“أرض الحكايا” لسناء الشعلان

Vol. No. 1, Issue No. 3 (Special Issue) - July-September 2021, ISSN: 2582-9254

0
84
“أرض الحكايا” لسناء الشعلان

بقلم

د. إبراهيم خليل

————————————-

من المؤكّد أن قاريء قصص سناء شعلان يجد فيها قصصاً تشدّه، وتدخل المتعة إلى نفسه، بعد أن ذاع من ألوان القصص الحكايات البعيدة عن التشويق بحجة التجريب، وطوراً بحجة الحداثة. فقصص سناء شعلان على الرغم من ميلها الواضح للحداثة والتجريب لا تستغني عن عنصر الحكاية، ولا تخلو أية قصة منها من التشويق. ومما يزيدها قوة لغتها القصصية الجميلة، إذ إنّها لغة مصقولة، تعهدتّها الكاتبة بالتهذيب والتشذيب حتى صارت لغة أنيقة في غير تكلّف ولا اعتساف.

أما شخوص قصصها فأكثرهم شخصيات هامشية من عامة الناس. من ذلك مثلاً بطل القصة الموسومة بـ”صديقي العزيز”([1]) أو بطل القصة الموسومة بـ”رجل محظوظ جداً “([2]) أو بطل قصة “اللوحة اليتيمة”([3]) وغيرها، فهي لا تنتقي أبطالها من المثقفين أو من طبقة اجتماعية عليا، وبذلك تقترب من القارئ، وتختصر المسافة بينها وبين المتلقي. ولكن هذا لا يعني أنّ قصصها تسير في اتجاه واحد، وهو اتجاه الارتباط بالواقع من حيث هو مادة الخيال السردي، بل بالعكس، فنحن نجد في قصصها تلوينًا وتنويعًا في مزج الخيال بالحقائق، والجمع بين الغرائبي والواقعي. كما إنّها تعتمد الأساطير والأبطال الأسطوريين، متخذة من البطل الأسطوري علاقة وآلة ورمزًا يوحي أكثر مما يقول، ويعبّر أكثر مما يصف.

ومثلما أشرت قبلاً فإنّ عناية الكاتبة سناء شعلان بالحوادث التي هي مادة القصة إلى جانب الشخصية عناية أوضح من أن تحتاج إلى طويل تأمّل، وعميق تدبّر وتفكّر. فهي حوادث تتخللها مواقف وحوارات تساعد القارئ في بعض الأحيان على استكمال الصورة، وإدراك التسلسل الغائب شكلياً في النص، لما تجنح إليه أحياناً من الترتيب غير التسلسلي للحكاية أو اللجوء إلى تقنيات الحذف والإضمار والاستباق والاستشراف، فليس كلّ ما ترويه الكاتبة في القصة مذكوراً فيها ذكرًا مفصلاً، فقد تعتمد القصة لديها على الابتداء بالخاتمة أو النهاية تاركةّ للقارئ أن يعيد ترتيب الحوادث التفصيلية في ذهنه مثلما نجد في قصة اللوحة اليتيمة مثلاً. وهذا نهج شائع ومعروف في القصة يلقي على القارئ ببعض المهمة، وهي أن يشارك في تصوّر الحدث، واستخلاص الدلالة الأدبية من النص.

 ونجد الكاتبة سناء الشعلان في مجموعتها ” أرض الحكايا” تختار إلى جانب الشخصيات المسحوقة شخصيات أخرى من الأوساط المثقفة ومن الفنانين ومن شخصيات ذات طابع أسطوري أو خرافي أو غرائبي، ممّا يكسب مجموعتها التنوّع الذي لا نجده لدى كثيرين، ومع ذلك فقصصها التي تتجنّب فيها الغرائب والأساطير والرموز التي يغلب عليها الافتعال والاعتساف في أحيان أفضل حالاً، وأكثر صقلاً، وأقرب إلى الأداء الفني الرفيع الذي يظفر بإعجاب القاريء والدّارس على السّواء.

