعي ورغم التحولات التي شهدتها هذه البنى من تغيير في وضع المرأة ووضعها في مساواة مع الرجل أين حظيت بفرص التعليم والعمل وكافة الحقوق، إلا أنها لا زالت تعاني التهميش وتخضع لسلطة المجتمع من عادات وتقاليد وأعراف اجتماعية متوارثة، إذ يعد خرقها تجاوزا للمقدس وتعديا على حدود الأخلاق، كما يصفونها بالضعف فهي دوما دون الرجل قوة وعقلا، فلا يجوز لها أن تتطلع إلى ما يتطلع إليه، ولا أن تحلم بما يحلم به كونه صاحب القوامة.

 وقد زادت النظرة الدونية تجاه المرأة – حتى المثقفة لم تسلم من السهام- التي يطلقها الرجل المثقف، وهذه المرّة كان إبداعها هو هدفه لمّا لمح خيالها على سلم الإبداع إلى جانبه، فوسم إبداعها بالضعف والخصوصية النسوية، وأنه لا حديث للمرأة يشغلها غير ذاتها والحب، فثارت على الوضع ولم ترضها النعوت التي نعتت بها وفنها، وإن كان الرجل هو من وضع الأسطورة، فقد استعملتها الكاتبات سلاحا ضده ليخرجن من بوتقة الصراع الذكوري الأنثوي الذي لم يحظ بحل إلى يومنا هذا. فالمرأة في منظوره من أخرجته من جنة عدن وهي سبب شقائه، وهي المسؤولة عن فشل العلاقة الزوجية والطلاق، هي الجسد دون الروح، هي السلعة التي يتاجر بها متي شاء، أليس هو الوصي على أخته وزوجته وابنته؟ بل نرى في يومنا هذا أن صور المرأة قد ملأت الإعلانات والملصقات الإشهارية كغرض للزينة والإغراء، وهي الفكرة التي تحيل إلى الإهتمام بجسدها دون روحها. كل هذه الأموروغيرها دفعت المرأة إلى الخوض في غمار الكتابة وتحدي الرجل في إثبات هويتها وحضورها كإنسان له وجوده وكيانه، وكان أذكى أمر فعلته؛ توظيف الأسطورة السلاح الذي صنعه بيده. والدراسة التالية تبين بوضوح توظيف الأسطورة عند المبدعة الأردنية سناء شعلان التي طرقت الكثير من الموضوعات: السياسية، الاجتماعية، والحب… ، وقد اخترنا من بين قصصها القصص التي تحمل الأساطير الأكثر شهرة مثل: أسطورة البحث عن الخلود (الخضر)، الطوفان (العملاق عوج)، الأوديسة (أوديسيوس) النبوءة والصراع مع القدر(المواطن الأخير)، البحث عن المرأة(دقلة نور)، الأسطورة الأنثوية شهرزاد (المارد) أين سنقف وقفة علمية عند تجليات هذه الأساطير في قصصها ومحاولة قراءة تفاعلها الرمزي مع قضاياها الشخصية وقضايا الوطن والأمة.

عندما نعجز عن حل مشاكلنا، عن التكفير عن خطايانا، عن الخروج من بوتقة الألم،…. نحاول الاختفاء وراء…. ؟ نحاول تغيير الزمن نأمل في إرجاعه نحو الخلف،….. نحاول خلق زمن آخر،…. مكان آخر يحتوينا دون معاناتنا….. ؟ ننطوي على أنفسنا… هربا من أنفسنا… إلى أنفسنا… لكن لا نجد سوى أنفسنا المثخنة بألم ووجع لانهاية له،… ؟ فنهرب من جديد إلى الجنون…، إلى الهذيان… نهرب إلى آخر الدنيا…؟

 الهروب إلى آخر الدنيا، هو عنوان المجموعة القصصية للكاتبة سناء شعلان التي أبحرت فيها في بحر الأساطير، تغرف من معينه، وتكسو كتاباتها من دره الثمين. وتحوي المجموعة القصصية مجموعة من القصص التي وظفت فيها الكاتبة أساطير مختلفة رغبة منها في رصد الواقع المعيش للإنسان العربي وعلاقاته المختلفة، علاقته بمن يحب، بالمجتمع، بالوطن، وبالأمة العربية ككل آخذة بذلك نصب عينيها جميع شرائح وطبقات المجتمع كمادة دسمة لمعالجة مختلف القضايا حتى تلك التي إن حظيت بميزة ما، فهي التهميش.

1-عينا خضر… البحث عن الحرية واستمرار المقاومة.

 تروي لنا الكاتبة من خلال “قصة عينا خضر”16 حكاية شاب وشابة من فلسطين تحابا منذ الطفولة وتوج حبهما بالزواج. وتزداد سعادتهما بعد أن أثمرزواجهما بحمل الزوجة. لكن بعد ذلك يتم إلقاء القبض على خضر ويدخل السجن، وتغتصب أرضه، ثم يقتل من أجل الحصول على قرنيتي عينيه اللتين توافقان قرنيتي مستوطن يهودي قريب لأحد الأعيان. وتعلم الزوجة سبب مقتل زوجها، وتصمم على استعادة عينيه ليستريح في التراب فتعمل على رصد حركات المستوطن بعد أن تستعلم عنه باشتراء ذمة مجند إسرائيلي باع واجبه مقابل المال (و بلكنته العبرية اللعينة، باح لي المجند الإسرائيلي بكل شيء)17، وتتحين الفرصة لتقترب من المستوطن وتدس أصابعها في عينيه بعد أن جهزتهما لذلك (أظافري الطويلة التي حرصت على حدتها وطولها من أجل هذا اليوم)18. وتقتلع عينيه، فتتسارع إليها رصاصات اليهود لتغدو جثة هامدة غانمة تحضن يداها عيني خضر (وفي الكف يا لهفي !!ترتاح عينا خضر)19.

الدراسة النقدية الأسطورية:

 لدراسة القصة دراسة نقدية أسطورية وجب علينا التوقف عند ثلاثية المنهج النقدي الأسطوري المتمثلة في التجلي، المطاوعة، والإشعاع لرصد جماليات توظيف الأسطورة عند سناء شعلان في قصتها المعنونة بعيني خضر وغيرها من القصص وذلك من خلال:

التجلي:

1-العنوان:

 أعطت الكاتبة قصتها عنوانا مكونا من جملة اسمية ذات كلمتين (عينا) و(خضر)، وهما كلمتان تحملان من الدلالات الكثير؛ فكلمة عينا: كلمة (اسم) مثنى مفرده عين، والتي تحتمل هي الأخرى معان كثيرة فهي تدل على البصر، وهو ما تم توظيفه على مستوى السطح، كما تعني عين الماء التي تدل على الخصب والحياة وتعني الحر والخالص النفيس، أما مجيؤها مثنى فهو دليل على الحياة كذلك، إذ لا تقوم الحياة الاعلى وجود الاثنين ومنها ثنائية التضاد(السالب والموجب)؛ إذ لا يمكنها القيام على قطب واحد، فمن دواعي قيامها واستمرارها وجود الأنثى مع الذكر، والخير مع الشر، والنور مع الظلمة، والحب مع الكره والحرية مع العبودية… وإن دلت اللفظة سطحيا على النور والظلام فهي تدل عمقا على الحرية والعبودية، على اغتصاب الحق واسترجاعه وعلى الموت والحياة، وهو ما حملته الكاتبة في خطابها تحت غطاء اغتصاب عيني خضر، واسترجاعها من قبل الزوجة. أما كلمة خضر فهي اسم كذلك يحمل هو الآخر الكثير من الدلالات مثل الخصب، الحياة الخير، الجنة الأرض…، وهو لون محبب لدى العرب تتفاءل به، ويحمل من الناحية الدينية علاقات بقصة ذي القرنين والخضرعليهما السلام، واللذين ترافقا للبحث عن عين الحياة، وما يملكه هذا الأخير من علم وحكمة، وقد ربطت المبدعة الكلمتين بعضهما ببعض لتحصل على عنوان يحمل شحنات دلالية قوية من خلال توافق دلالته التركيبية مع دلالة كل كلمة على حدة، ومع موضوع الأسطورة الأصل 20. ويمكن توضيح ذلك كما يأتي:

2-البناء الفني:

 إن المطلع والقاريء لقصة عينا خضر، يتجه بفكرة مباشرة بعد قراءة العنوان إلى قصة الخضر عليه السلام، ولاسيما كلمة الخضر، الاسم المرتبط بالحكمة والعلم، وهو الرجل الذي لقيه موسى وفتاه وعرضا عليه مرافقته وأنزل الله تعالى قوله فيه في سورة الكهف: «فوجدوا عبدا من عبادنا اتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما»21. أما عند قراءة النص قراءة متأنية، فأول ما يواجهنا هو العبارة الاستهلالية التي تحيل إلى أسطورة ذي القرنين والخضر مباشرة (آه من عيني خضر22)، ثم تتكرر الجملة على طول النص (عيني خضر) بوصفها لازمة بنت الكاتبة عليها نصها، ثم إن اقتباس الاسم الأسطوري (الخضر) وحده كان كافياً للدلالة على الأسطورة.

