“أصدقاء ديمة” لسناء الشعلان

Vol. No. 1, Issue No. 3 (Special Issue) - July-September 2021, ISSN: 2582-9254

0
78
أصدقاء ديمة” لسناء الشعلان” 

بقلم

 أ.د إبراهيم الكوفحيّ 
الجامعة الأردنيّة/ الأردن

————————-

(1)

(سناء كامل الشّعلان) أديبةٌ وأستاذةٌ جامعيةٌ أردنيّةٌ، تكتب للكبار والصغار على حدّ سواء، وهي إلى ذلك إعلاميّةٌ ومراسلة صحفيّة لبعض المجلاّت العربيّة، وناشطةٌ في قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطّفولة والعدالة الاجتماعية.

حازتْ (الشعلان) على عديدٍ من الجوائز الدولية والعربية والمحلّية في حقول الرّواية والقصّة القصيرة وأدب الأطفال والبحث العلميّ والمسرح، كما جرى تمثيل كثيرٍ من مسرحياتها على مسارح محليّة وعربيّة.

وقد نيّف نتاجها، حتى الآن، على (60) عملاً منشوراً ما بين كتابٍ نقديّ متخصّص ورواية ومجموعة قصصيّة ونصّ مسرحيّ، هذا فضلاً عن الجمّ الغفير من الدّراسات والمقالات والأبحاث العلمية المنشورة هنا وثمة، في الصّحف والدّوريات المحليّة والعربيّة.

من أعمال المؤلّفة الشعلان في حقل الكتابة للأطفال، على سبيل التّمثيل:

– عيسى بن هشام مرة أخرى، 2002.

– العروس المثاليّة، 2002.

– الأمير السّعيد، 2002.

– أرض القواعد، 2003.

– من غير واسطة، 2003.

– في القدس لا تشرق الشّمس، 2006.

– العزّ بن عبد السّلام: سلطان العلماء وبائع الملوك، 2007.

– عبّاس بن فرناس: حكيم الأندلس، 2007.

– صاحب القلب الذهبيّ، 2007.

– الاسم العجيب، 2007.

–  زرياب: معلّم الناس والمروءة، 2007.

– هارون الرشيد: الخليفة العابد المجاهد، 2008.

– الخليل بن أحمد الفراهيديّ: أبو العروض والنحو العربيّ، 2008.

– اللّيث بن سعد: الإمام المتصدّق، 2008.

– الصديق الجديد، 2008.

– الفتى المغرور، 2008.

– صاحب الكنز، 2009.

– اللوحة اليتيمة، 2010.

– سعيد السّعيد، 2015.

– اليوم يأتي العيد، 2016.

– فاطمة تحبُّ شعرها، 2018.

– مراد ولغة الأشجار، 2020.

– روان ترسم الوحوش، 2021.

(أفدتُ هذه العناوين من الزميلة الشعلان نفسها، ولمزيد من المعلومات عن المؤلفة، ينظر: موقع (ويكيبيديا): الموسوعة الحرة، على الشبكة العنكبوتية).

(2)

«أصدقاء ديمة»: قصّةٌ طويلةٌ، موجّهةٌ إلى مرحلة الطفولة المتأخّرة، من (10- 14 سنة)، صدرتْ طبعتها الأولى عن (دار كتارا للنّشر، بقطر، سنة 2019)، وقد جاءتْ في (208 صفحة) من القطع المتوسّط (14× 20 سم).

يتناول العمل موضوع إصرار الأطفال من (ذوي القدرات الخاصّة) على أنْ يندمجوا في الحياة بفضل إمكاناتهم ومواهبهم التي يملكونها على الرّغم من الإعاقات التي يعانون منها..، وهو ما نجده يتحقّق، وفقاً للقصة، بوجودهم في مدرسة (بيت ديمة) التي أسّسها الدّكتور المخترع (شجاع الوردي)، لاستقطاب هذه الفئة من الشباب، لأجل أن يتلقّوا تعليمهم فيها، ويشحذوا مهاراتهم وملكاتهم ومواهبهم، بعيداً عن تهميش المجتمع لهمْ، وتعامله السيّء معهمْ.