ففي قصة “صديق العزيز” تشدّنا الشعلان بأسلوبها القائم على المراوحة بين لحظتين زمنيتين، إحداهما: اللحظة الراهنة التي تحاور فيها بطلة القصة صديقها هذا، وتفهمنا من خلال المونولوج الداخلي الذي أضاءت فيه الماضي بأنّه لايتعدّى أن يكون صديقاً عاديّاً، فليس ثمّة مايحملها على الشّعور بأنّها تحبّه، وإذا أحبّته فإنّها تحبّه على الطريقة التي تريدها هي لاطريقته هو. واللحظة الثانية هي اللحظة التي تنفرد بها مع نفسها تارة في شقة الصديق الغائب الذي يختفي، ويتوارى عن عينيها طويلاً إلى درجة تحسّ عندها بالقلق والتوتّر، والخشية من أن يكون قد عرض له عارض، ثم وهي تخلو إلى نفسها تارة أخرى في عربة قطار بعد أن ابتاعت تذكرة بما لديها من نقود، لتقوم بجولة في المدينة، وإذا بها تخطئ فتستقل القطار المتجه إلى شمال الولاية، ومابين هذه اللحظة وتلك تظلّ البطلة تكلّم نفسها، وتروي لذاتها الكثير من التفاصيل عن علاقتها بهذا الصديق، وكيف أنّه قدّم لها المساعدة، وكانت تهرع إليه عند الضيق، ونستخلص من هذه التداعيات الكثير من صفات هذا الغائب الذي هو حاضر في وعينا حضوراً يضاهي حضورها هي لكثرة مايدور الكلام حوله وعنه.

وعندما نتساءل عن السّبب الذي صرفها طوال هذه المدّة عن رسم بورتريه له، مع أنّها رسمت الكثيرين، بمن فيهم ذلك المهاجر الذي اختلس اللوحة، ولم يعدها إليها حتى الآن، تشعربالصدمة؛لأنّ شيئاً كبيراً خسرته من غفلتها عن هذا الأمر. بعد هذا التفكير الذي ينقل البطلة من حال لحال، ومن لحظة لأخرى، يصل القطار المحطة الأخيرة، وبعد أن تنزل، وتكتشف أنّ (نا) تبقى معها من النقود لا يمكنها البقاء، ولا العودة، تسارع إلى الاتصال به عن طريق الهاتف، بمثل تلك السهولة، فما قيمة الكلام عن غيابه الطويل، والتساؤل الملح عن بعده، والقلق الممضّ بسبب اختفائه؟

قد تمثّل هذه الأسئلة دليلاً على ثغرة في النّص، وأنّ حبك الحكاية لا يخلو من اضطراب، إلاّ أنّ القاريء يستطيع في شيء من التسامح، تجاوز هذه الثغرة إذا ماتذكّر حرصها على ألاّ تتصل به، والانتظار ريثما يتصل بها هو. وعلى كلّ حال كانت نتيجة الاتصال مفاجئة لها بقدر ماهي مفاجئة للقاريء. فغياب هذا الصديق كان بسبب اقتفائه أثر المهاجر الذي اختلس اللوحة، فقد تطلّب العثور عليه وقتاً غير قصير قبل أن يستردها منه. وإزاء ذلك نرى بطلة القصة في الكلمات الأخيرة التي تخاطب بها الشّرطي، في محطة القطار، تسمّي الصديق العزيز حبيباُ بدلاً من الاكتفاء بكلمة الصديق مثلما كان الأمر قبلاً.

فهل كان البحث عن اللوحة المسروقة هو التميمة السحرية التي أحالت الفراق لقاء، والصداقة حبّاً يذكّرنا بروميو وجولييت؟

وهنا يمكن للقاريء أن يتدخّل في نسيج القصة/ الحكاية، ويرى فيها أمثولة رمزية شبيهة بالحكايات الشعبية، فالبطلة فقدت شيئاً ثميناً غالياً على نفسها، عزيزاً على قلبها، وهو اللوحة التي هي عمل فني فيه شيء من روحها، وأحاسيسها، ومشاعرها الخلاقة. والبطل يتطوّع لاستعادة الشيء المفقود، اللوحة المسروقة، والمكافأة التي يستحقها تبعاً لذلك هي الزواج من صاحبة الشيء المفقود الذي جرى استرداده.

ومابين هذه الرموز وعلاقاتها تفاصيل كثيرة وتراكمت لإقناعنا بأنّ هذه القصة ممّا يحدث في الواقع تماماً، كالقصة السابقة أوجاع، التي تمثّل هي الأخرى صورة مستنسخة عن الواقع اليومي، لكن دونما حبكة رمزية يمكن تصورها عن طريق الخيال والحدس.

واللغة التي كتبت بها سناء الشعلان هذه القصة لغة قصصية لا تخلو من متانة في الأسلوب، ممّا يدعو للقول بأنّها تتعهد لغتها بالصقل والتهذيب، فلغتها تسمو بأسلوبها عن مستوى الكتابة السريعة المفككة، وشبه العامية نجدها عند كتّاب آخرين.

……………….. ***** ……………….

الهوامش:

[1] . سناء شعلان: أرض الحكايا، ط1، نادي الجسرة الثقافي والاجتماعي، قطر، 2007، ص89-99

[2] . نفسه: ص 109-125.

[3] . نفسه: ص 99-109.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here