 يلاحظ كذلك أنه يمكن تقسيم النص الأدبي إلى مراحل النص الأصل إذ يحمل الجزء الأول منه قصة الملك ذي القرنين وحياته العادية- إن أمكن القول- فهو ملك له سعة من الملك، متصل بعالم السماء وفجأة بعد أن يسمع من الملاك روفائيل أن الملائكة تسبح الله وتعبده حق عبادته، إذ إن هناك من لا يرفع رأسه من السجود وهناك من لا يقوم من الركوع، وهناك من لا تجف عينه من الدموع، وهم على ذلك لا يوفون الله حقه، فبكى ذو القرنين لذلك، ومن ثمة يحدث الاضطراب عند هذه المرحلة، بعدها يقرر ذو القرنين أن يعبد هو الآخر الله حق عبادته، فيبحث عن الوسيلة الفضلى لذلك بسؤال روفائيل الذي يمده بالإجابة، وهي مرحلة البحث عن الحل ثم يجهز ذو القرنين العدة والعتاد من جيش وخيل ويرحل باحثا عن عين الحياة مع الخضر، فيصل الخضر إلي العين، فيغتسل منها ويشرب، فيما يرجع ذو القرنين زاهدا في الدنيا راغبا عنها بعد أن يحصد مغزى رحلته المتمثل في أن النفس البشرية لا تشبع ولاتهنأ إلى أن توارى في التراب، ولايملأ عيني ابن آدم إلا التراب.

 وكان النص شديد القرب من النص الأصلي في تقسيمه، فهو يبدأ بحالة الاستقرار التي كان يعيشها الزوجان، يعتنيان بأرضهما وما عليها من أشجار، فجأة يحدث الاضطراب؛ يقبض على الخضر ويقتاد الي السجن ثم يقتل. تسمع الزوجة بأنه دفن دون عينين، وهمس الجميع بحسرة مطحونة: خضر بلا عينين)23، فتصمم الزوجة على معرفة سر اختفائهما، فتسأل، وتحصل على الجواب من مجند اسرائيلي؛ على أن زوجها قد نزعت عيناه لمعالجة عيني يهودي قريب للجنرال وذلك بعد أن تدفع الزوجة كل ما تملك لمعرفة السر (بحثت عن سر اختفاء عينيك… دفعت كل ما أملك لمعرفة سراختفائهما، دفعت القلادة الذهبية التي دفعت تتصدى بنفاذ الفكر وعمق الخبرة لأدق القضايا التي ها مهرا إلي) 24. ثم تعد هي الأخرى العدة لتحقيق هدفها، فتعمل على إ ويمكن تبيان ذلك في الجدول التالي طالت أظافرها لليوم المنشود، فتراقب بحذر المستوطن الهدف، وبعد مدة تتمكن منه وتقتلع العينين لتنتهي القصة بوفاتها هي كذلك لكن بعد أن تفوز بغنيمتها ويمكن تبيان ذلك في الجدول الآتي:

النص الأصلي النص الأدبي
1-العنوان: ذو القرنين، والخضر، والبحث عن عين الحياة.

 

1-العنوان: عينا خضر
2-مرحلة الاستقرار: عيش ذوالقرنين في استقرار وسعة من الملك

 

2-مرحلة الاستقرار: عيش الزوجين في ارضهما في استقرار+بعض الملك (الارض + الزيتون)
3-حدوث الاضطراب: سماع قصة الملائكة من روفائيل وعبادتهم لله.

 

3-حدوث الاضطراب: اعتقال الخضر وقتله ودفنه دون عينين.
4-البحث عن الوسيلة المثلى لعبادة الله

 

4-بحث الزوجة عن سر اختفاء عيني خضر
5-المسؤول: روفائيل الملاك

 

5-المسؤول: يهودي مجند
6-إعداد العدة للبحث عن عين الحياة (تجهيز الخيل + الجيش + العلماء). 6-إعداد العدة (بيع القلادة + الملك + إطالة الأظافر + ترصد اليهودي).
7- وصول الخضر إلى عين الحياة وظفره وزهد الملك بعد رجوعه (ودع الدنيا بزهده). 7- وصول الزوجة إلى هدفها وظفرها بعيني زوجها وموتها بعد ذلك. (ودعت الدنيا بموتها).

 من خلال الجدول يمكن التماس الشخصيات الأدبية التي تلتقي وشخصيات الأسطورة بناءً في حين تختلف عنها موقعا ومقاما، وهي شخصية (الخضر، الزوجة، والمجند الإسرائيلي) التي تقابلها في النص الأصلي (ذو القرنين، الخضر وروفائيل)، فبينما كانت الشخصيات الأصلية ذات مقام رفيع، ومكانة عالية (ملك +عالم +ملاك) لم تعدوا الشخصيات الأدبية أن تكون من العامة، وما ذلك إلا محاولة من المبدعة الغوص في حياة المواطن العربي وأغوار قضاياه مهما كان شكله أو طبقته، وكشف الواقع بعيدا عن ذوي المقامات والعظماء من الشخوص، وهي الميزة التي يتميز بها الجنس القصصي عن غيره من الأجناس (الإهتمام بالطبقة العامة)، أما الأحداث فيمكن القول بأنّها متشابهة إلى حد كبير عند تقسيم القصة إلى أجزائها التي ذكرت سابقا: استقرار إ ضطراب أسئلة ، تعقبها الأجوبة، التصميم على تحقيق الهدف فالوصول الي الغاية المنشودة.

 رغم التشابه الموجود في البناء الفني للقصتين، إلا أن هناك بعض الاختلاف كذلك فيما يحدث للشخصيات إذ ينطلق كل من ذي القرنين والخضر معا، ليعودا معا بظفر الثاني وزهد الأول ورغبته عن الدنيا، أما القصة الأدبية، فتبدأ الرحلة بالزوجين ليموت الطرف الاول في بداية المرحلة ويكون حافزا للطرف الثاني(الزوجة) في إتمام المرحلة الثانية، وفيها يتحقق الهدف وتظفر الزوجة بعيني زوجها الخضر، ثم موتها هي الأخرى فبينما دفع ذوالقرنين روحه وضميره دون جسده ثمنا للوصول إلى إجابة شافية وهي النتيجة التي خلص إليها في الأخير، دفعت الزوجة حياتها ثمنا لاسترداد عيني زوجها، وقد خلصت الكاتبة بذلك إلى النتيجة نفسها فلما كانت العبرة التي خلص إليها ذوالقرنين تكمن في كون الإنسان لا يشبع، وأنه لن ينعتق من عبودية نفسه وتكالبه وراء الدنيا إلا بعد أن يوارى في التراب، كذلك لم تهنأ الزوجة إلا بعد أن عانقت أنفاسها وجسدها التراب ولم يرتح الخضرإلا بعد أن وارت عيناه التراب، وهو دليل الخلاص من العبودية الذي سيلتزم دفع الغالي من الثمن والتضحية؛ فإما الحرية وإما الموت. وهذا إشارة من الكاتبة إلى الحالة السياسية والاجتماعية والدينية التي يعيشها المواطن العربي داخل فلسطين من ظلم ونهب واغتصاب للحقوق، وقد وفقت الكاتبة في المقابلة بين الحياة في النص الأصلي والنص الأدبي، فبينما كانت الحياة في النص الأول تكمن في عبادة الله حق عبادته وذلك بالانعتاق من عبودية شهوات الدنيا وملذاتها، كانت في النص الثاني تساوي الحرية بالانعتاق من عبودية المستعمر المغتصب.

 ويظهر المكان في الأسطورة مفتوحاً (اتصال بين عالم الأرض والسماء) والرحلة بين مطلع الشمس ومغربها، وذلك لتدل على الإنسان في كل بقعة من بقاع الكون وأنه معني بعبادة الله، أما في النص الأدبي فهو محدود في (القدس) ليدل على المواطن الفلسطيني، وقد تأسطر بأن جعلته الكاتبة يضم أحداثا شبيهة بأحداث الأسطورة ثم إن القدس مكان مؤسطر بذاته لما توالى وتعاقب عليها من حروب دينية وقصص وأساطير.

 أما الزمن فتبدأ الكاتبة نصها باستراحة25 تصف فيها عيني خضروالعلاقة التي بينه وبين الزوجة ومن ثمة تقفز إلى المشهد26، أين يدور بينهما حوار حول زواجهما، بعدها تلجأ الكاتبة إلى خلاصة27 تسرد فيها كيف تزوجا وعاشا سعيدين في البداية. ويستمر زمن الأحداث في التطور خطيا مابين استراحة وأخرى إلى أن تصل الكاتبة إلى السرد الإستذكاري28 في الحديث عن كيفية اختفاء عيني خضر. وبينما يبدو الزمن في النص الأصلي أسطورياً الى حد ما؛ إذ طلب ذو القرنين من جنوده التعسكر وانتظاره اثنتي عشرة سنة قرب أرض الله المظلمة، وإن لم يعد بعدها عادوا من حيث أتوا، تأرجح الزمن في القصة الأدبية بين الانفتاح والانغلاق، إذ تبدأ القصة بزمن مفتوح عندما تقول الزوجة (تلك الأشواق التي ولدت منذ أن كنا طفلين 29)، فقد يحدد الزمن بين الطفولة والكبر، لكن السؤال هنا متى بدأت هذه الطفولة؟ ليس هناك تاريخ محدد لها، وهي السمة التي تعطي للزمن انفتاحا على الماضي، ثم يأخذ الزمن انفتاحا آخر لكنه هذه المرة في الحاضر في كل ليلة أتعبد في محراب عينيه 30) فرغم انحصار الوقت في الليل، (لكن)عملت كلمة كل على فتح وقت هذه الليالي التي لا نعلم مبدأها من منتهاها.