بطلة هذه القصة الطفلة (ديمة)، التي سمّي البيت باسمها، إذ كانت الابنة الوحيدة للدّكتور (شجاع الورديّ)، يشاركها في ذلك عددٌ من الأطفال الذين يعانون من الإعاقات المختلفة، إذ يقرّرون جميعاً أن يعيشوا حياتهم، ويحقّقوا سعادتهم على الرّغم ممّا يقاسونه من تجاهل المجتمع لهم، وإصراره الظّالم على تهميشهم، ونظرته إليهم نظرة مختلفة عن نظرته إلى سواهم من أفراده.

فأبطال هذه القصّة، وفي طليعتهم (ديمة)، يدرسون معاً في مدرسة (بيت ديمة)، حيث نجد الدّكتور (شجاع الورديّ) وزوجته (عفاف) والمعلّمة (نعيمة) هم مَنْ يأخذون بأيدي الأطفال، لأجل تعليمهم، وخروجهم من عزلتهم، واكتشاف مهاراتهم وقدراتهم، ويدفعونهم إلى التّفاؤل والعمل؛ كي ينتصروا على إعاقاتهم، ويعيشوا حياتهم، ويندمجوا في مجتمعاتهم.

كما نجدهم كذلك يسافرون بالأطفال في رحلاتٍ خيالية غرائبية للتعرّف على تجارب نجاحٍ وانتصار لكثيرٍ من (ذوي القدرات الخاصّة)، لأجل شحنهم بطاقاتٍ إيجابيّة تدعمهم في مواقفهم ضدّ العجز والضّعف والاختلاف.

وفي نهاية القصّة ينجح الأطفالُ جميعهم في تجاوز عزلتهم وألمهم، وينخرطون في طريق العلم، ويصبح كلّ واحدٍ منهم عوناً للآخر، ويحقّق كلّ منهم حلمه في الحياة والتّعلّم والدّراسة والحصول على مهنة يعتاش منها بكرامة.

وهكذا يتعلّم الأطفالُ من (ذوي القدرات الخاصّة) أن يكونوا من الشجاعة والقوّة والتحدّي، كما تُعطي القصةُ درساً للمجتمع كلّه، ليعترف بأبنائه من هذه الفئة، وأنْ يوليَهم اهتمامه وافراً، وأنْ يعطيهم حقوقهم كاملةً غير منقوصةٍ. ( ينظر على الشبكة العنكبوتية: «لقاء خاص مع الأديبة سناء الشعلان حول أدبها للأطفال»، أجراه معها الأديب العراقيّ عبّاس داخل حسن، موقع صحيفة وطنا اليوم، بتاريخ 3/3/2020).

(3)

  يكتسبُ موضوعُ هذه القصّة الطّويلة أهمّيته من:

– ضرورة تنشيط الضّمير الإنسانيّ، لكي يعطف الإنسان على أخيه الإنسان من (ذوي القدرات الخاصّة)، وتذكيره دائماً بأنّه شريكه في الإنسانيّة، ويحتاج إلى عونه ومحبّته ودعمه.

–  التّأكيد على انتصار الإرادة والمحبّة والعمل والعلم والقدوة الحسنة على الإعاقة والعجز والحزن واليأس.

– ضرورة أن يؤمن الإنسان بحلمه، ويعمل من أجل تحقيقه.

– تقديم تجربة أخلاقيّة نفسيّة اجتماعيّة جماليّة للأطفال والفتيان حول انتصار ذوي الإعاقات على إعاقاتهم، وهي تبرز هذه التّجربة عن طريق وضعها تحت مجهر الدّراسة والتّعامل معها ومع تفاصيل حياتها وظروفها الخاصة.

– الدّعوة إلى التّعاون في تجاوز صعوبات الحياة، لا سيما عندما يكون المتعاونون من الفئة ذاتها من البشر.

– استحضار تجارب شخصيّات حقيقيّة من (ذوي القدرات الخاصّة)، تمثّل نماذجَ من العباقرة والمبدعين والموهوبين والأبطال عبر التّاريخ الإنسانيّ، لتوظيف إنجازاتهم في تكوين حافزٍ لأطفال القصّة من ذوي الإعاقات، لكي يستخلصوا منهم دروساً في العمل والمحبّة والإصرار على الحياة. (ينظر على الشبكة العنكبوتية: المصدر السابق).

ومن هذه الشخصيّات التي تناولتها القصّة، على سبيل التمثيل حسب: الصّحابيّ الجليل عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما، والشيخ عبد العزيز بن باز، والأديب المصريّ طه حسين، والشاعر أبو العلاء المعري، وبشّار بن برد، والكاتبة هيلين كيلر، والعدّاءة مارلا رونيان، والرّئيس الأمريكيّ فرانكلين روزفلت، والممثلة سودها تشاندران، والرّحّالة فرناندو ماجلان، والإعلاميّة رلى الحلو، والرّسام الصّينيّ هوانغ فو، والرّسامة المكسيكيّة فريدا كاهلو، والفيزيائيّ ستيفن هوكينغ، والموسيقار لودفيغ فان بيتهوفن، والأديب مصطفى صادق الرافعيّ، واللاّعب رون سكاليون، والمخترع لويس بريل، والاقتصاديّ نيكولاس فيوجيسيك، والشّاعر اليوناني هوميروس..، وكلّهم من (ذوي القدرات الخاصّة)، وقد استطاعوا جميعاً أن ينتصروا على إعاقاتهم، وأن يصبحوا أعلاماً مبدعين ومؤثّرين.

– تقديم صورة تاريخيّة لمواقف الشّعوب والدّيانات من (ذوي القدرات الخاصة)، وهي كلّها مواقف قاسية بالنسبة إلى هذه الفئة، بخلاف موقف الإسلام منهم؛ إذ دعا إلى رحمتهم والرّفق بهم، والإحسان إليهم، في حين كان للشّعوب منذ عصر أفلاطون حتى الوقت الحاضر مواقف سلبيّة من هذه الفئة في معظم الأوقات، لا سيما في الحضارتين الرّومانيّة واليونانيّة وعند العرب الجاهليين وفي أوروبا في القرون الوسطى وما قبلها.

– التّعريف ببعض ابتكارات الخيال العلميّ واكتشافاته القائمة على فرضيّات ونظريّات علميّة، مثل نظريّة الفجوات النّورانيّة والانتقال من خلال الزّمن التي تقوم القصّة عليهما.

– حضّ الآباء والمربّين والمجتمع على الاعتراف بالأطفال من (ذوي القدرات الخاصّة)، وتقديم العون لهم، وتمكينهم، وتأهيلهم ليأخذوا أماكنهم في المجتمع بدل عزلهم، وشلّ طاقاتهم الكامنة فيهم على الرّغم من إعاقاتهم.

– تشجيع الطّفل على أن يبحث عن موهبته وقدراته الخاصّة، كيما يستغلّها في الإبداع والتّميّز والنّماء وتحصيل وظيفةٍ أو مهنة مستقبليّة له.

– استدعاء كثير من الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة الشّريفة والأشعار التي فيها حضّ على التعامل الإنسانيّ الراقي مع (ذوي القدرات الخاصّة)، وكذلك دعوة إلى العلم والتعلّم والبحث الدائب عن المعرفة.

(4)

تقوم القصة على أسلوب التّوالد الحكائي؛ إذ إنّ هناك قصّةً أساسيّةً، وهي قصّة (ديمة) الطّفلة التي تعاني من (متلازمة داون)، وتعيش مع والدها (شجاع الورديّ) العالم الشّهير الذي يقرّر أن يؤسّس مدرسة خاصّة لتعليم (ذوي القدرات الخاصّة)، ليوفّر لابنته الوحيدة (ديمة) بيئة دراسيّة وحياتيّة مثاليّة، وينجح في ذلك، ويستقطب إليها طائفة من الأطفال (ذوي القدرات الخاصّة)، ثم بعد ذلك يبدأ في رحلات خياليّة (فنتازيّة) إلى عوالم وأزمان أخرى عن طريق الفجوات النّورانيّة الموجودة في بيته، وهي مفتوحة على الأزمان، ويمكن الانزلاق من خلالها إلى تلك الأزمان، سواء أكانت أزماناً معاصرة، أم ماضية، أم مستقبليّة، وأوّل هذه الرّحلات الخياليّة يكون إلى الحياة الأخرى حيث تعيش زوجته (عفاف) المتوفاة منذ سنين، فنجده ينجح في أن يردّها إلى الحياة من جديد كي تعيش ابنته (ديمة) في حنانها.