 بعدها يتجه الزمن نحو الانغلاق في قولها: (كانت ليلة دافئة في حضنك، لا بل ليلة باردة برحيلك31)، إذ حصرت عملية اقتياد الخضر إلى السجن في الليل، ثم تقول: (في اليوم الثاني جاء الجنود وجرفوا الارض 32) (بعد شهر قالوا إنك مت33)… (اسلموا جسدك ليلا لأبيك…. 34). ولعل تراوح الزمن بين الإنفتاح والانغلاق والماضي والحاضر إنما هو محاولة من الكاتبة إجلاء حقيقة المواطن الفلسطيني وبلده، ماضيه وحاضره المملوء بالجراح، وما كان استعمال كلمة الليل التي تتكرر في النص بكثرة إلا إشارة منها إلى جبن الإحتلال اليهودي لفلسطين تحت غطاء الأسبقية في الحق، فكان كل ما يتم ويحدث، إنما يتم في غموض وإبهام دون وضوح السبب الحقيقي، وذلك طبعا خوفا من الثورة وخوفا من انكشاف الحقائق، وبعد ذلك يتواصل الزمن في الانغلاق أكثر في قولها: (حيث استولى المستوطنون على بيت سيدي علي قبل سنوات) 35، وكذلك في: (طوال أسابيع ناجتني عينا خضر)35… وهو دليل قوي على حالة الحصار التي يعيشها المواطن الفلسطيني وتأزم قضيتة في الوقت الراهن.

3-الاقتباس والتناص:

لقد تجاوزت الكاتبة توظيف الاسم الأسطوري الذي ينتمي إلى الأسطورة الأساس – أسطورة “الخضر مع ذي القرنين “- إلى توظيف مكونات أسطورية أخرى ونصوص أدبية يمكن توضيحها كما يأتي:

1-استحضرت الكاتبة بعض الإشارات من النصوص الأدبية الشعرية والمتمثلة في:

*قصيدة أنشودة المطر لبدر شاكر السياب:

“عيناك غابتا نخيل ساعة السحر ” في قولها (تينك العينين… وتشرقان مثل نخيل أخضر)36.

*قصيدة المجد للظفائر الطويلة لنزار قباني:

“عيناها طيران أخضران “. أين التقى ثلاثتهم في تشبيه العين بالنخيل الأخضر.

*قصيدة البئر المهجورة ليوسف الخال:

“لنا التراب بيت، رحم، وكفن ” وتلتقي بقول الكاتبة: ” عينا خضر… تدعواني إلى… وإلى إطعامهما لدود الأرض التي يعشقها “38.

  1. ضمنت المبدعة نصها بعض الأسماء والخلفيات الأسطورية:

أ-الفنيق الطائر الأسطوري الذي ينبعث من رماده والذي يرمز إلى الانبعاث والميلاد من جديد، وقد وظفته المبدعة إشارة منها إلى استمرار المقاومة الفلسطينية، لأن في قتل الخضر ميلاد لألف خضر آخر، إن اطعام جسد الخضر ودمه الأرض الفلسطينية إنما هو بعث لحب المقاومة، ومنبت لملايين السيوف، وبعث حب الجهاد في الأجيال اللاحقة، وقد دل عليه أكثر اسم ابن الخضر (عودة) الذي سيرضع حب استرجاع حق أبيه وشعبه فاسم عودة هو إشارة لعودة الخضر ومقاومته من خلال ابنه وسيوف أخرى.

ب-الأسطورة الأنثوية شهرزاد: في قولها: “وكما أهدى حبه لأرضه التي كان يحدثني كل ليلة عن حبه لها “. 39 وهو شبيه بحكي شهر زاد في الليالي (تمركز الحديث في الليل)..

ج-أسطورة جلجامش: يتلقى النص هنا مع أسطورة البحث عن الخلود (جلجامش) وذلك من خلال بحث الزوجة عن عيني زوجها لترد إليه راحة البال كما بحث جلجامش عن زهرة الخلود ليرد الحياة لأنكيدو.

أما الخلفيات الممكن استخرجها من النص فهي:

الخلفية التاريخية والسياسية والدينية:

المتمثلة في الصراع القائم بين اليهود والعرب منذ القدم، وكره كل منهما للآخر وكل ما يرتبط به ونلمح ذلك من خلال: (وبلكنتة العبرية اللعينة…)40. كما يحمل النص الإشارة إلى طبع الإنسان اليهودي والمتمثل في الغدر والخيانة: (باح لي المجند الإسرائيلي)41. بكل شيء، وهي إشارة إما إلى الطبع والسلوك اليهودي كما سبق الذكر، وإما إشارة إلى استيقاظ بعض الضمائر اليهودية التي ترفض يهوديتها لما نشب من خلاف داخل الطوائف اليهودية نفسها ” إذ أوردت وكالات الأنباء في شهر افريل 1997 خبرين:

الأول مفاده أن السلطات الإسرائلية تتوقع أن تشهد مدينة القدس اضطرابات وعمليات إلقاء حجارة، لكن ليس من الجانب الفلسطيني وإنما من الجانب اليهودي المتدين.

أما الخبر الثاني، فهو طرد يهودي أثيوبي من عيادة طبية بدعوى العنصرية، وهوما أثار حفيظة الكثيرمن السود42.

 ومنه قد يحتمل أن هذا المجند الإسرائيلي قد أخبر الزوجة بالسر رفضا منه لانتمائه اليهودي، لكنه غطى رفضه بقبول المال المقدم من الزوجة مقابل البوح بالسر.

ب. المطاوعة:

تمكنت الكاتبة من تطويع مختلف العناصر الأسطورية الموظفة في نصها الإبداعي انطلاقا من اعتمادها على:

التشابه: الذي يتضح أكثر في البناء الفني أين تشابهت الأحداث الفنية مع الأحداث في القصة الأصلية فكل حكاية من الحكايتين تبدأ بالاستقرار ثم حدوث الاضطراب، فالاسئلة، فالاستعداد، وأخيرا تحقيق الهدف ويظهر التشابه كذلك من خلال تشابه الشخصيات الرئيسة فنجد التقابل بين كل من ذي القرنين، الخضر وروفائيل في الأسطورة، والزوج (الخضر)، والزوجة والمجند الإسرائيلي في النص.

هذا فيما يخص الأحداث العامة وشبهها بأحداث الأسطورة الأساس، أما التشابه الآخر فقد تم على مستوى الأحداث الداخلية الجزئية، فنجد الخضر وزوجته شبيهين بشهرزاد وشهريار في قصة الليالي؛ أين يتم الحديث عن الأرض كل ليلة.

كما نجد التشابه كذلك في دور الزوجة ببحثها عن بعث الحياة (ارتياح البال والهدوء) في زوجها بعد أن واراه التراب باسترجاع عينيه والبحث عنهما، وذلك كثير الشبه بمحاولة جلجامش إيجاد زهرة الخلود لإرجاع الحياة لأنكيدو، وقد تم إحداث التشابه الآخر بين ولادة الطفل (عودة) وإعادة عيني خضر للتراب وبين بعث حب المقاومة والقتال من خلال طائر الفنيق وانبعاثه من رماده إشارة إلى انبعاث الخضر (انبعاث المقاومة من خلال موته في أناس آخرين ومنهم الابن عودة).

2- التشويه والتغيير: يظهر التشويه والتغيير من خلال الحصول على قصة ثانية هي قصة الشاب الفلسطيني “الخضر ” وزوجته وما مرا به من ظلم من طرف اليهود في الأرض الفلسطينية في القدس، أين يحلم الزوج بأرض محررة، لكنه يقتل وتسعى الزوجة لمعرفة سر اختفاء عينيه التي كانت سبب قتله. ولعل أول تغيير يكمن في موقع الشخصيات فبينما كانت شخصيات القصة الاصل من أسمى الطبقات كانت شخصيات القصة الفنية من الطبقة العادية، ولا سيما شخصية الملاك التي تقابلها شخصية اليهودي (المجند).

 ويظهر التشويه والتغيير فيما وقع للزوجين كذلك، فبينما عاد كل من ذي القرنين والخضر سالمين غانمين يحملان المغزى من رحلتهما، فقد الزوج والزوجة حياتهما في القصة الأدبية وكان ثمن حصول الزوجة على مرادها دفع حياتها ثمنا لذلك.

 فضلاً عن ما سبق يمكن الحديث عن التغيير الذي أحدثته الكاتبة في استعارتها قصة الليالي، فلما كانت في القصة الأصلية شهرزاد هي الراوية وشهريار (الرجل) هو المستمع، كان العكس في القصة الأدبية ؛ فالمحدث كل ليلة كان الخضر والمستمعة كانت الزوجة، ثم يأتي التغير في الفعل ذاته، إذ كان في قصة شهرزاد “حكي ” وهو متعلق برواية العجيب من الأمور أما في النص الأدبي فهو “حديث ” ويحمل الواقع المعيش وأحلاما مستقبلية، وإذا كانت شهرزاد تشغل شهريار عن قتلها من خلال الحكي كان الخضر يشعل حب الأرض والحرية، وحب الأحلام في قلب زوجته.

ومن ثمة نجحت المبدعة في تطويع مختلف العناصر الأسطورية من خلال تقنيتي التشابه والتغيير لرسم قصة جديدة تحمل شحنات دلالية مختلفة.