بعد ذلك يبدأ في رحلات مشوّقة في الأزمان المختلفة برفقة زوجته (عفاف) وابنته (ديمة) والمعلّمة (نعيمة) وباقي الأطفال في مدرسة (بيت ديمة)، ويكون هدفهم من تلك الزّيارات جميعاً أن يتعرّفوا تجارب أناس مبدعين ومتفوّقين يعانون من إعاقاتٍ مختلفة، وشحن الأطفال بطاقاتهم الخلاّقة، والتّعرّف على قصصهم.

هذه الرّحلات المتنوّعة على امتداد القصّة عرّفت الأطفال بعوالمَ مختلفةٍ، كما استبانوا من خلالها مواقف الأمم والشّعوب والشّرائع والثّقافات المختلفة من (ذوي القدرات الخاصّة)، كما أتاحتْ لهم أن يختاروا الأزمان التي يرومون العيش فيها، والناس الألى يريدون العيش معهم.

ثم تنتهي القصّة بأن يحقّق الأطفال جميعهم أحلامهم، ويكتشفوا طاقاتهم الخلّاقة، ليعيشوا حيواتهم بطرقهم ووفق رغباتهم وقراراتهم، في حين تظلّ (ديمة) تنتظر أن تكبر لتحقق حلم حياتها، وهو أنْ تتزوّج، وأنْ تصبح أمّاً حنونة شروى أمّها (عفاف)، وبذلك تتحقق السعادة للجميع (ص:204 و205).

هذه القصّة هي سياحةٌ خياليّة في عوالم مختلفة، انتقل الأبطال إليها من خلال الفجوات النّورانيّة المنطلقة من نظريات الفجوات الزمانيّة التي يعتقد بعض العلماء أنّها موجودة في أماكن شتّى من جغرافيا الأرض، ويمكن الانتقال بوساطتها إلى عوالمَ وأزمانٍ موازية أو ماضية أو مستقبليّة.

فعن طريق هذه الفجوات زار الدّكتور (شجاع الورديّ) و(ديمة) وسائر الأطفال أزماناً مختلفة من خلال قصص تسفارٍ متعدّدة تحمل كلّ منها عنواناً مختلفاً، فتكوّنت القصّة من العناوين الآتية: بيت ديمة، اسمي ديمة، عنزتي شقراء، نظريَّة (الانزلاق في الفجوات النُّورانيَّة)، أبي وأسرار القرآن الكريم، هدية الأطفال المختلفين، فرح ومايكل والحبُّ الكبير، البحث عن كتاب (الحكايات والعِبَر)، المعلِّمة نعيمة والأطفال المختلفون، الفصل الثَّاني: القادمة من الجنَّة، أمِّي عفاف، الجنَّة، أمِّي العطريَّة، أمِّي في غزَّة، أخي سيف، درب الأحزان،  أرض الرَّحمة، شرائح التَّعقُّب، عينا ديمة، مسابقة التَّكيُّف والسَّعادة والابتكار والإنجاز، مجلَّة بيت ديمة، الحقُّ والفرح، عيد ميلاد سوزانا، بدر الحزين، الأنامل السِّحريَّة، فيكي الذَّهبيَّة، القبو الأخرس، آن سوليفيان: قلب من نور، القدم الراكضة، نتوءات النُّور، المعلِّم آدم، جلال المبتسم، الرسم بالألم، المقعد الرماديُّ، الزائر المجهول، رحلة إلى المستقبل، رحلة إلى نهاية المستقبل، الأمير المسحور، جان تجد أخناتون، الأمير المسحور، وأخيراً الحبُّ.