ج- مستوى الإشعاع:

بتوظيفها للعديد من العناصر الأسطورية تمكنت المبدعة من خلق نص جديد عن طريق تطويعها لتلك العناصر انطلاقا من اعتمادها لعمليتي التشبيه والتحوير(التغيير) لتحصل في الأخير على نص جديد هو “عينا خضر” الذي يتفق مع النص الأصلي في بنائه اتفاقا تاما، ويختلف في دور شخصياته بناءً على ما تسعى الكاتبة لإجلائه وما تشير إليه. وعليه أعطى هذا التجلي والتطويع بعض الأبعاد الدلالية التي يمكن ذكرها فيما يأتي:

1- البعد الديني: ويتجلي من خلال الصراع القائم بين الفلسطينيين واليهود من أجل أرض فلسطين وهي قصة معروفة في ديننا الحنيف.

2-البعد التاريخي: ويتمثل في الصراع ذاته الذي نشب منذ القديم إلى يومنا الراهن، وقد أشارت الكاتبة إلى ذلك من خلال الاستيلاء على (بيت سيدي علي) وذكرها لبعض الأزمان على سبيل التاريخ.

3- البعد السياسي: وهي الحرب التي تدور بين الفلسطنيين واليهود لأجل ما سموه بأرض الميعاد، والدعوة إلى استمرار المقاومة من أجل الحصول على الحرية.

4- البعد الأخلاقي: إذا كان الانعتاق من شهوات الدنيا يكمن في محاربة النفس وتقوى الله حق تقاته، فالانعتاق من عبودية البشر يكمن في القتال أو الموت.

5- البعد الاجتماعي الثقافي: وهي الحالة التي أحالت إليها الكاتبة والتي تتمثل في الحالة المعيشية للمواطن الفلسطيني الذي يعتمد بنسبة كبيرة على الأرض وما عليها من شجر وزيتون، والدليل على ذلك قول الخضر موصيا زوجته (خذي بالك من الولد والزيتون يا امرأة)43. كما تناولت الكاتبة الكثير من المصطلحات التي تدل على الأرض مثل النخيل الأخضر، الغرس، غرستنا، شجيرة، زيتون، أرض،…….. وهي إشارة أيضا إلى التعلق بالجانب الزراعي الذي يمثل الحياة.

6- البعد الفني الجمالي: ويظهر ذلك من خلال قدرة الكاتبة على تطويع العناصر الأسطورية وتوظيفها في جنس القصة القصيرة وإعطاء نص فني جديد وما ينسحب على هذا الأخير من بناء أسلوبي راقٍ ولغة شيقة أظهرت فيها المبدعة موقفها من الراهن الفلسطيني، وما يعانيه المواطن الفلسطيني وحلمه الدائم بالعيش في أرض محررة تشرق على أسوارها الشمس.

المجموعة القصصية: الكابوس.

بحيرة الساج.

الطوفان:

لما كان الطوفان من أهم قصص الديانات السماوية، تسربت قصته إلى معظم الأساطير القديمة بعد أن أجمعت جميعها على حدوثه، وأنّ الله سبحانه و تعالى نجى منه نبيه نوح عليه السلام ومن اتبعه من الصالحين، و بينما تباينت تفاصيله، انتهت جميعها عند مأساة الغرق ومحنة النجاة44.

*بحيرة الساج….، صراع في عوالم الحب……

 لم تعالج سناء شعلان أساطير الطوفان دراسة وحسب، وإنما ولجت إليها إبداعا كذلك، ولعل قصتها القصيرة “بحيرة الساج” من مجموعتها القصصية “الكابوس” خير دليل على دلك.

تروي قصَة “بحيرة الساج” قصَة حب بين فتاة والعملاق” عوج بن عناق” الرجل الضخم اليد يقارب عنان السماء بطوله، المسكون بالشر. يعمل “عوج” على قطع أشجار الساج التي زرعها “نوح” عليه السلام ويعتني بها ليبني سفينته “ذات الودع”45- كما تسميها الأساطير- امتثالا لأمر الله تعالى ليحتمي بها ومن معه من المؤمنين من الطوفان الذي يهدد الأرض. هناك في غابة الساج يلتقي “عوج” بالطفلة التي خطفته جرأتها وبراءتها صغيرة واختطفه حبها صبية؛ فقد كانت المخلوق الوحيد الذي يأنس إليه ولا يخافه.

تكتشف الفتاة حب الله من” نوح” وتتعرف إلى الإيمان كما عرفت حب “عوج”، لكن عوجا يأبى أن يرى حب الله وحب الإيمان… ، فيتصارع الحبان بداخلها كما يتصارع الحب والكره في قلب “عوج”…. ، ويأتي الطوفان على كل شيء… ، ترتقي الفتاة آخر درجة في سلم النجاة حيث “نوح” وباقي المؤمنين، تمد يدها إلى “نوح” و فجأة تسمع صوت “عوج” يشق الأمواج ويناديها، بل ويشق قلبها لينسيها نفسها، تستعطف “نوحا” فيأبى مساعدة كافر، يتخافت صوت “عوج” وهو ينادي الفتاة… لقد ابتلعته الأمواج، تسحب الفتاة يدها من يدي “نوح” وتهوي حيث الحب، حيث “عوج بن عنق”. 46

الدراسة النقدية:

– التجلي:

1-العنوان:

 أعطت المبدعة قصتها عنوانا مكونا من كلمتين أو بالأحرى اسمين “بحيرة” و”الساج”.

أما كلمة بحيرة فهي تعني الماء والذي يرمز إلى الخصب والحياة، لكن لِمَ لم تقل الكاتبة غابة الساج بدل بحيرة الساج؟ فلا يمكن أن تدل كلمة بحيرة هنا أن نوحا عليه السلام كان يغرس أشجاره وسط بحيرة؟!وذلك ما دلت عليه جمل النص: “كم كانت تحب هذه الغابة التي تتربع على هضبة مهولة دون باقي بقاع الدنيا”47 وجملة ” ولكني أحب هذه الشجرة، وأريد أن أربط حبال أرجوحتي بأغصانها48؛ إذ لا يعقل أن تصنع الفتاة أرجوحة على أشجار تنمو وسط بحيرة! كما لا يمكن لطوفان هائل أن يصنع بحيرة وحسب.

 إن اختيار الكاتبة لكلمتي “بحيرة” و “ساج” لم يأتِ من فراغ إنما هي محاولة منها في أن تكتب الخلود لقصة صراع الحب التي لاحت معالمها من غابة الساج مكان التقاء الفتاة “بعوج”: “توقعت أن ترى “نوحا”…  ولكنها لم تتوقع أبدا أن تجد “عوجا” أمامها”49 ومكان اكتشافها لحب الله: ” فآمنت به وكفرت بطواغيت قومها”50. كما كان هدا المكان بالذات مكان نهاية قصة الحب ونهاية “عوج” الذي بقي قابعا فوق شجرة ساج عالية من بقايا الأشجار التي أجتثها “نوح” لبناء سفينته. لم يعن الفتاة أي مكان آخر سوى غابة الساج، ولم تعنها المياه الغزيرة التي ابتلعت الأرض، وإنما عنتها المياه التي طوقت غابة الساج حيث “عوج” وحيث بدأ الحب وانتهى. ومن ثمة لم يعنها سوى ذاك الحيز من الماء والأشجار؛ فكان العنوان أكثر ملاءمة، وفيه بعض الترميز لقصة الطوفان51  وأسطورة العملاق “عوج بن عناق”؛ لأن أشجار الساج هي النوع الذي تولاه “نوح” عليه السلام بالرعاية لأجل بناء السفينة، والبحيرة تحمل معنى الماء، والاثنان معا يحملان صورة الطوفان الذي تقول الأسطورة أن “عوجا” كان قد نجا منه.

2-البناء الفني للنص:

إن قراءة العنوان لم توح مباشرة إلى أسطورة (العملاق عوج)52، إلا أنه وبعد الدخول إلى كلمات النص الأولى الصوفية التي تدعو إلى إكتشاف حب الله، وبعد ذكر اسم النبي “نوح بن لامك”، بدأت معالم القصة بالظهور ثم لاحت الأسطورة، بذكر الرمز الأسطوري “عوج بن عناق”.

إعتنت الكاتبة بالأحداث مادة القصة إلى جانب الشخصيات، فكانت قد ذكرت “نوحا” و”عوجا” رمزا القصة والأسطورة الأساسيين، وقد تخللتها بعض الحوادث المشابهة، ناهيك عن الوصف الذي يرحل بالقارئ إلى تصور الأحداث والدخول في عالم النص، ثم إنها عمدت إلى تقنية الترتيب غير المتسلسل شكليا، مما يدفع بالقارئ الى الخوض في القصة وإعادة ترتيب أحداثها في ذهنه، وذلك مانراه في القصة التي بين أيدينا، أين بدأت بالحديث عن اعتناق الفتاة لعقيدة نوح ثم، رجعت الى الحديث عنها طفلة، فالنهاية التي آلت إليها.

 وعليه يمكن أن نقسم النص إلى مراحل القصة أو الأسطورة الأصليين بغض النظر عن الإستباق الذي أحدثته الكاتبة بالحديث عن إعتناق الفتاة لدين نوح بن لامك.

 وتقول قصة الطوفان، أنّه لما دعا نوح قومه إلى عبادة الله الواحد، وقد كانوا يعبدون أصناما تسمى “ودا، وسواعا، ويغوثا، ويعوقا، ونسرا”، وهي أسماء لرجال صالحين ماتوا فأوحى الشيطان لقومهم أن يضعوا لهم تماثيل تذكّرهم بهم فعبدت فيما بعد في قوم نوح، وهزأوا مما دعاهم هم إليه، ودعوه بالمجنون، فدعا نوح الله أن يجازيهم بأعمالهم فاستجاب، وأمره أن يصنع الفلك وتوعدهم بطوفان لايبقي ولايذر، فصنع نوح الفلك من شجر الساج، ولما أتمها حمل فيها من كل حي اثنين وقلة ممن اتبعه، حتى إنه دعا ابنه كنعان فلم يستجب، ومات على كفره. وأتى الطوفان كل شيء ولم يبق على الأرض من مخلوق، لكن تقول الأسطورة أن هناك رجلا من العمالقة يسمى “عوجا بن عناق” ذي طول لا يوصف كان يخوض في الطوفان فيصل إلى ركبتيه، وقيل بأنه كان الناجي الوحيد منه.

 وقد كان النص الفني كثير الشبه في بنائه بالنص الأصلي، إذ يقول أن “نوحا بن لامك” دعا قومه إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام (ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر)، لكنهم هزؤا منه وآذوه، ورموه بالجنون، فدعا الله أن يجازيهم فاستجاب الله وأمره ببناء سفينة تنجيهم من الطوفان الذي كان قد هدد به، وكان هناك عملاق يدعى “عوجا” شديد الكره لنوح فكان يقطع أشجار الساج التى يعتني بها نوح نكاية فيه، وهو على هذه الحال إذ إلتقت به طفلة كانت تريد صنع أرجوحة في الغابة على أشجار “نوح “، وطلبت من عوج أن لا يقطع الأشجار، فاستجاب لها، وتعود رؤيتها وإعادها للبيت حتى صارت امرأة، ووقعا في حب بعضهما.

 دعا نوح الفتاة لدين الله فاستجابت بعد أن ذاقت حلاوة الإيمان، وأرادت أن تصلح من حال عوج لكنه أبى. أتم نوح صنع سفينته وحمل معه كل من آمن به وزوجا من كل حيوان، وبعد أن غمر الطوفان الأرض نادى نوح ابنه كنعان ليؤمن فأبى هو الآخر. وغرق كل شيء ولم يبق إلا عوجا متخذا له شجرة ساج باقية في غابة نوح تقيه من الغرق. وكانت الفتاه آخر من يصعد سفينة نوح، فأخذ ت تنادي عوجا وترجو نوحا أن ينقذه لأنها تحبه، لكن نوحا رفض وقال بأنه لا يمكنه إغاثة الكافرين، وبعد أن تسمع الفتاه صوت عوج يشق الأمواج ليناديها تسحب يدها من يدي نوح وتهوي إلى الماء حيث تلحق بعوج نحو الموت.

والجدول الآتي يوضح تشابه بناء الأحداث التي سبق ذكرها:

النص الأصلي النص الفني
الثوابت
قصة الطوفان

1-عبادة قوم نوح لـ: ود، سواع، يغوث، يعوق، ونسرا. (كفرهم).

2-أذيتهم لنوح والسخرية منه.

دعاء نوح واستجابة الله له.

4-أمره ببناء سفينة.

5- بناء السفينة من شجرة الساج.

6- دعوة نوح ابنة كنعان الذي أبى وغرقه مع من غرق.

قصة الطوفان

عبادة قوم نوح لـ: : ود، سواع، يغوث، يعوق، ونسرا. (كفرهم).

2-أذيتهم لنوح والسخرية منه.

دعاء نوح واستجابة الله له.

أمره ببناء سفينة.

5-بناء السفينة من شجرة الساج.

6- – دعوة نوح ابنة كنعان الذي أبى وغرقه مع من غرق.

 

المتغيرات
أسطورة عوج:

بقاء عوج على قيد الحياة ونجاته من الطوفان.

2- حبه لامرأة في زمن إبراهيم وهي زوجته عليه السلام

قصة عوج:

موت عوج وهلاكه.

حب عوج لفتاة هلكت وإياه في زمن نوح عليه السلام.

 

 من خلال الجدول السابق يمكن لنا استخراج شخصيات النص الأدبي التي ماثلت شخصيات القصة والأسطورة في أصلهما، فشخصية نوح بن لامك، وكنعان بن نوح، وعوج بن عنق في النص الأدبي هي الشخصيات الأسطورية ذاتها في أسطورة عوج وقصة الطوفان، فضلاً عن بطلة النص الأدبي التى اختارتها سناء شعلان فهي شخصية عادية من العامة، وذلك محاولة من الكاتبة اختصارالمسافة بين نصها وبين المتلقي.

 كما اعتمدت الكاتبة الأحداث العامة للقصة والأسطورة الأصل في نصها الأدبي كما لو أنها حملت البطلة ووضعتها في عالم نوح وعوج، فضلاً عن تغيير الحدث الأخير الذي مفاده موت عوج بدل بقائه على قيد الحياة في الأسطورة.

فالقصة تبدأ في الأصل بدعوة نوح لقومه لما زاد فيهم الكفر، ثم أذيته وأمرالله له ببناء السفينة، ثم إرسال الطوفان، وموت الكفرة وابن نوح، وبقاء عوج على قيد الحياة، فنجد الأحداث نفسها في النص الأدبي: كفر قوم نوح، غرسه لأشجار الساج والاعتناء بها، ثم تخلل الأحداث العامة الحقيقية أحداث أخرى وهي أن هناك فتاة صغيرة كانت تحب اللهو بنصب أرجوحة في غابة نوح “كم تحب اشجار الساج “53، وكانت تخاف عوجا لكثرة ما سمعت عن شره، ولأنها رأته بأم عينيها يضرب أحدهم في السوق حد الموت ” كانت تعرف اسمه الذي يوقع الهلع في القلوب فهو من شر الناس “54فقد رأته يوما يضرب رجلا حد الموت في سوق المدينة “55 أما نوح فلم تكن تبالي بما يقال عنه ولا تخافه، فهي لم تشاهد منه غضبا الا لفاحشة يراها.

 لم تكن الفتاة الصغيرة معنية بما يجري حولها، لاحب…، ولا دين!، فقد كانت ككل الأطفال لا يعنيها إلا اللهو واللعب، تؤمن بما تسمع ولا يتغير اعتقادها بما سمعت إلا عن سابق تجربة، فقد سمعت عن عوج أنه شرير فخافته وزاد خوفها لأنها رأته يضرب شخصا، لكن لما مرت الأيام وعاملها عوج بلطف وحب تغيرت نظرتها له رغم ما قاله الناس عنه: ” أنا أحب عوجا، إنه طيب “56. ” “وتأمرها الألسن همسا بالابتعاد عنه “57.

 أما نوح فلم تكن تخاف منه لأنها عايشته عن كثب، فهو لم يمنعها يوما من اللعب في غابته، ومن ثمة حاولت الكتابة الانتقال بنا نحو طور من أطوار حياة الإنسان فصورت بطريقة رائعة كيف أن الطفل يولد صفحة بيضاء، نخط عليه ما نشاء، ثم يكتسب رويدا ما يراه في حياته انطلاقا من التجربة، فالفتاة كانت تخاف عوجا لما سمعته عنه ولما رأته عن بعد، لكن عندما دنت منه أكثر تغير رأيها.

 بالعودة إلى شخصية نوح وتأثيرها في شخصية الفتاة بدعوتها إلى استشراف نور الرب، أين تغلغلت كلماته إلى صدرها وقلبها الذي اعتنق بكل حب حب الله، وهو جانب آخر من حياة الإنسان تدلنا عليه الكاتبة. لقد كان قلب الفتاة مليئا بحب عوج، لكن كلمات نوح تغلغلت هي الأخرى لتنافسه المكان، بل وتعدته لأن تدعو عوجا ليعدل عن كفره، إنه فراغ الروح والشوق إلى الطمانينة، إلى الحب الأعظم، إلى من يقود هذه الروح، هنا أين اصطدمت كلمات نوح عن الله بروح الفتاة وفكرها، وما هو موجود في واقعها المعيش؛ كيف لأصنام صماء لا تنفع ولا تضر أن تقدم لها الحب الذي تحتاجه والطمانينة، فهي لا تتحرك، لاترى، ولا تستجيب! “ما أنتم إلا أحجار صماء، ليس لها قلب “58.

قال لها نوح إن الله هو الحب، والله يأمر بالحب، فكيف لها أن لا تؤمن بمن أعطاها حرية حب عوج، فقد كان الجميع يبعدها عنه إلا نوحا، إذا فهو يعرف معنى الحب الذي يشق طريقه إلى القلوب. قال نوح إن الله يحب الحب وهي تحب عوج، فأنى لها أن تكفر بالله! بل ستكفر بطواغيت قومها الذين أرادوا إبعادها عن عوج، وتؤمن برب نوح (فآمنت به وكفرت بطواغيت قومها 59).

فالشخصية هنا تعبر عن الذات المنقادة نحو عواطفها وما يلبي رغباتها، فقبل أن تسمع الفتاة خطاب نوح عن الحب، كانت تفتقد لشيء ما يطفئ ظمأها ويساندها في حبها لعوج، ولما ألقى نوح عليها تلك الكلمات التى روت عطشها، آمنت بصاحب الكلمات، وآمنت بالله الواحد.