كما زار الجميع من خلال تلك الفجوات النّورانيّة كلّاً من: الجنّة في الحياة الآخرة، والكثير من عواصم العالم ومدنها، وسجون المعتقلين الفلسطينيين في المعتقلات الصّهيونيّة، وروما وأثينا قبل الميلاد، وأوروبا في العصور الوسطى، وصحراء العرب في الجاهليّة، والعصر الأمويّ، والعصر العبّاسيّ، والعصر المملوكيّ، وزمن طه حسين، والقرنين الماضيين في أمريكا وأوروبا واستراليا، وزمن الفراعنة، وأخيراً زاروا المستقبل، واطّلعوا على ما يكون فيه مصير لذوي القدرات الخاصّة، فاكتشفوا أنّ البشر استطاعوا «أن يهندسوا جينات أبنائهم؛ فاختاروا ما أرادوا لهم من صفات القوّة والصّحة والذّكاء والجمال والملكات، ونبذوا ما كرهوا من صفات المرض والقبح والعجز والضّعف». (ص:190)                                                                                                                           لقد استطاع الأطفال رفقةَ (ديمة) أنْ يكتشفوا أسرار صمود الأشخاص الذين زاروهم في العوالم الأخرى وقوّتهم، لكنّهم لم يستطيعوا أن يتبيّنوا أبداً سرّ الفجوات النّورانيّة، وفي ذلك تقول (ديمة) في نهاية القصّة: «أمّا سرّ الفجوة النّورانيّة، فلا يزال أبي يتحفّظ عليه، ويبحث عمّن يحمل راية علمه من بعده ليعطيه سرّ هذه الفجوة وتفاصيل اكتشافاته؛ ليستفيد البشر أجمعون منها، ولكنّه لا يزال يخشى أن تنقلب اكتشافاته إلى وبالٍ على البشريّة شأنها شأن الكثير من الاكتشافات والاختراعات التي كرّسها الإنسان الشّرير لتعذيب غيره من البشر». (ص: 204 – 205).

(5)

تنتحي القصّة على الخيال العلميّ حيث ترتكز على تنبؤات هذا النوع من الخيال وتصوّراته عن المستقبل في بناء هيكلها وتسلسل أحداثها، فتبني نسيجها على فرضيّة الفجوات النّورانيّة القادرة على الانتقال من زمنٍ إلى آخر، إذ تستثمر هذه الفرضيّةَ من أجل انتقال أطفال القصّة من زمن إلى آخر لمقابلة مجموعة من (ذوي القدرات الخاصة) الذين استطاعوا الانتصار على إعاقاتهم، وإثبات تميّزهم ونجاحهم على الرّغم من معاناتهم بسبب أحوالهم الخاصّة إلى جانب المواقف المجتمعيّة السّلبيّة تجاههم في معظم الأوقات.

والواقع أن القصّة تقدّم مغامرةً جريئة، سواء على صعيد المضمون أو الشّكل؛ ويكفي أنْ يشار إلى أنّ جميع أبطالها من الأطفال هُمْ من (ذوي القدرات الخاصّة)، بل إنّ بعض معلّميهم هم من هذه الفئة كذلك، مما طبع القصة بغير قليلٍ من الغرابة والاستثنائية، لا سيما أنّ القصّة تتولّج في أعماق أولئك الأطفال، في محاولة لرسم عوالمهم الدّاخليّة، كما تحاول أن تقدّم مقاربةً مفترضة لجوانيّاتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وكيفيّة رؤيتهم للعالم والنّاس والتحدّيات، كما ترسم مشاعرهم وأحاسيسهم ومخاوفهم وأحلامهم.

(6)

امتاز العملُ بمجموعةٍ من الخصائص الأسلوبية والفنية التي كان لها دورها في إخراج نصّ قصصيّ قادرٍ على إيقاظ حواسّ المتلقي، وتشويقه إلى قراءته ومتابعة ماجَرَياته..، وقد يشار هنا إلى النقاط الآتية:

– تتولّى (ديمة) والأصدقاء زمام السّرد في القصّة؛ فكلّ منهم يروي حكايته الخاصّة مع الإعاقة بضمير المتكلّم، كما يصف طريقته لرؤية العالم، ويرسم ملامح انتصاره على ضعفه وخوفه ومجتمعه، كما يحدّثنا عن مواقف أسرته ومجتمعه ومحيطه من إعاقته، وهذه الطّريقة في السّرد تقرّب النّص من نفس الطّفل القارئ، كما تقدّم تصوّراً نفسيّاً ومعرفيّاً لما يدور في أعماق الأطفال من (ذوي القدرات الخاصّة).

–  بناء حبكة القصّة على الخيال والمفاجأة والاكتشاف والصّراع بين الإعاقة والعجز والتّحدّي والانتصار.

– لغة النصّ التي تتميّز بفصاحتها ورشاقتها وغناها الإيحائيّ والتأثيريّ، إلى جانب خلوّها من الهنات والسّقطات اللغويّة والإملائيّة التي تموج بها كثيرٌ من النصوص الموجهة للأطفال في وقتنا الحاضر!

– استخدام أسلوب الحوار الذي يزيد من حيويّة النصّ، ويدفع عجلة الأحداث بشكل مشوّق، ويظهر مواقف الشخصيّات وآراءها وأفكارها ورغباتها ومخاوفها وآمالها وأحلامها. وهذا الحوار جاء على نوعين: حوار خارجيّ مع الآخر، وحوار داخليّ مع النّفس.

– إضفاء قدراتٍ وصفاتٍ خارقة على أبطال القصّة؛ ممّا يسهم في جذب الطفل إلى القصّة؛ فـ(ديمة) قادرة على قراءة ما يدور في أخلاد النّاس، والعنزة (شقراء) تملك ملكاتٍ خارقةً، مثل الكلام والنّقاش والذّكاء الحادّ واستظهار معلوماتٍ كثيرة عن الشعوب والأفراد والثقافات والحضارات، والأمّ (عفاف) لها رائحةٌ عطريّة ملازمة لجسدها، مما يحور إلى فترة وجودها في الجنّة.

– استخدام تقنيّة الاسترجاع وتقنية الاستشراف في بناء السّرد، وهذا الاستخدام رأيناه واضحا من خلال الانتقال إلى الأزمان الماضية والحاضرة والمستقبليّة، وما رافق ذلك من السّرديات الخاصة بهذه الانتقالات الزّمنيّة المختلفة.

– استخدام تقنيّة تيار الوعي الذي يسمح بتقديم كثير من التّفاصيل للقارئ، مثل الحديث مع النّفس عند أبطال القصّة والتّداعي والذّكريات وما شابه، وهذه التّقنية تبرز عند حديث كلّ طفل من الأطفال في القصّة عن حياته وأفكاره ومشاعره، وأوّل من بدأ بذلك (ديمة)، حينما طفقتْ تتحدّث عن ذكرياتها الخاصّة وعن أفكارها الشّخصيّة.

–  توظيف أسلوب السّؤال الذي يؤدّي دائماً في القصّة إلى اكتشاف جديدٍ، أو فتح بابٍ للحوار في قضيّة معيّنة، أو يقود إلى حدث ما، مثل تساؤلات (ديمة) في القصّة: «وبقيتُ أتساءلُ: أهناك أطفال يشبهونني في هذا العالم؟ وإذا كان هناك وجود لهؤلاء الأطفال المشابهين لي، فماذا تراهم يفعلون في غرفهم، وهم فيها وحيدون مثلي؟!» (ص: 16)

– استخدام الخيال العلميّ في القصّة، والارتقاء به من مجرّد (فانتازيا) وشطحات بعيدة إلى تجسيد لمقولات العلم وفرضيّاته واستشرافاته.

– استدعاء شخصيّات تاريخيّة واقعيّة شهيرة، لاستثمار تجاربها المختلفة في تحقيق مقاصد النصّ التربوية والتعليمية، وشحن طاقته التأثيرية والإقناعية.

– تحفيز خيال الطفل بأحداث خياليّة متواترة، وخلق عوالمَ غريبة لا عهد له بها.

– إضفاء الحياة على الجمادات، فالعنزة (شقراء) ليستْ في حقيقة الحال إلاّ (روبوت) آليّ صنعه الدّكتور (شجاع الورديّ)، ليكون صديقاً لابنته (ديمة) التي تصف العنزةَ (شقراء) بقولها: «قد صنعها والدي خصّيصاً من أجلي، ووضع فيها خلاصة علمه وتجاربه حول صناعة الكائنات الآليّة، ثم غذّى ذاكرتها بخلايا معلوماتيّة عملاقة، وربطها بتوصيل لاسلكيّ متّصل مع كثير من محرّكات البحث في الشّبكة العنكبوتيّة لتحدّث معلوماتها دون توقّف ما دامتْ أليافها المشعّة الكهروذريّة تزوّدها بالطّاقة المتجدّدة التي لا تنتهي ولا تفنى، وتظلّ تستولد نفسها من ذاتها» (ص: 13).

– خلق الأزمان المختلفة، وتسهيل الانتقال بينها بوساطة الفجوات النّورانيّة في انتقالات سرديّة مفاجئة وصادمة تشدّ الطّفل إلى القراءة والاهتمام بالأحداث، ومن ثمّ تؤثّر فيه، وفي مخياله وقناعاته.