 أما شخصية عوج بن عناق فقد حملت صفات الشخصية الأسطورية في البداية، إذ كان رجلا طويلا عملاقا كثير الشر، يحسب له الغير ألف حساب، ويهابونه، فكان يعارض نوحا ويقتلع أشجاره نكاية فيه. أما الصفات التي أصبغتها الكاتبة عليه في النص، فهي صفات أخرى مخالفة لطبيعة عوج؛ لقد بات طيبا لطيفا أمام براءة وخوف طفلة أخبرته بجرأة وصدق بأنه شرير، لقد عجز أمام صدق مشاعرها وبراءتها أن يرد على كلامها السيئ بسوء يماثله (قالت هامسة لأنك شرير… قال ضاحكا… ومن قال لك إني شرير)60.

 لقد تعود عوج أن يفر منه كل من يراه، ولم يتجرأ أحدهم يوما على نعته بسوء، لكنه هذه المرة قد صفع على وجهه بسيء الكلام، وممن؟ إنه من أضعف خلق الله؛ طفلة صغيرة لا زالت تلهو وتعبث في الغابة، وما لم يتوقع أن عوجا رد على الطفلة ضاحكا، ثم ربط أرجوحتها إلى الشجرة التى أرادتها وكان يريد قطعها، ولم يكتف بذلك وإنما اعتاد على حمل الفتاة وإعادتها نائمة إلى منزلها، كما ألفته هي الأخرى؛ فقد لاحت لنا لوحة رائعة تحمل أسمى معاني الحب والتسامح، وهي تحولات الذات وصراعها بين الخير والشر بين الحب والكراهية، فعوج إنسان والإنسان قطبان متنافران خير/شر، إنه وسطية بين الملاك والشيطان، فإما أن يكون خيرا لا شر فيه وهو الملاك، وإما شريرا لاخير فيه وهو الشيطان، وما دام عوج إنسان، فلابد أن يكون هناك خير وشر معا، وعلى الإنسان أن يختار بين الاثنين، وعلى أحد القطبين أن يتغلب على الآخر حتى تصنف الذات في أي اتجاه هي.

فذات عوج كانت شريرة، وكان جانب الخير فيه نائماً، لكنه استيقظ ما إن مسته براءة وحب وصدق لم يعهدعوج تلقيها من أحد، فقد يمر عوج بالناس فيهابه بعض الناس ويبتعدون عنه، يثني عليه بعضهم الآخر حتى لا يؤذيهم، ولكنه يعلم أنه شرير، وأن الجميع يكرهه، أما هي فكانت الوحيدة التى قالت له “شرير” في وجهه، وهي الوحيدة التي أحبته ولم تعد تخافه. كأي إنسان احتاج عوج للحب، هو رجل شرير، لكنه يحتاج لحب امرأة وحنانها، يحتاج لصوتها العذب وهي تلفظ اسمه بحب كما لم يفعل أحد من قبل، إنها حاجة الرجل للمرأة التى تكمل معنى حياته، رغم جبروته وامتلاكه للقوة لم يكن عوج ينقصه شيء لكنه كان ضعيفا أمام الفتاة، فرغم قوته وعنفوانه أظهر أنه يحتاج اليها وفي آخر لحظات له على أرض الساج أين كان الطوفان يبتلعه لم يأبه للموت وإنما نادى عليها هي بالذات، فهل كانت ستنقضه؟ طبعا لا، فهي أضعف من أن تتحدى قوة الله، فعوج لم ينادها لإنقاذه، إنما رفضا منه أن يفقد حبا قد وجده دون حب كل البشر.

 ويتوالى صراع الذات في عوالم الحب مرة أخرى مع شخصية نوح وشخصية ابنه كنعان، فنوح نبي وقد أمره الله بأن يغض الطرف عمن دعاهم إلى الهدى وأبوا، ولكنه بقي لوهلة يرجوا ابنه كي يؤمن وينجو بنفسه، لكن الابن يرفض الانصياع؛ فيهلك مع من هلك. ويكمن الصراع كذلك في شخصية الفتاة عندما تصعد السفينة وتتشتت روحها بين النجاة مع المؤمنين وبين ترك عوج، فترجوا نوحا أن ينقذه لكن نوحا يرفض إغاثة الكافرين بأمر من الله، ولكنه يرق لحال الفتاة فتظهر الدموع في عينيه وقد نجحت الكاتبة في إظهار الصورة الرائعة لصراع النفس بإضفاء الحوار ووصف الجدال القائم بين نوح والفتاة، تقول بعصبية وانفعال:(أرجوك يا نوح أنقذه…..، – لكنه كافر……، – ولكنى أحبه…)61

فالانفعال والتمني، والوصف، والاستدراك، والحزن عوامل شاركت في صنع ملحمة الصراع فى عوالم الحب، فعندما يقرأ المتلقى هذا الحوارالقائم بين الطرفين يحس وكأنه يشاهد فلما لا يقرأ قصة لدقة التصوير الذي إنتهجته المبدعة. ويستمر حوار الذات الممزقة بين عوالم الحب بين شخص الفتاة التي ترجوا نوحا لينقذ عوجاً وهذا الأخيرالذي يناديها وحدها من دون كل الناس، وفي النهاية تقرر أن تلحق بعوج حيث هو، حيث الموت، فتسحب يدها من يدي نوح وتهوي…..

وتشكل غابة الساج المكان الأسطوري البارز في قصة سناء شعلان، وإن كان في الأصل المكان الذي عمه الطوفان هو بمثابة المكان الأسطوري، لكن الكاتبة لم تتحدث بإسهاب عن المكان في البداية لمّا كانت بصدد إعطاء خلاصة للأحداث التي وقعت للفتاة عند اعتناقها لدين نوح عليه السلام، فقد سردت الأحداث بإيجاز، ولم تعط أي تفصيل سوى عن الكلمات التي قالها نوح وقبولها من طرف الفتاة.

 ثم تنتقل إلى الحديث عن المكان الأسطوري (غابة الساج) كونها محور الأحداث وملتقاها، فلقاء عوج بالفتاة كان في غابة الساج(وغدت الغابة عدنهم المقدس)62، وحب الفتاة لنوح كان سببه سماحه لها باللعب في غابة الساج، وانتقام عوج من نوح يتمثل في قطع أشجار الساج من غابته، وبداية حب الفتاة لعوج في غابة الساج، ونهاية حياة عوج كانت على شجرة ساج، أين انتهى الحب كذلك؛ حينما تحولت غابة الساج إلى بحيرة الساج. فالمكان الأسطوري الذي كان مفتوح الأرجاء في النص الأصلي بات ضيقا ومحدودا في النص الأدبي إذ حصرته الكاتبة في منطقة الساج منطقة بداية صراع الشخصيات الثلاث.

 أما الزمن فقد بدأ بخلاصة تحكي ما مرّ من أحداث، أين يتوقف السرد عن الحركة عندما تتخلله استراحة أو مشهد ما، وذلك من خلال وصف الفتاة وغابة الساج وخطاب الفتاة الذي تلقيه على الآلهة الصماء وتنادي عوجا وترسل له كلماتها وهو غائب.

 بعدها ينحو الزمن منحى آخر عندما يرجع إلى تقنية الاسترجاع أو الاستدراك الاستذكاري للكشف عن طباع ومميزات الشخصيات؛ عندما تعرج الكاتبة على طفولة الفتاة وأول لقاء لها مع عوج، أين تتدخل بعض المشاهد والاستراحات من حين لآخر، ويستمر زمن السرد بالتتابع خطيا إلى نهاية القصة ما بين مشهد واستراحة فيمتزج زمن القصة الأسطوري بزمن القصة الفنية ليعبر عن الواقع الذي ترمي إليه المؤلفة.

3-التناص والاقتباس:

عمدت الكاتبة إلى اقتباس الرموز الأسطورية المتمثلة في الشخصيات: نوح عليه السلام، كنعان بن نوح وعوج بن عناق، كما استحضرت اسم الشجر الذي صنعت منه السفينة(الساج)، فضلاً عن اسماء الآلهة التي عبدها قوم نوح والمتمثلة في: ود، سواع، يغوث، يعوق ونسر اقتباسا من القران الكريم.

 وعدا الأحداث التي قد جاءت في الكتب الدينية وكتب التفاسير عن قصة الطوفان، أضافت الكاتبة أحداثا تليق ببطلة قصتها وتجعلها تتحرك في انسجام تام مع النص، فلم تبتعد بها عن أجواء قصة الطوفان كثيرا، فقد كانت من قوم نوح، ومن ثمة تعبد ما يعبدون، وتلقت مثلهم دعوة نوح، وكانت تتردد على غابة الساج لتلهو.

 يزخر النص بالتناصات القرآنية منها: (سخر الناس من الأمر السماوي الغريب) إشارة إلى قوله تعالى «….. ويصنع الفلك، وكلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه….. »63. وكذلك قول الكاتبة على لسان بطلتها (إنك لست سوى حجارة صماء، لتنتقمي لذلك، لتنتصري لنفسك، أنى لك ذلك)64، (إني مؤمنة برب نوح)65 فنجد التقاءً واضحاً لرفض الفتاة للآلهة المزعومة ورفض إبراهيم عليه السلام لعبادة الأصنام وتحطيمها كما نجده في قيام الفتاة بشتمها- للآلهة- والإعلان عن إيمانها بالله، وذلك في قوله تعالى: «….. فسألوهم إن كانوا ينطقون »66، وقوله: «قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلك من الشاهدين»67.

 كما يظهر التناص في قولها (من لحظات ابتلع الموج (كنعان) بن نوح الذي كان عزم والده وانصياعه لأوامر ربه سدا منيعا يمنعه من أن يذوب شفقة على ابنه الكافر العاص) إشارة إلى قوله تعالى: «قال يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم، إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين»68

تناص أدبي: أين نجد التقاء الكاتبة والشاعر في الحديث عن الطوفان ونجاة نوح وانتصاره على الظلم، إذ يقول الشاعر في ديوانه (قلبي وغازله الثوب الأزرق)69:

مذ كان يناضل في السفح هدير الطوفان.

لكن نوح بلغ الجبل الأعلى وانتصر الإنسان.

كما يحلينا فعل انتهاك حرمة الغابة بقطع أشجارها إلى تناص أسطوري بين قصة عوج الذي انتهك حرمة غابة نوح وهي أشجار مقدسة لأنها زرعت بأمر من الله تعالى وبين أسطورة (أريزختون) الذي انتهك حرمة غابة مخصصة لد متر، رغم توسلات الآلهة، فرمته بلعنة الجوع الدائم حتى انتهى بالتهام نفسه 70.

 ثم نجد التناص التاريخي في ” قد انهار جبروته أمام يقين الموت ” مع قصة فرعون الذي أعلن إيمانه بعد أن غرق في اليم، وكذلك قول نوح لما طلبت منه الفتاة إنقاذ عوج (ولكنه كافر وهذه السفينة للمؤمنين فقط)71 إشارة إلى قوله تعالى: «…. ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون»72، وكذلك في (حتى الآلهة عجزت أن تضع حدا له)73 إشارة الى أن القوم يعرفون عجز آلهتهم، لكن لا يقرون بذلك، وفي ذلك تناص مع قصة الخليل عليه السلام و قوله تعالى: «ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون»74.

ب. المطاوعة:

تمكنت سناء شعلان من تطويع المكونات الأسطورية التي وظفتها انطلاقا من:

1- التشابه: وذلك يظهر في بناء الأحداث التي تماثل تقريبا القصة والأسطورة الأصل تماثلا تاما وذلك في إلباس الشخصيات الهالة الأسطورية ذاتها مثل شخصية نوح فهي شخصية حكيمة ورعة تقية تخاف الله وأما عوج فهو الشخصية الأسطورية الشريرة التي تسكن جسدا ضخما لا يوصف له طول، كما أضفت على المكان هالة أسطورية هو الآخر كونه المرتكز الذي دارت فيه الأحداث، وأما الزمن فكان أسطوريا كذلك فقد كان زمن البداية والنهاية ؛ بداية إيمان الفتاة ونهايتها بالكفر للحاقها بعوج، كما كان يمثل النهاية والبداية كذلك، فالطوفان قضى على كل شيء، على الحياة بأسرها، فانتهى بذلك عهد الكفر، وبدأت حياة جديدة مع القلة من المؤمنين.

2- التناقض والتحوير: أين أحدثت الكاتبة اختلافا في شخصية عوج، فالأسطورة تقول بأنه شرير لا يهاب شيئا يخوض في الطوفان الذي يصل إلى ركبتيه وقد نجا منه، أما في النص الفني، فنرى إحداث تغيير وتحوير بجعل عوج شخصا لطيفا طيبا مع الفتاة يبادلها حب بحب، كما نرى الخوف في عوج لما يهاب الموت، ثم نراه يصعد أعلى شجرة ساج ليحتمي من الطوفان – رغم علمنا أنه يخوض فيه برجليه فيصل الى ركبتيه في الأسطورة- فضلاً عن موته غرقا، وهو ما يخالف النص الأصلي الذي يقول بأن عوجا يهلك على يدي سيدنا موسى عليه السلام.

ج- مستوى الإشعاع: انطلاقا من تقنيات التشابه، والتحوير، والتغيير تمكنت الكاتبة من خلق قصة أخرى تحكي صراع النفس البشرية داخل دائرة الرغبات، الحب، الروح، الكره، والشر….، إذ مزجت الكل في لوحة متجانسة لاحت لنا من خلال الكثير من الصور التي تنم عن مجموعة من الأبعاد نذكرها كما يأتي:

1- البعد الثقافي الديني: ويتمثل في ذكر قصة الطوفان وبعض الأسماء منها نوح بن لامك كنعان بن نوح، كذلك أسماء الأصنام التي كان يعبدها قوم نوح (ود، سواع، يعوق، يغوث، ونسر) التي تعد إضافة ثقافية دينية للنص الفني بحق، ناهيك عن اسم الشجر الذي صنع منه الفلك (الساج)، وطولها (ثمانين ذراعا) والمادة التي طليت بها (القار).

2- البعد الأخلاقي: ويتمثل في إقبال الناس دوما على ما يطمئنون له وإدبارهم عما هو دون ذلك، فلما كان نوح لطيفا، طيب القلب، لم تخفه الفتاة، في حين كان عوج شريرا يزرع الذعر في كل من يراه ويعرفه، فكانت الفتاة تهرب منه كلما رأته، لكن عندما تغير طبعه معها إلى الرقة والحنان، لم تعد تخافه وبادلته حبا بحب.

3- الجانب العلمي الفلسفي: وهو أن الإنسان يولد صفحة بيضاء، ورويدا يكتسب ويتعلم معنى الحياة وقيمتها ممن حوله ومن الاكتشاف، فهو ابن التجربة؛ فالفتاة لم يكن يعنيها ما يحدث حولها، آمنت بما سمعت في البداية (خافت عوج لما سمعت عنه من شر إضافة إلى رؤيتها له وهو يضرب شخصا، ثم تحولت بعد ذلك عن طبعها وأحبت عوجا ونوحا لأنها احتكت بهما ولم تعد تبالي بما يقال.

2- الجانب النفسي: ويظهر من خلال الصراع الذي تعانيه الفتاة بين قلبها وعواطفها وعقلها، فهي تحب عوجا من جهة وتحب الله من جهة أخرى، لكن عوجا لا يحب الله! فتحكم الفتاة عقلها بداية الأمر وتنقطع صلتها بعوج، لكن ما أن تراه يهلك حتى تلحق به، منحازة بذلك إلى رغبتها وقلبها، وهذه إحالة من الكاتبة إلى حاجة الذات إلى الآخر، فبالرغم من جبروت عوج ظهر ضعفه وهو ينادي الفتاة، وبالرغم من إيمان الفتاة بالله إلا أنها قفزت في المياه لتلحق بعوج، وما هذا إلا دليل على حاجة كل من الرجل والمرأة بعضهما لبعض بغض الطرف عن عقيدتيهما أو مذهبهما.

 من خلال دراسة بعض الآراء حول توظيف الأسطورة في كتابات بعض الأديبات، اتضح أن أغلبهن لجأن إلى توظيف أسطورة شهر زاد، لأنها من جنسهن، ومن ثم تحاول الكاتبات إيجاد أنفسهن في البطلة شهرزاد التي أصبحت قدوتهن، فحاربن الرجل بالكلمة المكتوبة بدل الكلمة الشفوية، وكان الحب بكل أشكاله هو العنصر الحاضر بقوة في إبداعاتهن، والذي تأرجح بين حب الآخر وحب الوطن.

– من خلال دراسة نماذج لسناء شعلان التي دارت قضايا موضوعاتها في عوالم الحب بأنواعه، نجد خصوصية التمحور حول الذات والحديث عن الحب والوطن، لكن الكاتبة على عكس ما أشيع عن كتابات المرأة، إذ نجد المرأة في قصصها ضحية ومذنبة، عاشقة ومعشوقة، محبة للحرية وللوطن، فسناء لم تلق اللوم على الرجل فيما تعانيه المرأة، بل جعلته هو كذلك يعاني من الحرمان وضحية لألاعيب الأنثى فجعلته بحاجة إليها كما هي في حاجته، فرغم ذكائه وقوته وثروته يبقى بحاجة إلى الكائن الضعيف المسمى أنثى كما أنه رغم ذكائها وجمالها وتكبرها تبقى في حاجة إلى ذاك المسمى رجلا، فكل منهما في حاجة الآخر ولا تكتمل الصلة بينهما إلا بعطاء الذات الذي يستوجب الاختلاف.

 وقد سعت سناء شعلان إلى توظيف الأسطورة في القصة القصيرة التماساً منها لنوع جديد ومختلف عن القصة القصيرة القديمة معتمدة بذلك على التجريب. وقد تجلى هذا التوظيف في:

–  توظيف المكان الأسطوري، الزمن الأسطوري، الشخصية الأسطورية، الكائن الأسطوري، الموجودات الأسطورية، الحدث الأسطوري والرمز الأسطوري. وقد تلجأ الكاتبة إلى التوظيف الكلي أو التوظيف الجزئي، وقد توظف أكثر من عنصر في قصة واحدة وقد توظف العناصر كلها في النص الواحد..

– تمكنت الكاتبة ببراعة من الفصل بين الشخصية الأسطورية في الأسطورة والشخصية الدينية في القصة الواحدة دون إحداث الخلط رغم مزجها بين الأسطوري والتاريخي والديني في النص الواحد. كما تمكنت من إخراج بعض المعتقدات الأسطورية إلى النور بعد أن كانت حبيسة البيئة والأناس الذين يعتقدون بها مثل أسطورة (دقلة النور) الإفريقية.