– استخدام أسلوب التكرار، الذي من أظهر صوره تكرار الفقرة التي تصف كيفيّة الانتقال من العالم الواقعيّ المعيش إلى عوالم أخرى وأزمان مختلفة..، حيث تتكرّر هذه الفقرة بتكرّر الانتقال الزمنيّ عبر الفجوات النورانيّة، وهي: «وفجأة انفتحت الفجوة النّورانيّة بريح باردة لافحة، وسمعنا صوت موسيقى موغلةٍ في البعد تختلط بأصوات بشريّة وحيوانيّة وآليّة في فوضى غير مفهومة، وفاحتْ منها رائحة أرضيّة غريبة، وانبثق منها نور بأطياف ملوَّنة تحمل طاقة جذب لأجسادنا نحوها، فانزلقنا جميعًا في الفجوة النّورانيّة، ومررنا في لولب ضوئيٍّ يعطِّل الرّؤية والسّمع والحركة والإحساس بالزّمن، وشعرنا بأنّنا نسقط في بئر عميقة، وأنّ أجسادنا تستسلم لقوة عظيمة تجعلها تطير بخفّة في عدمٍ أَسود مجهول، واجتاحنا ضعفٌ غريب، وشعرنا بعجز في أطرافنا، وفقدنا قدراتنا على الحركة، وبدأنا ننزلق نحو الأسفل في هواء بارد نقيٍّ يحملنا بكلّ سهولة، وبدأنا نصرخ دون توقّف وأحدنا يبتعد عن الآخر طائرًا في هذا الهواء المنزلق نحو الأسفل، وأخذنا نتفرّق في فضاء لولبيٍّ ضيّق ينجذب نحو الأسفل، وبلمح البصر وجدنا أنفسنا في…» (ص: 30 و58 و156 و175).

– جاذبية طبعة الكتاب وإخراجه الفنيّ، التي نتبيّها في قياسه الأنيق، وورقه الفاخر، وخطوطه الواضحة، وأسطره المتباعدة، وكذا في صفحة غلافه (الأماميّة) التي جاءت تشتمل على لوحة تشكيليّة جميلة في وسطها، تمثّل إنساناً يمدّ يده إلى طفل مقعد، وكلاهما متشكّل من فسيفساء ملوّنة متكوّنة من بشر بألوان مختلفة في إشارة رمزيّة واضحة إلى أهميّة أنْ يعين الإنسان، في كلّ مكان وزمان ومن كلّ عرق ولون، أخاه الإنسان، وخاصةً إذا كان من فئة الأطفال.

(7)

وأخيراً، يحسن أنْ يشار ههنا إلى صورةٍ أخرى لتقديم هذا العمل، وتوسيع دائرة الإفادة منه، ففضلاً عن نشره في طبعته الورقيّة سنة 2019؛ فقد قامت الجهة النّاشرة (دار كتارا للنّشر) بإطلاق «أصدقاء ديمة» في إصدارٍ صوتيّ ضمن مشروع (مشوار ورواية) الذي يمكن تنزيله على شكل تطبيق إلكترونيّ على الهواتف المحمولة الذّكيّة أو على الحواسيب، وهو عبارة عن تطبيق على الهاتف/ المحمول واللّوحات الإلكترونية بنظامي (أندرويد، وآبل)، ويتيح الاستماع إلى القصّة بعد أن جرى تحويلها من مادة مكتوبة إلى مادة صوتية، بخصائص تكنولوجيّة وإلكترونيّة عالية. وقد تمّ ذلك بصوت (إيمان أبو زيد) التي جسّدتْ شخصيّة (ديمة) التي تروي القصّة كاملةً بضمير المتكلّم، وتحكي قصّتها وقصّة أصدقائها الأطفال في (بيت ديمة). ومن مميزات التّطبيق سهولة الاستخدام، حيث يمكن استخدامه على جميع الأجهزة واللّوحات الإلكترونيّة، كما يُمكّن هذا التّطبيق المستخدم من معرفة عدد الكلمات المسموعة من الكتاب إلى جانب معرفة المسافة التي قطعها عند الاستماع (بالكيلومتر وبعدد الخطوات)، ويتيح أيضاً معرفة عدد السّعرات الحراريّة التي تمّ حرقها خلال المشوار، إذ كان من مقصد هذه المبادرة الرّبط بين الأدب/ والرّياضة البدنية، بغية تشجيع الكافة على ممارسة النشاط الرّياضيّ إلى جانب سماع القصص المسموعة. (ينظر على الشبكة العنكبوتية: المصدر السابق).

……………….. ***** ……………….

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here