وقد اعتنت بجميع العناصر الأسطورية والمكونات الميثولوجيا كما نجحت في إسقاطها على واقعها المعيش كأنثى من جهة، وكمواطنة عربية من جهة أخرى، إذ حاربت سراب الأفكار السوداء الذي أشعل نار الحرب بين المرأة والرجل دون داع سوى أنهما لم يقفا بعد عند المعنى الأسمى لاختلافهما، وان هذا الاختلاف هو أساس الاتحاد والداعي إليه. كما أشارت إلى فساد الأنظمة السياسية والاستبداد وفساد السلطة ونوم الضمائر عن محاربة الظلم، وأن الحل يكمن في المواجهة لا الانسحاب، وفي الصراخ في وجه الظلم، ولا وضع الأيدي على الأفواه.

هوامش البحث:

1-   ينظر: نظيرة الكنز: شهرزاد في الرواية العالمية، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراء، معهد اللغة العربية وآدابها، جامعة با جي مختار، عنابة، 2006/2007، ص: 2008. الخطاب السنوي في اسطورة شهرزاد الادبية

2- ينظر: عبد المجيد حنون: الخطاب النسوي في أسطورة شهرزاد الأدبية، مجلة التواصل مخبر الأدب العام والمقارن، جامعة باجي مختار عنابة، جوان 2007، ص: 52.

3- ينظر: المرجع السابق: ص ص: 208- 209.

4- ينظر: ماجدة بن عميرة: شهرزاد في الرواية الفرنسية والعربية، مذكرة ماجستير، معهد اللغة العربية وآدابها، جامعة باجي مختار عنابة، 2003/2004، ص: 70.

5- ينظر: سامية عليوي: تجليات شهرزاد في الشعر العربي الحديث والمعاصر، مذكرة لنيل شهادة الماجستير، معهد اللغة العربية وآدابها جامعة باجي مختار، عنابة، 2002/2003، ص: 161 وما بعدها.

6- ينظر لوسي يعقوب، في كتابات المرأة العربية، ص 61 وما بعدها.

7- غالي شكري: شعرنا الحديث إلى أين، دار الشروق، مصر، ط1، 1991، ص: 139.

8- ينظر: نضال الصالح: النزوع الأسطوري في الرواية العربية، ص: 52 وما بعدها.

9- عبد العاطي كيوان: التناص الأسطوري في شعر إبراهيم إبو سنة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط 1، 2003، ص: 19 وما بعدها

10- ينظر: سناء شعلان: الأسطورة في روايات نجيب محفوظ، قطر، الدوحة، ط1، 2006، ص: 52.

11- أحمد كمال زكي: دراسات في النقد الأدبي، الشركة المصرية العالمية للنشر، ط1 ، 1997، ص: 276.

12- حفناوي بعلي: تأثر الأدب العربي بالآداب الأجنبية، مجلة التواصل، جامعة باجي مختار- عنابة- الجزائر، 08جوان، 2001، ص. 274.

13- ينظر: سناء شعلان: الأسطورة في روايات نجيب محفوظ، ص: 24، وشهادة إبداعية لسناء شعلان: مجلة الجسرة، ص: 30ومابعدها

14- نضال الصالح: النزوع الأسطوري في الرواية العربية، ص: 68.

15- المصدر نفسه، ص: 87.

16- سناء شعلان: الهروب إلى آخر الدنيا، عينا خضر، نادي الجسرة الثقافي والاجتماعي، قطر، الدوحة، ط 1، 2006.

17- المصدر نفسه: 60.

18- 19- المصدر نفسه: ص: 61.

20- أسطورة ذي القرنين والخضر والبحث عن الحياة: : لقد أكد الدارسون أن وجود عدة أوجه لهذه الأسطورة، أشهرها أنه كان للملك ذي القرنين صلة بعالم السماء، وكان له خليل من الملائكة يسمى روفائيل يخبره أخبارها، وقد رغب ذو القرنين في عبادة الله كما ينبغي بعد أن سمع أن الملائكة تعبده حق عبادة وهم على ذلك غير راضين بعبادتهم، فبكى وسأل الملاك عن الوسيلة المثلى لعبادة الله، فأخبره بأنها الشرب من عين الحياة الموجودة بأرض الله المظلمة، فرحل إليها بمعية الخضر، أين لقيا في طريقهما الكثير، وعادا بعدها؛ الأول زاهدا والثاني ظافرا؛ إذ زعموا أنه شرب من ماء الحياة فخلد، فما مر بمكان خراب إلا ودبت فيه الحياة. ينظر: محمد عجينة: موسوعة أساطير العرب، دار الفارابي، بيروت، لبنان، ط1، 1994، ص: 474. وعماد الدين أبي الفداء إسماعيل ابن كثير (ت700، 774 ه)، دار الإمام مالك، الجزائر، ط 1، 2006، ص: 313.

21- قرآن كريم: سورة الكهف، الآية: [65].

22- سناء شعلان، الهروب إلى آخر الدنيا: ص: 57.

23- 24- عينا خضر: ص: 59.

25- الاستراحة: تعطيل حركة السرد بسبب تقنية الوصف. 26- المشهد: تعطيل حركة السرد وإيقافها بسبب تقنية خطاب الأقوال. 27- الخلاصة: سرد وقائع وأحداث يفترض أنها جرت في سنوات أو أشهر. 28- السرد الاستذكاري: استعادة أحداث سابقة: ينظر: نضال الصالح: النزوع الأسطوري في الرواية العربية، بناء الزمن، ص: 182وما بعدها.

29- سناء شعلان، الهروب إلى آخر الدنيا، ص: 57.

30- – المصدر نفسه، ص: 57.

31- 32- 33- 34- المصدر نفسه، ص 59.

35- 36- المصدر نفسه: ص: 60.

37- المصدر نفسه، ص: 57.

38- سناء شعلان: الهروب إلى آخر الدنيا: ص: 61.

39- المصدر نفسه: 58.

40- 41- المصدر نفسه، ص: 60.

42- ينظر: عبد الوهاب المسيري: من هو اليهود ؟!، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط3، 2002، ص: 5.

43- سناء شعلان، الهروب إلى آخر الدنيا، ص: 59

44- ينظر: سناء شعلان، أسطورة في روايات نجيب محفوظ، نادي الجسرة الثقافي والاجتماعي، قطر، الدوحة، ط1، 2006، ص: 152.

45- طلال حرب، معجم أعلام الأساطير والخرافات، ص: 178.

46- ينظر: سناء شعلان: الكابوس، بحيرة الساج، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات، ط1، 2006.

47- سناء شعلان: الكابوس، ص: 91.

48- المصدر نفسه: 93.

49- المصدر نفسه، ص: 92.

50- المصدر نفسه ص: 90.

51- – لما بعث الله نوحا إلى قومه كذبوه وأبوا إتباعه، وهزؤا منه، فدعا نوح الله ليجازيهم على فعلهم، فاستجاب سبحانه وتعالى بأن أمره أن يغرس شجرا- وقيل أنه الساج وقيل أنه الصنوبر- لبناء سفينة تحميه ومن اتبعه من الطوفان الذي قد هدد به، وصدق الله وعده، فبعد أن أتم نوح بناء السفينة أتى الطوفان على كل الأرض ولم يبقي منها أحدا، حتى ابن نوح العاصي كان ممن هلكوا، فنجا مع نوح قلة من المؤمنين و كل حي حمل منه نوح اثنين. ينظر: عماد الدين أبي فداء إسماعيل بن كثير، قصص الأنبياء، ص: 63 وما بعدها.

52- روي أن عوجا بن عناق كان من أحسن الناس وأجملهم إلا أنه لم يكن يوصف له طول، عاش خمسمائة سنة. ذكر ابن خلدون أنه من عمالقة فلسطين، زعموا أنه لطوله يتناول السمك ويشويه في الشمس، وكان يخوض في الطوفان فلم يتجاوز ركبتيه، وقيل إنه أحب سارة زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام، أرسل الله اليه بطير يحمل حجرا مدورا وضعه على صخرة كان يحملها عوج فوق رأسه فخرق الحجر الصخر وثقب عنق عوج فأخبر الله موسى بذلك فخرج إليه وقتله. ينظر: ابن كثير، قصص الأنبياء ص: 81 وما بعدها. إبراهيم شمس الدين: قصص العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولي، 2002، ص: 366 وما بعدها، طلال حرب: معجم أعلام الأساطير والخرافات ص: 230. وشوقي عبد الحكيم: موسوعة الفولكلور والأساطير العربية، ص: 194.

53- سناء شعلان: الكابوس: 91.

54- 55- المصدر نفسه: 92.

56- 57- المصدر نفسه: ص: 94.

58- 59- سناء شعلان: الكابوس، ص: 90.

60- المصدر نفسه: ص: 93.

61- سناء شعلان: الكابوس: ص: 96.

62- سناء شعلان: الكابوس: ص: 95.

 63- هود: 38.

64- 65- سناء شعلان: الكابوس: ص: 95.

66- الأنبياء: 63.

67- الأنبياء: 52.

68- هود: 46- 47.

69- ينظر: عبد العاطي كيوان: التناص الأسطوري في شعر إبراهيم أبو سنة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، ط1، 2003، ص: 40.

70- طلال حرب، معجم أعلام الاساطير والخرفات، ص: 29.

71- سناء شعلان: الكابوس: ص: 97.

72- – المؤمنون: 27.

 73- بحيرة الساج: ص: 94.

 74- الأنبياء: 65.

……………….. ***** ……………….

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here